الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو حديث ضعيف، تقدم برقم (1229).
2 -
ما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأسانيد صحاح متعددة؛ أنه كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم؛ فإنا قومٌ سَفْرٌ.
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (1229).
قال ابن المنذر في الأوسط (4/ 365): "ثابت عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قدم مكة فصلى بها أيامًا يقصر الصلاة، وأجمع أهل العلم على أن على المقيم إذا ائتم بالمسافر وسلم الإمام من ثنتين: أن عليه إتمام الصلاة".
وقال البغوي في شرح السُّنَّة (4/ 182): "والعمل على هذا عند أهل العلم: أن المسافر والمقيم يجوز اقتداء كل واحد منهما بصاحبه في الصلاة، ثم إذا اقتدى المقيم بالمسافر، فقصر الإمام، فإذا سلم من صلاته، قام المقيم فأتم لنفسه الصلاة، وليس له أن يقصر لموافقته، وإذا اقتدى المسافر بالمقيم عليه أن يتم لموافقة إمامه".
***
281 - باب صلاة الخوف
من رأى أن يصليَ بهم وهم صفَّان، فيكبِّرُ بهم جميعًا، ثم يركع بهم جميعًا، ثم يسجد الإمامُ، والصفُّ الذي يليه، والآخرون قيامٌ يحرسونهم، فإذا قاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخَّر الصفُّ الذي يليه إلى مقام الآخرين، فتقدَّم الصفُّ الأخير إلى مقامهم، ثم يركع الإمام ويركعون جميعًا، ثم يسجد ويسجد الصفُّ الذي يليه، والآخرون يحرسونهم، فإذا جلس الإمام والصفُّ الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعًا، ثم سلم عليهم جميعًا.
قال أبو داود: هذا قول سفيان.
1236 -
. . . منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزُّرَقي، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أَصَبنا غِرَّةً، لقد أَصَبنا غفلةً، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصرُ، قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مستقبلَ القبلة، والمشركون أمامه، فصفَّ خلفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفٌّ، وصفَّ بعد ذلك الصفِّ صفٌّ آخر، فركع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذين يلونه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا، سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخَّر الصفُّ الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصفُّ الأخير إلى مقام الصفِّ الأول، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعوا جميعًا، ثم سجد
وسجد الصفُّ الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والصفُّ الذي يليه، سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعًا، فسلم عليهم جميعًا، فصلاها بعُسْفان، وصلاها يوم بني سُلَيم.
قال أبو داود: روى أيوب، وهشام، عن أبي الزبير، عن جابر هذا المعنى، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك رواه داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وكذلك عبد الملك، عن عطاء، عن جابر.
وكذلك قتادة، عن الحسن، عن حِطَّان، عن أبي موسى فعله.
وكذلك عكرمة بن خالد، عن مجاهد، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهو قول الثوري.
حديث صحيح بشاهديه
أخرجه النسائي في المجتبى (3/ 176/ 1549) و (3/ 177/ 1550)، وفي الكبرى (2/ 373/ 1950) و (2/ 374/ 1951)، وابن حبان (7/ 126/ 2875) و (7/ 128/ 2876)، وابن الجارود (232)، والحاكم (1/ 337)، وأحمد (4/ 59 و 60)، والشافعي في الأم (2/ 449/ 480)، والطيالسي (2/ 683/ 1444)، وعبد الرزاق (2/ 505/ 4237)، وابن أبي شيبة في المصنف (2/ 214 / 8278) و (2/ 216/ 8292)، وفي المسند (815)، وسعيد بن منصور في سننه (4/ 1367/ 686) [وعنه: أخرجه أبو داود]. والسري بن يحيى في حديثه عن شيوخه عن الثوري (102)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (1/ 232/ 799 - السفر الثاني). وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/ 196/ 2179)، وابن جرير الطبري في تفسيره (7/ 412 - 413 و 413 - 414 و 414 و 440)، وفي تهذيب الآثار (1/ 265/ 439 و 440 - مسند عمر)، والدولابي في الكنى (1/ 137/ 280)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 30/ 2346)، والطحاوي في شرح المعاني (1/ 318)، وفي أحكام القرآن (372)، وابن أبي حاتم في التفسير (3/ 1052/ 5896) و (4/ 1053/ 5899) و (4/ 1054/ 5901)، وأبو بكر الشافعي في فوائده "الغيلانيات"(359)، والطبراني في الكبير (5/ 213 - 217/ 5132 - 5140)، والدارقطني (2/ 59 و 60)، وتمام في الفوائد (321)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (3/ 1176/ 2985) و (3/ 1177 / 2986)، والبيهقي في السنن (3/ 254 و 256 - 257)، وفي المعرفة (3/ 15/ 1841 و 1842)، وفي الدلائل (3/ 365)، والواحدي في تفسيره الوسيط (2/ 109)، وفي أسباب النزول (204)، والبغوي في شرح السُّنَّة (4/ 289/ 1096).
