الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَوْلِهِ اخْتِلَافًا أَيْ سَتَلْقَوْنَ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْأَمِيرِ وَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ، فَمَنْ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتَّبِعَهُ وَنَلْزَمَهُ فَتَكُونَ لَنَا الْعَاقِبَةُ لَا عَلَيْنَا. (أَوْ مَا تَأْمُرُنَا بِهِ) ؟ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مَعَ أَنَّ مُؤَدَّاهُمَا فِي الْمَعْنَى وَاحِدٌ. ( «قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَمِيرِ وَأَصْحَابِهِ» ) وَهُوَ) أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم (يُشِيرُ إِلَى عُثْمَانَ بِذَلِكَ) . أَيْ بِقَوْلِهِ " الْأَمِيرِ " بِأَنْ يَكُونَ حَاضِرًا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، أَيْ: مَذْكُورًا فِيهِ (رَوَاهُمَا) أَيْ: الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) . قَالَ الْمُؤَلِّفُ: كَانَ إِسْلَامُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَكَانَ أَبْيَضَ رَبْعَةً حَسَنَ الْوَجْهِ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ يَصْغُرُهَا، اسْتُخْلِفَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَقَتَلَهُ الْأَسْوَدُ التُّجِيبِيُّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ السَّبْتِ بِالْبَقِيعِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعُمْرِ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَثَمَانُونَ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ اثْنَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا أَيَّامًا، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
[بَابُ مَنَاقِبِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ رضي الله عنهم]
[7]
بَابُ مَنَاقِبِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ رضي الله عنهم الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
6083 -
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَعِدَ أُحُدًا، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: (اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ) » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[7]
بَابُ مَنَاقِبِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ رضي الله عنهم الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
6083 -
(عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَعِدَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ طَلَعَ (أُحُدًا) أَيْ جَبَلَ أُحُدٍ (وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ)، أَيْ مَعَهُ (فَرَجَفَ) أَيْ: تَحَرَّكَ (أُحُدٌ بِهِمْ)، أَيِ انْتِعَاشًا وَاهْتِزَازًا لِقُدُومِهِمْ (فَضَرَبَهُ) أَيِ: النَّبِيُّ عليه السلام (بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ)، أَيْ: وَلَا تُظْهِرْ شَيْئًا عَلَى ظَاهِرِكَ كَالْكَامِلِينَ الْوَاصِلِينَ، عَلَى مَا حُكِيَ أَنَّ الْجُنَيْدَ سُئِلَ مَا بَالُكَ عِنْدَ السَّمَاعِ ظَاهِرًا، مَعَ تَحَقُّقِ حَالِكَ بَاطِنًا فَقَرَأَ:{وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل: 88](فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ) . أَيْ وَصُحْبَةُ أَهْلِ التَّمْكِينِ وَالْوَقَارِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَأْثِيرٍ خَالٍ عَلَى الْإِظْهَارِ، وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي جَبَلِ ثَبِيرٍ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ بُرَيْدَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ جَالِسًا عَلَى حِرَاءٍ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (اثْبُتْ حِرَاءُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (اسْكُنْ حِرَاءُ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ) » ، وَفِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَلِيًّا. خَرَّجَهُمَا مُسْلِمٌ وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدًا وَقَالَ: اهْدَأْ مَكَانَ اسْكُنْ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ الْعَشَرَةُ إِلَّا أَبَا عُبَيْدَةَ، وَقَالَ:" اثْبُتْ حِرَاءُ " الْحَدِيثَ. فَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ مَحْمُولٌ عَلَى تَعَدُّدِ الْقَضِيَّةِ فِي الْأَوْقَاتِ، وَإِثْبَاتِ الشَّهَادَةِ لِبَعْضِهِمْ حَقِيقَةً، وَلِلْبَاقِينَ حُكْمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
6084 -
ــ
6084 -
(وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَائِطٍ) أَيْ: بُسْتَانٍ (مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ)، بِكَسْرِ الْحَاءِ جَمْعٌ (فَجَاءَ رَجُلٌ) أَيْ: لَا يُعْرَفُ حَالُهُ (فَاسْتَفْتَحَ)، أَيْ طَلَبَ الْفَتْحَ (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:(افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) أَيِ: الْعَالِيَةِ (فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : وَفِي نُسْخَةٍ (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ اللَّهَ) ، أَيْ شَكَرَهُ.
