الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مستعار من العادة التي قضت بها الأنظمة الرومانية على المحكوم عليه بالصلب لأن يجمله كل يوم، وهذه العبارة انفرد لوقا بذكرها، فهو صليب يتجدد كل وبم، كما تجددت الآمال والآلام في الحياة اليومية العملية، فلابد إذن لحمل الصليب من خطوة تسبقه، وخطوة تعقبه، أما الخطوة السابقة له فهي إنكار النفس، بمعنى أن يقول تلميذ المسيح لنفسه الأمارة بالسوء، لا، لأن حمل الصليب هو حمل العار مضافاً إلى ألم الموت، وهذا عمل يستلزم إنكار النفس، لأن الرومان لم ينفروا من الصليب فقط، بل فزعوا من ظله، كذلك كان شعور اليهود بأن حمل الصليب هو حمل اللعنة، لأنه مكتوب في ناموسهم:"ملعون كل من علق خشبه"، والخطوة اللاحقة لحمل الصليب بل الخطوات هي اقتفاء آثار المسيح كقوله:"ويتبعني"، إذن ليس حمل صلينا غاية لكنه وسيلة لهذه الغاية، وهي إتباع المسيح حيث "يمضي" أ. هـ.
فحمل الصليب إذن عندهم ليس غاية، وليس مقصوداً لذاته، ولكنه مقصوداً لغاية أخرى أسمى عندهم، واهي اقتفاء خطوات المسيح في إنكار الذات، والرضا بالفداء في زعمهم وإتباع تعاليمه.
عبادتهم:
74-
عند النصارى عبادتان: هما الصلاة، والصوم، أما الصوم فإنهم يقولون إن شرعه عليهم اختياري لا إجباري، وميقاته قد تتخالف فيه الفرق، فلنتركه إلى الكلام في الفرق والكنائس إن كان للقول متسع، ولنتكلم الآن عن صلاتهم.
والصلاة عندهم ركن من أركان الدين، وهي من زعمهم تقربهم إلى الله عن طريق المسيح.
ولقد جاء في كتاب الأصول والفروع: "إن الدين قلب مقتنع بوجود الله الخالق والحافظ والفادي، فتكون الصلاة ترجمان ذلك القلب، يعبر بها عما يخالجه من الأشواق والعواطف، فبالنظر لاقتناعه بقداسته تكون الصلاة كلمات التعظيم والتسبيح له، وبالنسبة لاقتناعه بجهوده وإحسانه تكون الصلاة عبارات الشكر والحمد، وبالنسبة لوقوعنا في الخطيئة، تكون الصلاة كلمات التذلل والتواضع والاستغفار، وبالنسبة للاحتياج إليه تعالى تكون الصلاة طلباً ودعاء".
والصلاة عندهم لها شرطان أساسيان لا توجد بدونهما، هما منها بمنزلة الدعامة:
الشرط الأول: أن تقدم باسم المسيح، فقد جاء في الإصحاح السادس عشر من إنجيل يوحنا:"الحق أقول لكم إني ما طالبتم من الأب باسمي يعطيكم، إلى الآن لم تطلبوا شيئاً باسمي، أطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً".
ويعللون ذلك بأن الإنسان بسبب خطاياه أبعد عن رضا الله، ولكن بدم المسيح زال هذا البعد، وأصبح قريباً إليه.
فقد جاء في رسالة بولس إلى أهل أفسس في الإصحاح الثاني: "لكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً، ونقض حائط السياج المتوسط".
ويقول صاحب كتاب الأصول والفروع: "للصلاة باسم المسيح معنى أدق من ذلك، وهو أن الاسم يمثل دائماً المسمى. فتكون صلاتنا باسم المسيح تمثل وحدته معنا، بحيث تكون طلباتنا طلباته. وصلاحنا صلاحه، وحياتنا حياته، وبالجملة كأنه يحيا فينا ولأجلنا".
الشرط الثاني: أن يسبق الصلاة الإيمان الكامل بما عندهم، فقد جاء في الإصحاح الحادي عشر من إنجيل مرقس ما نصه:"لذلك أقول لكم كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه، فيكون لكم".
وجاء في رسالة يعقوب: "وليكن الطلب بإيمان غير مرتاب البتة، لأن المرتاب يشبه موجاً من البحر تخبطه الريح وتدفعه، فلا يظن ذلك الإنسان إنه ينال شيئاً من الرب".
وليست للصلاة عندهم عبارات خاصة معلومة يجب أن يتلوها بل ترك لهم أن يتلوا العبارات التي يختارونها بشرط ألا تخرج عن قاعدة الصلاة التي علمهم إياها المسيح لكي يصلوا على منوالها، وهي المسماة بالصلاة الربانية، وهي التي جاءت في صدر الإصحاح عشر من إنجيل يوحنا، ففيه عن المسيح: "وإذ كان يصلي في موضع لما فرغ قال واحد من تلاميذه: يا رب علمنا أن نصلي، كما علم يوحنا أيضاً تلاميذه،
فقال لهم: متى صليتم، فقولوا أبانا الذي في السموات ليتقدس أسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم، وأغفر لنا خطايانا، لأننا نحن أيضاًَ نغفر لكل من يذنب إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، ولكن نجنا من الشر. ولديهم أمثلة كثيرة للصلوات يختارون منها على ما يسهل عليهم: وأشهر الأسفار المشتملة على نماذج للأدعية والصلوات سفر المزامير.
ويقول صاحب كتاب الأصول والفروع: "إنه خزانة ذهبية لصلوات داود النبي وغيره من الأنبياء عملوا بها في أحوالهم الخاصة، مسوقين من الروح القدس، وكثيراً ما يعرض علينا ذات أحوالهم، فنقتبس من أقوالهم ما يطابق حالنا واحتياجنا للاستعانة على التعبير عما بنا من ملمات الأمور، كما إذا كنا في حال الحزن والأسى على خطايانا نقتبس في صلاتنا من مزمار - 51 - لأنه يشتمل على أشد العبارات تأثيراً بصدد التوبة والاعتراف، والاستغفار من الله، وكما إذا كنا في حال الشعور برحمة الله علينا ونعمته نقتبس من مزمار - 103 - للتعبير عن شكر قلوبنا، وشعورها بالمحبة والنعمة، انتهى بتصرف.
وليس عليهم عدد معين من الصلوات كل يوم، كما إنه ليس لها مواقيت معلومة، بل كل ذلك قد وكل إلى نشاط المصلين، ورغبتهم في العبادة ولكن لأن اليهود كانوا يعبدون الله في هياكلهم في صباح كل يوم ومسائه استنبطوا إنه تلزم الصلاة مرتين، أحداهما في الصباح، والأخرى في المساء.
ويقولون في حكمة ذلك في الصباح: "نطلب بركة الرب علينا سحابة اليوم، وأن يهدينا إلى عمل ما فيه رضاؤه، وأن يحفظنا من السوء، وفي المساء نشكره على إحسانه علينا كما إننا نعترف بما فرط منا في اليوم من الزلات، ونطلب منه المغفرة ودوام نعمته علينا وفوق ذلك لا لفتاً نذكر فضله ونشعر بجميله دائماً".
وإذا لم يكن للصلاة عدد محدود عندهم، فالمستحسن الإكثار، ويخالفون اليهود في زعمهم أن الإكثار من الصلاة يجعل الله يمل.
جاء في إنجيل لوقا في صدر الإصحاح الثامن عشر ما نصه: "قال لهم مثلاً إنه ينبغي أن يصلي كل حين، ولا يمل قائلاً: كان في مدينة قاض