رواه عن منصور بن المعتمر: جرير بن عبد الحميد [واللفظ له]، وسفيان الثوري، وشعبة، وزائدة بن قدامة، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وورقاء بن عمر، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي، وإسرائيل بن أبي إسحاق [وهم ثقات، أكثرهم حفاظ]، وجعفر بن الحارث [أبو الأشهب الواسطي: صدوق، كثير الخطأ]، وعبد العزيز بن عبد الصمد [البصري: ثقة حافظ، وفي روايته بعض الاختلاف]، وداود بن عيسى الكوفي [مولى للنخع، سكن دمشق، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "كان متقنًا، عزيز الحديث"، التاريخ الكبير (3/ 242)، الجرح والتعديل (3/ 419)، الثقات (6/ 287)، تاريخ دمشق (17/ 180)، تاريخ الإسلام (9/ 127)، الثقات لابن قطلوبغا (4/ 186)]، وأبو الحسن علي بن صالح الهمداني [ثقة، وعنه: سلمة بن عبد الملك العوصي، وروايته منكرة، والعوصي هذا حمصي: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما أخطأ"، وله حديث واحد عند النسائي أخطا فيه، فالحمل فيه عليه. الثقات (8/ 268)، تاريخ الإسلام (14/ 177)، الميزان (2/ 191)، التهذيب (2/ 74)، سنن النسائي (8/ 86)، تحفة الأشراف (3/ 3576 و 3581 و 3588)]، وغيرهم.
وفي رواية شعبة: قال المشركون: إن لهم صلاةً بعد هذه هي أحبُّ إليهم من أموالهم وأبنائهم، وفي رواية الثوري: من أبنائهم وأنفسهم.
ولفظ ورقاء [عند الطيالسي، وهو أتم من سياق غيره، وبنحوه لفظ الثوري من رواية عبد الرزاق عنه، وكذا لفظ زائدة بن قدامة]: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فحضرت الصلاة صلاة الظهر، وعلى خيل المشركين خالد بن الوليد، قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر، فقال المشركون: إن لهم صلاةً بعد هذه أحب إليهم من أبنائهم وأموالهم وأنفسهم، يعنون صلاة العصر، فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر فأخبره، ونزلت هذه الآية:{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 102] الآية إلى آخرها، فحضرت العصر، فصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه صفَّين، وعليهم السلاح [وفي رواية سفيان وزائدة: فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا السلاح]، فكبر، والعدو بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فكبروا جميعًا، وركعوا جميعًا، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إلى الركعة الثانية، وسجد الآخرون، ثم تقدَّم هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، وتأخَّر هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، فصلى بهم ركعةً أخرى فركعوا جميعًا، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما فرغوا سجد هؤلاء، ثم سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عياش: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة مرتين: مرةً بعسفان، ومرةً في أرض بني سليم.
وفي رواية الثوري من رواية وكيع عنه [عند ابن حبان]: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسفان، والمشركون بضَجنان، وفيه: وقام الصف الثاني بسلاحهم مقبلين على العدو بوجوههم.
° قال الترمذي في العلل (165): "سألت محمدًا [يعني: البخاري]، قلت: أي الروايات في صلاة الخوف أصح؟ فقال: كل الروايات عندي صحيح، وكلٌّ يُستعمل، وإنما هو على قدر الخوف؛ إلا حديث مجاهد عن أبي عياش الزرقي، فإني أُراه مرسلًا".
وفي جامع التحصيل (273)، وتحفة التحصيل (295):"قال الترمذي: لا يُعرف سماع مجاهد من أبي عياش الزرقي".
• قلت: رواية سفيان الثوري، وشعبة، وزائدة، وورقاء بن عمر، وعبد العزيز بن عبد الصمد، وأبي الأحوص سلام بن سليم، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي، وإسرائيل بن أبي إسحاق؛ بالعنعنة، ليس فيها سماع مجاهد من أبي عياش.
• وجاء في رواية غندر عن شعبة، عن منصور، قال: سمعت مجاهدًا، يحدِّث عن أبي عياش الزرقي، قال، قال شعبة: كتب به إليَّ، وقرأته عليه، وسمعته منه يحدث به، ولكني حفظته من الكتاب.
• وقد أثبت سماع مجاهد من أبي عياش: داود بن عيسى الكوفي [عند: الطبراني في الكبير (5135)، وتمام في فوائده]، لكن في الإسناد إليه: بكر بن سهل الدمياطي: وقد ضعفه النسائي، ولم يوثقه أحد، وله أوابد، وذكره الحاكم فيمن لم يحتج به في الصحيح ولم يسقط، وقال الخليلي في نسخته التي يرويها من تفسير ابن جريج:"فيه نظر"، وتساهل فيه الذهبي فقال:"حمله الناس، وهو مقارب الحال"، فحمل عليه العلامة المعلمي اليماني فقال:"ضعفه النسائي، وله زلات تثبت وهنه"، وقال أيضًا:"ضعفه النسائي، وهو أهل ذلك؛ فإن له أوابد"[الميزان (1/ 346)، اللسان (2/ 344)، المعرفة (255)، الإرشاد (1/ 391 - 392)، الأنساب (2/ 494)، تاريخ دمشق (10/ 379)، السير (13/ 425)، تعليق العلامة المعلمي اليماني على الفوائد المجموعة (135 و 226 و 244 و 467 و 481)]، وعليه: فلا يثبت هذا السماع، ولا يعتمد عليه.
