الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خشيته من نفاد ما في يده والتقتير بسبب ذلك وتقرر أن الله لا يستشعر بشيء من هذا لأن خزائن رحمته لا تنفد.
ولا يروي المفسرون رواية ما في صدد الآية. وبدؤها بالأمر بالقول مع ضمير الجمع المخاطب قرينة على أن الآية متصلة بموقف الكفار الذي حكته الآيات السابقة، ولعلها انطوت على جواب لسؤال أورده الكفار على سبيل التحدي وهو ما بالهم ما يزالون أحياء يرزقون متمتعين بمتع الحياة وزينتها ونعيمها مع كفرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم واليوم الآخر، فأجيبوا بما انطوى فيه أن الله قد جعل لهم أجلا هو آت لا ريب فيه، وأن سنته اقتضت تيسير الرزق للناس خلال الأجل المضروب لهم وهو المتصف بالرحمة وليس هو كالبشر يخشى نفاد ما في خزانته.
وواضح أن الجواب متسق مع ما اعتاده البشر من عادات وطبائع بسبيل الإلزام والإفحام.
ووحدة النظر والتساوق تسوغ القول إن الآية لم تنزل فور ما فرضناه من سؤال، فهو على ما هو المتبادر سابق بمدة ما. وقد احتوت الآية جوابا عليه في مناسبة ذكر أقوال ومواقف الكفار في سياق متصل.
[سورة الإسراء (17) : الآيات 101 الى 104]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (101) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (103) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (104)
. (1) مثبورا: هالكا. وقيل إنها بمعنى مصروفا عن الخير، وأن ثبر بمعنى صرف أيضا وقيل كذلك إنها بمعنى مغلوبا أو مخبولا.
(2)
لفيفا: جماعات الناس على اختلافهم وقيل بمعنى جميعا.
عبارة الآيات واضحة. ولم يرو المفسرون رواية ما في صدد نزولها. ويتبادر لنا أنها غير منقطعة عن السياق، وأنها جاءت استطرادية على سبيل الإنذار والتذكير للكفار الذين حكت الآيات السابقة مواقفهم وأقوالهم بحيث تؤذنهم بأنهم إذا كانوا وقفوا من النبي صلى الله عليه وسلم موقفهم الباغي فقد وقف فرعون من موسى عليه السلام نفس الموقف. وقد انطوى الاستطراد على تطمين النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وتبشيرهم، فالله الذي أهلك فرعون ومكّن لبني إسرائيل أعداءه في الأرض من بعده قادر على إهلاك أعدائهم والتمكين لهم من بعدهم أيضا، والعرب السامعون كانوا يعرفون قصة رسالة موسى عليه السلام لفرعون ونتائجها على ما مرّ شرحه في مناسبات سابقة وبذلك تكون الحجة محكمة عليهم.
والأمر بسؤال بني إسرائيل الذي احتوته الآية الأولى أريد به توكيد الوقائع والنتائج على ما هو المتبادر، فبنو إسرائيل بين ظهراني العرب ومنهم أفراد في مكة، ومن الممكن أن يستشهدوهم عليها. وقد انطوى الكلام معنى الاطمئنان بالشهادة الإيجابية والتصديقية. وهذا الأسلوب قد تكرر في القرآن كثيرا لأن العرب كانوا يثقون بالكتابيين واليهود بخاصة ومعارفهم.
ويلحظ في الآيات عود على بدء السورة بذكر بني إسرائيل في آخرها كما ذكروا في أولها مما فيه صور من صور النظم القرآني. ولقد أورد الطبري في سياق الآيات حديثا رواه أيضا الترمذي بسند صحيح عن صفوان بن عسّال جاء فيه «إنّ يهوديين قال أحدهما لصاحبه اذهب بنا إلى هذا النبيّ نسأله فقال لا تقل نبيّ فإنّه إن سمعها كانت له أربعة أعين فأتيا النبيّ فسألاه عن قول الله عز وجل وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلّا بالحقّ ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله ولا تأكلوا الرّبا ولا تقذفوا محصنة ولا تفرّوا من الزحف وعليكم يا معشر اليهود خاصّة لا تعدوا في السّبت» فقبّلا يديه ورجليه وقالا نشهد أنّك نبيّ.
قال فما يمنعكما أن تسلما قالا إنّ داود دعا الله ألّا يزال في ذرّيّته نبيّ. وإنّا نخاف