عَلَى تِلْكَ الْبِشَارَةِ، فَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: اللَّهُمَّ حَمْدًا، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. (ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا عُمَرُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ فَقَالَ لِي) : زَادَ هُنَا لِكَمَالِ الِاهْتِمَامِ بِمَعْرِفَةِ الْقَضِيَّةِ (افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى) أَيْ: مَعَ بَلِيَّةٍ عَظِيمَةٍ (تُصِيبُهُ) : عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَشْرَفُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا جُعِلَ عَلَى مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ بِالْجَنَّةِ يَكُونُ الْمُبَشَّرُ بِهِ مُرَكَّبًا، وَإِذَا جُعِلَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ كَانَتِ الْبِشَارَةُ مُقَارَنَةً بِالْإِنْذَارِ، وَلَا يَكُونُ الْمُبَشَّرُ بِهِ مُرَكَّبًا وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَى بِمَعْنَاهُ انْتَهَى، وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْبَلَاءَ نِعْمَةً عِنْدَ أَرْبَابِ الْوَلَاءِ. (فَإِذَا عُثْمَانُ) ، وَإِنَّمَا خَصَّ عُثْمَانَ بِهِ مَعَ أَنَّ عُمَرَ أَيْضًا ابْتُلِيَ بِهِ لِعِظَمِ ابْتِلَاءِ عُثْمَانَ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ امْتِدَادِ الزَّمَانِ وَقِلَّةِ الْأَعْوَانِ مِنَ الْأَعْيَانِ. (فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ) . أَيِ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْمَعُونَةُ عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْنَةِ، وَمِنْهُ الصَّبْرُ عَلَى مَرَارَةِ تِلْكَ الْبَلِيَّةِ، ثُمَّ فِي تَرْتِيبِ مَأْتَاهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ الَّتِي فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِيمَاءٌ إِلَى مَرَاتِبِهِمُ الْعَلِيَّةِ فِي الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، وَمِنَ الْقُرْبِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ الْبَشِيرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ذَكَرَ فِي " الرِّيَاضِ "«عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: وَجَّهَ هَاهُنَا، فَخَرَجْتُ فِي أَثَرِهِ حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ. وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ، حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَاجَتَهُ، فَتَوَضَّأَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ جَالَسٌ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا وَهُوَ بِالضَّمِّ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ فَقُلْتُ: لَأَكُونَنَّ بَوَّابًا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَ الْبَابَ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ: (ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) . فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لَأَبِي بَكْرٍ ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُ فِي الْقُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا يُرِيدُ أَخَاهُ يَأْتِ بِهِ، فَإِذَا بِإِنْسَانٍ يُحَرِّكُ الْبَابَ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُكَ، فَقَالَ: (ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) فَجِئْتُ فَقُلْتُ: ادْخُلْ وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْجَنَّةِ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ، فَرَجَعْتُ وَجَلَسْتُ وَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ فَحَرَّكَ الْبَابَ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ ثُمَّ جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: (ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ) ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ: ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُكَ، فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ فَجَلَسَ وُجَاهَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ» . قَالَ شَرِيكٌ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورُهُمُ اجْتَمَعَتْ، وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى «عَنْ أَبِي مُوسَى وَلَفْظُهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئًا فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَقُولُ، بِعُودٍ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ يَنْكُتُ بِهِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ " فَإِذَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ لَهُ: " افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ " فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ آخَرُ فَجَلَسَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: " افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ " قَالَ،: فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ فَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ وَقُلْتُ لَهُ الَّذِي قَالَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَبْرًا» وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: «انْطَلَقْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ حَائِطًا لِلْأَنْصَارِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا مُوسَى، أَمْلِكْ عَلَيَّ الْبَابِ وَلَا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ عَلَيَّ إِلَّا بِإِذْنٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَضَرَبَ الْبَابَ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ قَالَ: (ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ فِي عُمَرَ وَعُثْمَانَ» ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَكْرَارِ الْقَضِيَّةِ، فَإِنَّ أَبَا مُوسَى ذَكَرَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ الْأَوَّلِ أَنَّهُ سَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقِيلَ: وَجَّهَ هَاهُنَا فَاتَّبِعْ أَثَرَهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَنْطِقُ انْطَلَقَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ فَقَالَ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، وَيَكُونُ أَبُو مُوسَى ذَكَرَ سَبَبَ جُلُوسِهِ بَوَّابًا فِي رِوَايَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي رِوَايَةٍ، وَاسْتَوْفَى الْقِصَّةَ فِي رِوَايَةٍ، وَاخْتَصَرَهَا فِي رِوَايَةٍ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
