الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(8) باب الاستعاذة
(الفصل الأول)
2481-
(1) عن أبي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ
ــ
وفيه محمد بن أبان الجعفي وهو ضعيف. قلت: وهو في سند ابن السني أيضًا رواه عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه، وقال الحاكم (ج1: ص539) في باب دعاء دخول السوق بعد رواية حديث عمر وابنه عبد الله بن عمر ((وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وبريدة الأسلمي وأنس وأقربها بشرائط هذا الكتاب حديث بريدة بغير هذا اللفظ)) ثم روى حديث بريدة من طريق محمد بن عيسى المدايني ثنا شعيب بن حرب حدثنا جار لنا يكنى أبا عمرو عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال الحافظ العراقي فيه أبو عمرو جار لشعيب بن حرب ولعله حفص بن سليمان الأسدي مختلف فيه، وقال غيره فيه أبو عمرو جار لشعيب بن حرب ولا يعرف، والمدايني متروك وبه رد الذهبي في التخليص تقوية الحاكم له، وفي الميزان (ج3: ص112) محمد بن عمر، عن علقمة بن مرثد، له حديث واحد، وهو منكر ذكره البخاري في الضعفاء ومتن حديثه عن ابن بريده عن أبيه ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل السوق قال: بسم الله)) قال البخاري: لا يتابع عليه - انتهى. قلت: ترجم له البخاري في التاريخ الكبير (1، 1، 179) لكن فيه محمد أبو عمر، قال شعيب بن حرب هو جار لنا سمع علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل السوق قال بسم الله. قال محمد: هذا لا يتابع عليه.
(باب الاستعاذة) أي أنواع الدعوات التي وقع فيها الاستعاذة من العوذ وهو الالتجاء واللوذ. قال في القاموس: العوذ الالتجاء كالعياذ والمعاذ والتعوذ والاستعاذة.
2481-
قوله (تعوذوا بالله) أمر ندب وهذا لفظ البخاري في كتاب القدر ورواه في الدعوات بلفظ ((كان يتعوذ)) فيكون حديثًا فعليًا وهكذا وقع عند مسلم والنسائي، ولأحمد ((كان يستعيذ)) وكذا في رواية للنسائي قال الحافظ: قوله ((كان يتعوذ)) كذا هو في رواية الأكثرين، ورواه مسدد عن سفيان بلفظ الأمر ((تعوذوا)) وسيأتي في كتاب القدر، وكذا وقع في رواية الحسن بن علي الواسطي عن سفيان عن الإسماعيلي وأبي نعيم. وفيه مشروعية الاستعاذة ولا يعارض ذلك كون ما سبق في القدر لا يرد لاحتمال أن تكون هذه الاستعاذة والدعاء مما قضى الله به فقد يقضي على المرء مثلاً بالبلاء ويقضى أنه إن دعا كشف وفرج عنه البلاء فالقضاء محتمل للدافع والمدفوع، وفائدة الاستعاذة والدعاء إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه إليه (من جهد البلاء) بفتح الموحدة ممدود، والجهد بفتح الجيم وتضم الفتح أشهر وأفصح، أي شدة البلاء قال في النهاية: جهد البلاء، أي الحالة الشاقة وقيل المراد به الحالة التي يمتحن بها للإنسان وتشق
وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ
ــ
عليه بحيث يتمنى فيها الموت ويختاره عليها أي لو خير بين الموت وبين تلك الحالة لأحب أن يموت تحرزًا عن تلك الحالة، وقيل جهد البلاء كل ما أصاب المرء من شدة المشقة وما لا طاقة له بحمله ولا قدرة له على دفعه، وقيل المراد به قلة المال وكثرة العيال كذا جاء عن ابن عمر والصواب والحق أنه أعم وأن ذلك فرد من أفراد جهد البلاء، استعاذ صلى الله عليه وسلم من جهد البلاء لأن ذلك مع ما فيه من المشقة على صاحبه قد يحصل به التفريط في بعض أمور الدين وقد يضيق صدره بحمله فلا يصبر فيكون ذلك سببًا في الإثم (ودرك الشقاء) بفتح الدال والراء المهملتين ويجوز إسكان الراء وهو الإدراك واللحوق والوصول إلى الشيء يقال: أدركته إدراكًا ودركًا، قال الطيبي: ومنه الحديث ((لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان دركًا لحاجته)) وقيل الدرك بفتح الراء اسم وبالإسكان المصدر، والشقاء بفتح الشين وبالقاف والمد الشدة والعسر وهو ضد السعادة، وقال الحافظ: الشقاء هو الهلاك ويطلق على السبب المؤدي إلى الهلاك، قيل المراد بدرك الشقاء سؤء الخاتمة. وقال الشوكاني: درك الشقاء شدة المشقة في أمور الدنيا وضيقها عليه وحصول الضرر البالغ في بدنه أو أهله أو ماله وقد يكون باعتبار الأمور الأخروية وذلك بما يحصل من التبعة والعقوبة بسبب ما اكتسبه من الوزر واقترفه من الإثم استعاذ صلى الله عليه وسلم من ذلك لأنه النهاية في البلاء والغاية في المحنة وقد لا يصبر من امتحنه الله به فيجمع بين التعب عاجلاً والعقوبة آجلاً - انتهى. وقيل هو واحد دركات جهنم ودرجاتها ومنازلها ومعناه من موضع أهل الشقاوة وهي جهنم أو من موضع يحصل لكم فيه شقاوة أو هو مصدر إما مضاف إلى المفعول أو إلى الفاعل أي من درككم الشقاء أو من درك الشقاء إياكم (وسوء القضاء) هو ما يسوء الإنسان ويحزنه من الأقضية المقدرة عليه وذلك أعم من أن يكون في دينه أو في دنياه أو في نفسه أو أهله أو في ماله. قال ابن بطال: سوء القضاء عام في النفس والمال والأهل والولد والخاتمة والمعاد قال: والمراد بالقضاء هنا المقضي لأن حكم الله من حيث هو حكمه كله حسن لا سوء فيه. قالوا في تعريف القضاء والقدر: القضاء هو الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر هو الحكم بوقوع الجزئيات لتلك الكليات على سبيل التفصيل في الإنزال. قال الله تعالى:{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} (15: 21) قال الشوكاني: وفي الاستعاذة منه صلى الله عليه وسلم من سوء القضاء ما يدل على أنه لا يخالف الرضاء بالقضاء فإن الاستعاذة من سوء القضاء هي من قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره ولهذا شرعها لعباده. ومن هذا ما ورد في قنوت الوتر بلفظ ((وقني شر ما قضيت)) قال: والقضاء (أي المقضي به) باعتبار العباد ينقسم إلى قسمين خير وشر وقد شرع لهم الدعاء بالوقاية من شره والاستعاذة منه ولا ينافي هذا ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في بيان الإيمان لمن سأله عنه بقوله: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خير وشره. فإنه لا مانع من أن يكون الإنسان مؤمنًا بما قضاه الله من خير وشر مستعيذًا بالله من شر القضاء عملاً بمجموع الأدلة فحديث الإيمان بالقضاء دل على أن القضاء منقسم إلى ما هو خير وإلى ما هو شر فتؤمن به ولما وقع منه صلى الله عليه وسلم الاستعاذة من سوء القضاء وأمرنا أيضًا بالاستعاذة منه فنستعيذ منه
وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ.
ــ
فإيماننا واستعاذتنا كلاهما تحت أمر الشارع عليه الصلاة والسلام انتهى بتغير يسير. وقال السندي: المقضي حيث القضاء أزلي فأي فائدة في الاستعاذة منه؟ والظاهر أن المراد صرف المعلق منه فإنه قد يكون معلقًا، والتحقيق أن الدعاء مطلوب لكونه عبادة وطاعة ولا حاجة لنا في ذلك إلى أن نعرف الفائدة المترتبة عليه سوى ما ذكرنا (وشماتة الأعداء) بفتح الشين المعجمة وهي فرح الأعداء بما يقع من يعادونه من المكروه ويحل به من المحنة. قال في الصحاح: الشماتة الفرح ببلية العدو ويقال يشمت به بالكسر شماتة، وفي القاموس شمت كفرح شمتًا وشماتة فرح ببلية العدو وفي النهاية شماتة الأعداء فرح العدو ببلية تنزل بمن يعاديه. قيل: أي تعوذوا من فرح أعداء الدين والدنيا المتعلقة بالدين وأما إذا كان رجل مثلاً له من الدنيا ما يسرف فيه ويبطر ويفسق ويظلم فيشمت بزوالها الأعداء فلا استعاذة منه. وقال القاري: أي قولوا نعوذ بك من أن تصيبنا مصيبة في ديننا أو دنيانا بحيث بفرح أعدائنا وبهذا علم أن الكلمات الأربعة جامعة مانعة لصنوف البلاء وأن بينها عمومًا وخصوصًا من وجهه كما في كلام البلغاء والفصحاء، وقيل: الخصلة الأخيرة، أي شماتة الأعداء تدخل في عموم كل واحدة من الثلاثة ثم كل واحدة من الثلاثة مستقلة فإن كل أمر يكره يلاحظ فيه جهة المبدأ وهو سوء القضاء وجهة المعاد وهو درك الشقاء لأن شقاء الآخرة هو الشقاء الحقيقي وجهة المعاش وهو جهد البلاء، وأما شماتة الأعداد فتقع لكل من وقع له كل من الخصال الثلاثة. قلت: والحديث رواه مسلم بلفظ ((كان يتعوذ من سوء القضاء ومن درك الشقاء ومن شماتة الأعداء ومن جهد البلاء)) قال الكرماني: هذه الكلمة جامعة لأن المكروه إما أن يلاحظ من جهة المبدأ وهو سوء القضاء، أو من جهة المعاد وهو درك الشقاء، أو من جهة المعاش وهو إما من جهة غيره وهو شماتة الأعداء، أو من جهة نفسه وهو جهد البلاء، نعوذ بالله منه - انتهى. قال السندي: وأنت خبير بأنه لا مقابلة على ما ذكره بين سوء القضاء وغيره بل غيره كالتفصيل لجزئياته فالمقابلة ينبغي أن تعتبر باعتبار أن مجموع الثلاثة الأخيرة بمنزلة القدر فكأنه قال من سوء القضاء والقدر لكن أقيم أهم أقسام سوء القدر مقامه، يعني أستعيذ بسوء القضاء ثم أتبع بأهم أقسام سوء القدر، فلا مقابلة بين سوء القضاء وغيره، بل غيره كالتفصيل لجزئياته، بقي أن المقضي من حيث القضاء أزلي فأي فائدة في الاستعاذة منه؟ والظاهر أن المراد صرف المعلق منه فإنه قد يكون معلقًا والتحقيق أن الدعاء مطلوب لكونه عبادة وطاعة ولا حاجة لنا في ذلك إلى أن نعرف الفائدة المترتبة عليه سوى ما ذكرنا - انتهى. قال الشوكاني: استعاذ صلى الله عليه وسلم من شماتة الأعداء وأمر بالاستعاذة منها لعظم موقعها وشدة تأثيرها في الأنفس البشرية ونفور طباع العباد عنها وقد يتسبب عن ذلك تعاظم العداوة المفضية إلى استحلال ما حرمه الله سبحانه وتعالى. وقال ابن بطال: شماتة الأعداء ما ينكأ القلب ويبلغ من النفس أشد مبلغ وإنما تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك تعليمًا لأمته، فإن الله تعالى آمنه من جميع ذلك. قال الحافظ: ولا يتعين ذلك بل يحتمل أن يكون استعاذ بربه من وقوع ذلك بأمته ويؤيده رواية مسدد المذكورة بصيغة الأمر، وفي الحديث دلالة على أن الكلام المسجوع
متفق عليه.
