الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ. متفق عليه.
(الفصل الثاني)
2488-
(8) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْأَرْبَعِ: مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ.
ــ
لفظ مسلم، وللبخاري: أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت. واستغنى عن ذكر عائد الموصول في هذه الرواية في قوله: ((بعزتك الذي لا إله إلا أنت)) لأن نفس المخاطب هو المرجوع إليه وبه يحصل الارتباط وكذلك المتكلم نحو:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
لأن نسق الكلام سمته أمه (والجن والإنس يموتون) خصا بالذكر لأنهما المكلفان المقصودان بالتبليغ فكأنهما الأصل. قال الحافظ: استدل به على أن الملائكة لا تموت ولا حجة فيه لأنه مفهوم لقب ولا اعتبار له وعلى تقديره فيعارضه ما هو أقوى منه وهو عموم قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} (28: 88) مع أنه لا مانع من دخول الملائكة في مسمى الجن لجامع ما بينهم من الاستتار عن عيون الإنس. (متفق عليه) أخرجه البخاري في التوحيد مختصرًا، ومسلم في الدعاء واللفظ له، وأخرجه أيضًا أحمد (ج1: ص 302) ، والنسائي في النعوت من سننه الكبرى.
2488-
قوله: (اللهم إني أعوذ بك من الأربع) اللام للعهد الذهني بينه بقوله: من علم أهو إجمال تفصيله قوله: (من علم لا ينفع) لا لي ولا لغيري لا في الدنيا بالعمل به ولا في الآخرة بالثواب عليه وهو علم لا يكون لله تعالى ولم يقترن به التقوى (ومن قلب لا يخشع) عند ذكر الله تعالى (ومن نفس لا تشبع) أي: حريصة على الدنيا لا تشبع منها أو من كثرة الأكل وأما الحرص على العلم والخير فمحمود ومطلوب قال تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} (20: 114)(ومن دعاء لا يسمع) بصيغة المجهول أي: لا يستجاب. يقال: اسمع دعائي أي: أجب لأن الغرض من السماع هو الإجابة والقبول. قال البغوي: ((من دعاء لا يسمع)) يعني لا يجاب، ومنه قول المصلي: سمع الله لمن حمده. استجاب الله دعاء من حمده. قال الطيبي: اعلم أن في كل من القرائن الأربع ما يشعر بأن وجوده مبني على غايته وأن الغرض منه تلك الغاية وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع بها فإذا لم ينتفع به لم يخلص منه كفافًا بل يكون وبالاً ولذلك، وأن القلب إنما خلق لأن يتخشع لبارئه وينشرح لذلك الصدر ويقذف النور فيه فإذا لم يكن كذلك كان قاسيًا فيجب أن يستعاذ منه قال تعالى:{فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ} (39: 22) وأن النفس إنما يعتد بها إذا تجافت عن دار
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة.
2489-
(9) ورواه الترمذي عن عبد الله بن عمر، والنسائي عنهما.
2490-
(10) وعَنْ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَسُوءِ الْعُمُرِ وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ
ــ
الغرور وأنابت إلى دار الخلود وهي إذا كانت منهومة لا تشبع حريصة على الدنيا كانت أعدى عدو المرء فأولى الشيء الذي يستعاذ منه هي أي النفس، وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه وعمله ولم يخشع قلبه ولم تشبع نفسه - انتهى. وفي استعاذته صلى الله عليه وسلم من هذه الأمور إظهار للعبودية وإعظام للرب تبارك وتعالى وأن العبد ينبغي له ملازمة الخوف ودوام الافتقار إلى جنابه تعالى وفيه حث للأمة على ذلك وتعليم لهم وإلا فهو صلى الله عليه وسلم معصوم من هذه الأمور، وفيه أن الممنوع من السجع ما يكون عن قصد إليه وتكلف في تحصيله، وأما ما اتفق حصوله بسبب قوة السليقة وفصاحة اللسان فبمعزل عن ذلك (رواه أحمد) (ج2: ص340، 365) ، (وأبو داود) في الاستعاذة من أواخر الصلاة، (وابن ماجة) في الدعاء وقد سكت عنه أبو داود، والمنذري، والحاكم، وصححه الذهبي.
2489-
قوله: (رواه الترمذي) في الدعوات (عن عبد الله بن عمرو) بالواو ابن العاص، قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره وأخرجه أيضًا أحمد (ج2: ص167، 198)، وأبو نعيم في الحلية (ج5: ص93) ، والحاكم (ج1: ص534) وسكت عنه هو والذهبي (والنسائي عنهما) أي عن أبي هريرة وابن عمرو، وكذا أحمد، والحاكم كما سبق، وفي الباب عن أنس عند أحمد، وابن حبان، والبغوي (ج5: ص159) وعن ابن عباس وجرير عند الطبراني، وابن مسعود عند الحاكم.
2490-
قوله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من خمس) هذا لا ينافي الزيادة (وسوء العمر) بضم الميم وسكونها، أي: أرذله وهو البلوغ إلى حد في الهرم يعود معه كالطفل في سخف العقل وقلة الفهم وضعف القوة، وقال في اللمعات: يحتمل أن يراد به سوء الكبر وأن يكون سوء المعيشة وضيقها وفسادها وقيل المراد به عمر غير مرضي لا يعمل فيه عمل صالح يعني مضيه فيما لا ينفعه في العقبى بل يسوءه (وفتنة الصدر) بفتح الصاد وسكون الدال المهملتين، قال الجزري: يعني ما يوسوس به الشيطان في قلبه كما في حديث من وساوس الصدر - انتهى. وقيل: هي قساوة القلب وحب الدنيا وأمثال ذلك، وقيل: موته وفساده، وقيل هي ما ينطوي عليه من غل وحسد وخلق سيئ وعقيدة باطلة، وقيل هي ضيقه المانع من قبول الحق وتحمل البلاء وقال الطيبي: هي الضيق المشار إليه بقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} (6: 126) فهي الإنابة إلى دار الغرور والتجافي عن دار الخلود وفسرها وكيع في رواية
وَعَذَابِ الْقَبْرِ. رواه أبو داود، والنسائي.
2491-
(11) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ
ــ
أحمد بأن يموت الرجل في فتنة لم يتب منها. والظاهر العموم (وعذاب القبر)، أي البرزخ. (رواه أبو دواد والنسائي) في الاستعاذة إلا أن النسائي لم يذكر ((سوء العمر)) وأخرجه أيضًا أحمد (ج1: ص22، 54) ، وابن ماجة في الدعاء، وابن حبان كما في موارد الظمآن (ص605)، والحاكم (ج1: ص530) وقد سكت عنه أبو داود والمنذري (ج2: ص158) ، وصححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
2491-
قوله (اللهم إني أعوذ بك من الفقر)، الفقر الاحتياج والطلب وأراد به ها هنا فقر القلب وكل قلب يطلب شيئًا ويحتاج إلى شيء ويحرص على شيء فهو فقير وإن كان صاحبه كثير المال يعني من قلب حريص على جمع المال وهذا مثل قوله ((ونفس لا تشبع)) قاله المظهر. وقال التوربشتي: الفقر المستعاذ منه إنما هو فقر النفس وجشعها الذي يفضي بصاحبه إلى كفران نعمة الله ونسيان ذكره ويدعوه إلى سد الخلة بما يتدنس به عرضه وينثلم به دينه وقال الطيبي: أصل الفقر كسر فقار الظهر، والفقر يستعمل على أربعة أوجه: الأول وجود الحاجة الضروية وذلك عام للإنسان ما دام في الدنيا بل عام في الموجودات كلها وعليه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ} (35: 15) الثاني: عدم المقتنيات وهو المذكور في قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ} (2: 273) و {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء} (9:60) الثالث: فقر النفس وهو المقابل لقوله ((الغنى غنى النفس)) والمعنى بقولهم: ((من عدم القناعة لم يفده المال غنى)) الرابع: الفقر إلى الله المشار إليه بقولهم: ((اللهم اغنني بالافتقار إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك)) وإياه عنيَ تعالى بقوله: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (28: 24) أقول: والمستعاذ منه في الحديث هو القسم الثاني يعني عدم المقتنيات وقلة المال وإنما استعاذ منه عند عدم الصبر وهو فتنة وقلة الرضاء به أو استعاذ من القسم الثالث أي: من الفقر الذي هو فقر النفس وهو الشره الذي يقابل غنى النفس الذي هو قناعتها لا قلة المال والفرق بين القول الأول والرابع أن الفقر الأول عام اضطراري والرابع خاص اختياري أو شهود ذلك الاضطرار ودوام حضور ذلك الافتقار (والقلة) بكسر القاف، قال المظهر: أراد به قلة المال بحيث لا يكون له كفاف من القوت فيعجز عن وظائف العبادات من أجل الجزع وجوع العيال، وقيل: المراد قلة الصبر وقلة الأنصار أو قلة العدد أو العُدد أو الكل. وقال التوربشتي: المراد منها القلة في أبواب البر وخصال الخير لأنه عليه الصلاة والسلام كان يؤثر الإقلال في الدنيا ويكره الاستكثار من الأعراض الفانية وفي صحيح ابن حبان الفاقة بدل القلة وهي شدة الفقر والحاجة إلى الخلق (والذلة) أي: من أن أكون ذليلاً في
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ. رواه أبو داود، والنسائي.