6085 -
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَيٌّ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رضي الله عنهم رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
6085 -
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما، قَالَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَيٌّ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَمَقُولِهِ (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ)، أَيْ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ وَبَيَانِ أَمْرِهِمْ رضي الله عنهم . وَقَالَ شَارِحٌ: أَبُو بَكْرٍ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ رضي الله عنهم وَالْجُمْلَةُ مَقُولُ الْقَوْلِ وَرَسُولُ اللَّهِ حَيٌّ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أَيْ: كُنَّا نَذْكُرُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَضِيَ عَنْهُمْ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ قَوْلِهِ حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رضي الله عنهم أَيْ: وَنَسْكُتُ عَنِ الْبَاقِينَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُفَاضِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَنَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ فَلَا يُنْكِرُهُ، وَعَنْهُ: كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنُفَضِّلُ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْهُ: كُنَّا نَقُولُ - وَرَسُولُ اللَّهِ - حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ الْحَافِظُ فِي الْمُوَافَقَاتِ، وَعَنْهُ قَالَ: اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عَلَى أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَعَنْهُ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ أَوْفَرُ مَا كَانُوا: إِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ. خَرَّجَهُمَا خَيْثَمَةُ بْنُ سَعْدٍ، وَخَرَّجَ مَعْنَاهُ الْحَاكِمِيُّ وَزَادَ فَيَبْلُغُ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَلَا يُنْكِرُهُ كَذَا فِي الرِّيَاضِ النَّضِرَةِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
6086 -
عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «أُرِيَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ كَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ نِيطَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنِيطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَنِيطَ عُثْمَانُ بِعُمَرَ " قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُلْنَا: أَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَرَسُولُ اللَّهِ، وَأَمَّا نَوْطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَهُمْ وُلَاةُ الْأَمْرِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
6086 -
(عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (قَالَ: أُرِيَ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ أَبْصَرَ فِي مَنَامِهِ (اللَّيْلَةَ)، أَيِ: الْبَارِحَةَ (رَجُلٌ صَالِحٌ كَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ نِيطَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ عُلِّقَ (بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنِيطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَنِيطَ عُثْمَانُ بِعُمَرَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ مِنَ الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ: رَأَيْتُ نَفْسِي اللَّيْلَةَ وَأَبُو بَكْرٍ نِيطَ بِي، فَجَرَّدَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ وَحَبِيبَهُ رَجُلًا صَالِحًا، وَوُضِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَوْضِعَ " رَجُلًا " تَفْخِيمًا غِبَّ تَفْخِيمٍ انْتَهَى.
وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: رَجُلٌ صَالِحٌ بَيَانٌ لِلضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي أُرِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ هَذَا عَلَى أَنَّ أُرِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَرَجُلٌ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ، لَكِنْ قُيِّدَ وَصُحِّحَ بِأَنَّهُ أُرِيَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ وَرَجُلٌ صَالِحٌ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى صَرَافَةِ إِبْهَامِهِ (قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُلْنَا: أَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، أَيْ: بِالِاجْتِهَادِ وَالظَّنِّ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَيُحْتَمَلُ أَنَّ صَالِحًا كَعَلِيٍّ مَثَلًا رَأَى تِلْكَ الرُّؤْيَا، فَأَخْبَرَهُ صلى الله عليه وسلم أَوِ انْكَشَفَ لَهُ بِنُورِ النُّبُوَّةِ فَأَظْهَرَهُ، لَكِنْ لِحِكْمَةٍ أَبْهَمَهُ وَسَتَرَهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ صَاحِبُ الرِّيَاضِ، أَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ، وَهَكَذَا أُرِيتُ كِتَابَ الْمَنَاقِبِ وَالْفَضَائِلِ بَابَ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وَالصَّوَابُ أَرَى اللَّيْلَةَ (وَأَمَّا نَوْطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ)، أَيْ: تَعَلُّقُهُمْ وَاتِّصَالُهُمْ (فَهُمْ وُلَاةُ الْأَمْرِ)، أَيْ: أَمْرِ الدِّينِ (الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .