الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(6) باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
(الفصل الأول)
2404-
(1) عن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله،
ــ
(باب ما يقول عند الصباح والمساء) قال الراغب: الصبح والصباح أول النهار وهو وقت ما احمر الأفق بحاجب الشمس، قال:{أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} (11: 81){فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} (37: 177) وقال في القاموس: الصبح الفجر أو أول النهار وهو الصبيحة والصباح، والإصباح والمصبح. كمكرم، والمساء والإمساء ضد الصباح والإصباح. قلت: الظاهر المتبادر من بعض الأحاديث الواردة في الباب أن المساء أول الليل، ويمكن حمل كلام صاحب القاموس عليه كما لا يخفى، وقال في هامش ((تحفة الذاكرين)) الصباح من طلوع الفجر أي إلى طلوع الشمس، والمساء من غروب الشمس كما يدل له ما أخرجه عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وصححه عن أبي رزين. قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس فقال هل تجد الصلوات الخمس في القرآن قال: نعم. فقرأ {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} قال: صلاة المغرب والعشاء {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} (30: 17) قال: صلاة الصبح {وَعَشِيّاً} صلاة العصر {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} (30: 18) صلاة الظهر. فهذا تفسير الصحابي اللغوي للصباح والمساء ومثله عن مجاهد،.فالمساء لا يكون إلا من بعد غروب الشمس، فأذكاره من ذلك الوقت نحو أمسينا وأمسى الملك لله. الخ - انتهى. قلت: فمن قال إن المساء يدخل وقته بالزوال، والصباح يدخل وقته بانتصاف الليل، وإنه تدخل أوراد الصباح من نصف الليل الأخير والمساء من الزوال فقد أبعد جدًا، قال النووي في الأذكار تحت باب ما يقال عند الصباح وعند المساء: اعلم أن هذا الباب واسع جدًا ليس في الكتاب باب أوسع منه وأنا أذكر إن شاء الله تعالى فيه جملاً من مختصراته فمن وفق للعمل بكلها فهي نعمة وفضل من الله تعالى عليه وطوبى له من عجز عن جميعها فليقتصر من مختصراتها على ما شاء ولو كان ذكرًا واحدًا، ثم ذكر النووي آيات من القرآن العزيز ورد فيها الأمر بالذكر أو التسبيح أو الدعاء في العشي والإبكار والإشراق والغدو والآصال وقبل طلوع الشمس وقبل غروبها أو ورد فيها مدح القائمين بذلك، ثم سرد جملاً من الأحاديث أورد المصنف أكثرها في المشكاة (والمنام) أي زمان النوم، أو هو مصدر ميمي أي عند إرادة النوم، والظاهر أن المراد به نوم الليل فلا يشمل القيلولة.
2404-
قوله (أمسينا وأمسى الملك لله) أي دخلنا في المساء ودخل الملك فيه كائنًا لله ومختصًا به، أو الجملة حالية بتقدير ((قد)) أو بدونه أي أمسينا وقد صار بمعنى كان ودام الملك لله (والحمد لله) قال الطيبي: عطف على ((أمسينا وأمسى الملك)) أي صرنا نحن وجميع الحمد لله - انتهى. قال القاري: أي عرفنا فيه أن الملك لله وأن الحمد لله
ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم إني أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل، والهرم، وسوء الكبر، وفتنة الدنيا، وعذاب القبر، وإذا أصبح قال ذلك
ــ
لا لغيره، ويمكن أن يكون جملة ((الحمد الله)) مستقلة والتقدير ((والحمد لله على ذلك)) وقيل: ويجوز أن يكون قوله ((والحمد لله)) معطوفًا على قوله ((الملك لله)) فيكون هذا أيضًا اسمًا لأصبح (ولا إله إلا الله) كذا في جميع نسخ المشكاة بزيادة الواو وهكذا وقع في المصابيح وجامع الأصول وكذا وقع عند ابن السني، قال الطيبي: عطف على ((الحمد لله)) على تأويل وأمسى الفردانية والوحدانية مختصين بالله - انتهى. والذي في صحيح مسلم ((لا إله إلا الله)) أي بدون الواو وهكذا وقع عند الترمذي وأبي داود وكذا نقله النووي في الأذكار وابن الجزري في الحصن، والظاهر أن ما وقع في المشكاة تبعًا للمصابيح وجامع الأصول خطأ والصواب بحذف الواو (وحده) حال مؤكدة. أي منفردًا بالألوهية (اللهم إني أسألك) أي مصيرًا وافرًا وحظًا وافيًا (من خير هذه الليلة) أي ذاتها وعينها (وخير ما فيها) قال الطيبي: أي من خير ما ينشأ (يقع ويحدث) فيها وخير ما يسكن فيها، قال تعالى:{وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ} (6: 13) وقال ابن حجر: أي مما أردت وقوعه فيها لخواص خلقك من الكمالات الظاهرة والباطنة وخير ما يقع فيها من العبادات التي أمرنا بها فيها، أو المراد خير الموجودات التي قارن وجودها تلك الليلة وخير كل موجود الآن. وقيل: الأظهر أن يراد بخيرها ما يعمل فيها بنفسه وبخير ما فيها ما يقع ويحدث فيها من الكوائن والحوادث (وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها) وفي رواية لمسلم ((رب أسألك خير ما في الليلة وخير ما بعدها (أي من الليالي أو مطلقًا) وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها)) (اللهم إني أعوذ بك من الكسل) بفتحتين أي التثاقل في الطاعة مع الاستطاعة. قال الطيبي: الكسل التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه، ويكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة. (والهرم) بفتحتين، أي كبر السن المؤدي إلى تساقط بعض القوى وضعفها وهو الرد إلى أرذل العمر لأنه يفوت فيه المقصود بالحياة من العلم والعمل، ولذا قال تعالى:{لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} (16: 70)(وسوء الكِبَر) بكسر الكاف وفتح الباء بمعنى الهرم والخرف، وروي بإسكان الباء بمعنى البطر أي الطغيان عند النعمة والتعاظم على الناس. والأول أصح رواية ودراية وتعضده رواية النسائي ((وسوء العمر)) والمراد بسوء الكبر ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل، واختلاط الرأي والتخبط فيه، والقصور عن القيام بالطاعة وغير ذلك مما يسوء الحال. وقال في اللمعات: في الفقرات كلها ترق من الأدنى إلى الأعلى استعاذ أولاً من الكسل أي من التثاقل في الطاعة مع الاستطاعة، ثم من الهرم الذي فيه سقوط بعض الاستطاعة فيفوت به بعض وظائف العبادات، ثم من سوء الكبر الذي يصير فيه كالحلس الملقى على الأرض لا يصدر منه شيء من الخيرات (وفتنة الدنيا) أي الافتتان بها ومحبتها أو الابتلاء بفتنة فيها (وعذاب القبر) أي من نفس عذابه أو مما يوجبه (وإذا أصبح) أي دخل صلى الله عليه وسلم في الصباح (قال ذلك) أي
أيضًا: أصبحنا وأصبح الملك لله. وفي رواية: رب إني أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر. رواه مسلم.
