المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

رواه البخاري. ‌ ‌(الفصل الثاني) 2359- (14) وَعَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٨

[عبيد الله الرحماني المباركفوري]

الفصل: رواه البخاري. ‌ ‌(الفصل الثاني) 2359- (14) وَعَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

رواه البخاري.

(الفصل الثاني)

2359-

(14) وَعَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ

ــ

أما الأول فلما فيه من الاعتراف بوجود الصانع وتوحيده الذي هو أصل الصفات العدمية المسماة بصفات الجلال والاعتراف بالصفات السبعة الوجودية المسماة بصفات الإكرام وهي القدرة اللازمة من الخلق الملزومة للإرادة والعلم والحياة. والخامسة الكلام اللازم من الوعد والسمع والبصر واللازمان من المغفرة إذا المغفرة للمسموع والمبصر لا يتصور إلا بعد السماع والإبصار. وأما الثاني فلما فيه أيضًا من الاعتراف بالعبودية وبالذنوب في مقابلة النعمة التي تقتضي نقيضها وهو الشكر - انتهى. وقال ابن أبي جمرة: من شروط الاستغفار صحة النية والتوجه والأدب فلو أن أحدًا حصل الشروط واستغفر بغير هذا اللفظ الوارد واستغفر آخر بهذا اللفظ الوارد لكن أخل بالشروط هل يستويان؟ فالجواب إن الذي يظهر أن اللفظ إنما يكون سيد الاستغفار إذا جمع الشروط المذكورة والله أعلم. (رواه البخاري) في أوائل الدعوات، وأخرجه أيضًا في الأدب المفرد، وأخرجه أحمد (ج4: ص122: 125) ، والنسائي في الاستعاذة وفي اليوم والليلة، والترمذي في الدعوات، والحاكم (ج2: ص458) وفي الباب عن بريدة عند أحمد، وأبي داود في الأدب، والنسائي، وابن ماجة في الدعاء، وعن جابر عند النسائي، وابن السني (ص128) ونسبه في الكنز لعبد بن حميد وابن أبي شيبة أيضًا.

2359-

قوله: (إنك ما دعوتني ورجوتني) ما مصدرية ظرفية، أي: مادمت تدعوني وترجوني يعني في مدة دعائك ورجائك (غفرت لك) ذنوبك (على ما كان فيك) أي من المعاصي وإن تكررت وكثرت (ولا أبالي) أي بكثرة ذنوبك وخطاياك ولا يتعاظمني ذلك ولا أستكثره يعني لا يعظم على مغفرتك، وإن كانت ذنوبك كثيرة فذنوب العبد، وإن كثرت وعظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم. فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته. قال القاري: ولا أبالي أي والحال إني لا أتعظم مغفرتك علي وإن كان ذنبًا كبيرًا أو كثيرًا. قيل: لأن الدعاء مخ العبادة وهو سؤال النفع والصلاح والرجاء يتضمن حسن الظن بالله تعالى، والله عز وجل يقول: أنا عند ظن عبدي بي. وعند ذلك تتوجه رحمة الله إلى العبد، وإذا توجهت لا يتعاظمها شيء لأنها وسعت كل شيء. قال الطيبي: في قوله ولا أبالي معنى لا يسأل عما يفعل (لو بلغت ذنوبك عنان السماء) بفتح العين المهلة وبنونين

ص: 35

ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ لقيتني بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً.

ــ

خفيفتين أي سحابها واحدها عنانة. وقيل: عنان السماء ما عن (بتشديد النون) لك منها أي ظهر لك منها إذا رفعت رأسك إلى السماء ونظرتها وما انتهى إليه البصر منها. وقال الطيبي: العنان السحاب وإضافتها إلى السماء تصوير لارتفاعه وأنه بلغ مبلغ السماء يعني لو تجسمت ذنوبك وملأت الأرض والفضاء بكثرتها وعظمتها حتى ارتفعت إلى السماء (ثم استغفرتني غفرت لك) هو نظير قوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً} (النساء:110)(لو لقيتني) كذا في جميع النسخ الحاضرة من المشكاة، والذي في الترمذي لو أتيتني وهكذا في المصابيح، والترغيب، والحصن، والجامع الصغير، والكنز، ومدارج السالكين، والظاهر إن ما وقع في نسخ المشكاة خطأ من الناسخ (بقراب الأرض) بضم القاف، ويكسر والضم أشهر. أي بما يقارب ملأها وقيل: أي يملأها وهو أشبه أي هو المراد هنا لأن الكلام في سياق المبالغة، ويؤيده ما وقع في آخر حديث أبي ذر عند أحمد وقراب الأرض ملأ الأرض (خطايا) تمييز أي: بتقدير تجسمها (ثم لقيتني) أي مت حال كونك (لا تشرك بي شيئًا) أي معتقدًا توحيدي مصدقًا برسولي محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به وهو الإيمان. قال القاري: قوله لا تشرك بي شيئًا. الجملة حال من الفاعل أو المفعول على حكاية الحال الماضية لعدم الشرك وقت اللقي (لأتيتك بقرابها مغفرة) تمييز أيضًا وعبر به للمشاكلة وإلا فمغفرة الله أبلغ وأوسع لا يجوز الاغترار به وإكثار المعاصي، فالمراد الحث على الاستغفار والتوبة، وإن الله يقبل توبة التائب ويغفر له وإن كثرت ذنوبه قال الطيبي: ثم هذه للتراخي في الإخبار وإن عدم الشرك مطلوب أولى، ولذلك قال لقيتني وقيد به وإلا لكان يكفي أن يقال خطايا لا تشرك بي. قال القاري: فائدة القيد أن يكون موته على التوحيد - انتهى. قال ابن رجب في شرح الأربعين: قد تضمن حديث أنس هذا إن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة أحدها: الدعاء مع الرجاء. والثاني: الاستغفار ولو عظمت الذنوب وبلغت الكثرة عنان السماء. والثالث: التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتي بأعظم أسباب المغفرة. قال الله تعالى:{إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء: 116) فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل فإن شاء غفر له وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة قال بعضهم: الموحد لا يلقى في النار كما يلقى الكفار ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله محبة

ص: 36

رواه الترمذي.

2360-

(15) ورواه أحمد والدارمي عن أبي ذر، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

2361-

(16) وعن ابن عباس عن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له

ــ

وتعظيمًا وإجلالاً ومهابة وخشيةً ورجاءً وتوكلاً، وحينئذٍ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات فإن هذا التوحيد هو الأكسير الأعظم فلو وضع ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات - انتهى. وارجع إلى مدارج السالكين (ج1: ص183، 184) فإنه قد أسهب الكلام في إيضاح ذلك بما لا مزيد عليه هذا. وقد بسط ابن رجب الكلام في شرح السببين الأولين وإيراد ما يناسب المقام ويتعلق به عقب ذكر كل واحد منهما فليرجع إليه من شاء (رواه الترمذي) في الدعوات من طريق كثير بن فائد عن سعيد بن عبيد الهنائي عن بكر بن عبد الله المزني عن أنس، وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه - انتهى. قال ابن رجب: وإسناده لا بأس به. وقال الدارقطني: تفرد به كثير بن فائد عن سعيد مرفوعًا، ورواه مسلم بن قتيبة عن سعيد بن عبيد فوقفه عن أنس. قال ابن رجب: روي عنه مرفوعًا وموقوفًا وتابعه على رفعه أبو سعيد مولى بني هاشم فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعًا أيضًا، وقد روي أيضًا من حديث ثابت عن أنس مرفوعًا ولكن قال أبو حاتم: هو: منكر - انتهى. ونسب الحديث في الكنز للضياء أيضًا.

2360-

قوله: (ورواه أحمد)(ج5: ص167: 172) ، (والدارمي) في الرقاق (ص375) كلاهما من طريق شهر بن حوشب عن معدي كرب عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه فذكرا معنى حديث أنس، ورواه أحمد (ج5: ص154) أيضًا مختصرًا من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر وفي الباب عن ابن عباس أخرجه الطبراني في معاجيمه الثلاثة. قال الهيثمي: وفيه إبراهيم بن إسحاق الصيني قيس بن الربيع وكلاهما مختلف فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح - انتهى. وعن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في الكبير (وقال الترمذي: هذا) أي: حديث أنس (حسن غريب) قد تقدم أن ابن رجب قال: إسناده لا بأس به وأنه تابع كثير بن فائد على رفعه أبو سعيد مولى بني هاشم فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعًا أيضًا.

2361 -

قوله: (من علم أني ذو قدرة) أي: أذعن وتحلى قلبه بأني ذو قدرة (على مغفرة الذنوب غفرت له) قال الطيبي: دل هذا الحديث على أن اعتراف العبد بذلك سبب للغفران وهو نظير قوله: أنا عند ظن عبدي بي - انتهى. وظاهر كلامه هذا أنه يغفر له وإن لم يستغفر. وقيل: معنى الحديث من علم أني ذو قدرة على

ص: 37

ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً. رواه في شرح السنة.

2362-

(17) وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُل ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.

