الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باطلة من أساسها، ليس لعدم إقامة الدليل عليها، بل لأن البينات قائمة ضدها، ذلك لأنها لو كانت بإلهام من الله كما يقولون لكانت صادقة في كل ما أخبرت به، وما وجد الباطل منفذاً ينفذ منه إليها، ولم يكن ثمة محل لتكذيبها، ولكانت متفقة غير مختلفة، ولم تكن متضاربة بأي نوع من أنواع التضارب، وذلك لوحدة من صدرت عنه، لأنها جميعاً صادرة عن واحد، وإن اختلف الناطقون بها، ولكنا وجدنا بينها اختلافات من أوجه عدة، ووجدنا فيها أخباراً تناقض ما علم في التاريخ وكان مشهوراً فيه، ولنذكر بعض هذه الأمور على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر.
التضارب بين كتب العهد الجديد:
(أ) أول ما يلقاك من أوجه اختلاف الأناجيل في الأمر الواحد الذي لا يقبل إلا حقيقة واحدة. اختلاف إنجيل متى عن إنجيل لوقا في نسب المسيح، فإن من يقابل بين نسب يوسف النجار متبني المسيح في الأناجيل يجد الاختلاف في ستة أرجه ذكرها الشيخ رحمه الله الهندي في كتابه إظهار الحق فقال:
1-
في متى أن يوسف بن يعقوب، وفي لوقا أنه ابن هالى.
2-
يعلم من متى أن عيسى من أولاد سليمان بن داود عليهم السلام، ومن لوقا أنه من أولاد ناثان بن داود.
3-
يعلم من متى أن جميع آباء المسيح من داود إلى جلاء بابل سلاطين مشهورون، ومن لوقا إنهم ليسوا بسلاطين ولا مشهورين غير داود وناثان.
4-
يعلم من متى أن سلتاثيل بن بكينا، ومن لوقا أن سلتاثيل ابن نيرى.
5-
يعلم من متى أن اسم ابن زربايل أبيهود، ومن لوقا أن اسمه ربسا.
والعجب أن أسماء بني زربايل مكتوبة في الباب الثالث من السفر الأول من أخبار الأيام من كتب العهد القديم. وليس فيها أبيهود ولا ريسا فكل منهما غلط.
6-
من داود إلى المسيح عليهما السلام ستة وعشرون جيلاً على ما بين متى، وواحد وأربعون على ما ذكر لوقا.
هذه أوجه اختلاف ستة في نسب المسيح عليه السلام وهو نسب يوسف النجار، الذي كان رجل مريم كما تذكر الأناجيل، وهذا الاختلاف الذي يعترف به المسيحيون، ولا يجدون مناصاً من الإقرار به يدل على أمرين:
أحدهما: أن أحد الإنجيلين لم يكن بإلهام بيقين، إذا فرضنا أن أحدهما صادق والآخر كاذب، فالكاذب لا شك لم يكن بإلهام، وإلا كان الإله الذي أوحى به كاذباً، وذلك لا يليق بحسب بداهة العقل، ولما كان الصحيح منهما غير متعين فالشك يرد على الاثنين، حتى يثبت الصحيح، ويقوم الدليل على صدقه دون الآخر، ومع هذا الشك لا يمكن الاعتقاد بأن ثمة إلهاماً، لأن الشك أن أعترى الأصل زال الاعتقاد.
ثانيهما: أن إنجيل متى لم يكن معروفاً للوقا، أي إنه لم يكن متدارسة معروفاً لدى العلماء في المسيحية. مع أن تدوين إنجيل متى يسبق تدوين إنجيل لوقا بأكثر من عشرين سنة على ما عليه جمهورهم، ولو كان لوقا يعرفه لراجعه، وما وقع في الخطأ الذي وقع فيه، أو على الأقل ما خالفه، وإذا لم يكن معروفاً لدى علماء المسيحية، وحوارييها ورسلها، فلابد إنه لم يكن معروفاً قط، أو بعبارة أصرح، ربما لم يكن موجوداً قط.
