المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌280 - باب إذا أقام بأرض العدو يقصر - فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود - جـ ١٣

[ياسر فتحي]

فهرس الكتاب

- ‌271 - باب متى يقصر المسافر

- ‌272 - باب الأذان في السفر

- ‌273 - باب المسافر يصلى وهو يشكُّ في الوقت

- ‌274 - باب الجمع بين الصلاتين

- ‌275 - باب قصر قراءة الصلاة في السفر

- ‌276 - باب التطوع في السفر

- ‌277 - باب التطوع على الراحلة والوتر

- ‌278 - باب الفريضة على الراحلة من غير عذر

- ‌279 - باب متى يتم المسافر

- ‌280 - باب إذا أقام بأرض العدو يقصر

- ‌مسألة: صلاة المسافر إذا ائتم بالمقيم، وصلاة المقيم إذا ائتم بالمسافر

- ‌281 - باب صلاة الخوف

- ‌282 - باب من قال: يقوم صفٌّ مع الإمام وصفٌّ وِجاهَ العدو

- ‌283 - باب من قال: إذا صلى ركعةً وثبت قائمًا أتموا لأنفسهم ركعةً، ثم سلموا، ثم انصرفوا فكانوا وِجاه العدو، واختلف في السلام

- ‌284 - باب من قال: يكبرون جميعًا وإن كانوا مستدبري القبلة

- ‌285 - باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة، ثم يسلم فيقوم كل صف فيصلون لأنفسهم ركعة

- ‌286 - باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة، ثم يسلم فيقوم الذين خلفه فيصلون ركعة، ثم يجيء الآخرون إلى مقام هؤلاء فيصلون ركعة

- ‌(2/ 579)].***287 -باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة، ولا يقضون

- ‌288 - باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعتين

- ‌ ومما روي فيما يتعلق بصلاة الخوف:

- ‌ التبكير والتغليس بصلاة الصبح إذا أراد الإغارة والحرب:

- ‌289 - باب صلاة الطالب

- ‌ ومما روي في الصلاة على الدواب:

- ‌ الصفة الأولى:

- ‌ الصفة الثانية:

- ‌ الصفة الثالثة:

- ‌ الصفة الرابعة:

- ‌ الصفة الخامسة:

- ‌ الصفة السادسة:

- ‌ الصفة السابعة:

- ‌ وأما الصلاة حال شدة الخوف:

- ‌290 - باب تفريع أبواب التطوع وركعات السُّنَّة

- ‌291 - باب ركعتي الفجر

- ‌292 - باب في تخفيفهما

- ‌ ومن شواهده في تخفيف الركعتين:

- ‌293 - باب الاضطجاع بعدها

- ‌294 - باب إذا أدرك الإمام ولم يصلي ركعتي الفجر

الفصل: ‌280 - باب إذا أقام بأرض العدو يقصر

قال عثمان: عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي.

سمعت أبا داود يقول: وروى أسامة بن زيد، عن حفص بن عبيد الله -يعني: ابن أنس بن مالك-؛ أن أنسًا كان يجمع بينهما حين يغيب الشفق، ويقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك.

ورواية الزهري، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

***

حديث ضعيف

تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (1220)، وهو حديث ضعيف، وأما حديث أنس الذي علقه أبو داود، فقد تقدم تخريجه برقم (1219)، وهو حديث صحيح.

‌280 - باب إذا أقام بأرض العدو يقصر

1235 -

. . . عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.

قال أبو داود: غير معمر [يرسله] لا يسنده.

حديث شاذ، صوابه مرسل

أخرجه عبد الرزاق (2/ 532/ 4335)، ومن طريقه: أبو داود (1235)، والترمذي في العلل (158)، وابن حبان (6/ 456/ 2749) و (6/ 459/ 2752)، وأحمد (3/ 295)، وعبد بن حميد (1139)، والبيهقي (3/ 152)، وعبد الخالق بن أسد في المعجم (69).

رواه عن عبد الرزاق: أحمد بن حنبل [إمام حجة، ثقة حافظ]، وأحمد بن منصور الرمادي [ثقة حافظ]، ويحيى بن موسى البلخي [ثقة]، وإسحاق بن إبراهيم الدبري [راوي المصنف، صدوق، تكلم فيه].

قال الترمذي: "سألت محمدًا [يعني: البخاري] عن هذا الحديث؟ فقال: يُروى عن ابن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا".