ــ

مغفرة الذنوب أي واستغفرني غفرت له. قلت: وإلى الأول مال الشوكاني كما يدل عليه كلامه في تحفة الذاكرين عند شرح حديث أنس السابق، حيث قال: بل ورد ما يدل على أن العبد إذا أذنب فعلم أن الله تعالى إن شاء أن يعذبه عذبه وإن شاء أن يغفر له غفر له كان ذلك بمجرده موجبًا للمغفرة من الله سبحانه وتعالى تفضلاً منه ورحمة، كما في حديث أنس عند الطبراني في الأوسط. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أذنب ذنبًا فعلم أن الله عز وجل إن شاء عذبه وإن شاء غفر له كان حقًا على الله أن يغفر له. وفي إسناده جابر بن مرزوق الجدي وهو: ضعيف قال: ومثل هذا غير مستبعد من الفضل الرباني والتطول الرحماني فهو الذي يغفر ولا يبالي (ولا أبالي) قال العلقمي: أي بذنوبك لأنه سبحانه وتعالى لا حجر عليه فيما يفعل ولا معقب لحكمه ولا مانع لعطاءه (ما لم يشرك بي شيئًا) لأن الشرك لا يغفر إلا بالإيمان والتوبة (رواه) أي: البغوي: (في شرح السنة) أي: بإسناده ونسبه في الجامع الصغير للطبراني في الكبير والحاكم. قلت: أخرجه الحاكم (ج4: ص262) من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس فذكره. وقال: حديث صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي فقال العدني: واه.

2362 -

قوله: (من لزم الاستغفار) أي عند صدور معصية أو داوم عليه فإنه في كل نفس يحتاج إليه ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا) . وسيأتي في الفصل الثالث واللفظ المذكور لأبي داود، وابن ماجة، وابن حبان، ورواه أحمد، والنسائي، وابن السني، والحاكم بلفظ: من أكثر من الاستغفار. وهذا يؤيد المعنى الثاني (من كل ضيق) الضاد ويفتح أي شدة ومحنة. وقيل: أي أمر شديد عسير يضيق به القلب (مخرجًا) مصدر أو ظرف أي طريقًا يخرجه إلى سعة ومنحة بسبب كثرة الاستغفار ولزومه. والجار متعلق به وقدم عليه للاهتمام وكذا (ومن كل هم) أي: غم وحزن وقلق (فرجًا) بفتحتين وهو بالجيم أي خلاصًا من فرج الله الغم عنه كفرجه كشفه وأذهبه، والفرجة مثلثة التفصي والخلوص من الشدة والهم والاسم الفرج محركة (ورزقه) أي حلالاً طيبًا (من حيث لا يحتسب) أي من وجه لا يظن ولا يرجو ولا يخطر بباله. قال الجزري: أي من حيث لا يعلم ولا كان في حسابه - انتهى. وفي الحديث إيماء إلى قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق 2، 3) ولما لكان لا يخلو المتقي

ص: 38

رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة.

ــ

وغيره من التقصير كما ورد: كل بني آدم خطاؤن وخير الخطائين التوابون. أشار صلى الله عليه وسلم إليه في تعبيره بملازمة الاستغفار إيماء إلى أن العاصي إذا استغفر صار متقيًا، وهذا جزاء المتقي لا محالة. قال الطيبي: من داوم الاستغفار وأقام بحقه كان متقيًا وناظرًا إلى قوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} (نوح 10: 12) ففيه دليل على أن بالاستغفار يحصل كل شيء، ويؤيد هذا ما ذكره الثعلبي إن رجلاً أتى الحسن البصري رح فشكا إليه الجدوبة فقال له الحسن: استغفر الله، وأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وأتاه آخر فقال: ادع الله أن يرزقني ابنًا، فقال: استغفر الله، وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه، فقال له: استغفر الله، فقيل: له أتاك رجال يشكون أبوابًا ويسألون أنواعًا فأمرتهم كلهم بالاستغفار فقال: ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيء إنما اعتبرت فيه قول الله عز وجل حكاية عن نبيه نوح عليه السلام إنه قال لقومه: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} الآية (رواه أحمد)(ج1: ص248) ، (وأبو داود) في أواخر الصلاة، (وابن ماجة) في فضل الذكر وأخرجه أيضًا النسائي، وابن السنى (ص118، 119) ، وابن حبان، والحاكم (ج1: ص262) ، والبيهقي كلهم من رواية الحكم بن مصعب عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ونقل المنذري في الترغيب قول الحاكم وأقره. وقال في تهذيب السنن: في إسناده الحكم بن مصعب ولا يحتج به. وقال في رجال الترغيب: الحكم بن مصعب صويلح الحديث لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم في ما علم وذكره ابن حبان في الثقات وفي الضعفاء أيضًا. وقال يخطئ - انتهى. وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: قلت: الحكم فيه جهالة - انتهى. وقال الحافظ في التقريب: الحكم بن مصعب المخزمي مجهول، ووافق الشيخ أحمد شاكر الحاكم حيث قال في شرح المسند (ج4: ص55) : إسناده صحيح الحكم بن مصعب. قال أبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ وذكره أيضًا في الضعفاء. وقال: ((لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار)) قال الحافظ في التهذيب: ((وهو تناقض صعب)) والذي أراه إنه إن جهله أبو حاتم فقد عرفه غيره وإن تناقض فيه ابن حبان فلا يؤخذ بكلامه فإن البخاري عرفه وترجمه في الكبير (1/2/336) . قال: ((الحكم بن مصعب القرشي: سمع محمد بن علي بن عبد الله بن عباس سمع منه الوليد بن مسلم)) فلم يذكر فيه جرحًا فهو ثقة عنده خصوصًا وإنه لم يذكره هو ولا النسائي في الضعفاء وأما قول المنذري في مختصر السنن في حق الحكم: أنه لا يحتج به فهو غلو منه شديد - انتهى. قلت: الحكم هذا ليس له عندهم إلا فرد حديث. وهو حديث لزوم الاستغفار ولم يرو عنه إلا الوليد بن مسلم ورجل آخر على ما قاله ابن حبان ولم يصرح أحد بتوثيقه، وليس هو من الرواة المعروفين المشهورين بالعدالة حتى يستغنى عن التوثيق

ص: 39

2363-

(18) وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصديق قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أَصَرَّ مَنْ اسْتَغْفَرَ وإنْ عاد فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً. رواه الترمذي، وأبو داود.

2364-

(19) وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كُلُّ بَنِي آدَمَ

ــ

والتعديل، ففي كون إسناد هذا الحديث صحيحًا نظر عندي، نعم هو ليس ممن لا يقبل حديث في فضائل الأعمال والأذكار بناء على قول المنذري إنه صويلح الحديث. وذكر البخاري له تأريخه من غير جرح والله أعلم.

2363 -

قوله: (ما أصر من استغفر) كلمة ((ما)) نافية يعني من عمل معصية ثم ندم على ذلك واستغفر منه خرج عن كونه مصرًا على المعصية، لأن المصر هو الذي لم يستغفر ولم يندم على الذنب. قال في النهاية: أصر على الشر لزمه ودوامه وأكثر ما يستعمل في الشر والذنوب، أي من اتبع ذنبه بالاستغفار فليس بمصر عليه وإن تكرر منه (وإن عاد) أي ولو رجع إلى ذلك الذنب أو غيره، وهذا لفظ أبي داود، وابن السني، وللترمذي ولو فعله (في اليوم) أو الليلية (سبعين مرة) الظاهر أن المراد به التكثير والتكرير والمبالغة لا التحديد، وليس المراد بالاستغفار التلفيظ بقوله أستغفر الله، بل المراد الندامة على فعل المعصية والعزم على عدم العود. قال المناوي في شرح هذا الحديث أي: ما أقام على الذنب من تاب توبة صحيحة، وإن عاد في اليوم سبعين مرة فإن رحمة الله لا نهاية لها فذنوب العالم كلها متلاشية عند عفوه، وفي الحديث إيماء إلى قوله تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} (آل عمران: 135، 136) الآية قال الشوكاني: ولم يصروا. أي: لم يقيموا على قبيح فعلهم، والمراد بالإصرار هنا العزم على معاودة الذنب وعدم الإقلاع عنه بالتوبة منه وقال ابن القيم: الإصرار عقد القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به فهذا الذي يمنع مغفرته (رواه الترمذي) في أحاديث شتى من أبواب الدعوات، (وأبو داود) في أواخر الصلاة، وأخرجه أيضًا ابن السني (ص118) كلهم من رواية أبي نصيرة عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر، وذكره الشوكاني في فتح القدير (ج1: ص350) وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي يعلى والبيهقي في الشعب وسكت عليه أبو داود. وقال الترمذي: حديث غريب وليس إسناده بالقوي أي لجهالة مولى أبي بكر، قال في المبهمات من التقريب: أبو نصيرة عن مولى لأبي بكر يقال: هو أبو رجاء وقال في الكنى: منه أبو رجاء مولى أبي بكر الصديق مجهول.

2364 -

قوله: (كل بني آدم) كذا في جميع النسخ الحاضرة من المشكاة، وهكذا في المصابيح وجامع الأصول (ج3: ص70) والكنز، والجامع الصغير، وهكذا وقع عند ابن ماجة، والدارمي، والحاكم، والذي في

ص: 40

خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ. رواه الترمذي، وابن ماجة، والدارمي.

2365-

(20) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ،

ــ

الترمذي: كل ابن آدم، وهكذا وقع في الترغيب (خطأ) بتشديد الطاء والمد والتنوين أي كثير الخطأ، قال السندي: والمراد بالخطأ المعصية عمدًا ومطلقًا بناء على أنه الخطأ المقابل للصواب دون العمد. قال القاري: أفرد نظرًا إلى لفظ الكل، وفي رواية خطاؤن نظر إلى معنى الكل. قيل: أراد الكل من حيث هو كل أو كل واحد. وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فإما مخصوصون عن ذلك، وإما أنهم أصحاب صغائر، والأول أولى، فإن ما صدر عنهم من باب ترك الأولى أو يقال الزلات المنقولة عن بعضهم محمولة على الخطأ والنسيان من غير أن يكون لهم قصد إلى العصيان - انتهى. وقيل: كل بني آدم خطاء أي غالبهم كثير الخطأ (وخير الخطائين التوابون) أي: الرجاعون إلى الله بالتوبة من المعصية إلى الطاعة لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} (البقرة: 222) أي: دون المصرين، فإن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة فكيف على الكبيرة. (رواه الترمذي) في أواخر الزهد، (وابن ماجة) في ذكر التوبة من أبواب الزهد (والدارمي) في الرقاق، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج4: ص244) كلهم من رواية علي بن مسعدة الباهلي عن قتادة عن أنس. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال علي لين: قلت: علي بن مسعدة. قال المنذري: لين الحديث. وقال البخاري: فيه نظر. وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة. وقال ابن حبان لا يحتج بما انفرد به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن معين: صالح. وقال الحافظ: صدوق له أوهام، فالظاهر إن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن والله أعلم. وزاد نسبة الحديث في الجامع الصغير والكنز لأحمد.