ــ
لا يكره إذا صدر عن غير قصد إليه ولا تكلف بل هو من السجع المحمود وهو ما جاء بانسجام وإتقان والمذموم من السجع ما يأتي بتكلف واستكراه. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الدعوات، وفي القدر، ومسلم في الدعاء. واللفظ للبخاري في القدر، وأخرجه أيضًا أحمد (ج2: ص246) والنسائي في الاستعاذة، والحميدي في مسنده (ج2: ص429) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج1: ص529، وج2: ص123) ، والبغوي (ج5: ص160) كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة، زاد البخاري في روايته في الدعوات ((قال سفيان الحديث ثلاث، زدت أنا واحدة لا أدري أيتهن هي)) أي الحديث المرفوع المروي يشتمل على ثلاث جمل من الجمل الأربع والرابعة زادها سفيان من عند نفسه ثم خفي عليه تعيينها، وفي رواية للنسائي ((قال سفيان هو ثلاثة فذكرت أربعة لأني لا أحفظ الواحد الذي ليس فيه)) ووقع عند الحميدي عن سفيان ((الحديث ثلاث من هذه الأربع)) . قال الحافظ: وأخرجه أبو عوانة والإسماعيلي وأبو نعيم من طريق الحميدي ولم يفصل ذلك بعض الرواة عن سفيان كما سيأتي واستشكل جواز زيادة سفيان الجملة المذكورة في الحديث مع أنه لا يجوز الإدراج في الحديث. قال الكرماني: كيف جاز له أن يخلط كلامه بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لا يفرق بينهما ثم أجاب بأنه ما خلط بل اشتبهت عليه تلك الثلاث بعينها وعرف أنها كانت ثلاثة من هذه الأربعة فذكر الأربعة تحقيقًا لرواية تلك الثلاثة قطعًا إذ لا تخرج منها، وروى البخاري في القدر الحديث المذكور وذكر فيه الأربعة مسندًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا تردد ولا شك ولا قول بزيادة وفي بعض الروايات ((قال سفيان أشك أني زدت واحدة)) - انتهى. وقال الحافظ: سيأتي في القدر، أي عند البخاري عن مسدد، وأخرجه مسلم عن أبي خيثمة وعمرو الناقد، والنسائي عن قتيبة، والإسماعيلي من رواية العباس بن الوليد، وأبو عوانة من رواية عبد الجبار بن العلاء، وأبو نعيم من طريق سفيان بن وكيع كلهم عن سفيان بالخصال الأربعة بغير تمييز إلا أن مسلمًا قال عن عمرو الناقد، قال سفيان: أشك أني زدت واحدة منها. وأخرجه الجوزقي من طريق عبد الله بن هاشم عن سفيان فاقتصر على ثلاثة، ثم قال قال سفيان ((وشماتة الأعداء)) ، وأخرجه الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر عن سفيان وبين أن الخصلة المزيدة هي شماتة الأعداء، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق شجاع بن مخلد عن سفيان مقتصرًا على الثلاثة دونها وعرف من ذلك تعيين الخصلة المزيدة. وأجاب الحافظ عن هذا الاختلاف بأن سفيان كان إذا حدث ميزها ثم طال الأمر فطرأ عليه النسيان وطرفه السهو عن تعيينها فحفظ بعض من سمع تعيينها منه قبل أن يطرأ عليه النسيان ويطرقه السهو ثم كان بعد أن خفي عليه تعيينها يذكر كونها مزيدة مع إبهامها ثم بعد ذلك إما أن يحمل الحال حيث لم يقع تمييزها لا تعيينًا ولا إبهامًا أن يكون ذهل عن ذلك أو عين أو ميز فذهل عنه بعض من سمع ويترجح كون الخصلة المذكورة، أي شماتة الأعداء هي المزيدة بأنها تدخل في عموم كل واحدة من الثلاثة - انتهى. قلت: وجنح بعضهم إلى ترجيح رواية مسدد ومن وافقه لأنها فيها زيادة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة وإليه يشير صنيع البغوي والمؤلف إذ اقتصرا
2482-
(2) وعن أَنَسَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ.
ــ
على إيراد الحديث القولي الذي ورد فيه الخصال الأربعة بغير تمييز وفصل ولم ينبها على رواية الشك والتردد والزيادة ولا يخفى ما في ذلك. نعم الأحوط لنا أن نذكر عند الدعاء بهذه الاستعاذة الجمل الأربع ونستعيذ من الخصال الأربعة جميعًا.
2482-
قوله (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل) الحزن بفتحتين وبضم فسكون مثل رَشَد ورشُد، قيل الفرق بينه وبين الهم أن الحزن إنما يكون في أمر قد وقع والهم إنما هو في ما يتوقع وكثير من الناس لا يفرقون بينهما ويجعلونه من باب التكرير والتأكيد وكثيرًا ما يجيء مثل هذا التأكيد بالعطف مراعاة لتغاير اللفظ والعجز بسكون الجيم قال النووي: هو عدم القدرة على الخير، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به وأما الكسل وهو بفتحتين فهو عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة فيه مع إمكانه، وقيل العجز سلب القوة وتخلف التوفيق إذ صفة العبد العجز وإنما يقوى بقوة يحدثها الله فيه فكأنه استعاذ به أن يكله إلى أوصافه فإن كل من رد إليها فقد خذل والكسل التثاقل والتراخي مما ينبغي مع القدرة والاستطاعة والقوة، فالعاجز معذور والكسلان لا، ومع ذلك هو حالة ردية ولو مع عذر فلذا تعوذ منه والجبن ضد الشجاعة التي فيها فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل وقيل هو الخور عن تعاطي الحرب خوفًا على المهجة وإمساك النفس والضن بها عن إتيان واجب الحق والبخل ضد الكرم، وفي كلام العرب منع الإحسان أو منع السائل المحتاج عما يفضل عن الحاجة، وفي الشرع منع ما وجب، قيل: الجبن والبخل قد يكونان غريزة وقد يعرض كل منها لمن ليس هو غريزة له، وذلك بحسب قوة الدواعي والموانع، ومن قوي إيمانه لم يكد يظهر منه أثر بخل أو جبن في سبيل الله وإن كان سجية له اللهم إلا أن يغفل عن استحضار مقتضى إيمانه فإنه حينئذٍ يظهر منه أثرهما فالاستعاذة من الجبن والبخل لئلا يظهر من أثرهما ما قد يخل بطاعة الله عز وجل ولا يكون ذلك إلا بقوة الإيمان واليقين لا بتبديل الغريزة، إلا أن فيه خرقًا للعادة، والمقصود لا يتوقف عليه، كذا في شرح الأدب المفرد. قال النووي: إنما استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الجبن والبخل لما فيها من التقصير عن أداء الواجبات والقيام بحقوق الله تعالى وإزالة المنكر والإغلاظ على العصاة، ولأنه بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم العبادات ويقوم بنصر المظلوم والجهاد وبالسلامة من البخل يقوم بحقوق المال وينبعث للإنفاق والجود والمكارم الأخلاق ويمتنع من طمع النفس فيما ليس له (وضلع الدين) بفتح المعجمة واللام، قال الحافظ: أصل الضلع الاعوجاج يقال: ضلع بفتح اللام يضلع أي مال، والمراد به هنا ثقل الدين وشدته وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاء ولا سيما مع المطالبة. وقال بعض السلف: ما دخل هم الدين قلبًا إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه (وغلبة الرجال) أي شدة تسلطهم كاستيلاء العوام والرعاع (سفلة الناس) هرجًا ومرجًا. وقال ابن القيم: كل اثنتين منها قرينتان، فالهم والحزن
متفق عليه.
2483-
(3) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَغْرَمِ وَالْمَأْثَمِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ من عَذَابِ النَّارِ وفِتْنَةِ النَّارِ
ــ
قرينتان إذ المكروه الوارد على القلب إن كان من مستقبل يتوقعه أحدث الهم أو من ماض أحدث الحزن، والعجز والكسل قرينتان فإن تخلف العبد عن أسباب الخير إن كان لعدم قدرته فالعجز، أو لعدم إرادته فالكسل، والجبن والبخل قرينتان فإن عدم النفع إن كان ببدنه فالجبن أو بماله فالبخل، وضلع الدين وقهر الرجال قرينتان فإن استيلاء الغير عليه إن كان بحق فضلع الدين أو بباطل فقهر الرجال. قال الكرماني: هذا الدعاء من جوامع الكلم لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسانية، وبدنية، وخارجية. فالأولى بحسب القوى التي للإنسان وهي ثلاثة: العقلية، والغضبية، والشهوانية. فالهم والحزن يتعلق بالعقلية، والجبن بالغضبية، والبخل بالشهوانية. والعجز والكسل بالبدنية. والثاني يكون عند سلامة الأعضاء وتمام الآلات والقوى، والأول عند نقصان عضو ونحوه، والضلع والغلبة بالخارجية فالأولى مالي. والثاني جاهي. والدعاء مشتمل على جميع ذلك (متفق عليه) أخرجه البخاري في الدعوات هكذا مختصرًا وفي جملة حديث طويل أيضًا من رواية عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أنس، وأخرجه مسلم في الدعاء مختصرًا باختلاف يسير من طريق آخر، وكذا البخاري في الجهاد، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في أواخر الصلاة، والنسائي في الاستعاذة والبغوي (ج5: ص155) .
2483-
قوله (والهرم) بفتحتين، والمراد به إلى أرذل العمر كما جاء في رواية وهو صيرورة الرجل خرف من كبر السن وسبب الاستعاذة من ذلك ما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط والفهم وتشويه بعض المنظر والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها. قال الشوكاني: الهرم هو البلوغ في العمر إلى سن تضعف فيه الحواس والقوى ويضطرب فيه الفهم والعقل وهو أرذل العمر، وأما مجرد طول العمر مع سلامة الحواس وصحة الإدراك فذلك مما ينبغي الدعاء به لأن بقاء المؤمن متمتعًا بحواسه قائمًا بما يجب عليه متجنبًا لما لا يحل فيه حصول الثواب وزيادة الخير (والمغرم) مصدر وضع موضع الاسم وقد تقدم تفسيره في باب الدعاء في التشهد. قال النووي: أما استعاذته صلى الله عليه وسلم من المغرم وهو الدين فقد فسره صلى الله عليه وسلم أن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف، ولأنه قد يمطل المدين صاحب الدين، ولأنه قد يشتغل به قلبه، وربما مات قبل وفائه فبقيت ذمته مرتهنة به (والمأثم) مصدر وضع موضع الاسم وقد قدم بيانه وتفسيره أيضًا (اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار)، أي بعد فتنتها. قال القاري: أي من أن أكون من أهل النار وهم الكفار فإنهم هم المعذبون. وأما الموحدون فإنهم مؤدبون ومهذبون بالنار لا معذبون بها (وفتنة النار) ، أي فتنة تؤدي إلى عذاب النار لئلا يتكرر. ويحتمل أن يراد بفتنة النار سؤال الخزنة على سبيل التوبيخ وإليه الإشارة
وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وشر فِتْنَةِ الْفَقْرِ.