وكان أبا نعيم الأصبهاني لم يقف على السماع إلا من هذا الوجه، فقال في المعرفة (2986):"لم يقل أحد من أصحاب منصور: ثنا أبو عياش الزرقي؛ إلا داود بن عيسى النخعي، والباقون كلهم قالوا: عن أبي عياش، واتفقوا على عسفان".
• وأما الثوري فقد رواه عنه جماعة من ثقات أصحابه بدون ذكر السماع، مثل: وكيع بن الجراح، وأبي إسحاق الفزاري، وقبيصة بن عقبة، وعبد الرزاق، ومحمد بن شعيب بن شابور، ومؤمل بن إسماعيل، وانفرد بذكر السماع دونهم: أبو قرة موسى بن طارق [عند الواحدي]، وهو ثقة يُغرب، والمحفوظ عن الثوري رواية الجماعة بدون إثبات السماع.
وقد اختلف فيه على جرير بن عبد الحميد: فرواه عنه بالعنعنة: سعيد بن منصور [ثقة حافظ متقن]، ويوسف بن موسى القطان [ثقة]، ويحيى بن يحيى النيسابوري [ثقة ثبت]، ومحمد بن حميد الرازي [حافظ ضعيف، كثير المناكير].
وأثبت فيه السماع: أبو خيثمة زهير بن حرب [ثقة ثبت حافظ]، وقتيبة بن سعيد [ثقة ثبت]، فقالا: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، قال: حدثنا أبو عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسفان [عند ابن حبان والبيهقي في المعرفة].
قال ابن حبان: "ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن مجاهدًا لم يسمع هذا الخبر من أبي عياش الزرقي، ولا لأبي عياش الزرقي صحبة؛ فيما زعم".
وقال البيهقي: "وهذا إسناد صحيح، وقد رواه قتيبة بن سعيد عن جرير فذكر فيه سماع مجاهد من أبي عياش زيد بن الصامت الزرقي".
وقال في الخلافيات (2/ 357 - مختصره): "هذا إسناد صحيح مشهور؛ إلا أن المحدثين تقول: فيه إرسال، فكأنهم يشكون في سماع مجاهد من أبي عياش زيد بن الصامت الزرقي، وقد رواه قتيبة عن جرير فذكر فيه سماع مجاهد من أبي عياش، ونحن رويناه من حديث جابر، وهو صحيح لا شك فيه، وذكره عنه، أخرجه مسلم في الصحيح".
° قلت: هكذا رواه عن أبي خيثمة بذكر السماع: أبو يعلى الموصلي، أحمد بن علي بن المثنى، وهو: ثقة ثبت، حافظ متقن، أكثر عن أبي خيثمة، وكان يقول:"عندي عن أبي خيثمة المسند والتفسير والموقوفات، حديثه كله"[السير (14/ 174)، تذكرة الحفاظ (2/ 707)، الكامل (6/ 194)].
لكن يشكل على هذا:
ما رواه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (799 و 800)، قال: حدثنا ابن الأصبهاني، قال: أخبرنا أبو الأحوص، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي؛ قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في أرض بني سليم، ثم ذكر الحديث.
كذا قال: مجاهد، عن أبي عياش.
فحدثنا أبي، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: حُدِّثنا عن أبي عياش، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد، ثم ذكر الحديث. اهـ.
قلت: ظاهر عبارة ابن أبي خيثمة أن أبا الأحوص رواه بعبارة تحمل في أصلها على الاتصال، مثل رواية بقية جماعة الثقات عن منصور، ولكن يعكر عليها رواية أبيه عن جرير الدالة على الانقطاع.
وذلك أن مجاهدًا لا يثبت عنه تدليس، إنما يُعرف بالإرسال، فنحتاج إلى ثبوت السماع ولو مرةً، ولو في إسناد واحد، وقد ورد السماع من طريق جرير بن عبد الحميد، لكن رواية ابن أبي خيثمة الأخرى عن أبيه تكشف عن وجود الانقطاع، وأن مجاهدًا لم يسمعه من أبي عياش، حيث قال: حُدِّثنا عن أبي عياش، فهذا ظاهر مراد ابن أبي خيثمة، وهو: أن رواية أبيه عن جرير أفسدت رواية أبي الأحوص عن منصور والتي ظاهرها الاتصال، والله أعلم.
