الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَيْ تُقَابِلُ النَّصَّ الْجَلِيَّ بِالْقِيَاسِ، وَيَجْعَلُ مُوجِبَ دُخُولِ النَّارِ الْعَمَلَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ مِنْ سُؤَالِهِ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِي إِدْخَالِهِمَا النَّارَ مَعَ انْقِيَادِهِمَا وَطَاعَتِهِمَا لِلْمَلِكِ الْجَبَّارِ، وَالنَّارُ إِنَّمَا هِيَ دَارُ الْبَوَارِ لِلْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ، فَمَعْنَى قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا سَمِعْتُهُ، وَلَيْسَ لِي مَزِيدُ عِلْمٍ عَلَى ذَلِكَ. (فَسَكَتَ الْحَسَنُ) فَثَبَتَ أَنَّ سُؤَالَهُ حَسَنٌ، وَكَذَا جَوَابُهُ مُسْتَحْسَنٌ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِدْخَالِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُمَا كَخَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا جُعِلَا فِي النَّارِ لِأَنَّهُمَا قَدْ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَبْكِيتًا لِلْكَافِرِينَ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ رحمه الله: قَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَكْذِيبُ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي قَوْلِهِ هَذَا، حَيْثُ قَالَ لَهُ: هَذِهِ يَهُودِيَّةٌ يُرِيدُ إِدْخَالَهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُمَا وَهُمَا دَائِبَانِ فِي طَاعَتِهِ، ثُمَّ حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا يَعُودَانِ إِلَى مَا خُلِقَا مِنْهُ، وَهُوَ نُورُ الْعَرْشِ، فَيَخْتَلِطَانِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمَا يَصِيرَانِ نُورَيْنِ وَالنُّورُ لَا يُعَذَّبُ بِالنَّارِ؛ وَلِذَا تَقُولُ النَّارُ لِلْمُؤْمِنِ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ فَإِنَّ نُورَكَ أَطْفَأَ لَهِيبِي، فَيَرْجِعُ الْكَلَامُ إِلَى أَنَّ فَائِدَةَ إِدْخَالِهِمَا تَعْيِيرُ عَبَدَتِهِمَا، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِ كَعْبٍ وَبَيْنَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ التَّأَمُّلِ الشَّافِي، وَاللَّهُ تَعَالَى الْكَافِي، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ غَيْرُ ثَابِتٍ. قَالَ السُّيُوطِيُّ رحمه الله فِي الْبُدُورِ: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِصْمَةَ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مُقَاتِلٍ، وَابْنِ حِبَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو عِصْمَةَ كَذَّابٌ وَضَّاعٌ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ:" «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فِي النَّارِ، إِنْ شَاءَ أَخْرَجَهُمَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا» " قِيلَ: قَوْلُهُ: عَقِيرَانِ، أَيْ زَمِنَانِ، يَعْنِي لَا يَجْرِيَانِ.
5693 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا شَقِيٌّ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنِ الشَّقِيُّ؟ قَالَ: " مَنْ لَمْ يَعْمَلْ لِلَّهِ بِطَاعَةٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ بِمَعْصِيَةٍ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
5693 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا شَقِيٌّ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنِ الشَّقِيُّ؟ قَالَ: " مَنْ لَمْ يَعْمَلْ لِلَّهِ) أَيْ لِأَجْلِ رِضَاهُ أَوْ لِأَمْرِهِ (بِطَاعَةٍ) أَيْ بِوَاجِبَةٍ (وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ) أَيْ لِلَّهِ (بِمَعْصِيَةٍ) وَهُوَ شَامِلٌ لِلْكَافِرِ وَالْفَاجِرِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى:{لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل: 15 - 16] مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلْيِ عَلَى وَجْهِ الْخُلُودِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: الْبَاءُ زَائِدَةٌ فِيهِمَا، وَبِنَاءُ الْمَرَّةِ فِيهِمَا مَعَ التَّنْكِيرِ لِلتَّقْلِيلِ، وَزِيَادَةُ الْبَاءِ لِلتَّأْكِيدِ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الرَّحْمَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ عَمِلَ لَهُ طَاعَةً مَا، أَوْ تَرَكَ لِأَجْلِهِ وَلِخَوْفِهِ مَعْصِيَةً مَا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41](رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
[بَابُ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
5694 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَغِرَّتُهُمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ رِجْلَهُ.
تَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[8]
- بَابُ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ
أَيْ فِي كَوْنِهِمَا مَخْلُوقَتَيْنِ عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَفِي بَيَانِ أَنَّهُمَا لِمَنْ خُلِقَتَا، وَذِكْرِ بَعْضِ أَوْصَافِهِمَا مِنْ خِلْقَتِهُمَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
5694 -
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " تَحَاجَّتْ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ تَخَاصَمَتْ وَتَجَادَلَتْ وَتَعَارَضَتْ (الْجَنَّةُ وَالنَّارُ) أَيْ بِلِسَانِ الْقَالِ أَوْ بِبَيَانِ الْحَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: هَذِهِ.
الْمُحَاجَّةُ جَارِيَةٌ عَلَى التَّحْقِيقِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مُمَيِّزَةً مُخَاطِبَةً، أَوْ عَلَى التَّمْثِيلِ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى مَا فِي الْمَعَالِمِ أَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا فِي الْجَمَادَاتِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ سِوَى الْعُقَلَاءِ، لَا يَقِفُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ، فَلَهَا صَلَاةٌ وَتَسْبِيحٌ وَخَشْيَةٌ، فَيَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ الْإِيمَانُ بِهِ، وَيَكِلُ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، انْتَهَى. وَأَدِلَّتُهُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَحَلُّ ذِكْرِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِيثَارِ أَيِ اخْتِرْتُ (بِالْمُتَكَبِّرِينَ) أَيْ عَنِ الْحَقِّ (وَالْمُتَجَبِّرِينَ) أَيْ عَلَى الْخَلْقِ بِالتَّسَلُّطِ وَالْقَهْرِ، فَقِيلَ هُنَا بِمَعْنًى، جُمِعَ بَيْنَهِمَا لِلتَّأْكِيدِ، وَقِيلَ: الْمُتَكَبِّرُ الْمُتَعَظِّمُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، وَالْمُتَجَبِّرُ الَّذِي لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا يَكْتَرِثُ وَلَا يُبَالِي بِأَمْرِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. (وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي) أَيْ فَأَيُّ شَيْءٍ وَقَعَ لِي (لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ) أَيْ فِي الْبَدَنِ وَالْمَالِ (وَسَقَطُهُمْ) بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ أَرْدَؤُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ خُمُولًا، وَأَقَلُّهُمُ اعْتِبَارًا، الْمُحَقَّرُونَ فِيمَا بَيْنَهُمُ، السَّاقِطُونَ عَنْ أَعْيُنِهِمْ، وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ لِأَنَّهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37] وَفِي مَوْضِعٍ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111] وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ عُظَمَاءُ، وَكَذَا عِنْدَ مَنْ عَرَفَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ، فَوَصَفَهُمْ بِالسَّقْطِ وَالضَّعْفِ لِهَذَا الْمَعْنَى، أَوِ الْمُرَادُ بِالْحَصْرِ الْأَغْلَبُ. (وَغِرَّتُهُمْ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهِيَ عَدَمُ التَّجْرِبَةِ، أَوْ وُجُودُ الْغَفْلَةِ بِمَعْنَى الَّذِينَ لَا تَجْرِبَةَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَا اهْتِمَامَ لَهُمْ بِهَا، أَوِ الَّذِينَ هُمْ غَافِلُونَ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيَا شَاغِلُونَ بِمُهِمِّ الْعُقْبَى عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ، أَيْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا بِخِلَافِ الْكُفَّارِ، فَإِنَّهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7] . هَذَا وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: رَوَاهُ الْأَكْثَرُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فِرَاءٍ فَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ، أَيْ أَهْلُ الْحَاجَةِ مِنَ الْغَوْثِ وَهُوَ الْجُوعُ، وَرُوِيَ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَبِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ، أَيِ الْبُلْهُ الْغَافِلُونَ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ آخَرُونَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فَجِيمٍ فَزَايٍ مَفْتُوحَاتٍ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ، جَمْعُ عَاجِزٍ، وَرُوِيَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالْجِيمِ، جَمْعُ عَاجِزٍ أَيْضًا.
(قَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ) ابْتَدَأَ بِهَا لِلْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ (سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي) وَجَبْرًا لَهَا حَيْثُ انْكَسَرَ بَالُهَا بِمَا لَهَا مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَغُلِبَتْ فِي السُّؤَالِ وَضَعُفَتْ فِي الْجَوَابِ (إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي) أَيْ مَظْهَرُهَا. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: سَمَّى الْجَنَّةَ رَحْمَتَهُ لِأَنَّ بِهَا يَظْهَرُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ: (أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي) وَإِلَّا فَرَحْمَةُ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ بِهَا مَوْصُوفًا لَيْسَتْ لِلَّهِ صِفَةٌ حَادِثَةٌ، وَلَا اسْمٌ حَادِثٌ فَهُوَ قَدِيمٌ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ جل جلاله، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، وَفِي الْمَعَالِمِ: الرَّحْمَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ الْخَيْرَ لِأَهْلِهِ، وَقِيلَ: تَرْكُ عُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَإِسْدَاءُ الْخَيْرِ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ صِفَةُ ذَاتٍ، وَعَلَى الثَّانِي صِفَةُ فِعْلٍ. (وَقَالَ) أَيِ اللَّهُ (لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي) أَيْ سَبَبُ عُقُوبَتِي وَمَنْشَأُ سَخَطِي وَغَضَبِي. (أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارَ مَظَاهِرُ لِلْجَمَالِ وَالْجَلَالِ عَلَى وَصْفِ الْكَمَالِ، وَلَا يَظْهَرُ لِأَحَدٍ وَجْهُ تَخْصِيصِ كَلٍّ بِكُلٍّ فِي مَقَامِ الْفَصْلِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا مِنْ بَابِ الْعَدْلِ، وَالْآخَرَ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ:{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23](وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا) لِأَنَّ كَمَالَهُمَا فِي مَلْءِ مَآلِهِمَا (فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ) قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30] أَيْ فَتَطْلُبُ الزِّيَادَةِ وَلَا تَمْتَلِئُ مِنْ أَهْلِهَا الْمُعَدِّ لَهَا. (حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ) أَيْ فِيهَا أَوْ عَلَيْهَا (رِجْلَهُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ: قَدَمَهُ، فَمَذْهَبُ السَّلَفِ التَّسْلِيمُ وَ
التَّفْوِيضُ مَعَ التَّنْزِيهِ، وَأَرْبَابُ التَّأْوِيلِ مِنَ الْخَلَفِ يَقُولُونَ: الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ قَدَمُ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ، أَوْ قَوْمٌ قَدَّمَهُمُ اللَّهُ لِلنَّارِ مِنْ أَهْلِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي سَابِقِ حُكْمِهِ أَنَّهُمْ لَاحِقُوهَا، فَتَمْتَلِئُ مِنْهُمْ جَهَنَّمُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ قَدَمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2] أَيْ مَا قَدَّمُوهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ فِي تَصْدِيقِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالرِّجْلِ الْجَمَاعَةُ مِنَ الْجَرَادِ، وَهُوَ إِنْ كَانَ مَوْضُوعًا لِجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْجَرَادِ، لَكِنَّ اسْتِعَارَتَهُ لِجَمَاعَةِ النَّاسِ غَيْرُ بَعِيدٍ، وَأَخْطَأَ الرَّاوِي فِي نَقْلِهِ الْحَدِيثَ بِالْمَعْنَى، وَظَنَّ أَنَّ الرِّجْلَ سَدَّ مَسَدَّ الْقَدَمِ، هَذَا وَقَدْ قِيلَ: وَضْعُ الْقَدَمِ عَلَى الشَّيْءِ مَثَلٌ لِلرَّوْعِ وَالْقَمْعِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَأْتِيهَا أَمْرُ اللَّهِ فَيَكْفِيهَا مِنْ طَلَبِ الْمَزِيدِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ:" فَيَضَعُ الرَّبُّ قَدَمَهُ عَلَيْهَا " وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا، كَذَا