2492-
(12) وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الشِّقَاقِ
ــ
أعين الناس بحيث يستخفونه ويحقرون شأنه، وقيل: المراد بها الذلة الحاصلة من المعصية أو التذلل للأغنياء على وجه المسكنة، والمراد بهذه الأدعية تعليم الأمة ولا ينافي هذا الحديث قوله:((اللهم أحيني مسكينًا)) إلخ، الآتي في فضل الفقراء لأن المراد بالمسكنة التواضع وعدم التكبر لا الفقر. قال المناوي: لم يسأل مسكنة ترجع للقلة بل إلى الإخبات والتواضع ذكره البيهقي وجرى على قضيته حجة الإسلام أي الغزالي حيث قال: استعاذته من الفقر لا تنافي طلب المسكنة لأن الفقر مشترك بين معنيين الأول: الافتقار إلى الله والاعتراف بالذلة والمسكنة له، والثاني: فقر الاضطرار وهو فقد المال المضطر إليه كجائع فقد الخبز فهذا هو الذي استعاذ منه والأول هو الذي سأله - انتهى. وسئل الشيخ زكريا عن معنى هذا الحديث فقال: معناه طلب التواضع والخضوع وأن لا يكون من الجبابرة المتكبرين والأغنياء المترفين - انتهى. ومنه أخذ السبكي قوله: المراد استكانة القلب لا المسكنة التي هي نوع من الفقر فإنه أغنى الناس بالله، وقال القتيبي: المسكنة حرف مأخوذ من السكون، يقال: تمسكن أي تخشع وتواضع. وقال الحافظ في التلخيص: إن الذي استعاذ منه وكرهه فقر القلب والذي اختاره وارتضاه طرح المال. وقال ابن عبد البر: الذي استعاذ منه هو الذي لا يدرك معه القوت والكفاف ولا يستقر معه في النفس غنى لأن الغنى عنده صلى الله عليه وسلم غنى النفس وقد قال تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} (93: 8) ولم يكن غناه أكثر من ادخاره قوت سنة لنفسه وعياله وكان الغنى محله في قلبه ثقة بربه، وكان يستعيذ من فقر منس وغنى مطغ، وفيه دليل على أن للفقر والغنى طرفين مذمومين وبهذا تجتمع الأخبار في هذا المعنى - انتهى. (وأعوذ بك من أن أظلم) بالبناء للفاعل أي أحدًا من المسلمين والمعاهدين ويدخل فيه ظلم نفسه بمعصية الله، والظلم وضع الشيء في غير محله وموضعه أو التعدي في حق غيره (أو أظلم) بالبناء للمفعول، أي يظلمني ويتعدى على أحد وأو للتنويع وقيل بمعنى الواو (رواه أبو داود، والنسائي) في الاستعاذة وهو عند أبي داود، والبخاري في الأدب المفرد (ج2: ص131) من رواية سعيد بن يسار عن أبي هريرة، وأخرجه ابن ماجة من طريق جعفر بن عياض عن أبي هريرة وجعله حديثًا قوليًا بلفظ تعوذوا بالله من الفقر والقلة إلخ. وأخرجه أحمد (ج2: ص205) ، والنسائي، وابن حبان، والحاكم (ج1: ص531، 541) من كلا الوجهين وقد سكت عنه أبو داود ولم يعترضه المنذري وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
2492-
قوله (اللهم إني أعوذ بك من الشقاق) بكسر الشين ككتاب التنازع والخلاف والخصومة أو التعادي لأن كلاً من المتعاديين يكون في شق، أي ناحية في غير شق صاحبه أو يريد مشقة الآخر أو لشق العصا بينهما، واستعاذ منه صلى الله عليه وسلم لأنه يؤدي إلى المهاجرة والمقاطعة. وقال القاري: أي من مخالفة الحق ومنه قوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا
وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ. رواه أبو داود، والنسائي.
2493-
(13) وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ
ــ
فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} (38: 2)(والنفاق)، أي إظهار الإسلام وإبطان الكفر. قال في اللمعات: النفاق في الدين أن يستر الكفر ويظهر الإيمان ولعل المراد هنا أعم من ذلك مما يشمل الرياء وعلامات النفاق. وقال الطيبي: أي أن تظهر لصاحبك خلاف ما تضمره. وقيل المراد النفاق في العمل بكثرة كذبه وخيانة أمانته وخلف وعده، والفجور في مخاصمته، والأظهر أن اللام للجنس فيشمل جميع أفراده (وسوء الأخلاق) من عطف العام على الخاص، وفيه إشعار بأن المذكورين أولاً أعظم الأخلاق السيئة لأنه يسري ضررهما إلى الغير، ذكره الطيبي وقال في اللمعات: هو تعميم بعد تخصيص لأن الأخلاق هي الصفات الباطنة، أو المراد منه ضد بشاشة الوجه والسماحة، وقال ابن الملك: هو إيذاء أهل الحق وإيذاء الأهل والأقارب وتغليظ الكلام عليهم بالباطل وعدم التحمل عنهم وعدم العفو عنهم، إذا صدرت خطيئة منهم. (رواه أبو داود والنسائي) في الاستعاذة كلاهما من رواية بقية بن الوليد حدثنا ضبارة بن عبد الله بن أبي السليك عن دويد بن نافع عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة، وسكت عنه أبو داود وضعفه النووي في الأذكار وقال المنذري (ج2: ص159) : في إسناده بقية بن الوليد ودويد بن نافع وفيهما مقال - انتهى. قلت: بقية هذا صدوق كثير التدليس. قال ابن معين، ويعقوب وابن سعد، والعجلي، وأبو زرعة، والنسائي، والجوزجاني، وأبو أحمد الحاكم: ثقة في حديثه إذا حدث عن الثقات والمعرفين، فأما إذا حدث عن الضعفاء والمجهولين فليس بشيء. قال ابن عدي: إذا روى عن أهل الشام فهو ثبت وإذا روى عن غيرهم خلط. وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منهم لا منه. وقال ابن المديني: صالح فيما روى عن أهل الشام. وضبارة بن عبد الله بن أبي السليك، أبو شريح الحضرمي الحمصي مجهول، قاله الحافظ في التقريب، وابن القطان كما في تهذيب التهذيب، وذكره ابن حبان في الثقات على ما اصطلح أن من لم يعرف بجرح ولا تعديل فهو عدل عنده. وقال يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه - انتهى. ودويد بن نافع الشامي مقبول، وقال ابن حبان: مستقيم الحديث إذا كان دونه ثقة. قال الحافظ: وذكر ابن خلفون أن الذهلي والعجلي وثقاه.