وعلى هذا يبقى الترجيح بين رواية أبي يعلى المتصلة، ورواية ابن أبي خيثمة المنقطعة، فهما متعارضتان، فرواية أبي يعلى تثبت السماع، ورواية ابن أبي خيثمة تنفيه، وكلاهما ثقة حافظ إمام مختص بزهير بن حرب، نعم؛ تُقدم رواية أهل بيت الرجل لاختصاص ابن أبي خيثمة بأبيه، ولكونه زاد في الإسناد، والله أعلم.
قال المنذري في مختصر السنن (1/ 355): "سماعه منه متوجِّه؛ فإنه ذُكر ما يدل على أن مولد مجاهد سنة عشرين، وعاش أبو عياش إلى بعد الأربعين، وقيل: إلى بعد الخمسين".
قلت: قد اختلف في وفاة مجاهد ما بين سنة مائة، وبين مائة وأربع، على أقوال عدة، وقال ابن حبان:"وكان مولده سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر"، وقال يحيى بن بكير:"مات سنة إحدى، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة"؛ يعني: أنه ولد سنة ثمان عشرة تقريبًا [التهذيب (4/ 26)]، وفي التهذيب (4/ 568) في ترجمة أبي عياش الزرقي:"يقال: إنه مات بعد الأربعين في خلافة معاوية"، وعليه: فإن سماع مجاهد من أبي عياش غير مستبعد.
لكن يشكل على ذلك ثلاثة أمور:
الأول: قول البخاري: "إلا حديث مجاهد عن أبي عياش الزرقي، فإني أُراه مرسلًا".
الثاني: رواية ابن أبي خيثمة عن أبيه عن جرير، حيث قال فيه: حُدِّثنا عن أبي عياش.
الثالث: أن بعض النقاد قد جزموا بعدم سماع مجاهد من نفر من الصحابة ممن تأخرت وفاتهم عن أبي عياش، مثل: كعب بن عجرة [توفي بعد الخمسين]، وسعد بن أبي وقاص [توفي سنة (55)]، ومعاوية بن أبي سفيان [توفي سنة ستين]، وقالوا أيضًا بأن روايته عن علي بن أبي طالب مرسلة [وقد توفي سنة أربعين]، وبأنه لم يسمع من يعلى بن أمية [وقد توفي بعد الأربعين]، وأما الصحابة الذين روى عنهم مجاهد وسمع منهم، مثل: ابن عباس [توفي سنة (68)]، وابن عمر [توفي سنة (73)]، وجابر بن عبد الله [توفي بعد السبعين]، فقد تأخرت وفاتهم جدًّا عن أبي عياش الزرقي، واختلف في سماعه من عائشة [توفيت سنة (57)]، فمنهم من أثبته، ومنهم من نفاه، مع تأخر وفاتها عن أبي عياش بما يزيد على خمس عشرة سنة [وانظر في إثبات سماعه من عائشة: فضل الرحيم الودود (4/ 228/ 358)] [المراسيل (747 - 765)، التاريخ الكبير (7/ 411) (وما وقع فيه من إثبات سماعه من علي ففيه نظر). تحفة التحصيل (294)].
° وعلى هذا فإن الطرق التي جاء فيها إثبات السماع فيها نظر:
• أما طريق داود بن عيسى الكوفي: فلا يثبت الإسناد إليه.
• وأما طريق الثوري: فالمحفوظ عنه بالعنعنة.
• وأما طريق جرير: فعنه طريقان؛ أحدهما المحفوظ فيه: إثبات الانقطاع، والثاني: غريب، لم يُرو إلا من طريق البيهقي، وهو طريق قتيبة.
وحاصل ما تقدم: فإن هذا الحديث مرسل فيما بين مجاهد وأبي عياش، والله أعلم.
° وقد قيل: إن كلام البخاري يحتمل وجهًا آخر:
• فقد اختلف في وصله وإرساله على مجاهد:
أ - فهكذا رواه منصور بن المعتمر [وهو: ثقة ثبت]، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي مرفوعًا.
وخالفه: خلاد بن عبد الرحمن [صنعاني، ثقة]، وعمر بن ذر المرهبي [كوفي، ثقة]، وعبد الله بن أبي نجيح [مكي، ثقة، سمع مجاهدًا؛ غير أنه لم يسمع منه التفسير، وهذا منه]، وابن جريج [مكي ثقة، وقال: قال مجاهد، وهي صيغة تدل على عدم سماعه من مجاهد، لاسيما وهو لم يسمع التفسير من مجاهد]:
فرووه عن مجاهد مرسلًا؛ قال: لم يصلِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف إلا مرتين؛ مرة بذي الرقاع من أرض بني سليم، ومرة بعسفان، والمشركون بضجنان، بينهم وبين القبلة، قال: فصف النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه. . . فذكر نحوه. كذا في رواية خلاد، وفي رواية ابن جريج: قال: قال مجاهد في قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] نزلت يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان،. . . فذكره مطولًا.