2405-
(2) وعن حذيفة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده، ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحيى. وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا
ــ
ما يقول في المساء (أيضًا) أي لكن يقول بدل ((أمسينا وأمسى الملك لله)) (أصبحنا وأصبح الملك لله) ويبدل اليوم بالليلة فيقول: اللهم إني أسالك من خير هذا اليوم، ويذكر الضمائر بعده (وفي رواية) أي لمسلم وغيره يقول بعد قوله:((سوء الكبر)) (رب إني أعوذ بك) كذا في جميع النسخ الموجودة عندنا والذي في صحيح مسلم ((رب أعوذ بك)) أي بسقوط ((إني)) وكذا وقع عند الترمذي وأبي داود وهكذا في المصابيح وجامع الأصول والحصن (من عذاب في النار وعذاب في القبر) التنكير فيهما للتقليل لا للتفخيم كما وهم ابن حجر. وفي الحديث إظهار العبودية والافتقار إلى تصرفات الربوبية، وإن الأمر كله خيره وشره بيد الله، وأن العبد ليس له من الأمر شيء، وفيه تعليم للأمة ليتعلموا آداب الدعوة (رواه مسلم) وكذا الترمذي في الدعوات، وأبو داود في الأدب، وابن السني (ص13) ، والنسائي، وابن أبي شيبة كما في الحصن، ورواه أحمد (ج1: ص440) مختصرًا جدًا. وفي الباب عن أنس أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، وأبو داود، وابن السني، والبغوي في شرح السنة (ج5: ص132) .
2405-
قوله (إذا أخذ مضجعه) بفتح الجيم أي أتى فراشه ومرقده (من الليل) أي في بعض أجزاء الليل فالمضجع كمقعد موضع الضجع، وفي رواية للبخاري:((إذا أوى إلى فراشه)) أي دخل فيه، وقال الطيبي: قوله: ((من الليل)) صلة لأخذ على طريق الاستعارة كأنه قيل إذا أخذ حظه من الليل أي أراد أن ينام، لأن لكل أحد حظًا منه وهو السكون والنوم والراحة فكأنه يأخذ منه نصيبه وحظه بالسكون والنوم قال تعالى:{جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} (10: 67) والمضجع مصدر - انتهى (وضع يده) أي كفه اليمنى (تحت خده) وعند أحمد (ج5: ص387)((وضع يده اليمنى تحت خده اليمنى)) (اللهم باسمك) بوصل الهمزة، أي بذكر اسمك جادًا لا بكف اللسان عن ذكرك ولا بقلب غافل (أموت) قدم الموت لأن النوم أخوه وهذا وقت النوم (وأحيي) بفتح الهمزة أي أنام واستيقظ يعني بذكر اسمك أحيى ما حييت وعليه أموت. ويسقط بهذا سؤال من يقول بالله الحياة والموت لا باسمه، ويحتمل أن يكون لفظ الاسم هنا زائدًا كما في قول الشاعر:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
(الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) ولأحمد في الرواية المذكورة ((أحياني بعد ما أماتني)) قيل: هذا ليس إحياء ولا إماتة
وإليه النشور. رواه البخاري.
2406-
(3) ومسلم عن البراء.
ــ
بل إيقاظ وإنامة، وأجيب بأن الموت عبارة عن انقطاع تعلق الروح بالبدن، وذلك قد يكون ظاهرًا فقط وهو النوم ولهذا يقال ((النوم أخو الموت)) أو ظاهرًا وباطنًا وهو الموت المتعارف فإطلاق الموت على النوم يكون مجازًا لاشتراكهما في انقطاع تعلق الروح بالبدن، وقيل سمي النوم بالموت لأن الصفات السمع من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام كما تزول بالموت بتة تبقى بالنوم بحيث لم تكن. فالنوم يعطل هذه الصفات بحيث نستطيع أن نقول إنها بطلت كلها سوى الحياة حتى يستيقظ، والحياة وإن كانت باقية للنوم لكن النائم لا يدر بها ففي حقه لا يبعد أن يقال: زالت عنه تلك الصفات السبع كلها فيدخل في سلك الموتى. وقال أبو إسحاق الزجاج: النفس التي تفارق الإنسان عند النوم هي التي للتمييز، والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة، وهي التي تزول معها التنفس، وسمي النوم موتًا لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلاً وتشبيهًا لا تحقيقًا. وقال الخطابي: هذا مجاز لأن الحياة غير زائلة عند النوم لكن جعل السكون عن الحركات وزوال القدرة عند النوم بمنزلة الموت فقال: ((بعد ما أماتنا)) أي رد علينا القوة والحركة بعدما أن أزالهما منا بعد النوم (وإليه النشور) أي البعث يوم القيامة والإحياء بعد الإماتة. يقال: نشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم فحيوا. قاله الحافظ. وقال في النهاية: نشر الميت نشورًا، إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أي أحياه. قيل: ما سبب الشكر على الانتباه من النوم، وأجاب الطيبي مبينًا لحكمة إطلاق الموت على النوم بأن انتفاع الإنسان بالحياة إنما هو بتحري رضا الله عنه وتوخي طاعته والاجتناب عن سخطه وعقابه فمن نام زال عنه هذا الانتفاع بالكلية ولم يأخذ نصيب حياته وكان كالميت فكان قوله:((الحمد لله)) شكرًا لنيل هذه النعمة وزوال ذلك المانع وقال الطيبي: وهذا التأويل موافق للحديث الآخر الذي فيه ((وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)) وينتظم معه قوله ((وإليه النشور)) أي وإليه المرجع في نيل الثواب بما يكتسب في الحياة. قيل الذكر في بدء نومه والحمد بعد يقظته مشعر بأنه ينبغي أن يكون السالك عند نومه ذاكرًا الله تعالى متهيئًا للموت لأنه خاتمة أمره وعمله، وعند تنبهه حامدًا لله وشاكرًا على فضله، ويتذكر باليقظة بعد النوم البعث بعد الموت، وأن يعلم أن مرجع الخلق كله إلى مولاه. (رواه البخاري) في الدعوات والتوحيد أي عن حذيفة، وكذا رواه عنه أحمد (ج5: ص385، 387، 397، 399، 407) ، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الأدب، وابن ماجة في الدعاء، والنسائي، وابن السنى (ص225) ، وابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، والدارمي في الاستيذان، والبغوي في شرح السنة (ج5: ص 98، 99) .
2406-
قوله (ومسلم عن البراء) قال القاري: فالحديث متفق عليه، والخلاف في الصحابي. قلت: ليس هذا الحديث متفقًا عليه في عرف المحدثين إذا شرطوا فيه اتحاد الصحابي. والحديث رواه أحمد أيضًا عن البراء (ج4: ص294، 302) .
2407-
(4) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه.