وقال أبو داود: "غير معمر [يرسله] لا يسنده".

وقال البيهقي في السنن: "تفرد معمر بروايته مسندًا، ورواه علي بن المبارك وغيره عن يحيى عن ابن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وروي عن الأوزاعي عن يحيى عن أنس، وقال: بضع عشرة، ولا أراه محفوظًا، وقد روي من وجه آخر عن جابر بضع عشرة".

وقال في المعرفة (2/ 435): "وحديث معمر. . .: غير محفوظ، وقد رواه علي بن

ص: 204

المبارك وغيره عن يحيى مرسلًا، ليس فيه ذكر جابر، وروي عن أبي الزبير عن جابر: بضع عشرة".

وقال النووي في الخلاصة (2568) ردًّا على أبي داود والبيهقي: "الحديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، ولا يقدح فيه تفرد معمر؛ فإنه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة".

وقال ابن الملقن في البدر المنير (4/ 538): "ومعمر: إمام مجمع على جلالته، فلا يضر تفرده به".

قلت: قد أعله بالإرسال البخاري وأبو داود والبيهقي، واجتماعهم حجة، فضلًا عن كون معمر بن راشد متكلم في حديثه عن غير الزهري وابن طاووس، فإنه: ثبت في الزهري وابن طاووس خاصة، وحديثه عنهما مستقيم، وأما حديثه عن غيرهما فيقع فيه الوهم الشيء بعد الشيء، وهذا منه، والله أعلم [انظر: شرح العلل (2/ 774 و 804)].

وقد خالفه في هذا الحديث فأرسله: علي بن المبارك، وهو من ثقات أصحاب يحيى بن أبي كثير، بل هو ثبت فيه [كما قال ابن عدي في الكامل (5/ 182)]، ولم ينفرد بذلك، بل توبع عليه [كما قال البيهقي].

* قلت: قد اختلف في هذا الحديث على يحيى بن أبي كثير:

أ - فرواه معمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.

ب - ورواه علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين ليلةً، يصلي صلاة المسافر ركعتين.

أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 208/ 8209).

وهذا هو الصواب، هكذا مرسلًا بإسناد صحيح إلى ابن ثوبان، وبهذا المرسل أُعلت رواية معمر بن راشد الموصولة، أعلها به: البخاري وأبو داود والبيهقي، وتقدم نقل كلامهم.

ج - ورواه عمرو بن عثمان الكلابي، قال: نا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة.

أخرجه الطبراني في الأوسط (4/ 185/ 3927)، قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي [حافظ، تفرد بما لم يتابع عليه. اللسان (5/ 542)]، قال: نا محمد بن العباس الزيتوني [محمد بن العباس بن الوليد من أهل الزيتونة: لم أقف له على ترجمة]، قال: نا عمرو به.

وأخرجه تمام في فوائده (159)، قال: أخبرنا الحسن بن حبيب [أبو علي الحسن بن حبيب بن عبد الملك الدمشقي الفقيه الشافعي، المعروف بالحصائري: أحد الثقات الأثبات. تاريخ دمشق (13/ 49)، السير (15/ 383)، تاريخ الإسلام (25/ 160)]:

ص: 205

ثنا محمد بن إبراهيم أبو أمية الطرسوسي [صدوق]: ثنا عمرو به.

قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا عيسى، ولا عن عيسى إلا عمرو بن عثمان، تفرد به: محمد بن العباس"، قلت: قد توبع عليه كما ترى.

وأخرجه الدارقطني في الأفراد (1/ 253/ 1311 - أطرافه)، وقال: "غريب من حديث يحيى عنه، تفرد به عيسى بن يونس عن الأوزاعي، ولم يروه عنه بهذا اللفظ غير عمرو بن عثمان الكلابي الرقي.

ورواه القاسم بن عيسى الأذني عن عيسى بلفظ آخر، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشرين ليلة يقصر الصلاة، وسار إلى خيبر، كذا كان مضبوطًا بالراء، والصواب: إلى حنين، بالنون، فإن خيبر كانت في سنة ست [كذا قال، وقد كانت في سبع]، وحنين والفتح فى عام".

وقال الدارقطني في العلل (12/ 225/ 2651): "رواه عمرو بن عثمان الكلابي، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، مرفوعًا.

والصحيح: عن الأوزاعي، عن يحيى؛ أن أنسًا كان يفعل ذلك، غير مرفوع".