2365-

قوله: (إن المؤمن إذا أذنب) أي ذنبًا. كما في رواية الحاكم (كانت) أي الذنب يتأول السيئة (نكتة) بالنصب على الخبر، وروي بالرفع على أن كان تامة فيقدر منه أي حدثت من الذنب نكتة (سوداء) والنكتة النقطة السوداء في الأبيض، أو البيضاء في الأسود والأثر الحاصل من نكت الأرض وشبع الوسخ في المرآة والسيف ونحوهما. (في قلبه) أي حصلت في قلبه أثر قليل كالنقطة تشبه الوسخ في صقيل كالمرآة والسيف ونحوهما. وقال القاري: أي كقطرة مداد تقطر في القرطاس، ويختلف على حسب المعصية وقدرها، والحمل على الحقيقة أولى من جعله من باب التمثيل والتشبيه، حيث قيل شبه القلب بثوب في غاية النقاء والبياض والمعصية بشيء في غاية

ص: 41

فَإِنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حتى تعلو قلبه فَذَلِكم الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تعالى {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}

ــ

السواد أصاب ذلك الأبيض، فبالضرورة. أنه يذهب ذلك الجمال منه. وكذلك الإنسان إذا أصاب المعصية صار كأنه حصل ذلك السواد في ذلك البياض - انتهى. واللفظ المذكور لأحمد، وابن ماجة، والحاكم، ولفظ الترمذي إن العبد إذا أخطأ خطيئته نكتت (بصيغة المجهول من النكت وهو في الأصل أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها أي جعلت) في قلبه نكتة سوداء (فإن تاب) أي من الذنب (واستغفر) أي: وسأل الله المغفرة، ووقع في المسند، وابن ماجة، والمستدرك (ج2: ص517) لفظ: نزع بعد تاب. وقيل: استغفر أي أقلع عن ذلك وتركه. ولفظ الترمذي: فإذا هو نزع واستغفر وتاب، والظاهر أنه وقع سقوط لفظ نزع في المشكاة تبعًا للمصابيح والله أعلم (صقل قلبه) بالصاد المهملة على بناء المفعول من صقله جلاه من باب نصر أي: محا الله تلك النكتة عن قلبه فينجلي، ويحتمل أن يكون على بناء الفاعل وضميره راجع إلى التائب وفي رواية الترمذي، والحاكم، سقل بالسين قال في القاموس: السقل: الصقل، وقال فيه صقله جلاه - انتهى. والمعنى نظف وصفى مرآة قلبه، لأن التوبة بمنزلة المصقلة تمحو وسخ القلب وسواده حقيقيًا أو تمثيليًا (وإن زاد) أي في الذنب بعينه أو بغيره من الذنوب (زادت) أي النكتة السوداء أو يظهر لكل ذنب نكتة (حتى تعلو) أي تغلب النكت، وفي المسند يعلو بالمثناة التحتية أي يغلب سواد تلك النكتة، على (قلبه) أي تغطية وتغمرة وتستر سائره، ويصير كله ظلمة فلا يعي خيرًا ولا يبصر رشدًا، ولا يثبت فيه صلاح. وفي رواية الترمذي:((وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه)) يعني: وإن عاد إلى ما اقترفه أو عاد في الذنب، والخطيئة زيد في النكتة السوداء نكتة أخرى، وهكذا حتى تطفئ تلك النكت نور قلبه فتغمى بصيرته (فذلكم) قيل الخطاب للصحابة أي فذلكم الأثر المستقبح المستعلى هو (الران الذي ذكر الله) أي في كتابه وأدخل اللام على ران وهو فعل، أما القصد حكاية اللفظ وإجراءه مجرى الاسم، وإما لتنزيله منزلة المصدر، وقوله:((فذلكم الران)) هكذا في جميع نسخ المشكاة، وكذا وقع في المصابيح، والذي في المسند ((ذلك الرين)) وفي الترمذي ((وهو الران)) وفي ابن ماجة، والحاكم ((فذلك الران)) وهكذا نقله المنذري في الترغيب، والرين والران سواء كالذيم والذام والعيب والعاب، وأصل الرين الطبع والتغطية والدنس، وهو أيضًا الصدأ الذي يعلو السيف والمرآة. قال أبو عبيد:((كل ما غلبك وعلاك فقد ران بك ورانك وران عليك {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم} أي: غلب واستولى عليها {مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: ما اكتسبوه من الذنوب)) . قال الحافظ ابن كثير: أي ليس الأمر كما زعموا، ولا كما قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على

ص: 42

رواه أحمد، والترمذي وابن ماجة، وَقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

2366-

(21) عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ.

ــ

رسوله صلى الله عليه وسلم. وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا، والرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار والغين للمقربين - انتهى. قال شيخنا: أصل الران والرين الغشاوة وهو كالصدى على الشيء الثقيل قال الطيبي: الران والرين سواء كالعاب والعيب، والآية في الكفار إلا أن المؤمن بارتكاب الذنب يشبههم في اسوداد القلب ويزاد ذلك بازدياد الذنب. قال ابن الملك هذه الآية مذكورة في حق الكفار لكن ذكرها صلى الله عليه وسلم تخويفًا للمؤمنين كي يحترزوا عن كثرة الذنب كيلا تسود قلوبهم كما أسودت قلوب الكفار، ولذا قيل المعاصي يريد الكفر كذا في المرقاة. رواه أحمد (ج2: ص297) ، (والترمذي) في تفسير سورة المطففين، (وابن ماجة) في ذكر الذنوب من أبواب الزهد، وذكره الشوكاني في الفتح القدير (ج5: ص390) وزاد نسبته لعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير (ج2: ص62) ، وابن المنذر، وابن حاتم، والحاكم (ج1: ص5، وج2: ص517) ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، وذكره المنذري في الترغيب في موضعين ونسبه لابن حبان أيضًا (وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح) ، وقال الحاكم (ج2: ص517) : صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

2366-

قوله: (إن الله يقبل توبة العبد) قال القاري: ظاهره الإطلاق، وقيده بعض الحنفية بالكافر - انتهى. قال شيخنا: والظاهر المعول عليه هو الأول (ما لم يغرغر) بغينين معجمتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبراء مكررة من الغرغرة، أي ما لم تبلغ روحه حلقومه، فتكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض والغرغرة أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلق ولا يبلغ، ويقال لذلك الشيء الذي يتغرغر به الغرور مثل قولهم لعوق ولدود وسعوط والمقصود ما لم يعاين أحوال الآخرة. قال القاري: يعني ما لم يتيقن بالموت فإن التوبة بعد التيقين بالموت لم يعتد بها لقوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} (النساء: 18) قيل: وأما تفسير ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت فحكم أغلبي لأن كثيرًا من الناس لا يراه وكثيرًا يراه قبل الغرغرة - انتهى. وقال التوربشتي: الغرغرة تردد الماء وغيره في الحلق والغرغرة صوت معه بحح ويقال الراعي يغرر بصوته أي: يردده في حلقه ويتغرغر صورته في حلقه أي: يتردد، ومعناه في الحديث تردد النفس في الحلق عند نزع الروح، وذلك في أول

ص: 43

رواه الترمذي وابن ماجة.

ــ

ما يأخذ في سياق الموت. ويكون معنى قوله: ما لم يغرغر ما لم يحضره الموت. فإنه إذا حضره الموت يغرغر بتردد النفس في الحلق فإذا تحقق بالموت، وانقطاع المدة أي مدة الحياة فتوبته غير معتد بها قال: وإنا إن أنكرنا صحة التوبة ممن حضره الموت فأيقن بالهلاك وتحقق بفوات إمكان المراجعة، فإنا لا نقول والحمد لله بسد باب الرحمة عنه وتحريم المغفرة عليه، بل نخاف منه ونرجو له العفو من الله فإن الله تعالى يقول:{إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء: 48) انتهى. ملخصًا. والحاصل إن التوبة عند المعاينة لا تنفع، لأنها توبة ضرورة لا اختيار قال الله تعالى:{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} (النساء: 17، 18) الآية، والتوبة من قريب عند جمهور المفسرين هي التوبة قبل المعاينة أي قبل وقت حضور الموت. قال عكرمة: قبل الموت. وقال الضحاك: قبل معاينة ملك الموت، فهذا شأن التائب من قريب. وأما إذا وقع في السياق فقال إني تبت الآن لم تقبل توبته، وذلك لأنها توبة اضطرار لا اختيار فهي كالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها ويوم القيامة وعند معاينة بأس الله. وقيل: معنى التوبة من قريب إنهم يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار. قال في الإحياء: معناه عن قرب العهد بالخطيئة بأن يندم عليها ويمحو أثرها بحسنة تدفعها قبل أن يتراكم الذنب على القلب فلا يقبل المحو ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: أتبع السيئة الحسنة تمحها. قال في هامش مدارج السالكين: اغتر الناس بظواهر أقوال المفسرين عكرمة، والضحاك وغيرهما في تفسير الآية، وحديث ابن عمر وأمثاله فصاروا يسرفون في التوبة ويصرون على المعاصي، فترسخ في قلوبهم وتأنس بها أنفسهم وتصير ملكات وعادات يتعذر عليهم أو يتعسر على غير الموفق النادر الإقلاع عنها حتى يجيئهم الأجل الموعود، وليس معنى الآية إن التوبة المقبولة المرضية التي أوجب الله على نفسه قبولها هي ما كانت عن معاصي يصر المرء عليها إلى ما قبل غرغرة الموت ولو بساعات ودقائق بل المراد القرب من وقت الذنب المانع من الإصرار كما في الآية الأخرى. ولعل مراد عكرمة والضحاك وأمثالهما موافقة معنى الحديث من أن الله يقبل توبة العاصي ما لم يغرغر أي: إنه إن فرض أنه تاب في أي وقت من الأوقات قبل الغرغرة والمعاينة تقبل توبته، ولا يكون ذلك منافيًا للآية، فإن الإنسان قد يتوب قبل الغرغرة من ذنب عمله من عهد قريب، ولكن قلما يتوب من الإصرار الذي رسخ في الزمن البعيد، فإن تاب فقلما يتمكن من إصلاح ما أفسده الإصرار من نفسه ليتصدق عليه قوله تعالى:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} (طه: 82) وجملة القول إن المراد أن الإصرار والتسويف خطر، وإن كانت التوبة تقبل في كل حال اختيار إذ الغالب أن المرء يموت على ما عاش فليحذر المغرورون. (رواه الترمذي) في الدعوات، (وابن ماجة)