ــ
2407-
قوله (إذا أوى) بقصر الهمزة أي نزل (إلى فراشه) بكسر الفاء أي أتى إليه لينام عليه. وفي رواية البخاري في التوحيد ((إذا جاء أحدكم إلى فراشه)) ولابن ماجة ((إذا أراد أحدكم أن يضطجع على فراشه)) وللترمذي: ((إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه)) ولأحمد (ج2: ص283)((إذا قام أحدكم من الليل ثم رجع إلى فراشه)) (فلينفض) بضم الفاء من باب نصر من النفض بالنون والفاء والضاد المعجمة وهو تحريك الشيء ليسقط ويزول ما عليه من غبار ونحوه ومعناه بالفارسية بيفشاند (فراشه) قبل أن يدخل إليه (بداخلة إزاره) ولابن ماجة ((فلينزع داخلة إزاره ثم لينقض بها فراشه)) . وللبخاري في الأدب المفرد ((فليحل)) وله أيضًا ولمسلم: ((فليأخذ)) قال الحافظ: قوله ((بداخلة إزاره)) كذا للأكثر، وفي رواية أبي زيد المروزي ((بداخل)) بلا هاء. وداخلة الإزار حاشيته التي تلي الجسد وتماسه، وقيل هي طرفه مطلقًا، وفي القاموس: طرفه الذي يلي الجسد ويلي الجانب الأيمن. قال القرطبي: حكمة هذا النفض قد ذكرت في الحديث، وأما اختصاص النفض بداخلة الإزار فلم يظهر لنا، ويقع لي أن في ذلك خاصية طبية تمنع من قرب بعض الحيوانات كما أمر بذلك العائن، ويؤيده ما وقع في بعض طرقه ((فلينفض بها ثلاثًا)) فخذا بها حذو الرقى في التكرير – انتهى. وأشار الداودي إلى أن الحكمة في ذلك أن الإزار يستر بالثياب فيتوارى بما يناله من الوسخ فلو نال ذلك بكمه صار غير لدن الثوب، والله يحب إذا عمل العبد عملاً أن يحسنه. وقال صاحب النهاية (ج2: ص17) : داخلة الإزار طرفه وحاشيته من داخل، وإنما أمر بداخلته دون خارجته لأن المؤتزر يأخذ إزاره بيمينه وشماله فيلزق ما بشماله على جسده وهي داخلة إزاره (يعني أن المؤتزر إذا ائتزر يأخذ أحد طرفي إزاره بيمينه والآخر بشماله فيرد ما أمسكه بشماله عل جسده) ثم يضع ما بيمينه فوق داخلته فمتى عاجله أمر وخشى سقوط إزاره أمسكه بشماله ودفع عن نفسه بيمينه، فإذا صار إلى فراشه فحل إزاره فإنما يحل بيمينه خارجة الإزار وتبقى الداخلة معلقة وبها يقع النفض لأنها غير مشغولة باليد - انتهى. وأشار الكرماني إلى أن الحكمة فيه أن يكون يده حين النقض مستورة لئلا يكون هناك شيء فيحصل في يده ما يكره. قال الحافظ: وهي حكمة النفض بطرف الثوب دون اليد لا خصوص الداخلة. وقال القاري: قيد النفض بإزاره لأن الغالب في العرب أنه لم يكن لهم ثوب غير ما هو عليهم من إزار ورداء، وقيد بداخل الإزار ليبقى الخارج نظيفًا، ولأن هذا أيسر ولكشف العورة أقل وأستر. وإنما قال: هذا لأن رسم العرب ترك الفراش في موضعه ليلاً ونهارًا ولذا علله وقال: (فإنه) أي الشأن أو المريد للنوم (لا يدري ما خلفه) بالفتحات والتخفيف (عليه) أي جاء عقبه على الفراش، قال البغوي: يريد لعل هامة دبت فصارت فيه بعده. ولمسلم وكذا للبخاري في الأدب المفرد ((وليسم الله فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه)) أي ما صار بعده خلفًا وبدلاً عنه إذا غاب، خلف فلان فلانًا إذا قام مقامه، والمراد ما يكون قد دب على فراشه بعد
ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فأرحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين. وفي رواية: ثم ليضطجع على شقه الأيمن
ــ
مفارقته. قال الطيبي: معناه لا يدري ما وقع في فراشه بعد ما خرج منه من تراب أو قذاة أو هوام. وقال النووي: معناه أنه يستحب أن ينفض فراشه قبل أن يدخل فيه لئلا يكون قد دخل فيه حية أو عقرب أو غيرهما من المؤذيات وهو لا يشعر ولينفض ويده مستورة بطرف إزاره لئلا يحصل في يده مكروه إن كان شيء هناك (ثم يقول) أي بعد النفض ووضع الجنب كما يدل عليه الرواية الآتية ((ثم ليضطجع ثم ليقل)) (باسمك ربي وضعت جنبي) أي مستعينًا باسمك يا ربي. وفي الأدب المفرد: ((وليقل سبحانك ربي بك وضعت جنبي)) . ولمسلم: ((وليقل سبحانك اللهم ربي بك وضعت جنبي)) (وبك أرفعه) أي باسمك أو بحولك وقوتك أرفعه حين أرفعه فلا أستغني عنك بحال (إن أمسكت نفسي) . وفي رواية: ((احتبست نفسي)) أي قبضت روحي في النوم توفيتها (فارحمها) أي بالمغفرة والتجاوز عنها (وإن أرسلتها) بأن رددت الحياة إلى وأيقظتني من النوم (فاحفظها) أي من المعصية والمخالفة (بما تحفظ به) أي من التوفيق والعصمة والأمانة (عبادك الصالحين) أي القائمين بحقوق الله وعباده. والباء في ((بما تحفظ)) مثلها في ((كتبت بالقلم)) وما موصولة مبهمة، وبيانها ما دل عليه صلتها لأن الله تعالى إنما يحفظ عباده الصالحين من المعاصي ومن أن لا يتهاونوا في طاعته وعبادته بتوفيقه ولطفه ورعايته، والحديث موافق لقوله تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً} (39: 42) جمع النفسين في حكم التوفي ثم فرق بين جهتي التوفي بالحكم بالإمساك وهو قبض الروح، وبالإرسال وهو رد الحياة، أي الله يتوفى الأنفس التي تقبض والتي لا تقبض فيمسك الأولى ويرسل الأخرى. وزاد في رواية الترمذي في آخر هذا الحديث شيئًا لم أره عند غيره وهو قوله:((وإذا استيقظ فليقل الحمد الله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي (أي روحي المميزة برد تميزها الزائل عنها بنومها) وأذن لي بذكره)) وهو يشير إلى ما ذكره الكرماني أن الإمساك كناية عن الموت فالرحمة أو المغفرة تناسبه والإرسال كناية عن استمرار البقاء والحفظ يناسبه. وقد تقدم قول الزجاج في الكلام على حديث حذيفة وكذلك كلام الطيبي. قال ابن بطال: في هذا الحديث أدب عظيم وقد ذكر حكمته في الخبر وهو خشية أن يأوي إلى فراشه بعض الهوام الضارة فتؤذيه. وقال القرطبي يؤخذ من هذا الحديث أنه ينبغي لمن أراد المنام أن يمسح فراشه لاحتمال أن يكون فيه شيء يخفى من رطوبة أو غيرها. وقال ابن العربي: هذا من الحذر ومن النظر في أسباب دفع سوء القدر، أو هو من الحديث الآخر ((اعقلها وتوكل)) . قلت: الظاهر هو الأول ففيه حث على الحزم والاحتراس من مظان الضر والأذى وقد ورد فيما يقال عند النوم أحاديث أخرى ذكر أكثرها في هذا الباب (وفي رواية) لمسلم وغيره: (ثم ليضطجع على شقه الأيمن) فيه ندب اليمين في النوم لأنه أسرع إلا الانتباه لعدم استقرار القلب حينئذ لأنه معلق بالجانب الأيسر فيعلق فلا يستغرق في النوم بخلاف النوم على الأيسر فإن القلب ليستقر
ثم ليقل: باسمك. متفق عليه. وفي رواية: فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات، وإن أمسكت نفسي فاغفر لها.
2408-
(5) وعن البراء بن عازب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك،
ــ
فتكون الاستراحة له بطأ للانتباه، ثم هذا إنما هو بالنسبة إلينا دونه صلى الله عليه وسلم لأنه لا ينام قلبه فلا فرق في حقه عليه الصلاة والسلام بين النوم على شقه الأيمن والأيسر، وإنما كان يؤثر الأيمن لأنه كان يحب التيامن في شأنه كله ولتعليم أمته (متفق عليه) أخرجه البخاري في الدعوات وفي التوحيد، ومسلم في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج2: ص246، 283، 295) والبخاري في الأدب المفرد في موضعين، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الأدب، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وابن ماجة في الدعاء، والدارمي في الاستيذان (ص360) ، والدارقطني في غرائب مالك، وابن السني (ص226) ، والطبراني في الدعاء، وابن أبي شيبة، والبغوي في شرح السنة (ج5: ص99، 100) . (وفي رواية) للبخاري في التوحيد وكذا للترمذي والطبراني (فلينفضه) قيل: لأن البيوت إذ ذاك كانت مظلمة لم يكن فيها المصابيح فأمر بالنفض من قبل التلبس به حتى لا يؤذيه ما دخله من المؤذيات (بصنفة ثوبه) وللترمذي: ((بصنفة إزاره)) بباء الجر بعدها صاد مهملة مفتوحة فنون مكسورة ففاء فهاء تأنيث. أي بطرف ثوبه. وقال الطيبي: أي بحاشية إزاره التي تلي الجسد. فكأنه أراد الجمع بين الروايتين وإلا ففي النهاية: صنفة الإزار بكسر النون طرفه مما يلي طرته. وفي القاموس صَنِفة الثوب كفرحة، وصِنْفه وصِنْفته بكسرهما حاشيته أي جانب كان أو جانبه الذي لا هدب له أو الذي فيه الهدب - انتهى. (ثلاث مرات) حذرًا من وجود مؤذية وهو لا يشعر وقيد بالثلاثة مبالغة في النظافة (فاغفر لها) أي بدل قوله ((فارحمها)) وهذا اللفظ للبخاري، ومسلم، والدارمي، وأحمد (ج2: ص283، 295) .
2408-
قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه) إلخ. هكذا وقع في رواية العلاء بن المسيب عن أبيه عن البراء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عند البخاري في باب النوم على الشق الأيمن من كتاب الدعوات، وكذا رواه في الأدب المفرد، وهكذا وقع في رواية للنسائي في عمل اليوم والليلة، والبغوي في شرح السنة. ووقع في رواية سعد بن عبيدة وأبي إسحاق عن البراء من قوله وتعليمه كما سيأتي وهي عند الشيخين وأصحاب السنن وغيرهم فيستفاد مشروعية هذا الذكر من قوله صلى الله عليه وسلم ومن فعله (نام على شقه) بكسر المعجمة وتشديد القاف أي جانبه (الأيمن) لأنه كان يحب التيامن في شأنه كله (ثم قال: اللهم) وفي رواية للنسائي ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه توسد يمنيه (أي جعل يده اليمني تحت رأسه من التوسد وهو اتخاذ النائم تحت رأسه وسادة وهي المخدة) ثم قال بسم الله)) (أسلمت) أي سلمت. وقيل: أي أخلصت (نفسي) أي: ذاتي (إليك) أي مائلة إلى حكمك، وقيل أسلمت نفسي إليك أي استسلمت وانقدت. والمعنى جعلت ذاتي منقادة لك طائعة لحكمك إذ لا قدرة لي على تدبيرها، ولا على جلب ما ينفعها إليها، ولا دفع ما يضرها عنها فأمرها مفوض إليك
ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك.
ــ
تفعل بها ما تريد واستسلمت لما تفعل فلا اعتراض عليك فيه (ووجهت وجهي) أي: وجهتي وتوجهي وقصد قلبي (إليك) وقيل: الوجه هنا بمعنى الذات والشخص كالنفس، وفيه نظر لأن الجمع بينهما يدل على تغايرهما فالمراد بالنفس الذات وبالوجه القصد (وفوضت أمري إليك) من التفويض وهو تسليم الأمر إلى الله تعالى أي: رددت أمري إليك والمعنى توكلت عليك في أمري كله لتكفيني همه وتتولى صلاحه (وألجأت) أي: أسندت (ظهري إليك) أي: اعتمدت في أموري (ومنها القيام لصلاة التهجد ولصلاة الفجر) عليك لتعينني على ما ينفعني لأن من استند إلى شيء تقوَّى به واستعان به تشبيهًا للاستناد المعنوي بالاستناد الحسي بجامع الراحة في كل وخصه بالظهر لأن العادة جرت أن الإنسان يعتمد بظهره إلى ما يستند إليه. وقال الطيبي: في هذا النظم عجائب وغرائب لا يعرفها إلا النقاد من أهل البيان فقوله: ((أسلمت نفسي)) إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه، وقوله:((وجهت وجهي)) إلى أن ذاته وحقيقته مخلصة له تعالى بريئة من النفاق. وقوله: ((فوضت أمري إليك)) إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه لا مدبر لها غيره. وقوله: ((ألجأت ظهري إليك)) بعد قوله: ((فوضت أمري)) إشارة إلى أنه بعد تفويض أموره التي هو مفتقر إليها وبها معاشه وعليها مدار أمره يلتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة (رغبة ورهبة) علة لكل من المذكورات أي: طمعًا في رفدك وثوابك وخوفًا من غضبك ومن عذابك. وقال الطيبي: منصوبان على العلة بطريق اللف والنشر أي: فوضت أموري إليك رغبة أي: طمعًا في ثوابك وألجأت ظهري من المكاره والشدائد إليك رهبة منك أي: محافة من عذابك. وقيل: مفعول لهما لألجأت. وقال القاري: الأظهر أن نصبهما على الحالية أي: راغبًا وراهبًا أو الظرفية أي: في حال الطمع والخوف يتنازع فيهما الأفعال المتقدمة كلها. (إليك) متعلق برغبة ومتعلق الرهبة محذوف أي: منك، يدل عليه أنه وقع في الرواية الآتية عند أحمد (ج4: ص296) ، والنسائي ((رهبة منك ورغبة إليك)) ، وقيل:((إليك)) متعلق برغبة ورهبة وإن تعدى الثاني بمن لكنه أجرى مجرى رغب تغليبًا يعني أعطى للرهبة حكم الرغبة، والعرب تفعل ذلك كثيرًا كقوله:
ورأيت بعلك في الوغى
…
متقلدًا سيفًا ورمحًا
والرمح لا يتقلد. ونحوه:
علفتها تبنًا وماء باردًا
والماء لا يعلف. وقال الجزري في النهاية، وجامع الأصول: قد عطف الرهبة على الرغبة ثم أعمل لفظ الرغبة وحدها ولو أعمل الكلمتين معًا لقال: ((رغبة إليك ورهبة منك)) ولكن هذا سائغ في العربية أن يجمع بين الكلمتين في النظم ويحمل إحداهما على الأخرى في اللفظ، كقول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يومًا
…
وزججن الحواجب والعيونا
لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ. آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قالهن ثم مات تحت لَيْلَتِه مات عَلَى الْفِطْرَةِ.