أخرجه عبد الرزاق (2/ 503 / 4235) و (2/ 504/ 4236)، وابن أبي شيبة (2/ 214/ 8277)(5/ 407/ 8363 - ط. عوامة)، وابن جرير الطبري في تفسيره (7/ 411 و 412 و 439)، وابن أبي حاتم في التفسير (3/ 1052 / 5895).
وقال أبو داود: "وكذلك عكرمة بن خالد، عن مجاهد، عن النبي صلى الله عليه وسلم".
• تنبيه: وقع في رواية ابن جريج [عند عبد الرزاق]: فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربعًا، وكذا وقع في رواية ابن أبي نجيح [عند ابن أبي حاتم]، فقال: أربع ركعات، لكن اضطربت الرواية عن ابن أبي نجيح، فمرة يقول: أربع ركعات، ومرة: ركعتين، ومرة: ركعتين، أو: أربعًا، والشك فيه ممن دون ابن أبي نجيح [كما عند ابن جرير]، وهذه رواية منكرة، إذ لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح أنه أتم في السفر، وسبق الكلام عن هذه المسألة في أحاديث القصر في السفر.
قلت: الوصل زيادة من حافظ متقن، فتقبل زيادته، ورواية الإرسال تحمل على أن مجاهدًا قصد تفسير الآية حسب، فلم يحتج إلى إسناد الرواية، هذا من وجه، ومن وجه آخر: فإن المكيين اللذين رووا عنه هذا الحديث لم يسمعا منه التفسير، مما يضعف القول بترجيح رواية الجماعة، والله أعلم.
وبناءً على ما تقدم:
فإن المحفوظ في هذا الحديث: رواية منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي،
وروايته عنه مرسلة؛ إذ لم يثبت له فيه سماع سالم من الاعتراض.
ومع ذلك: فإن حديث أبي عياش هذا حديث صحيح بشاهديه؛ ثبت معناه من حديث جابر عند مسلم، ومن حديث عكرمة عن ابن عباس، ويأتي ذكرهما.
قال ابن أبي حاتم في العلل (2/ 143/ 272): "وسألت أبي عن حديث رواه منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزُّرَقي، عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف؛ يزيد فيها جرير: فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر: هذه الزيادة محفوظة؟ قال: نعم، هو صحيح".
قلت: ولو كان معلولًا عنده بالإرسال لنبه على ذلك، والله أعلم.
وقال أحمد: "صلاة الخوف كلها جائزة، ولا أعلم فيها إلا إسنادًا جيدًا"[مسائل الكوسج (358)].
ونقل عنه الترمذي (564) قوله: "قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف على أوجه، وما أعلم في هذا الباب إلا حديثًا صحيحًا، وأختار حديث سهل بن أبي حثمة".
وقال أيضًا في رواية حرب: "كل حديث روي في صلاة الخوف: فهو صحيح الإسناد، وكلَّ ما فعلتَ منه فهو جائز"[الفتح لابن رجب (6/ 11 و 27)].
وقال في رواية علي بن سعيد في صلاة الخوف: "قد روي ركعة وركعتان، ابن عباس يقول: ركعة ركعة، إلا أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان وللقوم ركعة، وما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها صحاح"[الفتح لابن رجب (6/ 27)، وانظر أيضًا: شرح ابن بطال على البخاري (2/ 535)].
وقد صححه أيضًا: ابن حبان، وابن الجارود، وممن احتج أيضًا بحديث أبي عياش الزرقي هذا: الشافعي وإسحاق بن راهويه وأبو داود والنسائي وابن المنذر [الأوسط (5/ 31)].
وقال الدارقطني: "صحيح".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وقال البيهقي: "هذا إسناد صحيح مشهور".
وقال البغوي: "هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم من رواية جابر بن عبد الله".
وقال ابن الصلاح في شرح مشكل الوسيط (2/ 307): "وله مرتبة الحسن من الحديث".
وقال النووي في الخلاصة (2613): "رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح على شرط الصحيحين إلى أبي عياش"، وصححه في المجموع (4/ 365).
وقال ابن كثير في البداية (4/ 82): "وهذا إسناد على شرط الصحيحين، ولم يخرجه واحد منهما"، ثم ذكر أن مسلمًا أخرج نحوه من حديث جابر، وصحح إسناده أيضًا في التفسير (1/ 549).
• وأما حديث أيوب، وهشام، عن أبي الزبير، عن جابر هذا المعنى، عن النبي صلى الله عليه وسلم:
• فرواه عبد الوارث بن سعيد [ثقة ثبت، من أثبت الناس في أيوب]، والحارث بن عمير [ثقة، من أصحاب أيوب]:
عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الخوف، فركع بهما جميعًا، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصف الذي يلونه، والآخرون قيام حتى نهض، ثم سجد [وفي رواية: حتى إذا نهض سجد] أولئك بأنفسهم سجدتين، ثم تأخَّر الصف المتقدم، فركع النبي صلى الله عليه وسلم، والصف الذين يلونه، فلما رفعوا رؤوسهم سجد أولئك سجدتين، كلهم قد ركع مع النبي صلى الله عليه وسلم، وسجدت [طائفة] لأنفسهم سجدتين، وكان العدو مما يلي القبلة.