قال ابن حجر في التلخيص (2/ 45) معلقًا: "ويحيى: لم يسمع من أنس".

قلت: وصله منكر؛ فإن عمرو بن عثمان بن سيار الكلابي الرقي: ضعيف، قال فيه أبو حاتم:"يتكلمون فيه، كان شيخًا أعمى بالرقة، يحدث الناس من حفظه بأحاديث منكرة،. . ."، وكان يحدث من كتب غيره، وتركه النسائي والأزدي [التهذيب (3/ 291)، الميزان (3/ 280)].

• وقد خالفه فأرسله: عبد الله بن جعفر الرقي [ثقة]: أخبرنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوكًا فأقام بها عشرين ليلة، يصلي بها صلاة المسافر.

أخرجه ابن سعد في الطبقات (2/ 167).

فهذا هو المحفوظ عن عيسى بن يونس مرسلًا، والله أعلم.

* ورواه معاوية بن عمرو [الأزدي: ثقة]، عن أبي إسحاق الفزاري [إبراهيم بن محمد بن الحارث: ثقة حافظ]، عن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فأقام بها بضع عشرة، فلم يزد على ركعتين حتى رجع.

أخرجه البيهقي (3/ 152)(6/ 173/ 5542 - ط. هجر)(3/ 1085/ 4867 - تهذيب السنن)، بإسناد صحيح إلى معاوية به.

قلت: المعروف بالرواية عن أبي الزبير هو زيد بن أبي أنيسة، وهو ثقة، وأخوه يحيى، وهو: متروك، وأما أبو أنيسة فلا يُعرف، ولم أجده في كتب الرجال والكنى.

فهو إسناد غربب.

° وفي نهاية أحاديث الباب نذكر شيئًا من فقهها:

ص: 206

• فائدة:

قال ابن العربي في القبس (1/ 331): "ثبت الفرق بين صلاة السفر وصلاة الحضر في الدين قطعًا، ولم يُذكر حدُّ السفر الذي يقع به الفرق لا في القرآن ولا في السُّنَّة، وإنما كان كذلك لأنها كانت لفظةً عربيةً مستقرًّا علمُها عند العرب الذين خاطبهم الله تعالى بالقرآن، إلا أن الإشكال وقع في ذلك بين العلماء".

° قال الترمذي (548): "حديث أنس حديث حسن صحيح.

وقد روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين. قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة.

وروي عن علي أنه قال: من أقام عشرة أيام أتم الصلاة.

وروي عن ابن عمر أنه قال: من أقام خمسة عشر يومًا أتم الصلاة، وروي عنه: ثنتي عشرة، وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقام أربعًا صلَّى أربعًا، وروى عنه ذلك قتادة، وعطاء الخراساني، وروى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا.

واختلف أهل العلم بعدُ في ذلك، فأما سفيان الثوري، وأهل الكوفة فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة، وقالوا: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة.

وقال الأوزاعي: إذا أجمع على إقامة ثنتي عشرة أتم الصلاة.

وقال مالك، والشافعي، وأحمد: إذا أجمع على إقامة أربعة أتم الصلاة.

وأما إسحاق فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس، قال: لأنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تأوله بعد النبي صلى الله عليه وسلم، إذا أجمع على إقامة تسع عشرة أتم الصلاة.

ثم أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون".

وقال أبو بكر الأثرم في الناسخ والمنسوخ (43): "فأما حديث ابن عباس وعمران بن حصين في إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في الفتح؛ فإنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم عزيمةٌ تُعلم.

وكذلك السُّنَّة في من لم يعزم، أنه يقصر ما أقام، كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أقام عدةٌ منهم سنتين يقصر الصلاة".

° قلت: ومن أصرح وأصح ما وجدته عن الصحابة: على أن المسافر يقصر ما لم يعزم على الإقامة:

ما رواه مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، وابن جريج:

عن ابن شهاب الزهرى، عن سالم بن عبد الله؛ أن عبد الله بن عمر كان يقول: أصلي صلاةَ المسافر، ما لم أُجمِع مُكثًا [وفي رواية ابن عيينة: ما لم أُجمِع الإقامة]، وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة.

أخرجه مالك في الموطأ (1/ 212/ 400)، وعبد الرزاق (2/ 533/ 4340) [وفي

ص: 207

سنده سقط] و (2/ 534/ 4341)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 247/ 395 - مسند عمر)، والطحاوي (1/ 420)، والبيهقي (3/ 152).

وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح على شرط الشيخين.