ص: 44

2367-

(22) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ لا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ. فَقَالَ الرَّبُّ عز وجل: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وارتفاع مكاني لا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي.

ــ

في ذكر التوبة من أبواب الزهد، وأخرجه أيضًا أحمد (ج2: ص132: 153) ، والحاكم (ج4 ص257)، وأبو نعيم في الحلية (ج5: ص19) ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير والدر المنثور (ج2: ص131) ، وعلي المتقي في الكنز (ج4: ص21) وزاد نسبته لابن حبان، والبيهقي في الشعب، والحديث حسنه الترمذي. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. واعلم أنه اختلفت النسخ من سنن ابن ماجة في تسمية الصحابي الذي روى هذا الحديث، ففي بعضها عبد الله بن عمر كما وقع في المسند والترمذي، والحاكم، والحلية، وابن حبان، والبيهقي، وهذا هو الصحيح. ووقع في بعضها عبد الله بن عمرو أي بالواو، وهي النسخة التي كانت عند البوصيري فظنه لذلك حديثًا آخر غير هذا الحديث الذي عن ابن عمر بن الخطاب فاعتبره من الزوائد كما يدل عليه كلامه الذي نقله عنه السندي، وهذا خطأ من غير شك، وفي الباب عن أبي ذر عند أحمد (ج5: ص174) ، والبزار وعن رجل عند أحمد والبغوي كما في الكنز.

2367-

قوله: (إن الشيطان قال: وعزتك يا رب) أي: وقوتك وقدرتك يعني أقسم بعزتك التي لا ترام، وفي رواية أخري لأحمد إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك. قال القاري: وفيه إيماء إلى أنه رئيس الضلال، ومظهر الجلال كما أن نبينا صلى الله عليه وسلم مظهر العناية والجمال وسيد أهل الهداية والكمال (لا أبرح) بفتح الهمزة أي: لا أزال (أُغوي) بضم الهمزة وكسر الواو أي: أضل (عبادك)، وفي رواية لأحمد: بني آدم. أي: لا أزال أضل بني آدم، إلا المخلصين منهم ويحتمل العموم ظنًا منه إفادة ذلك (ما دامت أرواحهم في أجسادهم) أي: مدة حياتهم (فقال الرب عز وجل: وعزتي وجلالي) قال القاري: ولعل ذكرهما للمشاكلة وإلا فمقتضي المقابلة أن يقول: ورحمتي وجمالي (وارتفاع مكاني) لم أجد هذا اللفظ عند أحمد في مسند أبي سعيد ولا ذكره الجزري في الحصن، والمنذري في الترغيب وعلي المتقي في الكنز، نعم هو شرح السنة للبغوي وهي زيادة منكرة (لا أزال)، وفي رواية أحمد:(لا أبرح)، وفي أخري له أيضًا: لا أزال في كلا الموضعين ولعل ذلك من تصرف الرواة (أغفر لهم ما استغفروني) أي مدة طلبهم المغفرة في حالة الاختيار. وفي الحديث دليل علن أن الاستغفار يدفع ما وقع من الذنوب بإغواء الشيطان وتزيينه وإنها لا تزال المغفرة كائنة ما داموا يستغفرون. قال الطيبي: فإن قلت كيف المطابقة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ

ص: 45

رواه أحمد.

2368-

(23) وَعَن صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ.

ــ

فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} (ص: 82 - 85) فإن الآيات دلت على أن المخلصين هم الناجون فحسب، والحديث دال على أن غير المخلصين هم أيضًا ناجون، قلت: قيد قوله تعالى: {ممَنِ اتَّبَعَكَ} أخرج العاصين المستغفرين منهم لأن المعنى ممَنِ اتَّبَعَكَ واستمر على المتابعة، ولم يرجع إلى الله ولم يستغفر - انتهى. وقيل: الأظهر في دفع هذا الإشكال إن المراد بالمخلصين الموحدون الذين أخلصهم الله من الشرك (رواه أحمد) أي: بهذا اللفظ دون اللفظ دون قوله ((وارتفاع مكاني)) (ج3: ص29) وإنما رواه بهذه الزيادة البغوي صاحب المصابيح في شرح السنة (1/146/2) وأخرجا الحديث من طريق ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، والكلام في ابن لهيعة معروف، وفي حديث دراج عن أبي الهيثم ضعف. وأخرجه أحمد أيضًا بنحوه بدون هذه الزيادة من هذا الطريق (ج3: ص76) ، وأخرجه في (ج3: ص29، 41) من طريق آخر أي: من طريق الليث عن يزيد بن الهاد عن عمرو عن أبي سعيد وليس فيه أيضًا هذه الزيادة ومن هذا الموضع ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج10: ص207) وقال: رواه أحمد، وأبو يعلي بنحوه. وقال:(لا أبرح أغوي عبادك) والطبراني في الأوسط وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلي - انتهى. وأراد بهذا الطريق الثاني. وأما الطريق الأول ففيه ابن لهيعة ودراج كما ذكرنا، وأخرجه الحاكم (ج4: ص261) من طريق عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم بدون الزيادة المذكورة، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي ولا يخفى ما فيه. قال الحافظ في ترجمة دراج: صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف وقال الشوكاني بعد نقل تصحيح الحاكم: وفيه نظر فإن في إسناده دراجًا.

2368-

قوله: (إن الله تعالى جعل بالمغرب بابًا) أي: حسيًا. وقيل: معنويًا (عرضه مسيرة سبعين عامًا) أي: فكيف طوله، قيل: ذكر السبعين للتكثير والمبالغة لا للتحديد. قال في اللمعات: قيل: المراد به المبالغة في انفتاح باب التوبة وكون الناس في فسحة واسعة منها. وهذا تأويل، وصريح الإيمان أن يؤمن بها من غير تأويل، والعلم عند الله. (للتوبة) أي مفتوحًا لأصحاب التوبة أو علامة لصحة التوبة وقبولها (لا يغلق) بصيغة المجهول (ما لم تطلع الشمس من قبله) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جانب المغرب. قال ابن الملك: وهذا يحتمل أن يكون حقيقة، وهو الظاهر، وفائدة إغلاقه أعلام الملائكة بسد باب التوبة وأن يكون تمثيلاً. قال الطيبي:

ص: 46

وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عز وجل {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ} . رواه الترمذي، وابن ماجة.

2369-

(24) وَعَن مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ

ــ

يعني إن باب التوبة مفتوح على الناس وهم في فسحة وسعة عنها ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت سد عليهم فلم يقبل منهم إيمان ولا توبة، لأنهم إذا عاينوا ذلك واضطروا إلى الإيمان والتوبة فلا ينفعهم ذلك كما لا ينفع المحتضر، ولما كان سد الباب من قبل المغرب جعل فتح الباب من قبله أيضًا. وقال التوربشتي: المراد منه والله أعلم إن أمر قبول التوبة هين، والناس عنه في فسحة وسعة ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإن بابًا ينتهي عرضه إلى مسيرة سبعين عامًا لا يكاد يتضايق عن الناس إلا أن يغلق وإغلاقه بطلوع الشمس من مغربها (وذلك) أي: طلوع الشمس من مغربها المانع من قبول التوبة (قول الله عز وجل أي: معنى قوله: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} أي: بعض علاماته الدالة على الساعة أو بعض علامات يظهرها ربك إذا قربت القيامة وهو طلوع الشمس من مغربها {لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا} أي: حينئذ حال كونها {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ} أي: من قبل إتيان بعض آياته وهو الطلوع المذكور وتتمة الآية {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} عطفًا على آمنت أي أو لم تكن النفس كسبت في حال إيمانها توبة من قبل، وبهذا التقرير تظهر المناسبة التامة بين الحديث والآية، ويكون معاينة طلوع الشمس نظير معاينة حضور الموت في عدم نفع الإيمان والتوبة عند حصول كل منهما. قاله القاري. وقال الطيبي: الوجه أن يحمل على اللف التقديري بأن يقال لا ينفع نفسًا إيمانها حينئذٍ أو كسبها في إيمانها خيرًا حينئذٍ لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا من قبل والإيجاز من حلية التنزيل - انتهى. رواه الترمذي في الدعوات، وصححه. وابن ماجة في الفتن، واللفظ للترمذي رواه في حديث. وفيه قال زر: يعني ابن حبيش فما برح يعني صفوان يحدثني حتى حدثني إن الله تعالى جعل بالمغرب بابًا. إلخ. قال المنذري: وليس في هذه الرواية تصريح برفعه كما صرح البيهقي وإسناده صحيح - انتهى ولفظ ابن ماجة عن زر عن صفوان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من قبل مغرب الشمس بابًا مفتوحًا عرضه سبعون سنة فلا يزال ذلك الباب مفتوحًا للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه، فإذا طلعت من نحوه لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا. والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج4: ص240، 241) ، والبخاري في تأريخه (2/2/306) ، والطبراني في الكبير، وعبد الرزاق، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي وغيرهم بألفاظ.

