الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي دليل عقلي، بل كل اعتمادهم على ما عندهم من نقل يحملونه من أثقال المعاني ما تنوء به العبارات، ولا تحتمله أبعد الإشارات، وإنهم إذا حاولوا أن يربطوا قضية التثليث بالعقل حاولوا جهد الطاقة أن يجعلوا العقل يستسيغها في تصوره، ويحسون أن العقل لا يكاد يستسيغ ذلك التصور، وقد نقلنا لك من عباراتهم ما يفيد ذلك، فارجع إليه.
وإذا كانت محاولاتهم تصور القضية قد أجهدتهم، وكلفتهم ما لا يطيقون، فكيف يستطيعون أن يجعلوا من بدائه العقل ما يحمله على تصديق ما يدعون والاقتناع بما يقولون، لذلك لم يحاولوا أن يتجهوا إلى العقل لإثبات قضيتهم من بدهياته، فإن ذلك ليس في قدرة أحد، إذ ليس في قدرة أحد من البشر جميع النقيضين في قرن، والتوفيق بين الأضداد، وقضيتهم والبدهيات العقلية نقيضان لا يجتمعان.
ونرى أن اعتمادهم على النقل لا يغني من الحق شيئاً، لأن شروط الإنتاج في استدلالهم غير مستوفاة، إذ ترى أن تلك العبارات التي عثروا عليها في كتبهم لا تفيد على وجه القطع ما يريدون، بل قد تفيد بأبعد أنواع الاحتمالات، أو باحتمال قريب، ومن المعلوم في قواعد الاستدلال أن الاحتمال إذا دخل الاستدلال أبطله، وكل أدلتهم ينفذ الاحتمال إليها من كل جانب. هذا وان الاستدلال بكتبهم يفيد من يصدقها وهي ذاتها يعروها النقد العلمي في سندها، وفي متنها من كل ناحية، فهي في ذاتها في حاجة إلى دفاع طويل لإثباتها، وقد بينا ذلك كله في موضعه من بحثنا.
صلب المسيح فداء عن الخليقة:
71-
ولنترك الآن الحديث في عقيدة التثليث، ولكن يجب قبل تركها مؤقتاً أن نشير إلى أن التثليث لم يرد دفعة واحدة على المسيحية، بل تورد عليها شيئاً فشيئاً، إلى أن أعلن نهائياً عند غالبتهم في نهاية القرن الرابع الميلادي، وسنبين ذلك كله فضل بيان في تاريخ المجامع المسيحية، وأساب انعقادها، وقراراتها، ومدها في موضعه من هذا البحث، ولنتكلم الآن في العنصر الثاني من عناصر العقيدة المسيحية، وهو صلب المسيح فداء عن الخليقة، وقد أشرنا إليه أجمالاً من قبل.
يقولون في هذا: أن الله من صفاته المحبة، حتى لقد جاء في الكتب
المقدسة عندهم: "الله محبة" ومحبة الله ظهرت في تدبيره طريق الخلاص للعالم، لأن العالم من عهد سقوط آدم في الخطيئة، وهبوطه هو وبنيه إلى الدنيا، مبتعد عن الله بسبب تلك الخطيئة، ولكن الله من فرط محبته وفيض نعمته رأى أن يقربه إليه بعد هذا الابتعاد، فأرسل لهذه الغاية ابنه الوحيد إلى العالم، ليخلص العالم، وقد جاء في إنجيل لوقا:"وإن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب، ويخلص ما قد هلك" فبمحبته ورحمته قد صنع طريقاً للخلاص، لهذا كان المسيح هو الذي يكفر عن خطايا العالم، وهو الوسيط الذي وفق بين محبة الله تعالى، وبين عدله ورحمته، إذ أن مقتضى العدل أن الناس كانوا يستمرون في الابتعاد عن الله بسبب ما اقترف أبوهم، ولكن باقتران العدل بالرحمة، وبتوسط الابن الوحيد وقبوله للتكفير عن خطايا الخلق قرب الناس من الرب بعد الابتعاد، وقد كان التكفير الذي قام به المسيح هو الصلب، لهذا صلب، ورضي الله عن صلبه، وهو ابنه، ودفن بعد الصلب، ولكنه قام بعد ثلاثة أيام من قبره، ويقولون إنه كان قد أنبا بذلك قبل صلبه.
جاء في إنجيل متى في الفقرة التي بعد بيان الصلب: "اجتمع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى بيلاطس قائلين: يا سيد، قد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي: إني بعد ثلاثة أيام أقوم، فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث، لئلا يأتي تلاميذه ليلاً، ويسرقوه، ويقولوا للشعب إنه قام من الأموات فتكون الضلالة الأخيرة أشر من الأولى، فقال لهم بيلاطس: عندكم حراس، اذهبوا، واضبطوه كما تعلمون، فمضوا وضبطوا القبر بيد أن ظهوره كان من بين تلاميذه.
وقد قام من القبر بعد ثلاثة أيام كما ذكرت أناجيلهم، ولكنها اختلفت في تفصيل القيام، فمتى ذكر إنه ظهر في الجليل، ولوقا ذكر إنه ظهر في أورشليم، ويوحنا ذكر إنه ظهر في اليهودية والجليل معاً، ومرقس بين أن ظهوره بين تلاميذه.
وقد ذكر القس إبراهيم سعيد توفيقاً بين هذا الاختلاف فقال: "أجمع البشيرون الأربعة على تقرير هذه الحقيقة. ليس المسيح في القبر، لأنه قام كما قال، لكن كلاً منهم كتب عن القيامة وظهور المسيح للتلاميذ من وجهة نظره الخاصة، متى كتب عن ظهور المسيح في الجليل، لأنه كتب
عن المسيح الملك، ولوقا كتب عن ظهوره في أورشليم، لأنه كتب عن المسيح مخلص جميع الأمم مبتدئاًَ من أورشليم، ويوحنا كتب عن ظهوره في اليهودية والجليل لأنه كتب عن المسيح ابن الله الأبدي صخر الدهر، ومرقس كتب عن ظهور المسيح للتلاميذ في فترات منقطعة، ليشدد عزائمهم للقيام بالخدمة التي تنتظرهم، لأنه كتب عن المسيح الذي جاء ليخدم البشرية، ويرفعها إلى مستوى الكمال. كل هذا لكي يوقع البشيرون الأربعة نعمة مشعبة متنوعة العناصر لانشودة القيامة المجيدة فلئن تنوعت روايتهم إلا أنها لا تتناقض".
وهذا أشبه بالتعلات التي لا تناقش، ولا تقوى أمام النظر المنطقي المستقيم، ولكنها تقبل في الخطابيات، فهي كالزهرة ترى وتشم، ولكن لا تعرك، وذلك لأن هذا التوفيق يقوم على قضيتين:
أحداهما: أن كل إنجيل كتب لغرض معين لا يشمل في عمومه ما كتب له الإنجيل الآخر.
وثانيهما: أن كلاً ذكر المكان الذي يتفق مع غرضه، وإذن فلا اختلاف في الخبر.
وهذا الكلام فيه نظر في مقدمته ونتيجته، وذلك لأنه لو كان متى كتب يخبر عن المسيح الملك، ولوقا عن المسيح المخلص، وهكذا لكان كل إنجيل مغايراً للأناجيل الأخرى تمام المغايرة، مبايناً له تمام المباينة، لأنه يكتب في موضوع يخالف ما يكتب فيه الآخر، وإن كان الشخص واحداً، كان يكتب كتاب عن شخص بارز في السياسة والقانون. فكانت يكتب عنه سياسياً، وآخر يكتب قانونياً فالموضوع يختلف، وإن كان الشخص متخذا، ولكنا لا نجد في الأناجيل في مجموعها ذلك التغاير، وعلى فرض تسليم تلك القضية لا نستطيع أن نسلم القضية الثانية، وهي أن الجليل يناسب المسيح الملك، وأورشليم تناسب المسيح المخلص، وهكذا. فلماذا اختصت هذه بالملك وتلك بالخلاص؟ إن ذلك التخصيص تحكم لا يعتمد على منطق، وعلى فرض صحة المقدمتين، فإن النتيجة لا تنبني عليهما، أن النتيجة اختلاف ذكر الأمكنة في حادثة معينة والشهادة بها، فأحد الشهود يقول: إنه رآه في الجليل، وآخر يشهد بوجوده بين التلاميذ في فترات متقطعة، وثالث يشهد بوجوده في أورشليم، وإذا اختلف الشهود