ــ
بقوله تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} (67: 8) وأصل الفتنة الامتحان والاختبار واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره ويقال فتنت الذهب إذا اختبرته بالنار لتنظر جودته، وفي الغفلة عن المطلوب كقوله:{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} (64: 15) وتستعمل في الإكراه على الرجوع من الدين كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} (85: 10) قال الحافظ: واستعملت أيضًا في الضلال والإثم والكفر والعذاب والفضيحة ويعرف المراد حيث ما ورد بالسياق والقرائن (وفتنة القبر)، أي التحير في جواب الملكين. قال الشوكاني: هي ما ورد أن الشيطان يوسوس للميت في قبره ويحاول إغوائه وخذلانه عند سؤال الملكين له (وعذاب القبر) هو ما يترتب بعد فتنته على المجرمين، فالأول كالمقدمة للثاني وعلامة عليه (ومن شر فتنة الغنى) هي البطر والأشر والطغيان وتحصيل المال من الحرام وصرفه في العصيان والتفاخر بالمال والجاه والشح بما يجب إخراجه من واجبات المال ومندوباته (وشر فتنة الفقر) كالتسخط وقلة الصبر والوقوع في الحرام أو شبهته للحاجة. وقال القاري: هي الحسد على الأغنياء والطمع في أموالهم والتذلل بما يدنس العرض ويثلم الدين وعدم الرضاء بما قسم الله له وغير ذلك مما لا تحمد عاقبته. وقيل الفتنة هنا الامتحان والبلاء، أي ومن بلاء الغنى وبلاء الفقر، أي ومن الغنى والفقر الذي يكون بلاء ومشقة من أن يحصل منا شر إذا امتحنا الله إيانا بالغناء وبالفقر بأن لا نؤدي حقوق الأموال ونتكبر بسبب الغناء وبأن لا نصبر على الفقر. وقال الطيبي: إن فسرت الفتنة بالمحنة والمصيبة فشرها أن لا يصبر الرجل على لأوائها ويجزع منها، وإن فسرت بالامتحان والاختبار فشرها أن لا يحمد في السراء ولا يصبر في الضراء. قال بعض المحققين: قيد فيهما بالشر لأن كلاً منهما فيه خير باعتبار وشر باعتبار فالتقييد بالاستعاذة منه بالشر يخرج ما فيه من الخير سواء قل أو كثر. قلت: جاء في هذه الرواية لفظ الشر في الفقرتين وذكر في رواية للبخاري في الفقرة الأولى دون الثانية. قال الكرماني في الكواكب: فإن قلت: لم زاد لفظ الشر في الغنى ولم يذكره في الفقر ونحوه وأجاب بأنه تصريح بما فيه من الشر وأن مضرته أكثر من مضرة غيره أو تغليظًا على الأغنياء حتى لا يغتروا بغناهم ولا يغفلوا عن مفاسده أو إيماء إلى أن صورته لا يكون فيها خير بخلاف صورة الفقر فإنها قد تكون خيرًَا - انتهى. وتعقبه الحافظ في الفتح بأن هذا كله غفلة عن الواقع فإن الذي ظهر لي أن لفظة شر في الأصل ثابتة في الموضعين وإنما اختصره بعض الرواة فسيأتي بعد قليل في باب الاستعاذة من أرذل العمر في هذه الرواية من طريق آخر بلفظ ((وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر)) ويأتي بعد أبواب أيضًا من طريق أخرى بإسقاط شر في الموضعين والتقييد في الغنى والفقر بالشر لا بد منه لأن كلاً منهما فيه خير باعتبار فالتقييد بالاستعاذة منه بالشر يخرج ما فيه من الخير سواء قل أم كثر - انتهى. وتعقبه العيني فقال: هذا غفلة منه حيث يدعي اختصار بعض الرواة بغير دليل على ذلك، قال وأما قوله وسيأتي بعد بلفظ ((شر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر)) فلا يساعده فيما قاله لأن للكرماني أن يقول يحتمل أن يكون لفظ شر
وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّ قَلْبِي كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. متفق عليه.