2369-

قوله: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة) فيه دليل على أن الهجرة لم تنقطع، وحديث ابن

ص: 47

وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا. رواه أحمد وأبو داود والدارمي.

2370-

(25) وَعن أَبُي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين، أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ وَالآخَرُ يَقُولُ مُذْنِبُ،

ــ

عباس عند الشيخين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: لا هجرة بعد فتح مكة. أي: انقطعت بعد فتحها، وقد اختلفت في الجمع بينهما فقال في اللمعات: المراد بالهجرة ها هنا مهاجرة الذنوب والآثام والأخلاق الذميمة بالخروج عن موطن الطبيعة ومستقر النفس، والمراد بقوله:((حتى تنقطع التوبة)) أي: ينتهي حكم الله تعالى وشريعته بقبول التوبة، وذلك عند طلوع الشمس من مغربها - انتهى. وقال ابن الملك: أراد بالهجرة هنا الانتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن دار الشرك إلى دار الإسلام، ومن المعصية إلى التوبة. وقال الطيبي: لم يرد بها الهجرة من مكة إلى المدينة لأنها انقطعت، ولا الهجرة من الذنوب والخطايا كما ورد المهاجر من هجر الذنوب والخطايا، لأنها عين التوبة، فليزم التكرار فيجب أن يحمل على الهجرة من مقام لا يتمكن فيه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإقامة حدود الله فتدبر. وقال الخطابي: كانت الهجرة في أول الإسلام فرضًا ثم صارت مندوبة فوجبت على المسلمين عند انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وأمروا بالانتقال إلى حضرته ليكونوا معه فيتعاونوا ويتظاهروا إن حزبهم أمر ويتعلموا منه أمر دينهم، وكان عظم الخوف في ذلك الزمان من أهل مكة، فلما فتحت مكة وبخعت بالطاعة زال ذلك المعنى، وارتفع وجوب الهجرة وعاد الأمر فيها إلى الندب والاستحباب، فالهجرة المنقطعة هي الفرض والباقية هي الندب على أن إسناد حديث ابن عباس متصل صحيح وإسناد حديث معاوية فيه مقال - انتهى مختصرًا. (ولا تنقطع التوبة) أي: صحتها أو قبولها أو حكم الله وشريعته بقبولها. (رواه أحمد)(ج4: ص99) ، (وأبو داود) في أوائل الجهاد، (والدارمي) في السير، وأخرجه أيضًا النسائي. وقد سكت عنه أبو داود ونقل المنذري كلام الخطابي ((في إسناد حديث معاوية مقال)) وأقره، قلت: في سنده عندهم جميعًا أبو هند البجلي الشامي روى عن معاوية وعنه عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي. قال الحافظ: شامي تابعي أرسل شيئًا فذكره العسكرى (أي: على سبيل الوهم والغلط) في الصحابة قال عبد الحق في الأحكام: ليس بمشهور. وقال ابن القطان: مجهول. وقال الذهبي في الميزان: لا يعرف، ولكن احتج به النسائي على قاعدته وقال الحافظ في التقريب. مقبول فالحديث لا يخلو عن ضعيف.

2370-

قوله: (متحابين) وفي رواية أبي داود: متواخيين أي: متصادقين ومتصافيين. وقيل: أي: متقابلين في القصد والسعي، فهذا كان قاصدًا وساعيًا في الخير وهذا كان قاصدًا وساعيًا في الشر (أحدهما مجتهد في العبادة) أي: مبالغ فيها (والآخر يقول) أي: الرسول صلى الله عليه وسلم (مذنب) أي: هو مذنب. قال الطيبي: ويمكن أن

ص: 48

فجعل يقول: أقصر عما أنت فيه، فيقول: خلني وربي. حتى وجده يومًا على ذنب استعظمه، فقال: أقصر فقال: خلني وربي، أبعثت عليّ رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أبدًا، ولا يدخلك الجنة، فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب: قال: اذهبوا به إلى النار.

ــ

يقال: إن المعنى والآخر منهمك في الذنب ليطابق قوله مجتهد في العبادة. وقال المظهر: أي يقول الآخر: أنا مذنب أي: معترف بالذنب. وقال القاري والشيخ الدهلوي: وهو الأظهر لسياق الحديث. قلت: ويؤيد القول الأول ما وقع عند أبي داود ((فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة)) (فجعل يقول) أي: المجتهد للمذنب (أقصر) بفتح همزة أمر من الإقصار أي: كف وأمسك وامتنع. قال في المجع الإقصار: هو: الكف عن الشيء مع القدرة عليه فإن عجز عنه يقول قصرت عنه بلا ألف - انتهى. ولأبي داود فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر. (عما أنت فيه) أي: من ارتكاب الذنب (فيقول) أي: الآخر: (خلني وربي) أي: اتركني معه (حتى وجده) أي: المجتهد المذنب (يومًا) أي: وقتًا ما (على ذنب استعظمه) أي: المجتهد ذلك الذنب (أبعثت) بصيغة المجهول بالاستفهام الإنكاري (علي رقيبًا) أي: أبعثك الله علي حافظًا وكأن الرجل كان يستغفر ربه ويعتذر إليه كلما أذنب، وبهذا يناسب هذا الحديث باب الاستغفار، وظاهر سياق الحديث أنه أدخل الجنة بمحض فضله ورحمته، فكان المناسب أن يورده في الباب الذي يليه فإن الأحاديث المذكورة فيه تدل على سعة رحمة الله تعالى كما لا يخفى (فقال) أي: المجتهد من إعجابه بأعماله واحتقار صاحبه لارتكاب عظيم ذنبه (ولا يدخلك الجنة) وفي بعض نسخ أبي داود أو لا يدخلك الله الجنة وهكذا وقع في الكنز (ج4: ص142)(فقبض) أي: الملك (أرواحهما) أي: روحيهما على حد صغت قلوبكما (فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي) أي: جزاء الحسن ظنك بي فقد غفرتك (وقال للآخر) في العدول عن التعبير بالمجتهد نكتة لا تخفى، وهي إن اجتهاده في العبادة ضاع لقلة علمه ومعرفته بصفات ربه وإعجابه بعمله وقسمه وحكمه على الله بأنه لا يغفر للمذنب، فانقلب الأمر وصار كالآخر. والمذنب بحسن عقيدته وحسن ظنه بربه واعترافه بالتقصير في معصيته نزل منزلة المجتهد (أتستطيع) الهمزة للإنكار أي أتقدر (أن تحظر) بضم الظاء المعجمة أي: تمنع وتحرم (على عبدي رحمتي) أي: التي وسعت كل شيء في الدنيا وخصت للمؤمنين في العقبى (فقال: لا يا رب) اعترف حين لا ينفعه الاعتراف (اذهبوا به) الخطاب للملائكة الموكلين بالنار (إلى النار) جزاء على اجتراءه علي وحلفه، وحكمه عليَّ بأن لا أغفر للمذنب ولإعجابه بأعماله واحتقاد

ص: 49

رواه أحمد.

2371-

(26) وعن أسماء بنت يزيد، قالت سمعت رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يقرأ: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}

ــ

صاحبه ولا دلالة في الحديث على كفره ليكون مخلدًا في النار. ولفظ أبي داود فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا (أي: فحلفت أن لا أغفر له ولا أدخله الجنة) أو كنت على ما في يدي قادرًا (أي: فمنعتني منه) وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار. (رواه أحمد) ، وأخرجه أيضًا أبو داود في باب النهي عن البغي من كتاب الأدب من طريق علي بن ثابت الجزري عن عكرمة بن عمار عن ضمضم بن جوس عن أبي هريرة، وهذا الإسناد صحيح أحسن قد سكت عنه أبو داود علي بن ثابت الجزري ثقة صدوق، قد ضعفه الأزدي بلا حجة، وعكرمة بن عمار العجلي صدوق، وضمضم بن جوس الهفاني اليمامي ثقة. قال الحافظ: روى له أبو داود في إثم القنط ورواه أيضًا البغوي في المعالم بإسناده عن ضمضم بن جوس. قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال لي: يا يمامي تعال وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبدًا ولا يدخلك الجنة. قلت: ومن أنت يرحمك الله. قال أبو هريرة: قال: فقلت: إن هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمته، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن رجلين - الحديث إلى آخره. ثم قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت بدنياه وآخرته - انتهى.