قَالَهُ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْآتِيَةَ بِلَفْظِ:" فِيهَا " فِي الْمِشْكَاةِ، نَعَمْ " فِي " قَدْ تَأَتِي بِمَعْنَى " عَلَى " عَلَى مَا فِي التَّنْزِيلِ {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] ، وَقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ تَسْكِينُ فَوْرَتِهَا، كَمَا يُقَالُ لِلْأَمْرِ يُرَادُ إِبْطَالُهُ: وَضَعْتُهُ تَحْتَ قَدَمِي، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْقَدَمُ وَالرِّجْلُ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الْمُنَزَّهَةِ عَنِ التَّكْيِيفِ وَالتَّشْبِيهِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، كَالْيَدِ وَالْأُصْبُعِ وَالْعَيْنِ، وَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالنُّزُولِ، فَالْإِيمَانُ بِهَا فَرْضٌ، وَالِامْتِنَاعُ عَنِ الْخَوْضِ فِيهَا وَاجِبٌ، فَالْمُهْتَدِي مَنْ سَلَكَ فِيهَا طَرِيقَ التَّسْلِيمِ، وَالْخَائِضُ فِيهَا زَائِغٌ وَالْمُنْكِرُ مُعَطِّلٌ، وَالْمُكَيِّفُ مُشَبِّهٌ. تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] انْتَهَى. وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رحمه الله وَلِطَرِيقِ إِمَامِنَا الْأَعْظَمِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ، فَالتَّسْلِيمُ أَسْلَمُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَقُولُ) أَيِ النَّارُ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٍ، وَإِلَّا فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: فَتَقُولُ (قَطْ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا مُنَوَّنَةً، وَفِي أُخْرَى مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ (قَطْ قَطْ) ذُكِرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ شَارِحٍ أَنَّهُ مَرَّتَيْنِ حَيْثُ قَالَ بِسُكُونِ الطَّاءِ أَيْ: كَفَى كَفَى، وَيُحْتَمَلُ بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ حَسْبِي حَسْبِي. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ بِإِسْكَانِ الطَّاءِ فِيهِمَا وَبِكَسْرِهَا مُنَوَّنَةً وَغَيْرَ مُنَوَّنَةٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: إِذَا كَانَ قَطْ بِمَعْنَى حَسْبٍ فَقَطْ كَمَنْ وَقَطٍ مُنَوَّنًا مَجْرُورًا، فَاقْتِصَارُهُ عَلَيْهِمَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْكَسْرَ مَعَ غَيْرِ التَّنْوِينِ ضَعِيفٌ. (فَهُنَالِكَ) أَيْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (تَمْتَلِئُ) أَيِ النَّارُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى (وَيُزْوَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُضَمُّ وَيُجْمَعُ (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) أَيْ مِنْ غَايَةِ الِامْتِلَاءِ (فَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ) أَيْ أَبَدًا (مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا) أَيْ لَا يُنْشِئُ اللَّهُ خَلْقًا لِلنَّارِ، فَإِنَّهُ ظُلْمٌ بِحَسَبِ الصُّورَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا حَقِيقَةً فَإِنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مُلْكِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ مَا فِي صُورَةِ الظُّلْمِ. (وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْشِئُ لَهَا) أَيْ مِنْ عِنْدِهِ (خَلْقًا) أَيْ جَمْعًا لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلًا، وَهَذَا فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَوْ أَنْشَأَ لِلنَّارِ خَلْقًا عَلَى مَا قِيلَ لَكَانَ عَدْلًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
5695 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمَ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ. فَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنُهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ: "«حَفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ» " فِي (كِتَابِ الرِّقَاقِ) .