ــ
والعيون لا تزجج وإنما تكحل - انتهى بتوضيح. وكذلك قال البغوي، وابن الجوزي، والطيبي:(لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) أي: لا مهرب ولا ملاذ ولا مخلص من عقوبتك إلا إلى رحمتك. قال الحافظ: أصل ملجأ بالهمزة ومنجأ بغير همزة ولكن لما جمعا جاز أن يهمزا للازدواج وأن يترك الهمز فيهما وأن يهمز المهموز ويترك الآخر فهذه ثلاثة أوجه ويجوز التنوين مع القصر فتصير خمسة. قال العيني: إعرابهما مثل إعراب ((عصا)) وفي هذا التركيب خمسة أوجه لأنه مثل لا حول ولا قوة إلا بالله أي: فتجري فيه الأوجه الخمسة المشهورة وهي فتح الأول والثاني، وفتح الأول ونصب الثاني، وفتح الأول ورفع الثاني، ورفع الأول وفتح الثاني، ورفع الأول والثاني. قال العيني: والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين وعدمه، وعند التنوين تسقط الألف، ثم إنهما إن كانا مصدرين يتنازعان في ((منك)) وإن كانا مكانين فلا، إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجأ إلا إليك (آمنت بكتابك) أي: صدقت أنه كتابك، وهو يحتمل أن يريد به القرآن ويحتمل أن يريد اسم الجنس فيشمل كل كتاب سماوي أنزل (الذي أنزلت) أي: أنزلته (ونبيك الذي أرسلت) وقع في رواية: ((أرسلته وأنزلته)) في الأول بزيادة الضمير المنصوب فيهما (من قالهن) أي: الكلمات المذكورة (ثم مات تحت ليلته) قال الطيبي: معنى ((تحت ليلته)) أنه لم يتجاوز عنه إلى النهار لأن الليل يسلخ منه النهار فهو تحته يعني أنه يقع ذلك قبل أن ينسلخ النهار من الليل وهو تحته، قال: أو يكون بمعنى مات تحت نازلة تنزل عليه في ليلته، وكذا معنى ((من)) في الرواية الأخرى أي: من أجل ما يحدث في ليلته، وقال ابن حجر: سبب التعبير بالتحت أن الله جعل الليل لباسًا فالناس مغمورون ومستورون تحته كالمستور تحت ثيابه ولباسه (مات على الفطرة) أي: على الدين القويم ملة إبراهيم عليه السلام فإن إبراهيم عليه السلام أسلم واستسلم، قال الله تعالى عنه:{جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (37: 84) وقال عنه: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (2: 131) وقال: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} (37: 103) وقال ابن بطال وجماعة: المراد بالفطرة هنا دين الإسلام وهو بمعنى الحديث الآخر: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) . قال القرطبي في المفهم: كذا قال الشيوخ وفيه نظر لأنه إذا كان قائل هذه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذكرت من التوحيد والتسليم والرضا إلى أن يموت كمن يقول: لا إله إلا الله ممن لم يخطر له شيء من هذه الأمور فأين فائدة هذه الكلمات العظيمة وتلك المقامات الشريفة ويمكن أن يكون الجواب أن كلاً منهما وإن مات على الفطرة فبين الفطرتين ما بين الحالتين ففطرة الأول فطرة المقربين وفطرة الثاني فطرة أصحاب اليمين. قلت: وقع في حديث رافع بن خديج عند الترمذي وقد حسنه ((فإن مات من ليلته دخل الجنة)) . ووقع في رواية حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عند أحمد بدل قوله: ((مات على الفطرة)) ((بنى له بيت في الجنة)) قال الحافظ: وهذا يؤيد ما ذكره القرطبي، وقال الشيخ أكمل الدين الحنفي في شرحه لمشارق الأنوار فإن قلت:
وفي رواية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: يا فلان إِذَا أَوَيت إِلَى فِرَاشِك فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نفسي إليك
…
إلى قوله: أَرْسَلْتَ. وقال: فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ متَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وإن أصبحت أصبت خيرًا. متفق عليه.
2409-
(6) وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا
ــ
إذا مات الإنسان على إسلامه ولم يكن ذكر من هذه الكلمات شيئًا فقد مات على الفطرة لا محالة فما فائدة ذكر هذه الكلمات؟ أجيب بتنويع الفطرة ففطرة القائلين فطرة المقربين الصاحين، وفطرة الآخرين فطرة عامة المؤمنين، ورد بأنه يلزم أن يكون للقائلين فطرتان: فطرة المؤمنين وفطرة المقربين، وأجيب بأنه لا يلزم ذلك بل إن مات القائلون فهم على فطرة المقربين، وغيرهم لهم فطرة غيرهم - انتهى. (وفي رواية) للشيخين وغيرهما (قال)، أي البراء (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل) هو البراء راوي الحديث ففي رواية للبخاري ((قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتيت مضجعك)) . وفي رواية للترمذي عن البراء ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ألا أعلمك كلمات تقولها إذا أويت إلى فراشك)) ، (إذا أويت إلى فراشك) أي انضممت إليه ودخلت فيه للنوم كما قال في الرواية الأخرى ((إذا أخذت مضجعك)) أي أتيت مكان نومك وأردت أن تضطجع (فتوضأ) أمر ندب (وضوءك للصلاة) أي كوضوئك للصلاة فهو منصوب بنزع الخافض. قال الترمذي: لا نعلم في شيء من الروايات ذكر الوضوء عند النوم إلا في هذا الحديث. وفي رواية لأبي داود: ((إذا أويت إلى فراشك وأنت طاهر فتوسد يمينك)) الحديث. (ثم اضطجع) أصله اضتجع لأنه من باب الافتعال فقلبت التاء طاء (وقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم فيكون من جملة كلام البراء عطف على ((قال رسول الله)) (فإن مت) بضم الميم وكسرها (من ليلتك) أي في ليلتك (وإن أصبحت أصبت خيرًا) أي خيرًا كثيرًا. أو خيرًا في الدارين. قال النووي: في هذا الحديث ثلاث سنن مهمة مستحبة ليست بواجبة. إحداها: الوضوء عند إرادة النوم، فإن كان متوضأ كفاه ذلك الوضوء لأن المقصود النوم على طهارة مخافة أن يموت في ليلته وليكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به في منامه وترويعه إياه. والثانية النوم على الشق الأيمن لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن، ولأنه أسرع إلى الانتباه، الثالثة ذكر الله تعالى ليكون خاتمة عمله - انتهى. (متفق عليه) فيه نظر فإن الرواية الأولى للبخاري وحده كما تقدم والرواية الثانية رواها البخاري في آخر الوضوء وفي الدعوات وفي التوحيد في باب قوله {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ} ورواها مسلم في الدعاء، وكذا الترمذي، وابن ماجة، ورواها أبو داود في الأدب، والنسائي في: عمل اليوم والليلة، وأخرجها أيضًا أحمد:(ج4: ص290، 292، 296، 302)، والدارمي في: الاستيذان، وابن السني (ص225)، والبغوي في شرح السنة:(ج5: ص103، 104) .
2409-
قوله (وكفانا) أي كفى مهماتنا وقضى حاجتنا ودفع عنا شر ما يؤذينا فهو تعميم بعد تخصيص
وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ. رواه مسلم.