2493-
قوله (اللهم إني أعوذ بك من الجوع) ، أي الألم الذي ينال الحيوان من خلو المعدة عن الغذاء استعاذ منه لظهور أثره في بدن الإنسان وقواه الظاهرة والباطنة، ومنعه من الطاعات والخيرات (فإنه بئس الضجيع) بفتح فكسر، وهو من ينام معك في فراشك، أي المضاجع سماه ضجيعًا للزومه الإنسان في النوم واليقظة وفيه إشارة إلى أن الجوع المذم الذي يلزم الإنسان ويتضرر به أي بئس الصاحب الجوع الذي يمنع الإنسان من وظائف العبادات ويشوش
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ. رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة.
2494-
(14) وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَالْجُنُونِ
ــ
الدماغ ويثير الأفكار الفاسدة والخيالات الباطلة. قال الطيبي: الجوع يضعف القوى ويشوش الدماغ فيثير أفكارًا ردية وخيالات فاسدة فيخل بوظائف العبادات والمراقبات، ولذلك خص بالضجيع الذي يلازمه ليلاً ومن ثم حرم الوصال - انتهى. وقال التوربشتي: استعاذ من الجوع الذي يشغله عن ذكر الله ويثبطه عن طاعته لمكان الضعف وتحليل المواد لا إلى بدل وأشار بالضجيع إلى الجوع الذي يمنع عن الهجوع (النوم بالليل) لأنه جعل القسم المستعاذ منهما يلازم صاحبه في المضجع وذلك بلليل، وإلى التفريق الواقع بينه وبين ما شرع له من التعبد بالجوع المبرح في نهار الصوم (وأعوذ بك من الخيانة) هي ضد الأمانة. قال الطيبي: هي مخالفة الحق بنقض العهد في السر، والأظهر أنها شاملة لجميع التكاليف الشرعية كما يدل عليه قوله تعالى:{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ} (33: 72) الآية، وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ} (8: 27) شامل لجميعها (فإنها بئست البطانة) ، أي الخصلة الباطنة بكسر الباء الموحدة خلاف الظهارة من الثوب ثم استعيرت لمن يخصه الرجل بالإطلاع على باطن أمره، والتبطن الدخول في باطن الأمر فلما كانت الخيانة أمر يبطنه الإنسان ويستره ولا يظهره سماها بطانة. قال الطيبي: البطانة ضد الظهارة وأصلها في الثوب فاستعير لما يستبطنه الإنسان من أمره فيجعله بطانة حاله. (رواه أبو داود، والنسائي) في الاستعاذة وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه كلهم من حديث محمد بن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة، وقد سكت عنه أبو داود وقال المنذري: في سنده محمد بن عجلان وفيه مقال - انتهى. قلت: خرج له مسلم في صحيحه ثلاثة عشر حديثًا كلها في الشواهد ولذا صحح النووي إسناد هذا الحديث في الأذكار والرياض (وابن ماجة) ، في باب التعوذ من الجوع من أبواب الأطعمة من طريق ليث بن أبي سليم عن كعب عن أبي هريرة، وليث هذا صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك، قاله الحافظ، وأخرجه البغوي (ج5: ص170) من رواية ليث عن رجل عن أبي هريرة ثم أشار إلى طريق المقبري عن أبي هريرة.
2494-
قوله (اللهم إني أعوذ بك من البرص) بفتحتين، بياض رديء يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاج (والجذام) بضم الجيم، علة رديئة تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها وشكلها وربما فسد في آخره أوصالها حتى تتأكل الأعضاء وتسقط قال في القاموس: الجذام كغراب علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها وربما انتهى إلى تأكل الأعضاء وسقوطها عن تقرح (والجنون) ، أي
وَمِنْ سَيِّئْ الْأَسْقَامِ. رواه أبو داود، والنسائي.
2495-
(15) وعن قُطْبَةُ بْنُ مَالِكٍ قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ
ــ
زوال العقل الذي هو منشأ الخيرات العلمية والعملية، (ومن سيئ الأسقام) ، الإضافة ليست بمعنى من كقولك خاتم فضة بل هي من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الأسقام السيئة، يعني الأمراض القبيحة الفاحشة الرديئة تكون سببًا لعيب يتنفر منه الخلق أو فساد أعضائه كالاستسقاء والسل والفالج والمرض المزمن الطويل، وهو تعميم بعد تخصيص نص على تلك الثلاثة مع دخولها في سيئ الأسقام لكونها أبغض شيء إلى العرب بل إلى جميع الناس، ولهم عنها نفرة عظيمة، ولهذا عدوا من شروط الرسالة السلامة من كل ما ينفر الخلق ويشوه الخلق قال صاحب الفتح الرباني: اعلم أن الأمراض المنفرة لا تجوز على الأنبياء بل يشترط في النبي سلامته من كل منفر وإنما ذكرها صلى الله عليه وسلم تعليمًا للأمة كيف تدعو. قال الطيبي: وإنما لم يتعوذ من الأسقام مطلقًا، أي سائر الأسقام بل قيد بالسيئ فإن بعضها مما يخف مؤنته وتكثر مثوبته عند الصبر عليه مع عدم إزمانه كالحمى والصداع والرمد يعني أن من الأمراض ما إذا تحامل الإنسان فيه على نفسه بالصبر خفت مؤنته وعظمت مثوبته قال: وإنما استعاذ من السقم المزمن فينتهي بصاحبه إلى حالة ينفر منها الحميم ويقل دونها المؤانس والمداوى مع ما يورث من الشين فمنها الجنون الذي يزيل العقل فلا يأمن صاحبه القتل، ومنها البرص والجذام وهما العلتان المزمنتان مع ما فيهما من القذارة والبشاعة وتغيير الصورة - انتهى. وقال ابن مالك: الحاصل أن كل مرض يحترز الناس من صاحب ذلك المرض ولا ينتفعون منه ولا ينتفع منهم ويعجز بسبب ذلك المرض عن حقوق الله وحقوق عباده يستحب الاستعاذة من ذلك. (رواه أبو داود، والنسائي) في الاستعاذة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج: ص) ، والطيالسي (ج1: ص258) وابن أبي شيبة، وسكت عنه أبو داود والمنذري، وصحح النووي سنده في الرياض والأذكار.
2495-
قوله (وعن قطبة) بضم القاف وسكون الطاء المهملة وفتح الباء الموحدة (بن مالك) الثعلبي بمثلثة، ومهملة من بني ثعلبة بني ذبيان ولذلك يقال له الذبياني، وهو عم زياد بن علاقة الذي روى هذا الحديث عنه، صحابي سكن الكوفة (اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق) المنكر ما لا يعرف حسنه من جهة الشرع أو ما عرف قبحه من جهته، والمراد بالأخلاق الأعمال الباطنة كحقد وبخل وحسد وجبن ونحوها، واستعاذ من منكرات الأخلاق لأنها تكون سببًا لجلبب كل شر ودفع كل خير (والأعمال) ، أي الأفعال الظاهرة وهي تعم الصغائر والكبائر من نحو قتل وزنا وشرب خمر وسرقة ونحوها (والأهواء) جمع الهوى مصدر هواه إذا أحبه ثم سمي بالهوى المشتهي محمودًا كان أو مذمومًا ثم غلب
رواه الترمذي.
2496-
(16) وعَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا نبي اللَّهِ عَلِّمْنِي تَعَوِيذًا أَتَعَوَّذُ بِهِ قَالَ:
ــ
على غير المحمود فقيل فلان اتبع هواه إذا أريد ذمه، وفي التنزيل {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى} (38: 26) منه ((فلان من أهل الأهواء)) لمن زاغ عن الشرع من أهل القبلة كالجبرية والقدرية والحشوية والخوارج والروافض ومن سار سيرتهم كذا في المغرب. قال الطيبي: الإضافة في القرينتين الأوليين من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف وفي الثالثة بيانية لأن الأهواء كلها منكرة انتهى. قال القاري: والأظهر أن الإضافات كلها من باب واحد، ويحمل الهوى على المعنى اللغوي كما في قوله تعالى:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} (28: 50) أو يحمل على ما تختاره النفس من العقائد ومنه قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (45: 23) فالمراد بالأهواء مطلقًا الاعتقادات وبالمنكرات الأهوية الفاسدة التي غير مأخوذة من الكتاب والسنة، وقيل منكرات الأهواء هي الزيغ والانهماك في الشهوات جمع هوى مقصور هوى النفس وهو ميلها إلى المستلذات والمستحسنات عندها واستعاذ منه لأنه يشغل عن الطاعة ويؤدي إلى الأشر والبطر وزاد في رواية الحاكم والأدواء، أي من منكرات الأدواء، وهي بمعنى سيئ الأسقام وذكر هذا الدعاء مع عصمته تعليمًا لأمته كما سبق (رواه الترمذي) في الدعوات، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج1: ص532) ، والطبراني في الكبير، ورواه ابن حبان في صحيحه مختصرًا بلفظ ((اللهم جنبي منكرات الأهواء والأدواء)) ، والحديث حسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
2496-
قوله (وعن شتير) أوله شين معجمة ثم تاء مثناة وآخرة راء مصغرًا (بن شكل) بفتح المعجمة والكاف العبسي الكوفي يقال أنه أدرك الجاهلية ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين، مات في ولاية ابن الزبير وقيل توفي زمن مصعب (عن أبيه) ، أي شكل وهو من رهط حذيفة بن اليمان صحابي سكن الكوفة لم يرو عنه غير ابنه شتير وذكر له أبو القاسم البغوي هذا الحديث وقال لا أعلم له غيره، كذا في مختصر السنن (ج2: ص161) للمنذري، وقال الحافظ: في الإصابة (ج2: ص154) بعد ذكر هذا الحديث من رواية السنن قلت: وله رواية عن علي (علمني تعويذًا)، أي ما يتعوذ به. قال الجوهري في الصحاح (ج2: ص567) : العوذة والمعاذ والتعويذ كله بمعنى. وقال المجد في القاموس: العوذة بالهاء الرقية كالمعاذة والتعويذ قلت: قوله ((تعويذًا)) ، كذا في جميع النسخ من المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع عند البخاري في تاريخه (2 - 2 - 266)، وفي شرح السنة للبغوي (ج5: 169) ، وللترمذي تعوذًا بتشديد الواو المضمومة، وهكذا وقع في أسد الغابة (ج3: ص3) ، وجامع الأصول (ج5: ص132) ، وجمع الفوائد (ج2: ص667) والإصابة والمستدرك للحاكم، وفي رواية أبي داود: علمني دعاء فقال، وأخرج النسائي الروايتين إلا أنه قال ((علمني الدعاء انتفع به)) ، وهكذا وقع عند أحمد في المسند والبخاري في التاريخ والأدب المفرد (ج2: ص117) (أتعوذ به) أي لخاصة نفسي، وفي
قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي وَشَرِّ بَصَرِي وَشَرِّ لِسَانِي وَشَرِّ قَلْبِي وَشَرِّ مَنِيِّي. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
2497-
(17) وعَنْ أَبِي الْيَسَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو:
ــ
الترمذي بعده ((قال فأخذ بكفي)) ، وللنسائي والبخاري في التاريخ والبغوي ((فأخذ بيدي)) وكان أخذه صلى الله عليه وسلم كفه لمزيد الاعتناء والاهتمام بالتعليم (اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي) ، أي حتى لا أسمع شيئًا تكرهه. وقال في الحرز الثمين قوله من شر سمعي بأن أسمع كلام الزور والبهتان والغيبة وسائر أسباب العصيان أو بأن لا أسمع كلمة الحق وأن لا أقبل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (وشر بصري) ، أي حتى لا أرى شئيًا تكرهه، وقيل: أي خائنة الأعين وغيرها من معاصي النظر، وقيل: بأن أنظر إلى محرم أو أرى إلى أحد بعين الاحتقار وأن لا أتفكر في خلق السماء والأرض بنظر الفكر والاعتبار، (وشر لساني) ، أي حتى لا أتكلم بما لا يعنيني، وقيل: أي من شر نطقي فإن أكثر الخطايا منه وهو الذي يورد المرأ في المهالك، وخص هذه الجوارح لما أنها مناط الشهوة ومثار اللذة، (وشر قلبي)، أي حتى لا أعتقد اعتقادًا فاسدًا ولا يكون فيه نحو حقد وحسد وتصميم فعل مذموم أبدًا وقيل: أي بأن أشتغل بغير أمر ربي وقيل: أي من شر نفسي والنفس مجمع الشهوات والمفاسد بحب الدنيا والرهبة من الخلق وخوف فوت الرزق والأمراض القلبية من نحو حسد وحقد وطلب رفعه وغير ذلك (وشر منيي) هو المني المشهور بمعنى الماء المعروف مضاف إلى ياء المتكلم، أي بأن أوقعه في غير محله أو يوقعني في مقدمات الزنا من النظر واللمس والتقبيل والمشي والعزم وأمثال ذلك. وقيل هو أن يغلب عليه حتى يقع في الزنا أو مقدماته، وقيل: أي من شر شدة الغلمة وسطوة الشهوة إلى الجماع الذي إذا أفرط ربما أوقع في الزنا أو مقدماته لا محالة فهو حقيق بالاستعاذة من شره، وخص هذه الأشياء بالاستعاذة لأنها أصل كل شر وقاعدته ومنبعه وزاد في رواية للنسائي والبغوي، ((قال: حتى حفظتها)) قال سعد (أحد رواة الحديث) : ((والمني ماءه)) وفي رواية للنسائي أيضًا يعني ذكره، وللترمذي يعني فرجه. وقوله ((منيي)) كذا في جميع النسخ من المشكاة والمصابيح، وهكذا وقع في النسخ الموجودة عندنا للترمذي، وكذا عند أحمد، والبخاري، وأبي داود، والنسائي، والحاكم، والبغوي، والجزري في أسد الغابة، وذكره في جامع الأصول بلفظ ((ومن شر هني)) يعني الفرج. وقال هذه رواية الترمذي، وكذا نقله في جمع الفوائد وعزاه لأصحاب السنن (رواه أبو داود) في آخر الصلاة، (والترمذي) في الدعوات، (والنسائي) في الاستعاذة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج3: ص429) ، والبخاري في الأدب المفرد (ج2: ص117، 118) ، وفي التاريخ الكبير (2/2/266) ، والحاكم (ج1ص532، 533) والبغوي (ج5: ص168، 169) وسكت عنه أبو داود وحسنه الترمذي ونقل المنذري تحسينه وأقره. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
2497-
قوله (وعن أبي اليسر) بفتح التحتية والسين المهملة آخره راء اسمه كعب بن عمرو بن عباد السلمي
