الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصادرة عنه، وإنه لا يقدم على هذا إلا المجرمون الذين لن يفلحوا.
وقد يتبادر أن التقرير المنطوي في الآية الأخيرة وارد بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية وإلى المجرمين من ناحية أخرى في وقت واحد. وبالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ينطوي على تبرئته من أي احتمال للكذب على الله تعالى فيما يبلغه والله أعلم.
تعليق على قول الكفار ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ وجواب القرآن عليه
روى بعض المفسرين «1» أن خمسة من رجالات قريش جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فطلبوا منه الإتيان بقرآن ليس فيه تسفيه لعقولهم وحملة على آلهتهم وتبديل لهجته إذا كان يريد أن يستجيبوا له أو يسكتوا عنه، ويدعوه وشأنه فأنزل الله الآيات على سبيل حكاية قولهم والرد عليه. وفحوى الآيات يسوغ القول حقا أنها في صدد مشهد مثل هذا المشهد. وبكلمة ثانية يجعل الرواية محتملة الصحة ولو لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. غير أن عطف الآيات على ما قبلها وورود تعبير لا يَرْجُونَ لِقاءَنا الذي تكرر وروده في الآيات السابقة يجعلاننا نرى في الآيات استمرارا للسياق. ونرجح أن المشهد كان قبل نزولها. فحكته الآيات في جملة ما حكاه السياق من مواقف الجاحدين بل إن خطورة المشهد الذي حكته يجعلنا نرجح أن السياق منذ بدء السورة هو تمهيد وتوطئة لحكايته.
ولقد احتوت سورة الإسراء السابقة لهذه السورة في ترتيب النزول آيات ذكرت أن الكفار كادوا يفتنون النبي صلى الله عليه وسلم عما أنزل عليه ليفتري على الله غيره على ما شرحناه في سياقها. فليس بعيدا أن يكون الموقف والمطلب واحدا ولا سيما إن سورة يونس نزلت بعد سورة الإسراء على ما روته الروايات وقامت عليه القرائن أو أن يكون الكفار عادوا فألحوا فيما طلبوه فكان هذا المشهد الذي نزلت الآيات به.
(1) انظر الطبري والبغوي والخازن. [.....]
ولقد تكرر في السور السابقة حكاية مشاهد الجدل والحجاج حول القرآن، كما استمر في السور اللاحقة أيضا مما يدل على أن القرآن كان موضوع حجاج وأخذ ورد دائم بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار، ومما هو طبيعي لأنه أعظم وأقوى مظهر للنبوة والرسالة.
وهذا الجدل المستمر بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار حول القرآن وحكايته فيه يؤيد ما قلناه قبل من أن تعبير (القرآن) كان يطلق على ما كان ينزل منه قبل تمامه أولا، ومن أن الفصول المحكمة فيه التي احتوت أسس الدعوة أي وحدة الله والإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء الآخرين وباليوم الآخر والتزام مكارم الأخلاق والأعمال الصالحة وعبادة الله وحده واجتناب الآثام والفواحش والشرك هي التي كان يقصد بها هذا التعبير ويدور حولها الجدل وتنزل الفصول التدعيمية الأخرى من قصص وأمثال وترغيب وترهيب وتذكير وتنديد وتسفيه لدعمها ثانيا، ولما كان جميع ذلك وحيا ربانيا فقد شملته دفتا المصحف ودخل في نطاق تعبير كلام الله وقرآنه.
والمتمعن في الآيات يلمس صورة رائعة قوية تثير الإجلال والإعظام لصميمية الرسول صلى الله عليه وسلم في إبلاغه أمر الله القرآني ردا على طلب الكفار وإخلاصه وصدقه وعمق إيمانه بأنه إنما كان يبلغ وحي الله النازل عليه وباستشعاره خوفا عظيما تجاه أي احتمال في تبديل أو تعبير أو زيادة أو نقص فيما كان يوحى إليه في سياق إبلاغه وتفهيمه للناس.
وفيها ردّ قوي على من يزعم أن القرآن نابع من نفس النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي الآية الثانية صورة من صور نشأة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وشيء من سيرته وخلقه حيث تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتذكير السامعين بما كان من أمره وحالته قبل نزول الوحي عليه، وبأنهم يعرفونه ويعرفون أنه لم يكن فضوليا ولا مفتريا ولا كذابا ولا مندفعا في أي أمر وحركة، ولا راغبا في البروز والظهور، ولا مترشحا للنبوة، ولا شاعرا ولا خطيبا ولا كاتبا ولا قارئا، وإن هذا لدليل على أنّ ما كان يبلغه ليس منه وإنما هو وحي الله وقرآنه.