2410-
(7) وعن علي: أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى
ــ
(وآوانا) بالمد ويجوز القصر أي جعل لنا مأوى نأوى أي نضم إليه ونسكن فيه. قال الجزري: أي ردنا إلى مأوى لنا ولم يجعلنا منتشرين كالبهائم (في الصحاري) والمأوى المنزل، وفي حديث البيعة أنه قال للأنصار ((أبايعكم على أن تأوونى وتنصروني)) أي تضموني إليكم وتحوطوني بينكم، يقال: أوى وآوى بمعنى واحد أي ضم، والمقصود منهما لازم ومتعد ومنه قوله ((لا قطع في ثمر حتى يأويه الجرين)) أي يضمه البيدر ويجمعه، ومنه لا يأوي الضالة إلا ضال، كل هذا من أوى يأوى. يقال: أويت إلى المنزل وأويت غيري وآويته. وأنكر بعضهم المقصود المتعدي. وقال الأزهري: هي لغة فصيحة - انتهى. وقال النووي: إذا أوى إلى فراشه وأويت مقصور، وأما آوانا فممدود وهذا هو الصحيح الفصيح المشهور، وحكى القصر فيهما وحكى بالمد فيهما - انتهى (فكم ممن لا كافي له) بفتح الياء (ولا مؤوي) بضم ميم وسكون همزة ويبدل، وبكسر واو اسم فاعل من الإيواء وله مقدر. أي فكم من شخص لا يكفيهم الله شر الأشرار بل تركهم وشرهم حتى غلب عليهم أعداءهم ولا يهيئ لهم مأوى بل تركهم يهيمون في البوادي ويتأذون بالحر والبرد. قال الطيبي: ذلك قليل نادر فلا يناسب ((كم)) المقتضى للكثرة على أنه افتتح بقوله ((أطعمنا وسقانا)) ويمكن أن ينزل هذا على معنى قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} (47: 11) فالمعنى إنا نحمد الله عل أن عرفنا نعمه ووفقنا لأداء شكره فكم من منعم عليه لا يعرفون ذلك ولا يشكرون. وكذلك الله مولى الخلق كلهم بمعنى أنه ربهم ومالكهم لكنه ناصر للمؤمنين ومحب لهم فالفاء في ((فكم)) للتعليل. قيل وإنما حمد الله على الطعام والسقي وكفاية المهمات في وقت الاضطجاع لأن النوم فرع الشبع والري وفراغ الخاطر عن المهمات والأمن من الشرور. (رواه مسلم) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الأدب، والنسائي، والبخاري في الأدب المفرد، وابن السني (ص226)، والبغوي في شرح السنة (ج5: ص105) .
2410-
قوله (وعن علي) ، أي ابن أبي طالب (أن فاطمة) الزهراء بنت النبي صلى الله عليه وسلم (أتت النبي صلى الله عليه وسلم)، أي بيته (تشكو إليه) قال القاري: إما مفعول له بحذف ((أن)) تخفيفًا أي أتت إليه إرادة أن تشكو أو حال مقدرة من فاعل أتت، أي مقدرة الشكوى (ما تلقى) ، أي من الكلفة والمشقة أو من ((المجل)) ففي الترمذي، وزوائد عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (ج1: ص124) شكت فاطمة مجل يديها من الطحن. وهو بفتح الميم وسكون الجيم بعدها لام. قال الطبري: المراد به غلظ اليد، وكل من عمل عملاً بكفه فغلظ جلدها. قيل: مجلت كفه. وقال الجزري: مجلت يده تمجُل مجلاً ومجِلت تمجل مجلاً إذا ثخن جلدها وتعجز وظهر منها ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة (في يدها من الرحى) زاد في رواية ((مما
وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ فَلَمْ تُصَادِفْهُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا
ــ
تطحن)) ، أي من أجل إدارة الرحى بالقصر لطحن الشعير للخبز وهو سبب آخر من أسباب الشكوى وبقي أسباب أخرى ورد ذكرها عند أبي داود، وعبد الله بن أحمد في زوائده في مسند أبيه (ج1: ص154) ، من طريق أبي الورد عن علي بن أعبد عن علي قال: كانت فاطمة زوجتي فجرت بالرحى حتى أثر الرحى بيدها، واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها وقمت، (أي كنست) البيت حتى اغبرت ثيابها وأوقدت تحت القدر حتى دنست (وفي رواية ((دكنت)) ) ثيابها فأصابها من ذلك ضرر (وبلغها) حال من ضمير ((أتت)) ، أي وقد بلغ فاطمة (أنه) ، أي الشأن (جاءه)، أي النبي صلى الله عليه وسلم (رقيق) من السبي والرقيق المملوك وقد يطلق على الجماعة. وقال الجزري: الرقيق اسم للعبيد والإماء فعيل بمعنى مفعول. أي إنه في الرق الملكة (فلم تصادفه) بالفاء، أي لم تجد فاطمة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته حتى تلتمس منه خادمًا، فإن قلت: في رواية أبي الورد عن ابن أعبد عن علي عند أبي داود، ((فوجدت عنده حداثًا - بضم المهملة وتشديد الدال وبعد الألف مثلثة - أي جماعة يتحدثون، فاستحيت فرجعت)) . قلت: يحمل على أن المراد أنها لم تجده في المنزل بل في مكان آخر كالمسجد وعنده من يتحدث معه (فذكرت ذلك) ، أي الذي تشكوه (لعائشة فلما جاء) أي النبي صلى الله عليه وسلم (أخبرته عائشة) ، أي بمجيء فاطمة إليها في طلب الخادم، وفي رواية للبخاري ((فذكرت ذلك عائشة له)) قال الحافظ: وفي رواية مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلي (عن علي) عند جعفر الفريابي في الذكر، والدارقطني في العلل، وأصله في مسلم:((حتى أتت منزل النبي صلى الله عليه وسلم فلم توافقه فذكرت ذلك له أم سلمة بعد أن رجعت فاطمة)) ويجمع بأن فاطمة التمسته في بيتي أمي المؤمنين، وقد وردت القصة من حديث أم سلمة نفسها أخرجها الطبري في تهذيبه من طريق شهر بن حوشب عنها قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو إليه الخدمة. فذكرت الحديث مختصرًا. وفي رواية السائب (عن علي عند أحمد (ج1: ص107) وابن سعد) : فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما جاء بك يا بنية؟ قالت: جئت لأسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت. فقلت: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتيناه جميعًا. قال الحافظ: وهذا مخالف لما في الصحيح ويمكن الجمع بأن تكون لم تذكر حاجتها أولاً على ما في هذه الرواية ثم ذكرتها ثانيًا لعائشة لما لم تجده، ثم جاءت هي وعلي على ما في رواية السائب فذكر بعض الرواة ما لم يذكر بعض وقد اختصره بعضهم. ففي رواية مجاهد الماضية في النفقات عند البخاري: أن فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا فقال ألا أخبرك ما هو خير لك منه؟ . وفي رواية هبيرة بن يريم عن علي عند أحمد (ج1: ص147) قال: قلت لفاطمة: لو أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألتيه خادمًا فقد أجهدك الطحن والعمل. قالت: فانطلق معي. قال فانطلقت معها فسألناه فقال: ألا أدلكما - الحديث. ووقع عند مسلم من حديث أبي هريرة أن فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا وشكت العمل فقال: ما ألفيته عندنا (قال) أي علي (فجاءنا وقد أخذنا) الواو فيه للحال (مضاجعنا) جمع مضجع وهو المرقد أي جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم حال كوننا مضطجعين،
فَذَهَبْنَا نَقُومُ فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا. فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا
ــ