ــ
في فتنة الفقر مدرجًا من بعض الرواة على أنه لم ينف مجيء لفظ شر في غير الغنى، ولا يلزمه هذا لأنه في بيان هذا الموضع الذي وقع هنا خاصة - انتهى. قال الحافظ في انتقاض الاعتراض: حكاية هذا الكلام، أي الذي قاله العيني تغني العارف عن التشاغل بالرد عليه - انتهى. قال الغزالي: فتنة الغنى الحرص على جمع المال والحب على أن يكسبه من غير حله ويمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه وفتنة الفقر يراد به الفقر الذي لا يصحبه صبر ولا ورع حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة ولا يبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب ولا في أي حالة تورط. وقيل: المراد فقر النفس الذي لا يرده ملك الدنيا بحذافيرها وليس فيه ما يدل على تفضيل الفقر على الغنى ولا عكسه (ومن شر فتنة المسيح الدجال) تقدم شرحه في باب الدعاء في التشهد (اللهم اغسل خطاياي) أي أزلها عني (بماء الثلج والبرد) بفتحتين حب الغمام أي بأنواع الألطاف والرحمة كأن كل نوع من الماء بمنزلة نوع من الرحمة والتطهير وحكمة العدول عن الماء الحار إلى الثلج والبرد مع أن الحار في العادة أبلغ في إزالة الوسخ الإشارة إلى أن الثلج والبرد ماءان طاهران لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال فكان ذكرهما آكد في هذا المقام، أشار إلى هذا الخطابي. وقد سبق كلامه في شرح حديث أبي هريرة في أول باب ما يقرأ بعد التكبير. وقال الكرماني: وله توجيه آخر وهو أنه جعل الخطايا بمنزلة النار لكونها تؤدي إليها فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكدًا في إطفاءها وبالغ فيه باستعمال المياه الباردة غاية البرودة (ونق) بفتح النون وتشديد القاف من التنقية (قلبي) الذي هو بمنزلة ملك الأعضاء واستقامتها باستقامته. وقوله ((نق قلبي)) هكذا في جميع نسخ المشكاة والمصابيح، وشرح السنة، والذي في الصحيحين ((ونق قلبي من الخطايا)) والعجب أنه لم يتنبه لذلك المؤلف، والمراد الخطايا الباطنية وهي الأخلاق الذميمة والشمائل الردية (كما ينقي) بصيغة المجهول الغائب، وفي رواية ((نقيت)) بصيغة المعلوم المخاطب (الثوب الأبيض من الدنس) بفتحتين، أي الدرن والوسخ وفيه إيماء إلى أن القلب بمقتضى أصل الفطرة سليم ونظيف وأبيض، وإنما يتسود بارتكاب الذنوب والتخلق بالعيوب (وباعد) ، أي بعّد وعبر بالمفاعلة للمبالغة (بيني وبين خطاياي) كرر بين هنا دون ما بعده لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض (كما باعدت) ما مصدرية والكاف للتشبيه، أي كتبعيدك (بين المشرق والمغرب) تقدم بيان موقع التشبيه والمراد من المباعدة في شرح حديث أبي هريرة في باب ما يقرأ بعد التكبير، واستعاذته صلى الله عليه وسلم من الأشياء المذكورة في هذا الحديث وغيره لتكمل صفاته في كل أحواله أو تعليمًا لأمته، أو المراد إظهار الافتقار والعبودية نظرًا إلى استغنائه وكبريائه تعالى. (متفق عليه) أخرجاه في الدعوات وأخرجه أيضًا الترمذي، وابن ماجه في الدعاء، والنسائي في الاستعاذة، والبغوي (ج5: ص157، 158) غير أنه قدم بعضهم وأخر بعض الألفاظ، وأخرجه أبو داود مختصرًا في أواخر الصلاة، والحاكم مطولاً (ج1: ص541) .
2484-
(4) عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ
ــ
2484-
قوله: (والجبن والبخل) قيل: من خاف فأحجم عن أن يطلب الأمور العظيمة المرضية في الشرع مثل أن يجتهد في تحصيل العلم حتى يبلغه الله تعالى درجة الإرشاد والفتوى فهو جبان إلا أن يكون له عذر من قلة الفهم وسوء الحفظ واشتغاله بتحصيل القوت وغير ذلك ومن منع العلم إذا طلب الناس منه ما يحتاجون إليه في دينهم فهو بخيل (وعذاب القبر) من الضيق والظلمة والوحشة وضرب المقمعة ولدغ العقرب والحية وأمثالهما أو مما يوجب عذابه من النميمة وعدم التطهير ونحوهما (اللهم آت) أمر من الإيتاء، أي: أعط (نفسي تقواها)، أي: صيانتها عن المحظورات وقيل: أي: ارزقها الاحتراز عما يضرها ويهلكها في الآخرة. قال الطيبي: ينبغي أن تفسر التقوى بما يقابل الفجور في قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} (91: 8) وهي الاحتراز عن متابعة الهوى وارتكاب الفجور والفواحش لأن الحديث كالتفسير والبيان للآية فدل قوله: ((آت)) على أن الإلهام في الآية هو خلق الداعية الباعثة على الاجتناب عن المذكورات وقوله (وزكها)، أي: وطهرها من الذنوب ونقها من العيوب واجعلها زاكية كاملة في الإيمان (أنت خير من زكاها) دل على أن إسناد التزكية إلى من في الآية هو نسبة الكسب إلى العبد لا خلق الفعل له كما زعمت المعتزلة لأن الخيرية تقتضي المشاركة بين كسب العبد وخلق القدرة فيه يعني قوله: ((من زكاها)) إيماء إلى قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} وإشارة إلى أن ضمير الفاعل في زكاها راجع إلى من ليستقيم ((أنت خير من زكاها)) وأما إذا كان راجعًا إلى الله تعالى فيتعين فإنه المزكي لا غير على ما هو في الحقيقة كذلك وأن الإسناد إلى غيره مجازي. وقال النووي: معنى ((زكها)) طهرها، ولفظة خير ليست للتفضيل بل معناه لا مزكي لها إلا أنت كما قال:(أنت وليها) أي: المتصرف فيها ومصلحها ومزينها، وقيل: ناصرها، وهذا راجع إلى قوله:((آت نفسي تقواها)) كأنه يقول: انصرها على فعل ما يكون سببًا لرضاك عنها لأنك ناصرها (ومولاها) أي: ناصرها وعاصمها. وقيل: عطف تفسيري، وقيل: هذا راجع إلى قوله: ((زكها)) يعني طهرها بتأديبك إياها كما يؤدب المولى عبده. وقال الطيبي: أنت وليها ومولاها. استئناف على بيان الموجب وأن إيتاء التقوى وتحصيل التزكية فيها إنما كان لأنه هو متولي أمورها ومالكها فالتزكية إن حملت على تطهير النفس عن الأفعال والأقوال والأخلاق الذميمة كانت بالنسبة إلى التقوى مظاهر ما كان مكمنًا في الباطن وإن حملت على الإنماء والإعلان والإعلاء بالتقوى كانت تحلية بعد التخلية لأن المتقي شرعًا من اجتنب النواهي وأتى بالأوامر (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) يعني من علم لا أعمل به ولا أعلمه الناس ولا يصل بركته إلى قلبي ولا يبدل أفعالي وأقوالي وأخلاقي المذمومة إلى المرضية ولا يهذبها.
وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا. رواه مسلم.
2485-
(5) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ،
ــ
ويحتمل أن يكون مراده من علم ليس مما يحتاج إليه في الدين وليس في تعلمه إذن في الشرع (ومن قلب لا يخشع) أي: لا يخاف الله أو لا يخشع لذكر الله ولا لاستماع كلامه وهو القلب القاسي الذي هو أبعد القلوب من حضرة علام الغيوب. وقال القاري: أي: لا يسكن ولا يطمئن بذكر الله (ومن نفس لا تشبع) بفتح الموحدة أي: بما آتاها الله ولا تقنع بما رزقها الله ولا تفتر عن جمع المال لما فيها من شدة الحرص أو الأشر والبطر أو من نفس تأكل كثيرًا لأن كثرة الأكل جالبة لكثرة الأبخرة الموجبة للنوم والكسل وكثرة الوساوس والخطرات النفسانية المؤدية إلى مضار الدنيا والآخرة. قال ابن الملك أي: حريصة على جمع المال وتحصيل المناصب، وقيل على حقيقته فهو إما لشدة حرصه على الدنيا لا يقدر أن يأكل قدر ما يشبع جوعته، وإما الاستيلاء الجوع البقري عليه وهو جوع الأعضاء مع شبع المعدة عكس الشهوة الكلبية (ومن دعوة لا يستجاب لها) لكونها معصية أو ما لا يرضاه الحق أو المراد التعوذ من عدم استجابة الدعاء مطلقًا. قال الطيبي: الضمير في ((لها)) عاد إلى الدعوة واللام زائدة. قال الشوكاني: استعاذ صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع لأنه يكون وبالاً على صاحبه وحجة عليه، واستعاذ أيضًا من القلب الذي لا يخشع لأنه يكون حينئذٍ قاسيًا لا تؤثر فيه موعظة ولا نصيحة ولا يرغب في ترغيب ولا يرهب من ترهيب. واستعاذ من النفس التي لا تشبع لأنها تكون متكالبة على الحطام متجرئة على المال الحرام غير قانعة بما يكفيها من الرزق فلا تزال في تعب الدنيا وعقوبة في الآخرة، واستعاذ من الدعوة التي لا يستجاب لها لأن الرب سبحانه هو المعطي المانع الباسط القابض الضار النافع فإذا توجه العبد إليه في دعاءه ولم يستجب دعوته فقد خاب الداعي وخسر لأنه طرد من الباب الذي لا يستجلب الخير إلا منه ولا يستدفع الضر إلا به، اللهم إنا نعوذ بك مما استعاذ بك رسول الله صلى الله عليه وسلم. (رواه مسلم) في الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج4: ص371) ، والبغوي (ج5: ص158، 159) ، وأخرجه الترمذي في الدعوات، والنسائي في الاستعاذة مختصرًا ونسبه الشوكاني في تحفة الذاكرين لعبد بن حميد أيضًا.
2485-
قوله: (وعن عبد الله بن عمر) بلا واو (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك) أي: ذهاب نعمك الدينية والدنيوية النافعة في الأمور الأخروية من غير بدل قال في فيض القدير: مفرد في معنى الجمع يعم النعم الظاهرة والباطنة، والنعمة كل ملاءم تحمد عاقبته، ومن ثم قالوا: لا نعمة لله على كافر بل ملاذه استدراج والاستعاذة من زوال النعم تتضمن الحفظ عن الوقوع في المعاصي لأنها تزيلها ألا ترى إلى قوله:
وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ. رواه مسلم.