أخرجه ابن ماجه (1260)، وأبو عوانة (2/ 87/ 2416)، وابن خزيمة (2/ 296/ 1350)، وابن حبان (7/ 125 - 126/ 2874)، وابن هشام في السيرة (4/ 158)، والطبراني في الأوسط (4/ 161/ 3870).
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد صححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان.
• ورواه حماد بن مسعدة، وإسماعيل بن علية، وأبو داود الطيالسي، ومعاذ بن هشام الدستوائي، وأبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد، وكثير بن هشام الكلابي [وهم ثقات]، ويونس بن بكير [صدوق]:
عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلٍ [موضع من المدينة على يومين]، فصلى بأصحابه صلاة الظهر. . .، وفي رواية الطيالسي وابن علية: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر بنخلٍ، فهمَّ بهم المشركون، ثم قالوا: دعوهم فإن لهم صلاةً بعد هذه أحب إليهم من أبنائهم، فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فصلى بأصحابه العصر، فصفَّهم صفَّين، رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيديهم، والعدو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبروا جميعًا وركعوا جميعًا، ثم سجد الذين يلونه والآخرون قيامًا، فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون، ثم تقدَّم هؤلاء وتأخَّر هؤلاء، فكبروا جميعًا وركعوا جميعًا، ثم سجد الذين يلونهم، والآخرون قيام، فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون.
أخرجه البخاري (4130) تعليقًا بصيغة الجزم. ووصله: أبو عوانة (2/ 88/ 2419)، وأحمد (3/ 374)، والطيالسي (3/ 300/ 1844)، وابن جرير الطبري في تفسيره (7/ 440)، وأبو العباس السراج في مسنده (1557)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (2355 و 2356)، والبيهقي في الدلائل (3/ 367)، وفي المعرفة (3/ 16/ 1843)، وقال:"هذا إسناد صحيح، واستشهد به البخاري، وأخرجه مسلم من حديث زهير بن معاوية عن أبي الزبير".
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، استشهد به البخاري تعليقًا، وصححه أبو عوانة.
• ورواه زهير بن معاوية، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة [مختصرًا بالجملة الأخيرة منه فقط]، ويزيد بن إبراهيم التستري [ثقة ثبت]، وعزرة بن ثابت [ثقة، وروايته مختصرة]، وابن أبي ليلى [ليس بالقوي، وفي الإسناد إليه مجاهيل]، وسعيد بن بشير [ضعيف]:
حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا من جهينة [وفي رواية الثوري: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بنخل]، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو مِلْنا عليهم مَيلَةً لاقتطعناهم، فأخبر جبريلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فذكر ذلك لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر، قال: صفَّنا صفَّينِ، والمشركون بيننا وبين القبلة، قال: فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرنا، وركع فركعنا، ثم سجد، وسجد معه الصفُّ الأولُ [وفي رواية الثوري: والآخرون قيام يحرسونهم، فلما قاموا سجد الصفُّ الثاني، ثم تأخَّر الصفُّ الأول، وتقدَّم الصفُّ الثاني، فقاموا مقام الأول، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرنا، وركع فركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول [وفي رواية الثوري: والآخرون قيام يحرسونهم، وقام الثاني، فلما سجد الصفُّ الثاني، ثم جلسوا جميعًا، سلم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو الزبير: ثم خص جابر أن قال: كما يصلي أمراؤكم هؤلاء.
أخرجه مسلم (840/ 308)، وأبو عوانة (2/ 87/ 2417) و (2/ 87 - 88/ 2418) و (2/ 88/ 2420)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (2/ 431/ 1893)، والنسائي في المجتبى (3/ 176/ 1548)، وفي الكبرى (2/ 373/ 1949)، وابن حبان (7/ 129/ 2877)، والشافعي في الأم (2/ 449/ 481)، وعبد الرزاق (2/ 505/ 4238)، وابن أبي شيبة (2/ 214/ 8279) و (2/ 216/ 8291)، وأبو العباس السراج في مسنده (1558 و 1561)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (2357 و 2360)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (2654)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 30/ 2345)، والطحاوي (1/ 319)، والطبراني في الأوسط (4/ 354/ 4415)، في مسند الشاميين (3/ 370/ 2486) و (4/ 86/ 2803)، والبيهقي في السنن (3/ 258)، وفي الدلائل (3/ 367 - 368).
وعلق البخاري في الصحيح (4137) طرفًا منه بصيغة الجزم.
• ورواه إسماعيل بن عياش، قال: أخبرني عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقينا المشركين بنخل،. . . فذكره.
أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (7/ 439 - 440).