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَدْمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ التَّرَدِّي وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْغَرَقِ وَالْحَرَقِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ
ــ
بفتحتين الأنصاري مشهور باسمه وكنيته صحابي شهد العقبة وبدرًا وله فيها آثار كثيرة، وكان عظيم الفناء يوم بدر وغيره، وهو الذي أسر العباس، وهو الذي انتزع راية المشركين من يد أبي عزيز بن عمير، ثم شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم شهد صفين مع علي بن أبي طالب. مات بالمدينة سنة خمس وخمسين وقد زاد على المائة وهو آخر من مات من أهل بدر (اللهم إني أعوذ بك من الهدم) بسكون الدال، وهو سقوط البناء ووقوعه على الشيء يعني انهدام البناء عليه، وروي بالفتح وهو اسم ما انهدم منه. وفي النهاية محركًا البناء المهدوم، وبالسكون الفعل نفسه، وقال السندي: الهدم بفتح فسكون مصدر هدم البناء نقضه، والمراد من أن يهدم على البناء على أنه مصدر مبني للمفعول أو من أن أهدم البناء على أحد على أنه مصدر مبني للفاعل (وأعوذ بك من التردي)، أي السقوط من موضع عال كالوقوع من شاهق جبل وسطح مرتفع أو الوقوع في مكان سفلي كالبئر تفعل من الردى وهو الهلاك. قال الجزري: بفتح التاء المثناة من فوق وفتح الراء المهملة وتشديد الدال المكسورة، من تردي يتردى إذا سقط في بئر أو تهور من جبل (ومن الغرق) ، بفتحتين مصدر غرق في الماء من باب تعب، أي سقط فيه (والحرق) بالتحريك مصدر حرق بالنار، إنما استعاذ صلى الله عليه وسلم من الهدم والتردي والغرق والحرق، لأن ذلك يكون بغتة، وقد يكون الإنسان في ذلك الوقت غير مقرر أموره بالوصية فيما يكون محتاج الوصية فيه وبإخراج ما يجب إخراجه ركونًا منه على ما هو فيه من الصحة والعافية، وقد لا يتمكن عند حدوث هذه الأمور من أن يتكلم بكلمة الشهادة لما يفجأه من الفزع ويدهمه من الخوف. قال التوربشتي: إنما استعاذ من هذه البليات مع ما وعد عليها من الشهادة لأنها محن مجهدة مقلقة لا يكاد واحد يصبر عليها ويثبت عندها أو يذكر عند حلولها شيئًا مما يجب عليه في وقته ذلك، وربما ينتهض الشيطان عنه فرصة لم يكن لينال منه في غيرها من الأحوال، أي فيحمله على ما يضر بدينه، ثم إنها تفجأ عليه فتتضمن الأسباب التي ذكرناها في موت الفجاءة. وقال الطيبي: استعاذ منها مع ما فيها من نيل الشهادة لأنها في الظاهر مصائب ومحن وبلايا كالأمراض السابقة المستعاذ منها، وأما ترتب ثواب الشهادة عليها فللبناء على أن الله تعالى يثيب المؤمن على المصائب كلها حتى الشوكة يشاكها ومع ذلك فالعافية أوسع، ولأن الفرق بين الشهادة الحقيقية وبين هذه الشهادة أن الشهادة الحقيقية متمنى كل مؤمن ومطلوبة وقد يجب عليه توخي الشهادة والتحري لها والتجرؤ فيها بخلاف التردي والحرق والغرق ونحوها فإنه يجب التحرير عنها ولو سعى فيها عصى. وقيل: في الحقيقة الاستعاذة ترجع إلى وقوعها من حيث الإخلال بالدين والاستعاذة من المحن والمصائب كلها إنما هي من حيث احتمال الجزع والشكوى مع كونها سببًا للكفارة من الذنوب ورفع الدرجات (وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان) أي يصرعني ويلعب بي ويفسد ديني وعقلي (عند الموت) بنزغاته التي تزل الأقدام وتصارع العقول والأحلام،
وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا. رواه أبو داود، والنسائي. وزاد في رواية أخرى: والغم.
2498-
(18) وعَنْ مُعَاذِ عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ طَمَعٍ يَهْدِي
ــ
والأصل في التخبط أن يضرب البعير الشيء بخف يده فيسقط وقال الجزري: من تخبطه الشيطان إذا صرعه ولعب به، والخبط باليدين كالرمح بالرجلين. وقال الشوكاني: أي يفتنه ويغلبه على أمره ويحسن له ما هو قبيح ويقبح له ما هو حسن ويناله بشيء من المس كالصرع والجنون ولما قيده بالتخبط عند الموت كان أظهر المعاني فيه هو أن يغويه ويوسوس له ويلهيه عن التثبت بالشهادة والإقرار بالتوحيد. وقال الخطابي: هو أن يستولي عليه الشيطان عند مفارقته الدنيا فيضله ويحول بينه وبين التوبة أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله أو يؤيسه من رحمة الله أو يكره الموت ويؤسفه على حياة الدنيا فلا يرضى بما قضاه الله عليه من الفناء والنقلة إلى الدار الآخرة فيختم له بالسوء ويلقى الله وهو ساخط عليه (وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرًا) ، أي عن الحق أو عن قتال الكفار حيث حرم الفرار، وقال في الحرز: أي فارًا من الزحف أو تاركًا للطاعة مرتكبًا للمعصية أو رجوعًا إلى الدنيا بعد الإقبال على العقبى أو اختيارًا للغفلة والهوى إلى سوى حضور المولى. قيل: هذا وأمثال ذلك تعليم للأمة وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليه الخبط والفرار من الزحف ونحوهما. والأظهر أن هذا كله تحدث بنعمة الله وطلب الثبات عليها والتلذذ بذكرها المتضمن بشكرها الموجب لمزيد النعمة المقتضي لإزالة النقمة - انتهى. قلت: وقع عند أحمد وكذا في رواية للنسائي ((وأن أقتل في سبيلك مدبرًا)) وهذا يرجح بل يعين المراد من الإدبار في رواية الكتاب وهو الفرار من الزحف في قتال الكفار (وأعوذ بك من أن أموت لديغًا) فعيل بمعنى مفعول من اللدغ وهو يستعمل في ذوات السم من الحية والعقرب ونحوهما، والاستعاذة مختصة بأن يموت عقيب اللدغ فيكون من قبيل فجاءة الموت. قال الشوكاني: استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أن يموت لديغًا لأنه قد يموت بذلك فجاءة فلا يقدر على التثبت وقد يتراخى موته فيشتغل بهذا الألم الشديد عن أن يتخلص بما يجب عليه التخلص عنه. وقال التوربشتي: موت اللديغ مشابه في المعنى لأسباب الهلاك التي ذكرناها قبل (رواه أبو داود) في أواخر الصلاة، (والنسائي) في الاستعاذة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج3: ص427) ، والحاكم (ج1: ص530) ، (وزاد) أي النسائي (في رواية أخرى ((والغم)) ) ، أي كلمة الغم، وكذا زادها أحمد والحاكم، والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
2498-
قوله (استعيذوا بالله من طمع) بفتح الطاء المهملة والميم، أي حرص شديد. وقال القاري: هو نوع النفس إلى الشيء شهوة له (يهدى) بفتح أوله، أي يدل أو يؤدي أو يدني ويقرب ويوصل أو يجر. قال الطيبي: الهداية
إِلَى طَبْعٍ. رواه أحمد، والبيهقي في الدعوات الكبير.