2371 -

قوله: (وعن أسماء بنت يزيد) أي: ابن السكن الأنصارية (يقرأ){يَا عِبَادِيَ} بفتح الياء وسكونها. قال في فتح البيان: قرئ بإثبات الياء وصلاً ووقفًا، وبغير الياء، أي وقفًا وهما سبعيتان {الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} أي: أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي. وقيل: أي: أفرطو عليها بالكفر أو المعاصي واستكثروا منها. وقيل: أي: أفرطوا عليها وتجاوزوا الحد في فعل كل مذموم {لَا تَقْنَطُوا} بفتح النون من باب سمع وبكسرها من باب ضرب أي: لا تيأسوا {مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} أي: من مغفرته {إِنَّ اللَّهَ} استئناف فيه معنى التعليل {يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} أي: ذنوب الكفار بالتوبة وذنوب المسلمين بها وبالمشيئة. اعلم أنهم اختلفوا هل هذه الآية مقيدة بالتوبة وإنه لا تغفر إلا ذنوب التائبين أو هي على إطلاقها؟ فذهب جماعة من المفسرين إلى الأول. قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفر وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار بأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه. ثم ذكر حديث ابن عباس إن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا

ص: 50

..............................................................................................

ــ

وزنوا وأكثروا فأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا إن لما عملنا كفارة فنزل {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} (الفرقان: 68) ونزل {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} (الزمر: 53) أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. قال ابن كثير: المراد من الآية الأولى قوله تعالى: {إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} (الفرقان: 70) الآية ثم ذكر حديث ثوبان الآتي في الفصل الثالث، وحديث أسماء الذي نحن في شرحه ثم قال: فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة ولا يقنطن عبد من رحمه الله وإن عظمت ذنوبه وكثرت، فإن باب الرحمة والتوبة واسع ثم ذكر ابن كثير الآيات والأحاديث الدالة على الحث على التوبة والاستغفار. وقال الجمل (ج3: ص724) : وهذه الآية عامة في كل كافر يتوب ومؤمن عاص يتوب فتمحو توبته ذنبه، والمراد منها التنبيه على أنه لا ينبغي للعاصي أن يظن أنه لا مخلص له من العذاب فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله تعالى إذ لا أحد من العصاة إلا وإنه متى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة. فمعنى قوله:{إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} (الزمر: 53) أي: بالتوبة إذا تاب وصحت توبته فمحصت ذنوبه، ومن مات قبل أن يتوب فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى فيه، فإن شاء غفر له وعفى عنه، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم يدخله الجنة بفضله ورحمته، فالتوبة واجبة على كل واحد وخوف العقاب قائم فلعل الله يغفر مطلقًا ولعله يعذب ثم يغفر بعد ذلك - انتهى. وإليه أي إلى تقييد آية الزمر بالتوبة، ذهب ابن القيم حيث قال في الجواب الكافي (ص16) ومدارج السالكين (ج1: ص394) إن هذه الآية في حق التائبين وقوله: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} في حق غير التائب. وذهب بعضهم إلى أن الآية على إطلاقها. قال العلامة القنوجي البوفالي في فتح البيان (ج8: ص166) والحق أن الآية غير مقيدة بالتوبة بل هي على إطلاقها، وإليه ذهب الشوكاني حيث قال في فتح القدير (ج4: ص456، 457) الألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه (وهو قوله: الذنوب) للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده فهو في قوة إن الله يغفر كل ذنب كائنًا ما كان، إلا ما أخرجه النص القرآني وهو الشرك:{إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء: 48) ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب بل أكد ذلك بقوله جميعًا. قال الشوكاني: والجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} هو إن كل ذنب كائنًا ما كان ما عدا الشرك بالله مغفور لمن شاء الله أن يغفر له، على أنه يمكن أن يقال أن إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب جميعًا، يدل على أنه يشاء غفرانها جميعًا، وذلك يستلزم أنه يشاء المغفرة لكل المذنبين من المسلمين فلم يبق تعارض

ص: 51

ولا يبالي. رواه أحمد، والترمذي. وقال: هذا حديث حسن غريب.

ــ

بين الآيتين من هذه الحيثية. قال ولو كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة لم يكن لها كثير موقع، فإن التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين. وقد قال:{إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} فلو كانت التوبة قيدًا في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة. وقد قال سبحانه وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم. قال الواحدي: المفسرون قالوا: إن هذه الآية في قوم خافوا إن أسلموا أن لا يغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام كالشرك وقتل النفس ومعاداة النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: (قائله الشوكاني ذهب أنها في هؤلاء القوم فكان ماذا؟ فإن الاعتبار بما اشتملت عليه من العموم لا بخصوص السبب كما هو متفق عليه بين أهل العلم قال وأما قوله تعالى بعد ذلك {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} (الزمر: 54) فليس فيه ما يدل على تقييد الآية الأولى بالتوبة لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام، بل غاية ما فيها أنه بشرهم بتلك البشارة العظمى، ثم دعاهم إلى الخير وخوفهم من الشر على أنه يمكن أن يقال إن هذه الجملة مستأنفة خطابًا للكفار الذين لم يسلموا بدليل قوله:{وَأَسْلِمُوا لَهُ} جاء بها لتحذير الكفار وإنذارهم بعد ترغيب المسلمين بالآية الأولى وتبشيرهم، وهذا وإن كان بعيدًا ولكنه يمكن أن يقال به. والمعنى على ما هو الظاهر إن الله جمع لعباده بين التبشير العظيم والأمر بالإنابة إليه والإخلاص والاستسلام لأمره والخضوع لحكمه وقوله:{مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ} (الزمر: 54) أي: عذاب الدنيا. يعني بالقتل والأسر والقهر والخوف والجدب لا عذاب الآخرة. قلت: الآية تحتمل القولين لكن سياقها يؤيد ما قاله ابن كثير ومن وافقه. وأما ما ذكره الشوكاني في تأويل ذلك السياق ففيه تكلف ظاهر. والراجح عندي إن مغفرة ذنوب المسلمين غير مقيدة بالتوبة بل تغفر بها وبالمشيئة (ولا يبالي) أي: من أحد فإنه لا يجب على الله. وقيل: أي: لا يبالي بمغفرة الذنوب جميعًا لسعة رحمته وعدم مبالاته من أحد وانتهت رواية الترمذي على هذا أو زاد أحمد في روايته إنه هو الغفور الرحيم. والظاهر من هذه الرواية إن قوله ولا يبالي. كان من القرآن، ولذا قال صاحب المدارك تحت هذه الآية: وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم يغفر الذنوب جميعًا ولا يبالي. وقال القاري: وهو يحتمل أنه كان من الآية فنسخ، ويحتمل أن يكون زيادة من عنده عليه الصلاة والسلام كالتفسير للآية (رواه أحمد) (ج6: ص454: 459، 460، 461) ، (والترمذي) في تفسير سورة الزمر، كلاهما من طريق ثابت البناني عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد (وقال) أي: الترمذي (هذا حديث حسن غريب) وقال أيضًا: لا نعرفه إلا من حديث ثابت عن شهر بن حوشب - انتهى. وشهر هذا صدوق كثير الإرسال والأوهام قاله في التقريب وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد ما أحسن حديثه ووثقه وروى عن أسماء أحاديث حسانًا كذا في تهذيب التهذيب. والحديث

ص: 52

وفي ((شرح السنة)) ((يقول)) بدل ((يقرأ)) .

2372-

(27) وعن ابن عباس، في قول الله تعالى:{إِلا اللَّمَمَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تغفر اللهم تغفر جمًا، وأي عبد لك لا ألما.

ــ

ذكره الشوكاني في فتح القدير (ج4: ص460) وزاد في نسبته أبا داود، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري، والحاكم، وابن مردويه، ونسبه ابن كثير أيضًا إلى أبي داود ولم أجده في سننه ولم ينسبه النابلسي إليه في ذخائر المواريث، بل اقتصر على ذكر الترمذي (وفي شرح السنة يقول) أي يا عبادي إلخ (بدل يقرأ) أي السابق في رواية أحمد والترمذي وهذا يؤيد القول بأنه حديث.

2372-

قوله: في قول الله تعالى: {إِلَّا اللَّمَمَ} أي: في تفسير قوله: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ} (النجم: 32) الكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار، أو ما عين له حدًا أو ذم فاعله ذمًا شديدًا، ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام طويل، وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها. والفواحش جمع فاحشة، وهي ما فحش من كبائر الذنوب كالزنا ونحوه، وهو من عطف الخاص على العام. وقيل: هي كل ذنب فيه وعيد أو مختص بالزنا {إِلا اللَّمَمَ} بفتحتين أي ما قل وصغر من الذنوب يعني الصغائر منها فإنهم لا يقدرون أن يجتنبوها، والاستثناء منقطع لأنه ليس من الكبائر والفواحش. وأصل {اللَّمَمَ} في اللغة ما قل وصغر. ومنه ألم بالمكان قل لبثه فيه وألم بالطعام قل أكله منه. قال في الصحاح: ألم الرجل من {اللَّمَمَ} وهو صغائر الذنوب، ويقال: مقاربة المعصية من غير مواقعة. قال المبرد: أصل اللَّمَمَ أن تلم بالشيء من غير أن ترتكبه يقال: ألم بكذا إذا قاربه ولم يخالطه. قال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب. وقال الزجاج: أصل {اللَّمَمَ} والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه، ويقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه. وقد اختلفت أقوال أهل العلم في تفسير هذا اللَّمَمَ المذكور في الآية، فالجمهور على أنه صغائر الذنوب. وقيل: هو ما كان دون الزنا من القبلة والغمزة والنظرة. وقيل: الخطرة من الذنوب. وقيل كل ذنب لم يذكر الله فيه حدًا ولا عذابًا. وقيل: غير ذلك والراجح هو قول الجمهور (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: استشهادًا بأن المؤمن لا يخلوا من اللَّمَمَ (إن تغفره اللهم تغفر جمًا) بفتح الجيم وتشديد الميم أي كثيرًا (وأي عبد لك لا ألمًا) فعل ماض مفرد والألف للإشباع أي لم يلم بمعصية أي عبد غير معصوم لم يقع منه ذنب أي لم يتلطخ بصغيرة يقال: لم أي: تزل وألم: إذا فعل {اللَّمَمَ} وهو الشيء القليل، والبيت لامية بن أبي الصلت الذي كان متعبدًا في الجاهلية ومتدينًا ومؤمنًا بالبعث أدرك الإسلام ولم يسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يحب شعره لاشتماله على المواعظ والحقائق، وهذا

ص: 53

رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.

2373-

(28) وعَنْ أَبِي ذر، قال: قال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: يَقُولُ الله تعالى: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديت، فاسئلوني الهدى أهدكم. وكلكم فقراء إلا من أغنيت، فاسئلوني أرزقكم. وكلكم مذنب إلا من عافيت،

ــ

البيت صار حديثًا لنطقه صلى الله عليه وسلم بلفظه والمنفي عنه صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} (يس: 69) هو إنشاء الشعر لا إنشاده والتمثل به وهو الصحيح أي من شأنك غفران الذنوب الكبيرة الكثيرة فضلاً عن الصغائر، لأنها لا يخلوا عنها أحد، وإنها مكفرة بالحسنات. وقال الطيبي: أي: من شأنك اللهم أن تغفر غفرانًا كثيرًا للذنوب العظيمة. وأما الجرائم الصغيرة فلا تنسب إليك لأنها لا يخلو عنها أحد وإنها مكفرة باجتناب الكبائر وإن ليس للشك بل للتعليل كما تقول للسلطان إن كنت سلطانًا فأعط الجزيل. والمعنى لأجل إنك غفار غفر جمًا - انتهى. (رواه الترمذي) في تفسير سورة النجم، وذكره الشوكاني في فتح القدير وزاد في نسبة سعيد بن منصور، والبزار، وابن جرير، وابن المنذري، وابن أبي حاتم، والحاكم (ج2: ص469) ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب (وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب) وقال: لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق أي: عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ومن هذا الطريق رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

2373-

قوله: (كلكم ضال إلا من هديت) أي: كلكم عار من الهداية ليس له هداية من ذاته بل هي من عناية ربه ولطفه وهذا لا ينافي حديث كل مولود يولد على الفطرة بمعنى أنه يولد خاليًا عن دواعي الضلالة وفيه أن العبد محتاج إلى الله تعالى في كل شيء وأن أحدًا لا يغني أحدًا شيئًا من دونه فحقه أن يتبتل إليه بشر أشره (فاسألوني) وفي بعض النسخ فسلوني، وهكذا وقع عند أحمد (ج5: ص177) ، والترمذي، وابن ماجة، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (الهدى) أي: اطلبوا الهداية مني لا من غيري (كلكم فقراء) كذا في جميع النسخ الحاضرة، وفي مسند الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة: وكلكم فقير. وهكذا نقله الجزري (إلا من أغنيت) وهو أيضًا لا يستغني عنه لمحة لاحتياجه إلى الإيجاد والإمداد كل لحظة. قال الله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء} (محمد: 38)(فاسألوني) وفي الترمذي فسلوني، وهكذا في جامع الأصول والمسند وابن ماجة (وكلكم مذنب) أي يتصور منه الذنب (إلا من عافيت) أي: من الأنبياء والأولياء أي وعصمت وحفظت، وهو يدل على أن العافية هي السلامة من الذنوب وهي أكمل أفرادها، وإنما قال: عافيت تنبيهًا على أن الذنب مرض ذاتي

ص: 54

فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة فاستغفرني غفرت له ولا أبالي. ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم، وميتكم، ورطبكم، ويابسكم اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة ولو أن أولكم، وآخركم، وحيكم، وميتكم، ورطبكم، ويابسكم اجتمعوا على أشقى قلب عبد من عبادي، ما نقص ذلك من ملكي جناح بعوضة، ولو أن أولكم، وآخركم، وحيكم، وميتكم، ورطبكم، ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته، فأعطيت كل سائل منكم، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة، ثم رفعها، ذلك بأني جواد

ــ

وصحته عصمة الله تعالى وحفظه منه أو كلكم مذنب بالفعل، وذنب كل بحسب مقامه إلا من عافيته بالمغفرة والرحمة والتوبة (غفرت له) أي: جميع ذنوبه (ولا أبالي) أي: لا أكترث (ولو أن أولكم وآخر كم) يراد به الإحاطة والشمول (وحيكم وميتكم) تأكيد لإرادة الاستيعاب كقوله (ورطبكم ويابسكم) أي شبابكم وشيوخكم، أو عالمكم وجاهلكم، أو مطيعكم وعاصيكم. وقيل: المراد بهما البحر والبر أي أهلهما أو أنه لو صار كل ما في البحر والبر من الشجر والحجر والحيتان وسائر الحيوان آدميًا. وقيل: يحتمل أن يراد بهما الإنس والجن بناء على أن خلق الجن من النار، والإنس من الماء، ويؤيده ما ورد في الحديث المذكور في الفصل الأول عن أبي ذر: وجنكم وإنسكم. قال الطيبي: هما عبارتان عن الإسيتعاب التام كما في قوله تعالى: {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (الأنعام: 59) والإضافة إلى ضمير المخاطبين تقتضي أن يكون الاستيعاب في نوع الإنسان فيكون تأكيدًا للشمول بعد تأكيد وتقريرًا بعد تقرير - انتهى. (اجتمعوا على اتقى قلب عبد من عبادي) وهو نبينا صلى الله عليه وسلم (ما زاد ذلك) أي: الاجتماع (جناح بعوضة) بفتح الجيم أي: قدره (اجتمعوا على أشقى قلب عبد من عبادي) وهو إبليس اللعين (اجتمعوا في صعيد واحد) أي: أرض واسعة مستوية (ما بلغت أمنيته) بضم الهمزة وكسر النون وتشديد الياء أي: مشتهاه، وجمعها المني والأماني يعني كل حاجة تخطر بباله (ما نقص ذلك) أي الإعطاء أو قضاء حوائجهم (فغمس) بفتح الميم أي أدخل (إبرة) بكسر الهمزة وسكون الموحدة وهي المخيط (ذلك) أي عدم نقص ذلك من ملكي (بأني جواد) أي كثير الجود. ووقع عند أحمد (ج5: ص177) ، والترمذي بعد ذلك ((واجد)) وهو الذي يجد ما يطلبه ويريده وهو الواجد المطلق لا يفوته شيء، وهذا بيان لسبب ما تقدم، وذلك لأنه إذا كان عطاءه الكلام فلا يتصور في خزائنه النقصان. وقال في اللمعات: قوله ذلك بأني جواد ماجد

ص: 55

ماجد أفعل ما أريد، عطائبي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له {كُن فَيَكُونُ} . رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة.

2374-

(29) وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} قال: قال ربكم: أنا أهل أن أتقي فمن اتقاني فأنا أهل أن أغفر له. رواه الترمذي، وابن ماجة،

ــ

إشارة إلى مجموع ما ذكر أو إلى الأخير وعلى الأول الجواد بالنسبة إلى الأخير والماجد إلى ما قبله أو الكل في الكل فافهم (ماجد) هو بمعنى المجيد كالعالم بمعنى العليم من المجد وهو سعة الكرام (إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له كن فيكون) بالرفع والنصب أي من غير تأخير عن أمري، وهذا تفسير لقوله: عطائي كلام وعذابي كلام. قال القاضي: يعني ما أريد إيصاله إلى عبد من عطاء أو عذاب لا أفتقر إلى كد ومزاولة عمل، بل يكفي لحصوله ووصوله تعلق الإرادة به، وكن من كان التامة أي أحدث فيحدث (رواه أحمد) (ج5: ص154: 177) (والترمذي) في أواخر الزهد، (وابن ماجة) في باب ذكر التوبة، وأخرجه أيضًا البيهقي كلهم من رواية شهر بن حوشب عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر، وأخرج أحمد (ج5: ص160) ، ومسلم، والحاكم (ج4: ص241) نحوه بزيادة ونقص، وتقدم لفظ مسلم في الفصل الأول.

2374-

قوله: (أنه قرأ) أي قوله تعالى في آخر سورة المدثر {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى} أي: هو التحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه والعمل {وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} أي هو الحقيق بأن يغفر الله للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب، والحقيق بأن يقبل التوبة التائبين من العصاة فيغفر ذنوبهم قاله الشوكاني: وقال البيضاوي {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى} (المدثر: 56) حقيق بأن يتقي عقابه {وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} (المدثر: 56) حقيق بأن يغفر لعباده - سيما المتقين منهم. وقال قتادة: أي: هو أهل أن يخاف منه وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب (قال) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (قال ربكم) أي: معنى تفسيريًا (أنا أهل أن أتقى) بإضافة أهل وصيغة المجهول من اتقى أي: يخاف ويحذر يعني أنا حقيق وجدير بأن يتقي العباد من جعل شريك بي ومن المعاصي ويخافوا من عذابي. وزاد أحمد وابن ماجة: فلا يجعل معي إلهًا آخر، وفي رواية أخرى لابن ماجة أنا أهل أن أتقى فلا يشرك بي غيري (فمن اتقاني) أي: خافني. وزاد الترمذي فلم يجعل معي إلهًا (فأنا أهل أن أغفر له) أي: لمن اتقاني، ولأحمد، وابن ماجة فمن اتقى أن يجعل معي إلهًا آخر فأنا أهل أن أغفر له، وفي رواية لابن ماجة: وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي أن أغفر له. وهذا مضمون قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء: 48)(رواه الترمذي) في تفسير سورة المدثر، (وابن ماجة) في باب ما يرجى من رحمة الله من أبواب الزهد

ص: 56

والدارمي.

2375-

(30) وعن ابن عمر، قال: إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: رب اغفر لي، وتب عليَّ، إنك أنت التواب الغفور.

ــ

، (والدارمي)(ص366) في الرقاق وذكره الشوكاني في فتح القدير وزاد في نسبته أحمد، والنسائي، والبزار، وأبا يعلى، وابن جريج، وابن المنذري، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه. قلت: وأخرجه أيضًا الحاكم (ج2: ص508)، والبغوي كلهم من رواية سهيل بن عبد الله القطعي عن ثابت البناني عن أنس. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وسهيل ليس بقوي في الحديث، وقد تفرد سهيل بهذا الحديث عن ثابت - انتهى. قلت: الحديث قد صححه الحاكم ووافقه الذهبي وسهيل المذكور مختلف فيه، وجروح من جرحه مبهمة. قال أحمد: فيه روى أحاديث منكرة. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه يتكلمون فيه. وقال مرة: ليس بالقوي عندهم، وكذا قال أبو حاتم، والنسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد بن زهير: سئل ابن معين عن سهيل فقال: ضعيف. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح. ووثقه العجلي كذا في تهذيب التهذيب. وقال في التقريب: ضعيف. وقد تحصل من هذا كله أن حديثه لا ينزل عن درجة الحسن، ولحديث هذا شواهد. فقد روى ابن مردويه عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس نحوه.

2375-

قوله: (إن) مخففة من المثقلة بقرينة المقام (كنا لنَعُدّ) اللام فارقة ونعد بفتح النون وضم العين وتشديد الدال أي لنحصي (لرسول الله صلى الله عليه وسلم) متعلق بنعد (في المجلس) أي: الواحد كما في رواية أبي داود، والترمذي، وابن السني، وزاد الترمذي أيضًا ((من قبل أن يقوم)) (يقول) بالرفع وينصب بتقدير أن أي: قوله: (رب اغفر لي) وكأنه كان يقول ذلك عملاً بقوله تعالى {وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} (النصر: 3) وتمسكًا بقوله: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} (البقرة: 222) والحديث يدل على أن استغفاره صلى الله عليه وسلم كان بلفظ الدعاء وقد رجحوه على قول القائل: استغفر الله لأنه إن كان غافلاً ولاهيًا في ذلك كذبًا بخلاف الدعاء فإنه قد يستجاب إذا صادف الوقت وإن كان مع الغفلة كذا قالوا، وهذا مبني على أن قوله: أستغفر الله خبر، ويجوز أن يكون إنشاء وهو الظاهر. وقد ورد في الصحيح قوله: صلى الله عليه وسلم أستغفر الله الذي لا إله إلا هو القيوم وأتوب إليه. نعم يرجحه فيمن سواه صلى الله عليه وسلم كذا في الملعات (وتب علي) أي: ارجع علي بالرحمة أو وفقني للتوبة أو اقبل توبتي (إنك أنت التواب الغفور) صيغتا مبالغة وهذا لفظ أحمد والترمذي، وفي رواية أبي داود، وابن ماجة، وابن السني، الرحيم بدل الغفور، وهكذا وقع عند النسائي في رواية. وابن حبان

ص: 57

مائة مرة. رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة.

2376-

(31) وعن بلال بن يسار بن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: حدثني أبي، عن جدي

ــ

(مائة مرة) مفعول مطلق لنعد (رواه أحمد)(ج2: ص21 - 67: 84) ، (والترمذي) في الدعوات، (وأبو داود) في أواخر الصلاة (وابن ماجة) في باب الاستغفار، واللفظ لأحمد في (ج2: ص21) ، وأخرجه أيضًا النسائي، والبخاري في الأدب المفرد (ج2: ص78) ، وابن حبان في صحيحه، وابن السني (ص120: 144) وصححه الترمذي، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.

2376-

قوله: (وعن بلال) بالباء الموحدة كذا عند الترمذي، وهكذا ذكره البخاري في التاريخ الكبير (1/2/ 108) ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (1/1/397) ، والحافظ في تهذيب التهذيب (1/505) ، والتقريب، والخزرجي في الخلاصة، والجزري في جامع الأصول (ج5: ص145) ، والمزي في الأطراف، وكذا وقع في بعض نسخ سنن أبي داود، ووقع في أكثرها هلال بن يسار بالهاء. قال المنذري في مختصر السنن: وقع في كتاب أبي داود هلال بن يسار بن زيد بالهاء، ووقع في كتاب الترمذي وغيره وفي بعض نسخ سنن أبي داود: بلال بن يسار بالباء الموحدة. وقد أشار الناس إلى الخلاف فيه، وذكره البغوي في معجم الصحابة بالباء. وذكره البخاري في تاريخه الكبير أيضًا بالباء - انتهى. وقال الجزري: بلال بن يسار كذا عند الترمذي أي: بالموحدة، وعند أبي داود هلال بن يسار أي بالهاء، وقد ظهر من هذا أنه اختلف في أنه بالباء الموحدة أو بالهاء، وقد ذكر هذا الاختلاف ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة جده زيد بن بولا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر هذا الحديث من طريق موسى بن إسماعيل حفص بن عمر الشني عن أبيه عمر بن مرة عن بلال بن يسار بن زيد عن أبيه عن جده ومن هذا الطريق أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما. قال: وقد قال: بعضهم هلال موضع بلال والله أعلم. (بن يسار) بالياء التحتانية وسين مهملة (بن زيد) بن بولي (مولى النبي) بيان لزيد. قال في التقريب: بلال بن يسار بن زيد القرشي مولاهم بصري مقبول. وقال في تهذيب التهذيب: بلال بن يسار بن زيد القرشي مولى النبي صلى الله عليه وسلم حديثه في أهل البصرة روى عن أبيه عن جده في الاستغفار، وعنه عمر بن عمر بن مرة الشني روى أبو داود والترمذي له حديث واحدًا واستغربه الترمذي. قلت: وذكره ابن حبان في الثقات - انتهى. (قال) أي: بلال (حدثني أبي) أي: يسار بن زيد أبو بلال. قال في التقريب: مقبول. وقال في تهذيب التهذيب ذكره ابن حبان في الثقات: (عن جدي) أي: زيد قال في التقريب: زيد والد يسار مولى النبي صلى الله عليه وسلم -

ص: 58

أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له،

ــ

صحابي، له حديث ذكر أبو موسى المدني إن اسم أبيه بولاً بموحدة وكان عبدًا نوبيًا. وقال في الإصابة: زيد بن بولي بالموحدة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو يسار، له حديث عند أبي داود والترمذي من رواية ولده بلال بن يسار بن زيد، حدثني أبي عن جدي، ذكر أبو موسى (المدني) إن اسم أبيه بولاً بالموحدة، وقال غيره اسمه زيد يعني لم ينسبه غير أبي موسى. وقال ابن شاهين: كان نوبيًا أصابه النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بني ثعلبة فأعتقه - انتهى. وقال ابن الأثير في أسد الغابة: هو في كتاب ابن مندة إلا أنه ينسبه ولا نسبه أبو عمر (ولا البخاري ولا ابن أبي حاتم) وإنما نسبه أبو نعيم وتبعه أبو موسى. وأخرج الحديث بعينه عن بلال بن يسار عن أبيه عن جده زيد فهو لا شك فيه - انتهى. وقال الجزري في تصحيح المصابيح: ليس زيد هذا زيد بن حارثة والد أسامة بل هو أبو يسار روى عنه ابنه يسار هذا الحديث وذكره البغوي في معجم الصحابة، وقال: لا أعلم لزيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث وذكر إن كنيته أبو يسار وإنه سكن المدينة (إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا في جميع النسخ الحاضرة، وهكذا في جامع الأصول، وفي بعض نسخ أبي داود، ووقع في الترمذي وأكثر نسخ أبي داود أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم (من قال) أي مخلصًا من قلبه: (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم) روي بالنصب على الوصف للفظ الله وبالرفع لكونهما بدلين أو بيانين لقوله هو، والأول هو الأكثر والأشهر. وقال الطيبي: يجوز في الحي القيوم النصب صفة لله أو مدحًا والرفع بدلاً من الضمير أو على المدح أو على خبر مبتدأ محذوف (وأتوب إليه) قال القاري: ينبغي أن لا يتلفظ بذلك إلا إذا كان صادقًا وألا يكون بين يدي الله كاذبًا، ولذا روي إن المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه - انتهى. وذكر النووي في كتاب الأذكار عن الربيع بن خيثم أنه قال، لا يقل أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبًا وكذبًا إن لم يفعل، بل يقول اللهم اغفر لي وتب علي. قال النووي: وهذا الذي قاله من قوله: اللهم اغفر لي وتب علي حسن، وأما كراهة أستغفر الله، وتسميته كذبًا فلا نوافق عليه لأن معنى أستغفر الله أطلب مغفرته وليس في هذا كذب، ويكفي في رده حديث من قال أستغفر الله الذي لا إله ألا هو. إلخ، يعني حديث بلال بن يسار الذي نحن في شرحه قال الحافظ: هذا في لفظ أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم. وأما أتوب إليه فهو الذي عنا الربيع رحمه الله إنه كذب وهو كذلك إذا قاله ولم يفعل التوبة كما قال. وفي الاستدلال للرد عليه بالحديث الذي ذكره نظر لجواز أن يكون المراد منه ما إذا قالها وفعل شروط التوبة، ويحتمل أن يكون الربيع قصد مجموع اللفظين لا خصوص أستغفر الله فيصح كلامه كله والله أعلم. ثم نقل الحافظ كلام السبكي من الحلبيات وقد

ص: 59