ولا مناص من هذا إلا أن يقول أن لوقا كان يعرفه، وأطلع على حديث النسب فيه، وخالفه على بينه منه، لأنه لم يصدقه، وعلى ذلك لا يكون لوقا معترفاً برسالة متى، والإيحاء إليه، وإن ما كتبه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وإلا ما خالف مع علمه.
وخلاصة القول في ذلك أن تلك المخالفة تنتج إحدى اثنتين: أما ألا يكون إنجيل متى معروفاً للرسول لوقا، وذلك يقتضي إلا يكون موجوداً. وأما أن يكون موجوداً يعرفه لوقا، ولكن لا يعترف به مصدراً صادق الرواية. وإحدى القضيتين لازمة حتماً، ولكن لا يعترف المسيحيون بكلتيهما.
(ب) ونجد في الإصحاح الخامس عشر من إنجيل متى إنه بعد مناقشة الفردسيين تقدمت إليه امرأة، ابنتها مريضة بالجنون تطلب شفاءها، ونص الخبر كما جاء في ذلك الإصحاح:"ثم خرج يسوع من هناك، وانصرف إلى نواحي صور صيداء. وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة: ارحمني يا سيدي يا ابن داود، ابنتي مجنونة جداً، فلم يجبها بكلمة، فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين: اصرفها، لأنها تصيح وراءنا". تجئ هذه القصة في الإصحاح الثامن من إنجيل مرقص بالنص الآتي: "ثم قام من هناك، ومضى إلى تخوم صور وصيداء، ودخل بيتاً وهو يريد ألا يعلم به أحد، فلم يقدر أن يختفي لأن امرأة كان بابنتها روح نجس سمعت به، فأتت وخرت عند قدميه، وكانت المرأة أممية وفي جنسيتها فينيقية سورية".
ففي هذا النص يبين جنس المرأة بأنها فينيقية سورية، وإنها أممية ليست من اليهود، وفي الأولى توصف بأنها كنعانية أي ليست فينيقية، فأيها الأحرى بالقبول؟ لاشك إنه لا يمكن أن تكون الروايتان صادقتين معاً، بل لابد أن تكون أحداهما كاذبة وليست بإلهام من الله، لأن الله لا يكذب، وإذا كانت أحداهما ليست صادقة بيقين، وكاذبة بيقين، ولم يدر أيتهما الكذابة المفتراة، فالشك إذن ملازم الاثنتين لا ينفصل عنهما، حتى نتبين الصدق من الكذب، ولا سبيل إلى ذلك، ولا يمكن أن نثبت لأيهما إلهاماً مع هذا الشك الملازم الذي لا سبيل إلى إزالته.
(جـ) وقد اختلف خبر القبض على المسيح لمحاكمته في متى عن يوحنا، ففي متى جاء في ذلك بالإصحاح السادس والعشرين ما نصه: وفيما هو يتكلم، وإذا يهوذا واحد من الاثني عشر قد جاء، ومعه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلاً:"الذي أقبله هو أمسكوه فالوقت تقدم إلى يسوع؟ وقال السلام يا سيدي وقبله، فقال يسوع يا صاحب لماذا جئت؟ حينئذ تقدموا، وألقوا الأيادي على يسوع وأمسكوه" هذا ما جاء متى، وجاء في يوحنا في هذا المقام ما نصه: "فأخذ يهوذا الجند وخداماً من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح فخرج يسوع، وهو عالم بكل ما يأتي، وقال لهم: من تطلبون؟ أجابوه: يسوع الناصري،
قال لهم: أني أنا هو، وكان يهوذا مسلمه أيضاً واقفاً معهم، فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض، فسألهم أيضاً من تطلبون؟ فقالوا يسوع الناصري، أجاب يسوع قد قلت لكم: أني أنا هو، فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون ليتم القول الذي قاله: إن الذين أعطيتني لم أهلك أحداً".
وترى هنا اختلافاً بينا بين الروايتين، فمتى يقول: أن يهوذا هو الذي أعلمهم بالمسيح بالعلامة التي اتفق معهم عليها، وهي تقبيله، ويوحنا يقول: إن المسيح هو الذي قدم نفسه وكفى يهوذا مئونة التعريف، ولا شك أن ذلك الاختلاف البين في رواية حادثة واحدة يجعل إحدى الروايتين كاذبة والثانية صادقة، والكاذبة ليست بإلهام، فإحداهما ليست بإلهام، ولا سبيل إلى معرفتها فيثبت الشك في الروايتين.
وفي الحق أن من يراجع الأناجيل في خبرها عن القبض على المسيح وحبسه، ثم محاكمته وصلبه في زعم النصارى، ثم قيامته من قبره، يجد الاختلاف في أخبارها اختلافاً بينا، ولو كان بعض هذا الاختلاف في شهادة اثنين يشهدان في درهم ما ثبت بشهادتهما دعوى، ولا انتصر بها حق.
ولتراجع الأناجيل في هذا المقام لتعرف مقدار الصحة في خبرها، ولتعرف مقدار ما في دعوى الإلهام لكاتبيها عند كتابتها من حق، فلا شك أن ذلك الاختلاف الذي لا يمكن التوفيق بين متناقضة يؤدي إلى أن تلك الأناجيل يأتيهما الشك من كل جانب، يأتيها من بين يديها، ومن خلفها، فلا يمكن أن تكون إلهاماً من حكيم حميد.
وإن ذلك الاختلاف فيما أحاط بمسألة الصلب - فوق إنه يفقد الثقة بالأناجيل، هو أيضاً يجعل خبر الصلب عند القارئ الخالي الذهن الذي لم يكن في ذهنه قبل القراءة ما ينفيه أو يثبته موضع الشك الذي يرجح فيه الرد على القبول، والتكذيب على التصديق.
(د) وفي موت يهوذا الذي خان المسيح على زعمهم، اختلف رواية متى عن رواية لوقا في سفر أعمال الرسل. فمتى يقول: إنه خنق نفسه ومات، كما جاء في الإصحاح السابع والعشرين.
ولوقا يقول في سفر الأعمال: إنه خر على وجهه، وانشق بطنه، فانسكبت أحشاؤه كلها ومات.
ولا شك أن بين الروايتين اختلافاً، لأن الموت بالخنق غير الموت بشق البطن، ولابد أن تكون أحداهما على الأقل كاذبة. ولكنها غير معلومة، فيتطرق الشك إلى الأخرى فيردان معاً، ولا يمكن أن تكونا بإلهام أو لا يمكن مع ذلك الشك الإيمان بأن كلتيهما بإلهام.
(هـ) قد اشتمل بعض هذه الكتب على أخبار لو صحت لكانت معلومة مشهورة في التاريخ يعرفها الخاص والعام، ولدونتها كتب التاريخ على إنها حوادث مفردة عجيبة في الدهر. ولكن لم يرد لها ذكر في التاريخ، ولم يعرف الناس أمرها إلا من تلك الكتب.
هذا متى يقول عند صلب المسيح وقيامته: فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين. وأما قائد المائة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة، وما كان، خافوا جداً، وقالوا: حقاً كان هذا ابن الله".
وهذه حادثة عظيمة لو صحت لدونها التاريخ العلم الذي لم يشر إلى المسيح بكلمة، ولو صحت أيضاً لآمن الرومان واليهود، الصخور تتشقق، والأرض تزلزل، والأموات ينتشرون، ويسيرون على الأرض، ويراهم الكثيرون، ويبقى بعد ذلك مساغ لإنكار، ولكن لم ترد أخبار بإيمان أحد من اليهود على أثر تلك البينات الباهرات.
ولقد جزم العلامة المسيحي نورتن يكذب هذه الحكاية، وقال في تكذيبها:"هذه الحكاية كاذبة والغالب أن أمثال هذه الحكاية كانت رائجة في اليهود بعد خراب أورشليم، فلعل أحداً كتب هذه الحكاية في النسخة العبرانية، وأدخلها الكتاب في المتن، وهذا المتن في يد المترجم فترجمها كما وجدها".
ونقول: لعل كثيراً مما في المتن أصله في الحاشية ثم نقل خطأ في المتن، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون هذا الكتاب وأشباهه مصدراً