2499-
(19) وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ
ــ
الإرشاد إلى الشيء والدلالة إليه، ثم اتسع فيه فاستعمل بمعنى الإدناء من الشيء والإيصال إليه قال القاري: الأظهر أن الهداية هنا بمعنى الدلالة وهي متعد تارة بنفسه كاهدنا الصراط المستقيم وتارة باللام كقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (17: 9) وتارة بإلى كقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (42: 52) فلا حاجة إلى استعمالها بمعنى الإدناء والإيصال (إلى طبع) بفتح الطاء والموحدة، أي عيب وشين وأصله الدنس الذي يعرض السيف، وكانوا يرون أن الطبع هو الرين قال مجاهد: الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال. ثم استعمل الطبع فيما يشبه الوسخ في الدنس من الآثام والأوزار وغير ذلك من العيوب والمقابح المعنوية، والمعنى تعوذوا بالله من طمع يسوقكم وبدلكم إلى ما يشينكم في الدين ويزري بكم في المروءة من المقابح كالمذلة للسفلة والتواضع لأرباب الدنيا وإظهار السمعة والرياء وغير ذلك مما يترتب على الطمع، لذا قيل الطمع فساد الدين والورع صلاحه. وللحديث عند أحمد والطبراني تتمة وهي ((ومن طمع يهدي إلى غير مطمع)) ، (أي إلى تأميل ما يبعد حصوله والتعليق به، قال في المصباح: ومن كلامهم ((فلان طمع في غير مطمع)) إذا أمل ما يبعد حصوله) ((ومن طمع حيث لا مطمع)) ، (أي ومن طمع شيء لا مطمع فيه بالكلية لتعذره حسًا أو شرعًا، وهذه الثالثة أحط مراتب الدناءة في مطمع وأقبحها فإن حيث للتعميم في الأمكنة والأزمنة والأحوال، أي حيث لا يمكن حصوله في مكان أصلاً ولا في زمان أصلاً ولا في حال أصلاً فهو محال فهو أشد ذمًا ودناءة مما قبله)(رواه أحمد)(ج5: ص232، 247)(والبيهقي في الدعوات الكبير)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج10: ص144) مطولاً وقال: رواه الطبراني (في الكبير)، وأحمد والبزار بنحوه وفيه عبد الله بن عامر الأسلمي وهو ضعيف. قلت: وأخرجه أيضًا الحاكم (ج1: ص533) بنحوه وفي إسناده عبد الله بن عامر الأسلمي. وقال الحاكم: هذا حديث مستقيم الإسناد ووافقه الذهبي. قلت: عبد الله بن عامر هذا من رجال ابن ماجة، قال الحافظ: عنه في التقريب، ضعيف. قلت: قد ضعفه أحمد، وأبو زرعة، والنسائي، وأبو داود، وابن معين، والدارقطني. وقال أبو حاتم: متروك. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى عندهم. وقال البخاري: يتكلمون في حفظه. وقال أيضًا: ذاهب الحديث. وقال ابن سعد: كان قارئًا للقران وكان يقوم بأهل المدينة في رمضان، وكان كثير الحديث استضعف. وقال ابن عدي: كان عزيز الحديث لا يتابع في بعض حديثه وهو ممن يكتب حديثه. وذكره البرقي في ((باب من غلب عليه الضعف)) .
2499-
قوله (استعيذي بالله من شر هذا) ، أي هذا القمر (فإن هذا هو الغاسق إذا وقب)، قال المجد: في القاموس الغسق محركة ظلمة أول الليل وغسق الليل كضرب غسقًا اشتدت ظلمته والغاسق القمر أو الليل إذا غاب
رواه الترمذي.
ــ
الشفق، وقال في مادة ((وقب)) وقب الظلام دخل والشمس وقبا ووقوبًا غابت والقمر دخل في الخسوف ومنه غاسق إذا وقب. - انتهى. وقال القاضي: الغاسق الليل إذا غاب الشفق واعتكر ظلامه من غسق يغسق إذا أظلم وأطلق ها هنا على القمر لأنه يظلم ووقوبه دخوله في الكسوف واسوداده. قال الطيبي: وإنما استعاذ من كسوفه لأنه من آيات الله الدالة على حدوث بلية ونزول نازلة كما قال عليه الصلاة والسلام ولكن يخوف الله به عباده ولأن اسم الإشارة في الحديث كوضع اليد في التعيين وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين الخبر المعروف يدل على أن المشار إليه هو القمر لا غير وتفسير الغاسق بالليل يأباه سياق الحديث كل الإباء ولأن دخول الليل نعمة من نعم الله تعالى ومن الله تعالى على عباده في كثير من الآيات، قال تعالى:{جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} (10: 67، 40: 61) قال القاري: قد يرد مثل هذا ادعاء وإرادة للمبالغة وقصدًا للتخصيص إيماء إلى أنه أعظم أفراد نوعه وبه يدفع قوله وتفسير الغاسق بالليل يأباه سياق الحديث. قال: ولا يشك أحد أن دخول الليل نعمة ولكن لا يلزم من كونه نعمة أنه لا يتضمن نقمة، ولذا قال تعالى في صدر السورة {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن * شَرِّ مَا خَلَقَ} (113: 1، 2) تعميمًا ثم قال {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} (113: 3) إلخ. تخصيصًا - انتهى كلام القاري مختصرًا. وقال الخازن: في تفسيره بعد ذكر حديث عائشة هذا ما لفظه: فعلى هذا الحديث المراد به القمر إذا خسف وأسود. ومعنى وقب دخل في الخسوف أو أخذ في الغيبوبة. وقيل سمي لأنه إذا خسف اسود وذهب ضوءه. وقيل إذا وقب دخل في المحاق وهو آخر الشهر وفي ذلك الوقت يتم السحر المورث للتمريض وهذا مناسب لسبب نزول هذه السورة. وقال ابن عباس (وإليه ذهب جمهور المفسرين) الغاسق الليل إذا وقب، أي أقبل بظلمته من المشرق، وقيل سمي الليل غاسقًا لأنه أبرد من النهار والغسق البرد وإنما أمر بالتعوذ من الليل لأن فيها تنتشر الآفات ويقل الغوث وفيه يتم السحر. وقيل: الغاسق الثريا إذا سقطت وغابت، وقيل إن الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها فلهذا أمر بالتعوذ من الثريا عند سقوطها - انتهى. وقال ابن جرير في تفسيره: ولأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شر غاسق وهو الذي يظلم، يقال قد غسق الليل يغسق غسوقًا إذا أظلم، إذا وقب يعني إذا دخل في ظلامه، والليل إذا دخل في ظلامه غاسق والنجم إذا أفل غاسق والقمر غاسق إذا وقب، ولم يخصص بعد ذلك بل عم الأمر بذلك فكل غاسق فإنه صلى الله عليه وسلم كان يؤمر بالاستعاذة من شره إذا وقب - انتهى. وارجع لمزيد الكلام في ذلك إلى التفسير القيم (ص557،560)(رواه الترمذي)، في تفسير سورة المعوذتين وقال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه أيضًا أحمد (ج6: ص 61، 206، 215، 237، 252) ، والنسائي في التفسير من سننه الكبرى وفي عمل اليوم والليلة، والبغوي (ج5: ص167) ، وابن جرير في تفسيره، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم (ج2: ص540، 541) ، وابن مردويه، وابن السني (ص209)، وحسنه الحافظ وتعجب من تضعيف النووي له في فتاويه مع قول الترمذي فيه: أنه حديث حسن صحيح، وكذا صححه الحاكم ووافقه الذهبي ورجاله رجال الصحيح إلا الحارث بن عبد الرحمن
2500-
(20) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي: يَا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا قَالَ. أَبِي: سَبْعَةً سِتًّا فِي الْأَرْضِ وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ قَالَ: فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ. قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: يَا حُصَيْنُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ. قَالَ فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
ــ
الراوي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة فقال علي بن المديني فيه: مجهول، ما روى عنه إلا ابن أبي ذئب، وخالفه يحيى بن معين فقال: مشهور. وقواه أحمد والنسائي فقالا: لا بأس به، وقد روى عنه أيضًا محمد بن إسحاق حديثًا آخر، وأقل درجاته أن يكون حديثًا حسنًا كذا في هامش شرح السنة.
