الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فسأل الرئيس عن الباعث لهذا الانسحاب وعن الأسباب التي تلجئ المجمع إلى إخراج هذا البطريرك من قاعته؟ فكان اعتراض هؤلاء أن ديسقورس شكل مجمعاً دون أن يستأذن الكرسي الرسولي، ويقصدون بالكرسي الرسولي بابا القسطنطينية
…
فلم يصادق مندوبو الحكومة على هذا الرأي السقيم، وقرر المجمع بقاء ديسقورس، ولكن على غير كرسي الرياسة، كما كان في المجمع السابق لأنها أصبحت في يد رجال الإمبراطورة، وقد حدث ضجيج وصخب ومنازعات في أثناء الاجتماع مما جعل مندوبي الحكومة يصبحون فيهم قائلين بلسان أحدهم:"إنه لا يجدر بالأساقفة وأئمة الدين أن يأتوا مثل هذه الأعمال الشائنة من صياح، وصراخ، وسب، وقذف، وضرب ولكم. بل يجب عليهم أن يكونوا قدوة للشغب في الهدوء وتسيير الأمور على محور الحكمة والسداد، ولذلك نرجوكم أن تستعملوا البرهان بدل المهاترة، والدليل عوضاً عن القول الهزاء، وأميلوا آذانكم إلى سماع ما سيتلى عليكم".
الشغب في المجمع:
وسارت المناقشة بعد ذلك في جو عنيف متعصب وانتهى المجمع إلى أن قرر، أن المسيح فيه طبيعتان لا طبيعة واحدة، وأن الأُلوهية طبيعة وحدها، والناسوت طبيعة وحده. التقتا في المسيح.
قرار المجمع أن المسيح له طبيعتان:
وقد قال ابن البطريق في بيان قرار المجمع: "قالوا أن مريم العذراء ولدت إلهناً، ربنا يسوع المسيح الذي هو مع أبيه في الطبيعة الإلهية، ومع الناس في الطبيعة الإنسانية، وشهدوا أن المسيح له طبيعتان، وأقنوم واحد، ووجه واحد، ولعنوا نسطورس، ولعنوا ديسقورس، ومن يقول بمقالته، ونفوه ولعنوا المجمع الثاني الذي كان بأفسس وقد نفى ديسقورس إلى فلسطين".
الانشقاق ومداه:
88-
هنا نرى انشقاقاً بين المسيحية المثلثة، واختلافاً يكون بعبد المدى في الأجيال المقبلة، وهو أساس اختلاف الكنائس إلى يومنا الحاضر
فهذا المجمع يرى أن المسيح له طبيعتان أحداهما إنسانية يشارك فيها الناس والأخرى لاهوتية، وأقنوم الابن مكون من الطبيعتين، وهو بذلك يخالف النسطوريين. لأنهم يقولون: أن أقنوم الابن لم يكن من العنصرين، بل من العنصر الإنساني وحده، ويخالف قرار أفسس الثاني الذي يقول أن المسيح طبيعة واحدة تجسد فيها العنصر اللاهوتي من الروح القدس، ومن مريم العذراء مصيرا هذا الجسد معه واحداً وحدة ذاتية جوهرية منزهة عن الاختلاط والاستحالة، بريئة من الانفصال، وبهذا الإتحاد صار الابن المتجسد طبيعة واحدة من طبيعتين، ومشيئة واحدة، وقد بدت آثار ذلك المجمع سريعة واضحة.
فإن المصريين عندما بلغهم ما نزل برئيس كنيستهم غضبوا، وأجمعوا أمرهم على عدم الاعتراف بقرارات ذلك المجمع.
عدم اعتراف المصريين بقرار المجمع:
وتقول مؤلفة كتاب تاريخ الأمة القبطية: "ولما طرق مسامع المصريين ما لحق ببطريركهم من الحرمان والعزل هاجوا وغضبوا، واتفقوا على عدم الاعتراف بقرار المجمع الذي أصدر هذا الحكم، وأعلنوا رضاهم ببقاء بطريركهم رئيساً عليهم، ولو إنه محروم مشجوب، وأن إيمانه ومعتقده هو عين إيمانهم ومعتقدهم، ولو خالفه فيهما جميع أباطرة القسطنطينية، وبطاركة رومية، ولقد أعتبر المصريون أن الحكم الذي صدر ضد بطريركهم ماس بحريتهم الوطنية، مجحف بحقوقهم السياسية، ولو إنه حكم ديني صرف".
ولقد أشتد النزاع بسبب هذا بين المصريين والرومان فثار المصريون وغضبوا عندما رأوا بطريركا يعين على غير مذهبهم، وعلى غير رغبتهم، واستمروا على غضبهم، فصاروا ينتقضون الحين بعد الحين، كلما لاحت لهم الفرصة، وديسقورس لم يمنعه النفي من أن يدعو المسيحيين إلى اعتقاده في منفاه.
ويقول ابن البطريق: "لما نفي سار إلى فلسطين، وبيت المقدس، فأفسد دين كل من بفلسطين وبيت المقدس، حتى قالوا بمقالته".