2486-
(6) عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ
ــ
إذا كنت في نعمة فارعها
…
فإن المعاصي تزيل النعم
وقال الشوكاني: استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوال نعمته لأن ذلك لا يكون إلا عند عدم شكرها وعدم مراعاة ما تستحقه النعم وتقتضيه من تأدية ما يجب على صاحبها من الشكر والمواساة وإخراج ما يجب إخراجه (وتحول عافيتك) بضم الواو المشددة أي: تبدلها بالبلاء. قال القاري: أي: انتقالها من السمع والبصر وسائر الأعضاء. فإن قلت ما الفرق بين الزوال والتحول؟ قلت: الزوال يقال في شيء كان ثابتًا لشيء ثم فارقه والتحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره. أي: إبدال الشيء بالشيء، فمعنى النعمة ذهابها من غير بدل وتحول العافية إبدال الصحة بالمرض والغنى بالفقر فكأنه سأل دوام العافية وهي السلامة من الآلام والأسقام وقال الطيبي: أي: تبدل ما رزقتني من العافية إلى البلاء والداهية، والحديث رواه أبو داود أيضًا إلا أن في بعض نسخ السنن ((وتحويل عافيتك)) من باب التفعيل فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، واستعاذ من ذلك لأن من اختصه الله سبحانه بعافيته فاز بخير الدارين فإن تحولت عنه فقد أصيب بشر الدارين فإن العافية يكون بها صلاح من أمور الدنيا والآخرة (وفجاءة نقمتك) بضم الفاء وفتح الجيم ممدودة بمعنى البغتة مشتقة من فاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير أن يعلم بذلك، ويروى فجأة بفتح الفاء وإسكان الجيم من غير مد، والنقمة بكسر النون وسكون القاف، وفي رواية بفتح فكسر ككلمة العقوبة، وقال القاري: هي المكافأة بالعقوبة والانتقام بالغضب والعذاب، وخص فجاءة النقمة بالذكر لأنها أشد من أن تصيب تدريجًا كما ذكره المظهر واستعاذ صلى الله عليه وسلم من ذلك من حيث لا يكون له علم به ولا تكون له فرصة ومهلة للتوبة لأنه انتقم الله من العبد فقد أحل به من البلاء ما لا يقدر على دفعه ولا يستدفع بسائر المخلوقين وإن اجتمعوا جميعًا كما ورد في الحديث الصحيح القدسي أن العباد لو اجتمعوا جميعًا على أن ينفعوا أحدًا لم يقدروا على نفعه، أو اجتمعوا جميعًا على أن يضروا أحدًا لم يقدروا على ضره (وجميع سخطك) بالتحريك، أي ما يؤدي إليه يعني سائر الأسباب الموجبة لذلك، وإذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها وهو إجمال بعد تفصيل وتعميم بعد تخصيص، أو المراد جميع آثار غضبك، واستعاذ صلى الله عليه وسلم من جميع سخطه لأنه سبحانه إذا سخط على العبد فقد هلك وخاب وخسر، ولو كان السخط في أدنى شيء وبأيسر سبب. (رواه مسلم) في الدعاء، وكذا البخاري في الأدب المفرد (ج2: ص126) ، وأبو داود في أواخر الصلاة، والحاكم (ج1: ص513) ونسبه في الحصن للنسائي أيضًا ولعله في الكبرى.
2486-
قوله: (اللهم إني أعوذ بك) قال الطيبي: استعاذ مما عصم منه ليلتزم خوف الله تعالى وإعظامه والافتقار إليه وليقتدى به وليبين صفة الدعاء، وقال الشوكاني: هذا تعليم منه صلى الله عليه وسلم لأمته ليقتدوا به وإلا فجميع أعماله سابقها
مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ. رواه مسلم.
2487-
(7) وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ
ــ
ولاحقها كلها خير لا شر فيها (من شر ما عملت) بتقديم الميم على اللام فيه وفيما يأتي أي: فعلت. قال الطيبي: أي: من شر عمل يحتاج فيه إلى العفو والغفران يعني المراد من استعاذته من شر ما عمل طلب العفو والغفران منه عما عمل (ومن شر ما لم أعمل) استعاذ من شر أن يعمل في مستقبل الزمان ما لا يرضاه الله بأن يحفظه منه فإنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون، أو من شر أن يصير معجبًا بنفسه في ترك القبائح فإنه يجب أن يرى ذلك من فضل ربه أو المراد شر عمل غيره قال تعالى:{وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} (8: 25) ويحتمل أنه استعاذ من أن يكون ممن يجب أن يحمد بما لم يفعل - انتهى. وقيل: المراد ما ينسب إليه افتراء ولم يعمله. وقال السندي: قوله: من شر ما عملت، إلخ. أي من شر ما فعلت من السيئات وما تركت من الحسنات أو من شر كل شيء مما تعلق به كسبي أولاً والله تعالى أعلم - انتهى (رواه مسلم) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أبو داود في أواخر الصلاة، والنسائي في الاستعاذة، وابن ماجة في الدعاء.
2487-
قوله: (اللهم لك) أي: لا لغيرك (أسلمت) أي: انقدت (وبك آمنت) أي: صدقت يعني انقدت لأمرك ونهيك وصدقت بك وبما أنزلت وأرسلت (وعليك توكلت) أي: إليك فوضت أموري كلها أو عليك لا غيرك اعتمدت في تفويض أموري (وإليك أنبت) أي: رجعت مقبلاً بقلبي عليك أو أقبلت بهمتي وطاعتي عليك وأعرضت عما سواك (وبك) أي: بقوتك ونصرك وإعانتك إياي (خاصمت) أي: حاربت أعداءك وقاتلتهم، أو بما آتيتني من البراهين والحجج خاصمت من خاصمني من الكفار (اللهم إني أعوذ بعزتك) أي: بغلبتك فإن العزة لله جميعًا. وقيل: أي: بقوة سلطانك (أن تضلني) بضم التاء من الإضلال وهو متعلق بأعوذ أي: من أن تضلني وكلمة التوحيد معترضة لتأكيد العزة يعني أن تهلكني بعدم التوفيق للرشاد والهداية والسداد. قال في الصحاح: ضل الشيء يضل ضلالاً، ضاع وهلك، والضلال والضلالة ضد الرشاد، وأضله وأهلكه. وقال القاري: أي: أعوذ بك من أن تضلني بعد إذ هديتني ووفقتني لانقياد الظاهر والباطن في حكمك وقضاءك وللإنابة إلى جنابك والمخاصمة مع أعدائك والالتجاء في كل حال إلى عزتك ونصرتك وفيه إيماء إلى قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} (3: 8)(أنت الحي الذي لا يموت) بلفظ الغيبة وعند أحمد تموت بالخطاب أي: الحي الحياة الحقيقية التي لا يجامعها الموت بحال وهذا