زاد في رواية السائب ((فأتيناه جميعًا فقلت: بأبي يا رسول الله والله لقد سنوت)) أي: استقيت من البير فكنت مكان السانية. وهي الناقة التي تسقى عليها الأرض. حتى اشتكيت صدري. وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا فقال: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم. ووقع في رواية عبيدة بن عمرو عن علي عند ابن حبان من الزيادة ((فأتانا وعلينا قطيفة إذا لبسناها طولاً خرجت منها جنوبنا، وإذا لبسناها عرضًا خرجت منها رؤوسنا وأقدامنا)) وفي رواية السائب ((فرجعا فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم وق دخلا في قطيفة لهما إذا غطيا رؤوسهما، تكشف أقدامها، وإذا غطيا أقدامهما تكشف رؤوسهما)) (فذهبنا نقوم) أي شرعنا وقصدنا لأن نقوم له (على مكانكما) أي لا تفارقا عن مكانكما والزماه. وقيل أي اثبتا واستمرا على ما أنتما عليه من الاضطجاع (فجاء فقعد بيني وبينها) . وفي رواية عند أحمد: (ج1: ص145) والنسائي: (أتانا النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى وضع قدمه يني وبين فاطمة)(حتى وجدت برد قدمه) بالإفراد وفي بعض النسخ بالتثنية وهكذا وقع عند البخاري في المناقب والنفقات والدعوات. أي بالتثنية، وكذا وقع عند مسلم. قال القسطلاني: ولأبي ذر ((قدمه)) أي بالإفراد (على بطني) . وفي رواية: ((قال على مكانكما حتى وجدت برد قدميه على صدري)) قال العيني: كلمة ((حتى)) غاية لمقدر تقديره فدخل هو في مضجعنا. ولظهوره ترك - انتهى. وقيل: أي: فأدخل قدميه بيننا من البرد حتى وجدت إلخ. وزاد في رواية الطبري ((فسخنتهما)) . وفي لفظ: وكانت ليلة باردة وقد دخلت هي وعلي في اللحاف فأرادا أن يلبسا الثياب وكان ذلك ليلاً. قال الحافظ: وفي رواية علي بن أعبد ((فجلس عند رؤوسهما وإنها أدخلت رأسها في اللفاع يعني: اللحاف حياء من أبيها)) ويحمل على أنه فعل ذلك أولاً فلما تأنست به دخل معهما في الفراش مبالغة في التأنيس، وفيه غاية التلطف على ابنته وصهره وإذا جاءت الألفة رفعة الكلفة. وزاد في رواية علي بن أعبد ((فقال: ما كان حاجتك أمس. فسكتت مرتين فقلت: أنا والله أحدثك يا رسول الله فذكرته له)) . ويجمع بين الروايتين بأنها أولاً استحيت فتكلم علي عنها فأنشطت للكلام فأكملت القصة، واتفق غالب الرواة على أنه صلى الله عليه وسلم جاء إليهما وفي مرسل علي بن الحسين عند جعفر الفريابي في الذكر ((أن فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا وبيدها أثر الطحن من قطب الرحى فقال: إذا أويت إلى فراشك)) . فيحتمل أن تكون قصة أخرى فقد أخرج أبو داود من طريق أم الحكم أو ضباعة بنت الزبير أي ابن عبد المطلب قالت: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيًا فذهبت أنا وأختي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم نشكوا إليه ما نحن فيه وسألناه أن يأمر لنا بشيء من السبي فقال: سبقكن يتامى بدر. فذكر قصة التسبيح أثر كل صلاة ولم يذكر قصة التسبيح عند النوم فلعله علم فاطمة في كل مرة أحد الذكرين. كذا في الفتح فقال: (ألا) . بالتخفيف وفتح الهمزة: (أدلكما على خير مما سألتما) وفي رواية: ((مما سألتماني)) أي طلبتما من الرقيق، وفي رواية السائب: ((ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ فقالا: بلى.
إِذَا أَخَذْتُمَا مَضجَعْكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ
ــ
فقال: كلمات علمنيهن جبريل)) (إذا أخذتما مضجعكما) زاد في رواية لمسلم ((من الليل)) ، وزاد في رواية السائب عند أحمد (ج1: ص107) ، ((تسبحان دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا)) وهذه الزيادة ثابتة في رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أصحاب السنن الأربعة في حديث أوله: ((خصلتان لا يحصيهما عبد إلا دخل الجنة)) وصححه الترمذي، وابن حبان وفيه ذكر ما يقال عند النوم أيضًا (فسبحا) بكسر الموحدة (واحمدا) بفتح الميم (وكبرا) وبكسر الموحدة (أربعًا وثلاثين) كذا وقعي في رواية القطان عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن علي عند البخاري في النفقات بالجزم بأربع في التكبير وتقديم التسبيح. وهكذا وقع في روايات أخرى، ومثله لسليمان بن حرب عن شعبة عند البخاري أيضًا لكن قدم التكبير وأخر التسبيح، وزاد في رواية هبيرة عن علي في آخر الحديث ((فتلك مائة باللسان وألف في الميزان)) قال الجزري في شرحه للمصابيح: في بعض الروايات الصحيحة التكبير أولاً وكان شيخنا الحافظ ابن كثير يرجحه ويقول: تقديم التسبيح يكون عقب الصلاة وتقديم التكبير عند النوم، أقول: الأظهر أنه يقدم تارة ويؤخر أخرى عملاً بالروايتين وهو أولى وأحرى من ترجيح الصحيح على الأصح مع أن الظاهر أن المراد تحصيل هذا العدد وبأيهن بدأ لا يضر كما ورد في سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ((لا يضرك بأيهن بدأت)) . وفي تخصيص الزيادة بالتكبير إيماء إلى المبالغة في إثبات العظمة والكبرياء فإنه يستلزم الصفات التنزيهية والثبوتية المستفادة من التسبيح والحمد. والله أعلم. كذا في المرقاة. قلت: وفي رواية: ((التكبير ثلاث وثلاثون)) وفي رواية: ((التسبيح أربع وثلاثون)) . وفي رواية: ((التحميد أربع وثلاثون)) واتفاق أكثر الرواة على أن الأربع للتكبير أرجح. قال ابن بطال: هذا نوع من الذكر عند النوم ويمكن أن يكون صلى الله عليه وسلم كان يقول جميع ذلك عند النوم وأشار لأمته بالاكتفاء ببعضها إعلامًا منه أن معناه الحض والندب لا الوجوب. وقال عياض: جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أذكار عند النوم مختلفة بحسب الأحوال والأشخاص والأوقات وفي كل فضل (فهو) أي: التسبيح وما بعده إذا قلتماه في الوقت المذكور، وقيل: أي: ما ذكر من الذكر (خير) أي: أفضل (لكما) أي: خاصة، وكذا لمن قاله وعمل به (من خادم) الخادم واحد الخدم يقع على الذكر والأنثى قال العيني: وجه الخيرية إما أن يراد به أن يتعلق بالآخرة والخادم بالدنيا والآخرة خير وأبقى. وإما أن يراد بالنسبة إلى ما طلبته بأن يحصل لها بسبب هذه الأذكار قوة تقدر على الخدمة أكثر مما يقدر الخادم عليه. وفي الحديث حمل الإنسان أهله على ما يحمل على نفسه من إيثار الآخرة على الدنيا إذا كانت لهم قدرة على ذلك. وفيه بيان إظهار غاية التعطف والشفقة على البنت والصهر ونهاية الاتحاد برفع الحشمة والحجاب حيث لم يزعجهما عن مكانهما فتركهما على حالة اضطجاعهما وبالغ حتى أدخل رجله بينهما ومكث بينهما حتى علمهما ما هو الأولى بحالهما من الذكر عوضًا عما طلباه من الخادم فهو من باب تلقي المخاطب بغير ما يطلب إيذانًا بأن الأهم من المطلوب هو التزود للمعاد والصبر على
..............................................................................................