• وروى سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: أتيت سالمًا أسأله وهو عند باب المسجد، فقلت: كيف كان أبوك يصنع؛ قال: كان إذا أصدر الظَّهرَ، وقال: نحن ماكثون، أتم الصلاة، وإذا قال: اليوم وغدًا، قصر، وإن مكث عشرين ليلة.

أخرجه عبد الرزاق (2/ 539/ 4365)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 247/ 396 - مسند عمر). والطحاوي (1/ 420).

وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.

• ورواه مختصرًا: عبيد الله بن عمر العمري، وجويرية بن أسماء:

قال عبيد الله: أخبرني نافع؛ أن ابن عمر كان يقصر الصلاة ما لم يُجمع الإقامة.

وقال جويرية، عن نافع؛ أن عبد الله كان إذا أجمع المقام ببلد أتم الصلاة.

أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 248/ 398 - مسند عمر). والبيهقي (3/ 146).

وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح على شرط الشيخين.

• بل إن ابن عمر لما لم يجمِع إقامةً قصر ستة أشهر، لأنه يرى نفسه كمن هو على ظهر سير، وإنما حبسه حابس، مع علمه بعدم زوال العارض في مدة يسيرة:

فقد روى عبيد الله بن عمر العمري [ثقة ثبت]، وداود بن قيس [ثقة]، ويحيى بن أبي كثير [ثقة ثبت]، وعطاف بن خالد [ليس به بأس]، وعبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي]:

عن نافع؛ أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، ولم يستطع أن يخرج من البرد، ولم يُرِد الإقامةَ. لفظ داود بن قيس، وزاد عبد الله بن عمر: وكان يقول: إذا أزمعت إقامة فأتم، وزاد يحيى بن أبي كثير: في إمارة عمر.

ولفظ عبيد الله [عند البيهقي، بإسناد صحيح إليه]: ارتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة، قال ابن عمر: وكنا نصلى ركعتين.

ولفظ العطاف: أن عبد الله بن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، حبسه الثلج، يقول: اليوم نخرج، غدًا نخرج.

أخرجه عبد الرزاق (2/ 533/ 4339)، وابن سعد في الطبقات (4/ 162)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 249/ 401 - مسند عمر). وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (92)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (699)، والبيهقي (3/ 152).

قال النووي في الخلاصة (2569): "رواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط الصحيحين".

ص: 208

قلت: هو ثابت صحيح عن ابن عمر.

• وقد صح نحو ذلك في القصر مع المدة الطويلة عن أنس بن مالك؛ فقد روى عبد الوارث بن سعيد، وإسماعيل بن علية، كلاهما عن يونس بن عبيد، عن الحسن؛ أن أنس بن مالك كان بنيسابور على جبايتها، فكان يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين، ولا يجمِّع، وكان الحسن معه شتوتين.

أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 256 و 257/ 422 و 423 - مسند عمر).

وهذا صحيح عن أنس موقوفًا عليه.

وكذلك كل ما روي عن الصحابة في قصر الصلاة مع طول المدة بالأشهر أو السنين،

فهو محمول على عدم العزم على الإقامة، وقد روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، والله أعلم.

° فإن قيل: قد أزمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع الإقامة، منذ وصوله مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، إلى صباح الرابع عشر من ذي الحجة، وهي أيام النسك، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن لينوي الرحيل قبل انتهاء نسكه، وهي مقام عشرة أيام كاملة، كما قال أنس، ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتم الصلاة منذ دخل مكة حتى خرج منها، بل جمع في بعض المواطن، مثل عرفة والمزدلفة والأبطح:

قال أحمد: "فما نعلم النبي صلى الله عليه وسلم أزمع المقام في شيء من أسفاره إلا في حجته هذه،. . ."، ثم قال:"وكذلك حديث أنس رضي الله عنه حيث قال: أقام بمكة عشرًا، فصيَّر أنسٌ هذا كلَّه إقامةً، صبحَ رابعةٍ إلى آخر أيام التشريق"، ومع ذلك فقد ذهب أحمد إلى أنه إذا أزمع إقامةً زيادةً على أربعٍ، يصلي فيها إحدى وعشرين صلاة؛ أتم الصلاة [مسائل الكوسج (312)، مسائل أبي داود (519 و 520)، مسائل ابن هانئ (403 و 408)، مسائل صالح (370)، مسائل عبد الله (424)، وانظر أيضًا: الناسخ والمنسوخ لأبي بكر الأثرم (43)].

وقال ابن خزيمة (2/ 76): "لست أحفظ في شيء من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنه أزمع في شيء من أسفاره على إقامةِ أيامٍ معلومةٍ غير هذه السفرة التي قدم فيها مكة لحجة الوداع؛ فإنه قدمها مزمعًا على الحج، فقدم مكة صبح رابعة مضت من ذي الحجة،. . ."، ثم ذكر منازل النبي صلى الله عليه وسلم في المشاعر على تفصيلها المعروف، ثم قال:"ورجع إلى مكة، فصلى الظهر والعصر من آخر أيام التشريق، ثم المغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، فهذه تمام عشرة أيام، جميع ما أقام بمكة ومنى في المرتين وبعرفات، فجعل أنس بن مالك كل هذه إقامة بمكة، وليس منى ولا عرفات من مكة، بل هما خارجان من مكة، وعرفات خارج من الحرم أيضًا،. . ."، ثم بحث بحثًا طويلًا في الرد على أنس بن مالك فيما يقرب من خمس صفحات، دفاعًا عن مذهب إمامه، وأنس أعلم بما يقول، وانظر كلام المحب الطبري.

ص: 209

وقال ابن حجر في الفتح (2/ 562): "والمدة التي في حديث أنس يُستدَلُّ بها على من نوى الإقامة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم في أيام الحج كان جازمًا بالإقامة تلك المدة".

ثم قال: "وإطلاق اسم البلد على ما جاورها وقرُب منها؛ لأن منى وعرفة ليسا من مكة، أما عرفة فلأنها خارج الحرم، فليست من مكة قطعًا، وأما منى ففيها احتمال، والظاهر أنها ليست من مكة؛ إلا إن قلنا: إن اسم مكة يشمل جميع الحرم".

ثم قال: "وقال المحب الطبري: أطلق على ذلك إقامةً بمكة؛ لأن هذه المواضع مواضع النسك، وهي في حكم التابع لمكة؛ لأنها المقصود بالأصالة، لا يتجه سوى ذلك، كما قال الإمام أحمد، والله أعلم".

وقال ابن الهمام في فتح القدير (2/ 36): "ولا يمكن حمله على أنهم عزموا قبل أربعة أيام غير أنهم اتفق لهم أنهم استمروا إلى عشر؛ لأن الحديث إنما هو في حجة الوداع، فتعيَّن أنهم نووا الإقامة حتى يقضوا النسك"[انظر: نصب الراية (2/ 183)].

وقد احتج بحديث أنس هذا على مدة الإقامة التي يقصر فيها: البخاري والدارمي والترمذي والنسائي وغيرهم.

• ويمكن أن يلحق بحديث أنس هذا إتمامًا للمدة التي يَقصُر فيها من عزم إقامةً، فإن عزم فوق ذلك فعليه الإتمام [كما فعل الدارمي والنسائي]:

حديث العلاء بن الحضرمي في الإذن للمهاجرين أن يقيموا بمكة ثلاثة أيام بعد الصدر، فتضاف للعشرة؛ فيكون مجموعها اثني عشر يومًا، باعتبار ابتداء زمن الرخصة بعد النفر من منى إلى مكة ظهر اليوم الثالث عشر، وذلك أنها قيلت في نفس الموطن، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لمن أراد المكث بمكة لقضاء حاجةٍ في ثلاثة أيام فقط بعد فراغه من نسكه، فيقصر فيها أيضًا؛ إذ لم يأمره بالإتمام: فيصبح المجموع اثني عشر يومًا:

فقد روى السائب بن يزيد، قال: سمعت العلاء بن الحضرمي، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "للمهاجر إقامةُ ثلاثٍ بعد الصَّدَر بمكة"، كأنه يقول: لا يزيد عليها.

وفي رواية: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا"، وفي أخرى: رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجرين أن يقيموا ثلاثًا بعد الصدر بمكة.

أخرجه البخاري (3933)، ومسلم (1352)، ويأتي تخريجه مفصلًا في موضعه من السنن برقم (2022)، إن شاء الله تعالى.

° ويمكن أن يقال: إن ابن عمر ممن قال بهذه المدة:

فقد روى ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله؛ أن عبد الله بن عمر كان يقول: أُصلي صلاةَ المسافر، ما لم أُجمِع مُكثًا، وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة.

وهو صحيح عن ابن عمر، وتقدم ذكره قريبًا.

• وروى محمد بن عجلان [صدوق]، وعبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي]:

عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا أزمعت بالإقامة ثنتي عشرة [ليلة] فأتم الصلاة.

ص: 210

أخرجه عبد الرزاق (2/ 534/ 4342)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 355/ 2278).

وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد مدني صحيح.

قلت: قوله الأول أقوى سندًا، وهو الموافق لما سبق أن رجحناه من السُّنَّة، بجمع حديث أنس مع حديث العلاء بن الحضرمي، وعلى هذا يحمل قوله الثاني على: أن من أزمع إقامة فوق اثنتي عشرة ليلة أتم الصلاة، والله أعلم.

• وروى عمر بن ذر [وغيره]، قال: سمعت مجاهدًا، يقول: كان ابن عمر إذا قدم مكة، فأراد أن يقيم خمس عشرة ليلة سرَّح ظهره، فأتم الصلاة.

أخرجه محمد بن الحسن في الحجة (1/ 172)، وعبد الرزاق (2/ 534/ 4343)، وابن أبي شيبة (2/ 208/ 8217)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 355/ 2276 و 2277)، والطحاوي في أحكام القرآن (346 - 348).

وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.

ويمكن حمله على كونه واقعة حال وافقت هذا العدد، وإلا فإنه يتم في أقل من ذلك، كما دلت عليه رواية سالم ونافع، والقول هنا مقدم على الفعل، وحاكم عليه، والفعل لا ينافيه، والله أعلم.

• وروى مالك بن أنس، والليث بن سعد، ويحيى بن أبي كثير:

عن نافع؛ أن ابن عمر أقام بمكة عشرَ ليالٍ يقصر الصلاة؛ إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته.

ولفظ الليث: أنه كان يخرج إلى مكة، فيقيم عشرًا، فيقصر الصلاة.

وقال يحيى: سبع ليالٍ أو ثمانيًا، وهو وهم، والمحفوظ: عشرًا.

أخرجه مالك في الموطأ (1/ 212/ 401)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 356/ 2280)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (91).

وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.

وهذا أيضًا لا ينافي قول ابن عمر؛ إذ هو داخل فيه.

° وعلى هذا فإن الراجح عن ابن عمر أنه كان يرى: أن من أزمع إقامة ثنتي عشرة ليلة قصر الصلاة، فإن زاد على ذلك أتم؛ لقوله السابق ذكره:

أُصلي صلاةَ المسافر، ما لم أُجمِع مُكثًا، وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة.

وأن من أزمع إقامة فوق اثنتي عشرة ليلة أتم الصلاة.

• فإن قيل: روي عن ابن عمر ما يدل على عدم التحديد:

فقد روى ليث بن أبي سليم [ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه]، عن الشعبي، قال: أقمت بالمدينة ستة أشهر، أو عشرة أشهر، لا يأمرني ابن عمر إلا بركعتين، إلا أن أصلي مع قوم فأصلي بصلاتهم.

وفي رواية: أقمت مع ابن عمر بالمدينة ثمانية أشهر، أو عشرة أشهر، فما أمرني إلا

ص: 211

بركعتين، إلا أن أصلي في جماعة، ولو أردت أكثر من ذلك ما زادني.

أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 249/ 402 و 403 - مسند عمر).

• ورواه سعيد بن عامر الضبعي [بصري صدوق، قال أبو حاتم: "وكان في حديثه بعض الغلط"، وقال البخاري: "كثير الغلط". التهذيب (2/ 27)، علل الترمذي الكبير (179)]، عن أسماء بن عبيد، قال: قلت للشعبي: إن لي بالكوفة أهلًا، وإنما وطني وداري بالبصرة، فكيف أصلي؟ قال: أي الأمصار أفضل؟ ثم بدأني فقال: تعلم مصرًا هو أفضل من المدينة؟ فإنا أقمنا بالمدينة أشهرًا، فسألنا أبا عبد الرحمن: كيف نصلي؟ قال: إذا صليتم معنا فصلوا بصلاتنا، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل ركعتين، فإني آتي البلدَ الذي وُلدت فيه، ما أزيد على الركعتين فيه.

أخرجه أبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (99).

• ورواه هشام بن حسان [بصري ثقة، ثبت في ابن سيرين، وتُكُلِّم في حديثه عن عطاء والحسن. التهذيب (4/ 268)]، واختلف عليه:

أ - فرواه عثمان بن عمر بن فارس [ثقة]، قال: أنا هشام بن حسان، عن أسماء بن عبيد، قال: كان لي بالكوفة أعمامًا وأخوالًا، وكيف أصلي؟ قال: أيُّ الأمصار أعظم؟ ثم قال: أليس المدينة؟ قلت: بلى، قال: ثم قال: قدمتُ المدينةَ فلقيتُ ابن عمر، فقلت: إني أريد أن أقيم بالمدينة سنةً، ما ترى في الصلاة؟ قال: إذا صليت معنا فصلِّ بصلاتنا، وإذا صليت وحدك فصلِّ ركعتين.

أخرجه أبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (98).

ب - خالفه: عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ]، فرواه عن هشام بن حسان، عن أسماء بن عبيد، قال: سألت الشعبي زمان الحج، قال: قلت: آتي إلى الكوفة وفيها جدتي وأهلي، قال: فقال: أيُّ الأمصار أفضل؟ أو قال: أعظم؟ ثم أجابني فقال: أليس المدينة؟ فقلت: بلى، فقال: سألت ابن عمر عن ذلك، فقال: إني لآتي البيت الذي وُلدتُّ فيه -؛يعني: مكة-، فما أزيد على ركعتين، قال الشعبي: فكنت أقيم سنة أو سنتين أصلي ركعتين، أو قال: ما أزيد على ركعتين ركعتين.

أخرجه عبد الرزاق (2/ 538 / 4361).

قلت: هذه الرواية فصلت المدرج الذي وقع في رواية عثمان بن عمر، وكذلك في رواية سعيد بن عامر، وأن قوله: أقيم بالمدينة سنةً، لم يكن سؤالًا من الشعبي لابن عمر، وإنما هو فعله، ثم أُدرج في الرواية، فصار سؤالًا، وقد فصله عبد الرزاق، فتبين أن ابن عمر إنما أجاب على سؤال من لم يعزم الإقامة، أو من عزم على إقامة اثنتي عشرة فما دونها، ولم ينفرد بذلك عبد الرزاق، فقد تابع هشامًا على هذا الوجه بدون إدراج:

أ - جعفر بن سليمان الضبعي [صدوق]، فرواه عن أسماء، عن الشعبي مثله.

أخرجه عبد الرزاق (2/ 538/ 4362).

ص: 212

ب - مهدي بن ميمون [بصري، ثقة حافظ]، قال: حدثنا أسماء بن عبيد، قال: سألت الشعبي عن الصلاة في السفر؟ فقال: سألت ابن عمر، فقال: أيُّ الأمصار عندك أعظم؟ قلت: المدينة، قال: فإذا أتيتها وأنت مسافر فصلِّ ركعتين.

أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (2/ 55).

قلت: هذا هو المحفوظ في هذا الأثر، والسُّنَّة والسنتين فهم للشعبي، وإنما تحمل إجابة ابن عمر على من لم يزمع إقامة، فتتفق بذلك الروايات المنقولة عنه، ولا تتعارض.

وأسماء بن عبيد الضبعي: بصري ثقة، فهو موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح، ورواية الأولين مدرجة، فصلتها رواية عبد الرزاق، وتابعه جعفر بن سليمان، وخلت رواية مهدي بن ميمون -وهو أحد الثقات الحفاظ- عن هذا القيد، فيحمل على ما رواه الثقات عن ابن عمر بأصح الأسانيد عنه في التحديد باثني عشر يومًا للقصر، ومن زاد فليتم، والله أعلم.

• ولابن عمر في ذلك أسانيد أخرى: انظر ما أخرجه أحمد (2/ 83 و 154)، وعبد الرزاق (2/ 538/ 4364)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 246/ 394 - مسند عمر) و (1/ 248/ 397 - مسند عمر).

° ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه أتم في أقل من ذلك:

• فقد روي عن علي بإسناد منقطع، ورجاله ثقات من أهل بيته، أنه قال: إذا أقمت عشرًا فأتم [أخرجه عبد الرزاق (2/ 532/ 4333 و 4334)، وابن أبي شيبة (2/ 208/ 8213 و 8214)، وقال ابن المنذر (4/ 356): "وليس ذلك بثابت عنه"].

• وروي أيضًا في العشر عن ابن عباس بإسناد ضعيف [أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 254/ 416 - مسند عمر). وابن المنذر في الأوسط (4/ 356/ 2281)][وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو: ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه].

وممن قال: إذا عزم على مقام عشرة أيام أتم الصلاة: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، والحسن بن صالح [مصنف ابن أبي شيبة (8/ 202/ 8215 و 8216)، الأوسط لابن المنذر (4/ 356)، معالم السنن (1/ 268)، شرح البخاري لابن بطال (3/ 66)، الاستذكار (2/ 247)، شرح السُّنَّة (4/ 180)، المغني (2/ 65)، حلية العلماء (2/ 199)، المجموع (4/ 304)].

وعلى هذا: فإن أقل ما ثبت عن الصحابة في الإتمام لمن عزم الإقامة: ما زاد على اثني عشر يومًا، كما قدمناه عن ابن عمر آنفًا.

وقال الأوزاعي: "إن نوى مقام اثني عشر يومًا أتم"، أو قال:[إذا أجمع على إقامة ثنتي عشرة أتم الصلاة" [جامع الترمذي (548)، الأوسط لابن المنذر (4/ 356)، المحلى (5/ 22)، الاستذكار (2/ 247)، حلية العلماء (2/ 200)].

• فإن قيل: فلماذا لم تأخذ بقول ابن عباس الذي استنبطه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في

ص: 213

مكثه بمكة عام الفتح تسعة عشر يومًا، لكونها أقصى مدة أقامها النبي صلى الله عليه وسلم في سفره؟

فيقال: لم يثبت لدينا ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أزمع إقامةً، وإنما كان ينتظر أن تستقر الأمور في مكة حتى يستأنف السير إلى حنين، وقيل: كانت إقامته بمكة استعدادًا للقاء هوازن ولتدبير الحرب، لذلك فإن مقامه بمكة هذه المدة إنما وقع اتفاقًا لأجل تحصيل المصلحة، ولو احتاج لأكثر من ذلك لأطال المقام، فلم يعد للتحديد بتسعة عشر يومًا معنى.

قال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله (1712): "قيل لأحمد رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثماني عشرةَ زمنَ الفتح؟ قال: إنما أراد حنينًا لم يكن ثمَّ إجماعٌ، وأقام بتبوكَ عشرين لم يكن ثمَّ إجماعٌ، ولكن إذا أُجمعَ على إقامةِ زيادة على أربعٍ أتمَّ الصلاة.

قال إسحاق رضي الله عنه: هذه الأشياء تُتَّبعُ كما جاءت، والأربعُ ليسَ بقوي".

قال المهلب: "والفقهاء لا يتأولون هذا الحديث كما تأوله ابن عباس، ويقولون: إنه كان صلى الله عليه وسلم فى هذه المدة التى ذكرها ابن عباس غير عازم على الاستقرار، لأنه كان ينتظر الفتح، ثم يرحل بعد ذلك، فظن ابن عباس أن التقصير لازم إلى تسعة عشر يومًا، ثم ما بعد ذلك حضرٌ تُتَمُّ فيه الصلاة، ولم يراع نيته فى ذلك، وقد روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة"[شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/ 66)، التوضيح لابن الملقن (8/ 435)].

ونحتج في هذا أيضًا بقول إسحاق بن راهويه [وهو ممن استحسن قول ابن عباس]: "فلا بيان فيه أن لو كان أكثرَ كان يُتمُّ"[مسائل الكوسج (312)].

وفي الاعتراض عليه يقول ابن العربي في القبس (1/ 333)، وفي المسالك (3/ 84):"وإنما كان متوكِّفًا للرحيل، متشوِّفًا إلى القفول، والعوارض تلويه، حتى تجرَّد عنها، ومن أقام على هذه الحال سَنةً قصر الصلاة".

وقال ابن القيم في فوائد غزوة تبوك من زاد المعاد (3/ 561): "ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، ولم يقل للأمة: لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفقت إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواء طالت أو قصرت؛ إذا كان غيرَ مستوطن، ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع".

وقال ابن حجر في الفتح (2/ 562): "فالمدة التي في حديث ابن عباس يسوغ الاستدلال بها على من لم ينو الإقامة، بل كان مترددًا متى يتهيأ له فراغ حاجته يرحل".

° قلت: هذا من وجه، ومن وجه آخر: فقد صح عن ابن عباس أنه أفتى بغير ذلك:

أ - فقد روى جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن سماك بن سلمة، عن ابن عباس، قال: إن أقمتَ في بلدٍ خمسةَ أشهرٍ فاقْصُر الصلاة.

وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (1232).

ص: 214