ــ
5695 -
(وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى) أَيْ يُطْرَحُ (فِيهَا) أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ (وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟) أَيْ مِنْ زِيَادَةٍ (حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ) أَيْ صَاحِبُ الْغَلَبَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ (فِيهَا قَدَمَهُ) وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (فَيُزْوَى) أَيْ يَنْضَمُّ وَيَجْتَمِعُ (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ) أَيْ مَرَّتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْكَثْرَةُ أَوِ انْحِصَارُ الْعَدَدِ (بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ) أَيْ
زِيَادَةُ عَطَائِكَ (وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ) أَيْ زِيَادَةُ مَسَاكِنَ خَالِيَةٍ عَنِ السُّكَّانِ (حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ) مِنَ الْإِسْكَانِ (فَضْلَ الْجَنَّةِ) أَيْ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ مِنْهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا. هَذَا دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُخْلَقُونَ حِينَئِذٍ وَيُعْطَوْنَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَلِلْمُعْتَزِلَةِ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ عَمَّنْ لَمْ يُذْنِبْ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنْ عَذَّبَهُمْ كَانَ ظُلْمًا وَهُوَ عَيْنُ مَذْهَبِنَا، وَالْجَوَابُ: أَنَّا وَإِنْ قُلْنَا: وَإِنْ عَذَّبَهُمْ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي مُلْكِ غَيْرِهِ، لَكِنَّهُ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِكَرَمِهِ وَلُطْفِهِ مُبَالَغَةً، فَنَفْيُ الظُّلْمِ إِثْبَاتٌ لِلْكَرَمِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ: " «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ» ) تَمَامُهُ: «وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» (فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ) أَيْ لِأَنَّ الْحَدِيثَ أَنْسَبُ بِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
5696 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا، ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرَئِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرَئِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، قَالَ فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا، فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرَئِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، قَالَ: فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
5696 -
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا» ) أَيْ نَظَرَ اعْتِبَارٍ (فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا) أَيْ مَاعَدَا مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. (ثُمَّ جَاءَ) أَيْ رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ أَوْ إِلَى حَيْثُ مَا أُمِرَ بِهِ، أَوْ إِلَى تَحْتِ الْعَرْشِ (فَقَالَ: أَيْ رَبِّ) أَيْ يَا رَبِّ (وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ) أَيْ وَيُحِبُّ دُخُولَهَا.
فَالْأُذُنُ تَعْشَقُ قَبْلَ الْعَيْنِ أَحْيَانًا (إِلَّا دَخَلَهَا) أَيْ طَمِعَ فِي دُخُولِهَا، وَجَاهَدَ فِي حُصُولِهَا، وَلَا يَهْتَمُّ إِلَّا بِشَأْنِهَا لِحُسْنِهَا وَبَهْجَتِهَا، (حَفَّهَا) أَيْ أَحَاطَهَا اللَّهُ (بِالْمَكَارِهِ) جَمْعُ كُرْهٍ وَهِيَ الْمَشَقَّةُ وَالشِّدَّةُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَكْرُوهَةٌ عَلَى النُّفُوسِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعَانِيَ لَهَا صُوَرٌ حِسِّيَّةٌ فِي تِلْكَ الْمَبَانِي (ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا) أَيْ ثَانِيًا لِمَا تَجَدَّدَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ حَوَالَيْهَا (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ بِدُونِ: قَالَ -: (فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا) أَيْ وَرَأَى مَا عَلَيْهَا ( «ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ» ) أَيْ لَمَّا رَأَى حَوْلَهَا مِنَ الْمَوَانِعِ الَّتِي هِيَ الْعَلَائِقُ وَالْعَوَائِقُ لِلْخَلَائِقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله أَيْ لِوُجُودِ الْمَكَارِهِ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، وَمُخَالَفَةِ النَّفْسِ وَكَسْرِ الشَّهَوَاتِ. ( «قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا " قَالَ:" فَذَهَبَ " فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ قَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا» ) أَيْ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا فَزِعَ مِنْهَا وَاحْتَرَزَ فَلَا يَدْخُلُهَا، ( «فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا " قَالَ: " فَذَهَبَ» ) وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ ( «فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا» ) أَيْ لِمَيَلَانِ النَّفْسِ إِلَى الشَّهَوَاتِ وَحُبِّ اللَّذَّاتِ، وَكَسَلِهَا عَنِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، فَهَذَا الْحَدِيثُ تَفْسِيرٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ:" «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» ". وَفِي مَعْنَاهُ مَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ: إِنَّ اللَّهَ بَنَى مَكَّةَ عَلَى الْمَكْرُوهَاتِ وَالدَّرَجَاتِ، وَنِعْمَ مَا قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْحَالِ:
لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ
…
الْجُودُ يُفْقِدُ وَالْإِقْدَامُ قَتَّالُ
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .