الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإن المسيحيين يجدون فيما اشتمل عليه ذلك الإنجيل أخباراً دقيقة عن التوراة حتى لقد يقول الدكتور سعادة: "إنك إذا أعملت النظر في هذا الإنجيل وجدت لكاتبه الماماً عجيباً بأسفار العهد القديم لا تكاد تجد لها مثيلاً بين طوائف النصارى إلا في أفراد قليلين من الأخصائيين الذين جعلوا حياتهم وقفاً على الدين، كالمفسرين، حتى إنه لينذر أن يكون بين هؤلاء أيضاً من له إلمام بالتوراة يقرب من إلمام كاتب إنجيل برنابا".
ترجيح صدق النسبة في هذا الإنجيل:
41-
هذه بينات شاهدة - وإن لم تبلغ اليقين والجزم - بأن نسبة هذا الإنجيل إلى برنابا نسبة يرجح أن تكون صحيحة، لأنه وجدت نسخته الأولى في جو مسيحي خالص، وكان معروفاً قبل ذلك بقرون أن لبرنابا إنجيلاًَ، وهو يدل على أن كاتبه على المام تام بالتوراة التي لا يعرفها الرجل المسيحي غير الاختصاصي في علوم الدين، بل يندر من يعرفها من المختصين، وإن برنابا كان من الدعاة الأولين الذين عملوا في الدعوة عملاً لا يقل عن عمل بولس، كما تذكر رسالة أعمال الرسل، فلابد أن تكون له رسالة أو إنجيل.
هذه بينات تشهد بأن الإنجيل الذي كشف وعرف صحيح النسبة، ليس للمسلمين يد فيه، وإن من ينحله للمسلمين كمن يحمل في يده شيئاً يظن في جملة اتهاماً له. فيسند ملكيته إلى غيره نفياً للتهمة عن نفسه. فهل يقبل منه ذلك النفي من غير حجة ولا دليل سوى أن فيه اتهاماً له؟ وهل يقر القضاء ذلك النفي؟.
قد يقول قائل: أن هذه البينات كلها مرجحة وليست يقينية، ونحن نقول أن أكثر مسائل التاريخ ترجيح، وليست يقينية جازمة، فإذا كانت نسبة إنجيل برنابا إليه ظنية تقبل الإحتمال فانا نأخذ بذلك الظن، لأنه المأخذ في أكثر مسائل التاريخ، والاحتمال الذي لا ينشأ عن دليل لا يلتفت إليه، بجوار الاحتمال الناشئ عن دليل، ووجود ذلك الإنجيل بلغة مسيحية وبين ظهراني المسيحيين، وفي مكاتبهم الخاصة دليل على أن المسلمين ليست لهم يد فيه، ولذلك رجح جمهور المحققين إنه بيس لهم يد في إنشائه.
ولكن زعم بعضهم أن أصله عربي، وهو زعم ليس له دليل، وعلى مدعى ذلك الأصل أن يبرزه، ويبين تاريخ تدوينه، ومقدار نسبته.
ولكن الدكتور سعادة يزعم أن أصله عربي بدليل إنه وجد على النسخة الإيطالية تعليقات عربية، وإنه صرح في التبشير باسم النبي، مع أن المعهود في البشارات الرمز لا النص.
ونحن نرد الأول بأن وجود تعليقات عربية يدل فتخذ على أن بعض من قرأ هذه النسخة يعرف العربية على ضعف فيها لأنه مستقيم التعبير أحياناً قليلة، وسقيم العبارة في أحيان كثيرة، ومن الغريب أن يتخذ من التعليقات العربية دلالة على أصله الإسلامي، ولا يتخذ من صلبه الإيطالي دليلاً على أصله المسيحي.
أما كون التبشير بالنبي صلى الله عليه وسلم صريحاً فيه وليس بتلميح فنحن لا نسلم بأن كل التبشيرات في الكتب الدينية تلميح. نعم بعضها رمز وتلميح، ولكن معنى ذلك نفي الصريح، وعلى فرض أن كل تبشير تلميح لا تصريح، فالنص الإيطالي الذي بين أيدينا ترجمة لا نص، وعسى أن يكون المترجم فهم المعنى، فلم يسعفه في لغته التلميح، فنطق بالتصريح كما يفعل المسيحيون في كثير مما ترجموا من كتب أصلها عبري.
ومن المؤكد أن ذلك الإنجيل لم يكن معروفاً عند المسلمين في غابرهم وحاضرهم، لأن المناظرات بينهم وبين المسيحيين كانت قائمة في كل العصور، ولم يعرف أن أحداً أحتج على مناظرة المسيحي بهذا الإنجيل، مع إنه فيه الحجة الدامغة التي تفلح المسلم على المسيحي، فدعوى وجود نسخة عربية كانت هي الأصل للنسخة الإيطالية، فوق إنها لا دليل عليها مطلقاً، ولو بطريق الوهم هي تناقض أخبار التاريخ الإسلامي مناقضة تامة، وإلا أحتج المجادل عن الإسلام بها. ففيها أقوى دليل، والتاريخ لم يحفظ ذلك، وهذى سجلاته ليستنبطوها. وليعرفوا دخائلها، فلن يجدوا شيئاً يمكن دعواهم ويثبت قضيتهم.