ــ
مشاق الدنيا والتجافي عن دار الغرور. وفيه أن الزوج لا يلزمه إخدام زوجته إذا كانت لا تخدم في بيت أبيها وكانت تقدر على الخدمة من طبخ وخبز وملء ماء وكنس بيت. ولما سألت فاطمة الخادم لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا أن يخدمها. قال الطبري: يؤخذ منه أن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز أو طحن أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج إذا كان معروفًا أن مثلها يلي ذلك بنفسه ولو كانت كفاية ذلك إلى علي لأمره به كما أمره أن يسوق إليها صداقها قبل الدخول مع أن سوق الصداق ليس بواجب إذا رضيت المرأة أن تؤخره فكيف يأمره بما ليس بواجب عليه ويترك أن يأمره بالواجب. وحكى ابن حبيب عن أصبغ وابن الماجشون عن مالك أن خدمة البيت تلزم المرأة ولو كانت الزوجة ذات قدر وشرف إذا كان الزوج معسرًا. قال: ولذلك ألزم أن النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بالخدمة الباطنة وعليًّا بالخدمة الظاهرة. وحكى ابن بطال أن بعض الشيوخ قال: لا نعلم في شيء من الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على فاطمة بالخدمة الباطنة وإنما جرى الأمر بينهم على ما تعارفوه من حسن العشرة وجميل الأخلاق وأما أن تجبر المرأة على شيء من الخدمة فلا أصل له بل الإجماع منعقد على أن على الزوج مؤنة الزوجة كلها. ونقل الطحاوي الإجماع على أن الزوج ليس له إخراج خادم المرأة من بيته فدل على أنه يلزمه نفقة الخادم على حسب الحاجة إليه. وقال الشافعي والكوفيون: يفرض لها ولخادمها النفقة إذا كانت ممن تخدم. وقال مالك والليث ومحمد بن حسن: يفرض لها ولخادمها إذا كانت خطيرة. وشذ أهل الظاهر فقالوا: ليس على الزوج أن يخدمها ولو كانت بنت الخليفة، وحجة الجماعة قوله تعالى:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (4: 19) وإذا احتاجت إلى من يخدمها فامتنع لم يعاشرها بالمعروف كذا في الفتح. وفيه أن للإمام أن يقسم الخمس حيث رأى لأن السبي لا يكون إلا من الخمس. وأما الأربعة أخماس فهو حق الغانمين، وهو قول مالك وجماعة. وذهب الشافعي جماعة إلى أن لآل البيت سهمًا من الخمس. قال إسماعيل القاضي: هذا الحديث يدل على أن للإمام أن يقسم الخمس حيث يرى. لأن الأربعة الأخماس استحقاق الغانمين، والذي يختص بالإمام هو الخمس، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم ابنته وأعز الناس عليه من أقربيه وصرفه إلى غيرهم. وقال نحوه الطبري: لو كان سهم ذوي القربى قسمًا مفروضًا لأخدم ابنته ولم يكن ليدع شيئًا اختاره الله ولها وامتن به على ذوي القربى. وكذا قال الطحاوي وزاد: وإن أبا بكر وعمر أخذا بذلك وقسما جميع الخمس ولم يجعلا لذوي القربى منه حقًا مخصوصًا به بل بحسب ما يرى الإمام وكذلك فعل علي. قال الحافظ: في الاستدلال بحديث علي هذا نظر لأنه يحتمل أن يكون ذلك من الفيء وأما خمس الخمس من الغنيمة فقد روى أبو داود من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي، قال: قلت: يا رسول الله إن رأيت أن توليني حقنًا من هذا الخمس - الحديث. وله من وجه آخر عنه ((ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس فوضعته مواضعه حياته - الحديث. فيحتمل أن تكون قصة فاطمة وقعت قبل فرض الخمس. والله أعلم. وهو بعيد لأن قوله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ} (8: 41) .
متفق عليه.
2411-
(8) وعن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَقَالَ: أَلا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ خَادِمٍ؟ تُسَبِّحِينَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ
ــ
الآية نزلت في غزوة بدر وقد مضى قريبًا أن الصحابة أخرجوا الخمس من أول غنيمة غنموها من المشركين فيحتمل أن حصة خمس الخمس وهو حق ذوي القربى من الفيء المذكور لم يبلغ قدر الرأس الذي طلبته فاطمة فكان حقها من ذلك يسيرًا جدًا يلزم منه أن لو أعطاها الرأس أثر في حق بقية المستحقين ممن ذكر. وقال المهلب: في هذا الحديث أن للإمام أن يؤثر بعض مستحقي الخمس على بعض ويعطي الأوكد فالأوكد ويستفاد من الحديث حمل الإنسان أهله على ما يحمل عليه نفسه من التقلل والزهد في الدنيا والقنوع بما أعد الله لأولياءه الصابرين في الآخرة. قلت (قائله الحافظ) : وهذا كله بناء على ما يقتضيه ظاهر الترجمة (أي: ترجمة البخاري بلفظ باب الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمساكين وإيثار النبي صلى الله عليه وسلم أهل الصفة والأرامل حين سألته فاطمة وشكت إليه الطحن والرحى أن يخدمها من السبي فوكلها إلى الله) وأما مع الاحتمال الذي ذكرته أخيرًا فلا يمكن أن يؤخذ من ذكر الإيثار عدم وقوع الاشتراك في الشيء، ففي ترك القسمة وإعطاء أحد المستحقين دون الآخر إيثار الآخذ على الممنوع فلا يلزم منه نفي الاستحقاق، كذا تكلم الحافظ في الفتح تحت الترجمة المذكورة من الخمس فتأمله. وقال في الدعوات بعد ذكر كلام القاضي إسماعيل: ثم وجدت في تهذيب الطبري من وجه آخر ما لعله يعكر على ذلك. فساق من طريق أبي أمامة الباهلي عن علي ((قال: أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم رقيق أهداهم له بعض ملوك الأعاجم، فقلت لفاطمة: ائت أباك فاستخدميه)) فلو صح هذا لأزال الإشكال من أصله لأنه حينئذ لا يكون للغانمين فيه شيء، وإنما هو من مال المصالح يصرفه الإمام حيث يراه - انتهى. وإن شئت الوقوف على اختلاف العلماء في كيفية تقسيم خمس الغنيمة فارجع إلى فتح القدير للشوكاني (ج2: ص295، 296) (متفق عليه) . أخرجه البخاري في الخمس ومناقب علي والنفقات والدعوات، ومسلم في الدعاء واللفظ المذكور للبخاري في النفقات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج1: ص80، 81، 97، 107، 137، 145، 147) مختصرًا ومطولاً وكذا ابنه عبد الله في زوائده (ج1: ص124، 154) ، وأخرجه أيضًا الحميدي في مسنده (ج1: ص24) ، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الخراج وفي الأدب، والنسائي في الكبرى، وابن حبان في صحيحه، وابن السنى (ص235) ، وابن سعد، والدارمي في الاستيذان، والبغوي في شرح السنة (ج5: ص108) .
2411-
قوله: (تسأله خادمًا) أي: رقيقًا ولم تصادفه فلما علم بها جاءها، وفي صحيح مسلم بعد هذا ((وشكت العمل فقال: ما ألفيتيه عندنا)) قال الحافظ: هو بالفاء، أي: ما وجدته ويحمل على أن المراد ما وجدته عندنا فاضلاً عن حاجتنا إليه لما ذكر من إنفاق أثمان السبي على أهل الصفة (تسبحين الله) إلخ. بصيغة المضارع، وذكر الجلالة في