2500-
قوله (وعن عمران بن حصين) بالتصغير ابن عبيد بن خلف الخزاعي (لأبي)، أي لوالدي حصين حال كفره. قلت: واختلف في إسلام حصين كما قال الحافظ: في الإصابة، وابن الأثير في أسد الغابة، والصحيح أنه أسلم فحديث عمران هذا نص في إسلامه، وكذا ما رواه أحمد، والنسائي. قال الحافظ: بإسناد صحيح والحاكم. وصححه وأقره الذهبي عن ربعي عن عمران بن حصين أن حصينًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم - الحديث. وفيه ((ثم إن حصينًا أسلم)) ورواه النسائي من وجه آخر عن ربعي وفيه ((فانطلق ولم يكن أسلم ثم أسلم فقال يا رسول الله فما أقول الآن حين أسلمت)) ؟ الحديث. وفي رواية للنسائي ((فما أقول الآن وأنا مسلم)) ؟ قال الحافظ: وسنده صحيح من الطريقين ثم ذكر من حديث عمران بن حصين أيضًا عند ابن السكن والطبراني أنه قال: أتى أبي حصين بن عبيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد - الحديث. وفيه ((قال: فما مضت عشرون ليلة حتى مات مشركًا)) قال الطبراني بعد ذكره: الصحيح أن حصينًا أسلم)) ثم ذكر الحافظ من رواية ابن خزيمة عن عمران قصة طويلة وفيها ((فلم يقم أي حصين حتى أسلم فقام إليه عمران فقبل رأسه)) إلخ. (يا حصين كم تعبد اليوم) اللام للمعهود الحاضري نحو قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (5: 3)(إلهًا) قال ابن حجر المكي الهيتمي: هو تمييز لكم الاستفهامية ولا يضره الفصل لأنه غير أجنبي (قال أبي سبعة)، أي أعبد سبعة من الآلهة (ستًا) كذا في جميع النسخ: والذي عند الترمذي ستة وهكذا ذكره الجزري في جامع الأصول (ج5: ص116) وفي أسد الغابة (ج6 ص25) بسنده إلى الترمذي وهكذا نقله في جمع الفوائد (ج2: ص661)(في الأرض وواحدًا في السماء) ، أي ستة آلهة في الأرض وإلهًا واحدًا في السماء (فأيهم) بضم الياء (تعد) بفتح التاء وضم العين، أي تعده إلهًا (لرغبتك ورهبتك) قال القاري: وفي نسخة يعني من المشكاة بضم أوله وكسر ثانيه، أي تهيئه لنفعك حين ترجو وتخاف. قال الطيبي: الفاء جزاء شرط محذوف، أي إذا كان كذلك فأيهم تخصه وتلتجئ إليه إذا أنابتك نائبة (أما) بالتخفيف للتنبيه (إنك) بكسر الهمزة (لو أسلمت علمتك كلمتين) ، أي دعوتين (تنفعانك) ، أي في الدارين، قال ابن جحر:
عَلِّمْنِيَ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي. فَقَالَ: قُلْ اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي
2501-
(21) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّة مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ
ــ
هذا من باب الإغراء على الشيء بذكر ما يحمل عليه (علمني الكلمتين اللتين وعدتني) ، أي بتعليمهما (اللهم ألهمني رشدي) بضم فسكون وبفتحتين وهما لغتان، وقرئ بهما {مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} (18: 66) وقال في القاموس: رشد كنصر وفرح رشدًا ورشدًا ورشاد اهتدى والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه - انتهى. قال القاري: أي: وفقني إلى الرشد وهو الاهتداء إلى الصلاح (وأعذني من شر نفسي) بفتح كسر عين أمر من الإعاذة أي: أجرني واحفظني من شرها فإنها منبع الفساد. قال الشوكاني: وهذا الحديث من جوامع الكلم النبوية لأن طلب إلهام الرشد يكون به السلامة من كل ضلال والاستعاذة من شر النفس يكون بالسلامة من غالب معاصي الله سبحانه فإن أكثرها من جهة النفس الأمارة بالسوء (رواه الترمذي) في الدعوات وقال: هذا حديث حسن غريب، وقد روى هذا الحديث عن عمران بن حصين من غير هذا الوجه. قلت: وأخرجه البخاري في التاريخ (1/2/2) مختصرًا، ورواه ابن الأثير الجزري في أسد الغابة بسند إلى الترمذي مطولاً، وفي سنده شيب بن شيبة بن عبد الله المنقري التميمي البصري الخطيب البليغ. قال الحافظ: صدوق يهم في الحديث، وأخرج أحمد، والنسائي، وابن حبان، والحاكم وصححا من حديث حصين والد عمران في قصة إسلامه وتعليمه النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بلفظ:((اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري، اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما علمت وما جهلت)) .
2501-
قوله: (إذا فزع) بكسر الزاي أي: خاف (في النوم) أي: في حال النوم أو عند إرادته (أعوذ بكلمات الله التامة) كذا في بعض النسخ بلفظ الإفراد والمراد به الجماعة وهكذا وقع عند الترمذي، وأبي داود وكذا نقله في الأذكار، والحصن، وتحفة الذاكرين، ووقع في بعض نسخ المشكاة ((التامات)) بلفظ الجمع وهكذا وقع عند الحاكم وكذا نقله في الترغيب، ومختصر السنن، والمراد من التامة الكاملة الشاملة الفاضلة وهي أسماءه وصفاته وآيات كتبه (وعقابه) أي: عذابه (وشر عباده) من الظلم والمعصية ونحوهما وهو أخص من ((شر خلقه)) (ومن همزات الشياطين) جمع همزة وهي النخس والغمز وكل شيء دفعته فقد همزته أي: نزغاتهم وخطراتهم ودسائسهم وإلقائهم الفتنة والعقائد الفاسدة في القلب وهو تخصيص بعد تعميم (وأن يحضرون) بحذف الياء وإبقاء الكسرة دليلاً عليها قاله القاري. وقال الشوكاني:
فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُعَلِّمُهَا مَنْ بَلَغَ مِنْ وَلَدِهِ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ كَتَبَهَا فِي صَكٍّ ثُمَّ عَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ
ــ
بكسر النون وأصله يحضرونني فحذفت النون الأولى لدخول الناصب عليها وحذفت الياء تخفيفًا وبقيت نون الوقاية مكسورة لتدل على الياء المحذوفة أي: ومن أن يحضروني في أموري كالصلاة وقراءة القرآن وغير ذلك لأنهم إنما يحضرون بسوء (فإنها) أي: الهمزات (لن تضروه) أي: إذا دعا بهذا الدعاء وفيه دليل على أن الفزع إنما هو من الشيطان (وكان عبد الله بن عمرو) بالواو (يعلمها) أي: هذه الكلمات، وفي بعض نسخ الترمذي يلقنها من التلقين (من بلغ من ولده) أي: ليتعوذ به (في صك) الصك بفتح الصاد وتشديد الكاف، ما يكتب فيه من الورقة ونحوها (ثم علقها) أي: علق الورقة التي هي فيها (في عنقه) أي: في رقبة ولده الذي لم يبلغ، وفي رواية أبي داود ((وكان عبد الله عمرو يعلمهن من عقل من بنيه ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه، وفي رواية أحمد ((فكان يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرًا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه)) . ولابن السني ((كان يعلمها من أطاق الكلام من ولده ومن لم يطق كتبها فعلقها عليه)) . وفيه دليل على جواز تعليق التعويذات التي فيها أسماء الله تعالى على الصغار. قال في اللمعات: هذا هو السند فيما يعلق في أعناق الصبيان من التعويذات، وفيه كلام. وأما تعليق الحرز والتمائم مما كان من رسوم الجاهلية فحرام بلا خلاف - انتهى. قلت: اختلف العلماء في تعليق التمائم التي فيها أسماء الله وصفاته وآيات القرآن والأدعية المأثورة قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص127) : اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله تعالى وصفاته فقالت طائفة: يجوز ذلك وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص وهو ظاهر ما روى عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية وحملوا الحديث، (يعني حديث ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرقى والتولة والتمائم شرك. رواه أبو داود، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وقال صحيح وأقره الذهبي) على التمائم التي فيها شرك (والقرينة على هذا الحمل اقتران التمائم بالرقى، ومن المعلوم أن المراد من الرقى ها هنا هي التي فيها شرك) ، وقالت طائفة لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة ابن عامر وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه (كحديث عقبة بن عامر عن ابن حبان، وحديث عبد الله بن عكيم عند أحمد والترمذي وأبي داود والحاكم) قلت: (قائله الشيخ عبد الرحمن بن حسن مؤلف فتح المجيد) هذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل الأول عموم النهي ولا مخصص للعموم الثاني سد الزريعة فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك، الثالث أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك انتهى. قلت: وزاد بعضهم وجهًا
رَوَاهُ أَبُو دَاود، والتِرْمذي وهذَا لفْظُه.