قلت: وهذا غريب جدًّا من حديث عبيد الله بن عمر العمري الثقة الثبت، كثير الأصحاب، فكيف ينفرد به عنه إسماعيل بن عياش الحمصي، وروايته عن أهل الحجاز ضعيفة، وهذه منها.
• وأما حديث عبد الملك، عن عطاء، عن جابر:
فقد رواه عبد الله بن نمير، وخالد بن الحارث، وعبدة بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، وهشيم بن بشير، ويزيد بن هارون، ومحمد بن فضيل [وهم ثقات]:
حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، في عطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصفَّنا صفَّين، صفٌّ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود، والصفُّ الذي يليه، وقام الصفُّ المؤخَّر في نحر العدو، فلما قضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم السجودَ، وقام الصفُّ الذي يليه، انحدر الصفُّ المؤخَّر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصفُّ المؤخَّر، وتأخَّر الصفُّ المقدَّم، ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود، والصفُّ الذي يليه الذي كان مؤخَّرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخَّر في نحور العدو، فلما قضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم السجودَ والصفُّ الذي يليه، انحدر الصفُّ المؤخَّر بالسجود، فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعًا.
قال جابر: كما يصنع حَرَسُكم هؤلاء بأمرائهم.
أخرجه مسلم (840/ 307)، وأبو عوانة (2/ 86/ 2414) و (2/ 87/ 2415)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (2/ 431/ 1892)، والنسائي في المجتبى (3/ 175/ 1547)، وفي الكبرى (2/ 372/ 1948)، وأحمد (3/ 319)، وابن شبة في أخبار المدينة (1/ 181/ 652)، وأبو العباس السراج في مسنده (1556)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (2354)، والبيهقي (3/ 183 و 257)، والبغوي في شرح السُّنَّة (4/ 290 - 291/ 1097)، وقال:"هذا حديث صحيح".
• وأما حديث داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس:
فيرويه إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: ما كانت صلاة الخوف إلا كصلاة أحراسكم هؤلاء اليوم خلف أئمتكم هؤلاء؛ إلا أنها كانت عُقَبًا، قامت طائفة منهم وهم جميعًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجدت معه طائفة [منهم]، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجد الذين كانوا قيامًا لأنفسهم، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاموا معه جميعًا، ثم ركع وركعوا معه جميعًا، ثم سجد فسجد معه الذبن كانوا قيامًا أول مرة، فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين سجدوا معه في آخر صلاتهم، سجد الذين كانوا قيامًا لأنفسهم، ثم جلسوا، فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتسليم.
أخرجه النسائي في المجتبى (3/ 170/ 1535)(3/ 305/ 1551 - ط. التأصيل)، وفي الكبرى (2/ 367/ 1936)، وأحمد (1/ 265)، والبيهقي (3/ 259).
وداود بن الحصين: ثقة إلا في عكرمة، روى له الجماعة، وقد روى عنه مالك في
الموطأ عن غير عكرمة؛ لأن مالكًا كان يكره عكرمة لرأيه، وقد أخرج مالك مرةً لداود عن عكرمة، وأبهم عكرمة [الموطأ (1/ 42/ 20)]، وقال ابن المديني:"ما روى عن عكرمة فمنكر"، وقال أبو داود:"أحاديثه عن شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة: مناكير"[التهذيب (3/ 4)، إكمال مغلطاي (4/ 244)، الميزان (2/ 5)، تاريخ الإسلام (8/ 409)].
ومن النقاد من رأى أن النبلاء ممن روى عنه من الضعفاء، مثل ابن عدي، حيث قال في الكامل (3/ 92) (4/ 441 - ط. الرشد):"فإن داود: صالح الحديث؛ إذا روى عنه ثقة"، ثم قال:"وداود هذا له حديث صالح، فإذا روى عنه ثقة فهو صحيح الرواية؛ إلا أن يروي عنه ضعيف فيكون البلاء منهم لا منه"، كما أن هناك من لينه بإطلاق، مثل أبي حاتم وأبي زرعة، ولم يتركاه أو يغلظا فيه العبارة لأجل رواية مالك عنه، كما أن هناك من وثقه بإطلاق، مثل ابن معين وابن سعد والعجلي وغيرهم، وقال فيه النسائي على تشدده:"ليس به بأس"، واحتج بحديثه هذا عن عكرمة [طبقات ابن سعد (5/ 414)، تاريخ ابن معين رواية الدوري (3/ 178/ 790 و 792) و (3/ 194/ 888)، التاريخ الكبير (3/ 231)، الجرح والتعديل (3/ 408)، التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة (2/ 286/ 2947 و 2948)، الثقات (6/ 284)].
وحديث ردِّ زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي العاص بالنكاح الأول، وهو مروي بهذا الإسناد: قدَّمه يزيد بن هارون وأحمد والبخاري والترمذي والدارقطني وغيرهم على الحديث المعارض له الذي رواه الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ أنه ردَّها بنكاح جديد [راجع: مسند أحمد (2/ 208)، جامع الترمذي (1142 - 1144)، علل الترمذي الكبير (289)، سنن الدارقطني (3/ 253)، سنن البيهقي (7/ 187)، التمهيد لابن عبد البر (12/ 20)، الاستذكار (5/ 520)، شرح السُّنَّة (9/ 95)، مجموع الفتاوى (32/ 338)، إعلام الموقعين (2/ 352)، حاشية ابن القيم على السنن (6/ 192 و 233)، أحكام أهل الذمة (2/ 657)، الفتح لابن حجر (9/ 423)]؛ وفي هذا دلالة قوية على أن هذا الإسناد ليس بالساقط، ويحتمل مثله، ويعتبر به، إذا صح الإسناد إليه، فيصلح في الشواهد والمتابعات، ولو كان كل ما رواه داود عن عكرمة عن ابن عباس منكرًا، لما جاز الاستشهاد به، ولا تقديمه على غيره؛ إذ المنكر أبدًا منكر.
بل إن الإمام أحمد قد صححه واحتج به، فقال في مسنده (2/ 208) بعد أن ضعف حديث ابن أرطأة:"والحديث الصحيح: الذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهما على النكاح الأول"، وقال البخاري:"حديث ابن عباس أصح".
وقال الدارقطني بعد أن ضعف حديث ابن أرطأة: "والصواب: حديث ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها بالنكاح الأول".
كذلك فإن الترمذي لما خرج حديث رد زينب على أبي العاص في جامعه (1143) لم يضعف إسناده، بل قال:"ليس بإسناده بأس"؛ إلا أنه حمل التبعة والخطأ فيه على حفظ داود بن الحصين.
ولعل إكثار داود عن عكرمة سببه أن عكرمة اختفى عنده في آخر حياته، حتى مات عكرمة عنده، وهذا أيضًا مما يقوي روايته عن عكرمة [التمهيد لابن عبد البر (2/ 310)].
والحاصل: فإن داود بن الحصين: ثقة في غير عكرمة، وله عن عكرمة ما يُنكر مما تفرد به [كما قال ابن المديني وأبو داود]، ولعل أكثر ما رواه من المناكير عن عكرمة إنما الحمل فيها على من دونه من الضعفاء والهلكى، وقد روى داود عن عكرمة أحاديث مستقيمة معروفة صحيحة، لها ما يشهد لصحتها، لذا فقد احتج بها وصححها أو استشهد بها بعض الأئمة، وحديثنا هذا من الصنف الثاني؛ فقد صح من حديث جابر عند مسلم، وله شاهد آخر من حديث أبي عياش الزرقي، وقد احتج بحديثه هذا النسائي.
وعليه: فإن حديث ابن عباس هذا حديث صحيح، والله أعلم.
• ورواه يونس بن بكير، عن النضر أبي عمر [هو: ابن عبد الرحمن الخزاز الكوفي: متروك، منكر الحديث]، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فلقي المشركين بعسفان. . . فذكر الحديث مطولًا، وفي آخره: فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعضهم ينظر إليهم، قالوا: لقد أخبروا بما أردنا.
أخرجه البزار (1/ 326/ 679 - كشف الأستار)[وفي سنده سقط]. وابن جرير الطبري في تفسيره (7/ 438)، والحاكم (3/ 30)، والواحدي في أسباب النزول (205).
تنبيه: لا يصح عزوه للإمام أحمد في مسنده [انظر: الفتح لابن رجب (6/ 28) (8/ 367 - ط. الغرباء)، إتحاف المهرة (7/ 488/ 8286)، الدر المنثور (2/ 664)].
وهذا ليس بشيء، والعمدة على رواية داود بن الحصين عن عكرمة، والله أعلم.
• وروي أيضًا من حديث النعمان بن راشد [ليس بالقوي]، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة الخوف، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمنا خلفه صفين، وكبر وركع وركعنا جميعًا الصفان كلاهما، ثم رفع رأسه ثم خر ساجدًا وسجد الصف الذي يليه، وثبت الآخرون قيامًا يحرسون إخوانهم، فلما فرغ من سجوده وقام خرَّ الصف المؤخر سجودًا، فسجدوا سجدتين ثم قاموا، فتأخر الصف المقدَّم الذي يليه، وتقدَّم الصف المؤخَّر، فركع وركعوا جميعًا، وسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه، وثبت الآخرون قيامًا يحرسون إخوانهم، فلما قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خر الصف المؤخر سجودًا، فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم.
سيأتي تخريجه مفصلًا تحت الحديث رقم (1246)، وهو حديث غلط.
• وروي من حديث حذيفة، ولا يثبت عنه:
فقد روي عن أبي إسحاق، عن سُلَيم بن عبدٍ السلولي، قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، وكان معه نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: أيكم شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، مُر أصحابك فيقوموا طائفتين، طائفة منهم