ــ
رابعًا وهو إن فعل ذلك استهزاء بآيات الله ومناقضة لما جاءت به فإن الله أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وشفاء لما في الصدور ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا وإنه لتذكرة للمتقين ولم ينزل القرآن ليتخذ حجبًا وتمائم ولا ليتلاعب به المتأكلون به الذين يشترون به ثمنًا قليلاً والذين يقرؤنه على المقابر وأمثال ذلك مما ذهب بحرمة القرآن وجرأ رؤساء المسلمين على ترك الحكم به. وأجاب هؤلاء عن حديث عبد الله بن عمرو أولاً بأنه ضعيف وإن حسنه الترمذي، وصححه الحاكم وذلك لأن في سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. وثانيًا بأنه لو فرضنا صحته فليس فيه أيضًا حجة لأنه ليس فيه الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ذلك وأقره. وثالثًا بأنه عمل فردي من عبد الله بن عمرو لا يترك به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل كبار الصحابة الذين لم يعملوا مثل عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم، قال الوشاكاني في تحفة الذاكرين (ص 89) في شرح حديث عبد الله بن عمرو هذا: قد ورد ما يدل على عدم جواز التمائم فلا تقوم بفعل عبد الله بن عمرو حجة - انتهى. ورابعًا: بأن غاية ما يدل عليه فعل عبد الله بن عمرو الصحابي هو جواز تعليق التمائم على الصغار الذين لا يعقلون ولا يقدرون على حفظ كلمات التميمة والذين ذهبوا إلى جواز التعليق أباحوه مطلقًا، أي لم يخصوه بالصغار بل توسعوا فيه عملاً للكبار والرجال والنساء حتى الكفرة الفجرة والفسقة أيضًا ولا يخفى ما في ذلك من القبائح. قال العلامة الشيخ أبو الطيب صديق بن حسن القنوجي البوفالي في ((الدين الخالص)) بعد نقل الوجوه الثلاثة المذكورة في فتح المجيد ما لفظه: الوجه الثالث لمنع التعليق ضعيف جدًا لأنه لا مانع من نزع التمائم عند قضاء الحاجة ونحوها لساعة ثم يعلقها، والراجح في الباب أن ترك التعليق أفضل في كل حال بالنسبة إلى التعليق الذي جوزه بعض أهل العلم بناء على أن يكون بما ثبت لا بما لم يثبت لأن التقوى له مراتب وكذا الإخلاص وفوق كل رتبة في الدين رتبة أخرى والمحصلون لها أقل ولهذا ورد في الحديث في حق السبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب أنهم هم الذين لا يرقون ولا يسترقون مع أن الرقى جائزة وردت بها الأخبار والآثار والله أعلم بالصواب. والمتقي من يترك ما ليس به بأس خوفًا مما به بأس - انتهى. كلامه. قلت: والأحوط عندي هو ترك التعليق وجوبًا لا ندبًا فقط سدًا للباب وقطعًا للذريعة والله تعالى أعلم (رواه أبو داود) في الطب، (والترمذي) في الدعوات، (وهذا) أي المذكور (لفظه) ، أي لفظ الترمذي فرواه أبو داود بمعناه وكذا ابن أبي شيبة، وأحمد (ج2: ص181) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عبد البر في التمهيد، وابن السني (ص239)، والحاكم (ج1: ص548) وليس عنده تخصيصها بالنوم رواه جميعهم من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقد سكت عنه أبو داود وحسنه الترمذي. وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي (ج: ص366) : وفي إسناده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه وعلى عمرو بن شعيب - انتهى. قلت: الحديث المرفوع روي أيضًا من غير طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فقد روى أحمد (ج4: ص57، وج6: ص6) ، وابن السني (ص206) ، والنسائي في اليوم والليلة من حديث
2502-
(22) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَتْ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ اسْتَجَارَ مِنْ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ النَّارِ. رَوَاهُ التِرْمذي،
ــ
محمد بن يحيى بن حبان عن الوليد بن الوليد أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة، قال: إذا أخذت مضجعك فقل. فذكر مثله وهذا منقطع. محمد لم يسمع من الوليد، وروى أيضًا النسائي، وابن السني، وابن عبد البر في التمهيد من طريق محمد بن يحيى بن حبان: أن خالد بن الوليد الحديث. وهذا أيضًا مرسل، وروى ابن السني (ص236، 237) من طريق سفيان عن محمد بن المنكدر قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه أهاويل يراها في النوم فقال: إذا أويت إلى فراشك فقل فذكر مثله. وهذا أيضًا مرسل، وقال مالك في الموطأ بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أروع في منامي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل. فذكر مثله. وروى الطبراني في الأوسط عن أبي أمامة قال: حدث خالد بن الوليد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهاويل يراها بالليل حالت بينه وبين صلاة الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خالد ألا أعلمك كلمات تقولهن الحديث. وهذه الطرق يشد بعضها بعضًا وتدل بمجموعها على أن للحديث أصلاً قويًا والله أعلم. وأما اختلاف الروايات في أن القصة للوليد بن الوليد أو لأخيه خالد أو لرجل منهم فيدفع بأن القصة وقعت لهما جميعًا.
2502-
قوله (من سأل الله الجنة)، أي دخولها بصدق وإيقان وحسن نية بأن قال: اللهم إني أسالك الجنة أو قال اللهم أدخلني الجنة (ثلاث مرات) ، أي كرره في مجالس أو في مجلس بطريق الإلحاح على ما ثبت أنه من آداب الدعاء (قالت الجنة) ببيان الحال أو بلسان القال لقدرته تعالى على إنطاق الجمادات وهو الظاهر، وقيل: المراد أهل الجنة من الحور والولدان أو خزنتها (اللهم أدخله الجنة) ، أي دخولاً أوليًا أو لحوقًا آخريًا (ومن استجار) ، أي استحفظ (من النار) بأن قال اللهم أجرني من النار (قالت النار اللهم أجره) ، أي احفظه أو أنقذه (من النار)، أي من دخوله أو خلوده فيها. قال الطيبي: وفي وضع الجنة والنار موضع ضمير المتكلم تجريد ونوع من الالتفات، ثم قال وقول الجنة والنار يجوز أن يكون حقيقة ولا بعد فيه كما في قوله تعالى:{وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} (50: 30) ويجوز أن يكون استعارة شبه استحقاق العبد بوعد الله ووعيده بالجنة والنار في تحققهما وثبوتهما بنطق الناطق كأن الجنة مشتاقة إليه سائلة داعية دخوله والنار نافرة منه داعية له بالبعد منها، فأطلق القول وأراد التحقق والثبوت، ويجوز أن يقدر مضاف، أي قال خزنتهما فالقول إذًا حقيقي. قال القاري: لكن الإسناد مجازي. قال ابن حجر: الحمل على لسان الحال وتقدير المضاف مخالف للقواعد المقررة أن كل ما ورد في الكتاب والسنة ولم يحل العقل حمله على ظاهره لم يصرف عنه إلا بدليل، ونطق الجمادات بالعرف واقع كتسبيح الحصى في يده صلى الله عليه وسلم وحنين الجذع وغيره - انتهى. قلت: حمل القول على الحقيقة هو الظاهر الراجح ولا وجه للعدول عنه. وفي الحديث حث على كثرة سؤال الجنة والتعوذ من النار. (رواه الترمذي) .