المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب ثواب هذه الأمة] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٩

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا]

- ‌[بَابُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى]

- ‌[بَابُ صِفَةِ النَّارِ وَأَهْلِهَا]

- ‌[بَابُ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ]

- ‌[بَابُ بَدْءِ الْخَلْقِ وَذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ]

- ‌[كِتَابِ الْفَضَائِلِ] [

- ‌بَابُ فَضَائِلِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ]

- ‌[بَابُ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَصِفَاتِهِ]

- ‌[بَابٌ فِي أَخْلَاقِهِ وَشَمَائِلِهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[بَابُ الْمَبْعَثِ وَبَدْءِ الْوَحْيِ]

- ‌[بَابُ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ]

- ‌[بَابٌ فِي الْمِعْرَاجِ]

- ‌[بَابٌ فِي الْمُعْجِزَاتِ]

- ‌[بَابُ الْكَرَامَاتِ]

- ‌[بَابٌ هِجْرَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ وَوَفَاتُهُ]

- ‌[بَابٌ]

- ‌[كِتَابُ الْمَنَاقِبِ وَالْفَضَائِلِ] [

- ‌بَابُ مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ وَذِكْرِ الْقَبَائِلِ]

- ‌[بَابُ مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ]

- ‌[بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه]

- ‌[بَابُ مَنَاقِبِ عُمَرَ رضي الله عنه]

- ‌[بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما]

- ‌[بَابُ مَنَاقِبِ عُثْمَانَ رضي الله عنه]

- ‌[بَابُ مَنَاقِبِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ رضي الله عنهم]

- ‌[بَابُ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه]

- ‌[بَابُ مَنَاقِبِ الْعَشَرَةِ رضي الله عنهم]

- ‌[بَابُ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم]

- ‌[بَابُ مَنَاقِبِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن]

- ‌[بَابُ جَامِعِ الْمَنَاقِبِ]

- ‌[تَسْمِيَةُ مَنْ سُمِّيَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ]

- ‌[بَابُ ذِكْرِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ وَذِكْرِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ]

- ‌[بَابُ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ]

الفصل: ‌[باب ثواب هذه الأمة]

6281 -

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

6281 -

(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ ")، أَيْ: مَكَانَ الْفِئَةِ مِنْهُمْ (يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

ص: 4044

6282 -

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: «سَيَأْتِي مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ فَيَظْهَرُ عَلَى الْمَدَائِنِ كُلِّهَا إِلَّا دِمَشْقَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

6282 -

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ) ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ قَالَ: سَيَأْتِي مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ، فَيَظْهَرُ) ، أَيْ: يَغْلِبُ (عَلَى الْمَدَائِنِ)، أَيِ: الْبُلْدَانِ (كُلِّهَا)، أَيْ: جَمِيعِهِا (إِلَّا دِمَشْقَ)، أَيْ: إِلَّا مَدِينَةَ دِمَشْقَ الشَّامِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

ص: 4044

[بَابُ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ]

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

6283 -

عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الْأُمَمِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ أَلَا فَأَنْتُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ أَلَا لَكُمُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنَّهُ فَضْلِي أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

بَابُ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَيِ: الطَّائِفَةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَ الْإِجَابَةِ وَالْمُتَابَعَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُمْ بِالْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ، فَفِي التَّنْقِيحِ الْمُبْتَدَعِ: لَيْسَ مِنَ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ الْمُطْلَقَةِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ طَرِيقَتُهُمْ كَطَرِيقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ رضي الله عنهم، دُونَ أَهْلِ الْبِدَعِ. قَالَ صَاحِبُ التَّلْوِيحِ: لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، فَهُوَ مِنْ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ دُونَ الْمُتَابَعَةِ كَالْكُفَّارِ.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ 6283 - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَّمَا أَجَلُكُمْ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَجَلُ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ لِلشَّيْءِ قَالَ تَعَالَى: {وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى} [غافر: 67] وَيُقَالُ لِلْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ لِحَيَاةِ الْإِنْسَانِ أَجَلٌ، فَيُقَالُ: دَنَا أَجَلُهُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ مِنْ دُنُوِّ الْمَوْتِ، وَأَصْلُهُ اسْتِيفَاءُ الْأَجَلِ أَيْ: مُدَّةُ الْحَيَاةِ، وَالْمَعْنَى مَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ، إِلَّا مِقْدَارُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مِنَ الزَّمَانِ اهـ. وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْأَجَلَ تَارَةً يُعَبِّرُ عَنْ جَمِيعِ الْوَقْتِ الْمَضْرُوبِ لِلْعُمُرِ، سَوَاءٌ يَكُونُ مُعَلَّقًا أَوْ مُبْرَمًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{ثُمَّ قَضَيَ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} [الأنعام: 2] وَتَارَةً يُطْلَقُ عَلَى انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ وَآخِرِهَا، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34] وَالْمُرَادُ بِالْأَجَلِ هُنَا هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، فَالْمَعْنَى. إِنَّمَا مُدَّةُ أَعْمَارِكِمُ الْقَلِيلَةِ. فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الْأُمَمِ، أَيْ: فِي جَنْبِ آجَالِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ الْكَثِيرَةِ (" مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ") أَيْ: مِثْلَ مَا بَيْنَهُمَا فِي جَنْبِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ، أَوْ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ، لَا مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ لِلْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ الْآتِي، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مُدَّتَكُمْ فِي الْعَمَلِ قَلِيلَةٌ وَأُجْرَتَكُمْ كَثِيرَةٌ عَلَى قِيَاسِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَثَلِ وَهُوَ قَوْلُهُ:(" وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ")، أَيْ: مَعَ الرَّبِّ سبحانه وتعالى (" كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا ") : بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ جَمْعُ عَامِلٍ أَيْ: طَلَبَ مِنْهُمُ الْعَمَلَ (" فَقَالَ ")، أَيْ: عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ (" مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ ") : وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ.

ص: 4044

الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا، فَالْمُرَادُ بِالنَّهَارِ الْعُرْفِيِّ لِأَنَّهُ عَرِفَ عَمَلَ الْعُمَّالِ (" عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ")، أَيْ: نِصْفِ دَانِقٍ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَقِيلَ: الْقِيرَاطُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الدِّينَارِ وَهُوَ نِصْفُ عَشَرَةٍ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَالْيَاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الرَّاءِ كَمَا أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ النُّونِ فِي الدِّينَارِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ جَمَعُهُمَا عَلَى دَنَانِيرَ وَقَرَارِيطَ، وَكَرَّرَ قِيرَاطَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْأَجْرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِيرَاطٌ، لَا أَنَّ مَجْمُوعَ الطَّائِفَةِ قِيرَاطٌ (" فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ ")، أَيْ: أَتْبَاعُ مُوسَى السَّابِقِ فِي الزَّمَانِ (" إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ ")، أَيِ: الرَّجُلُ الْمُسْتَعْمِلُ لِلْعُمَّالِ (" مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى ")، أَيْ: أَتْبَاعُ عِيسَى بَعْدَ الْيَهُودِ (" مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ: أَلَا ") : لِلتَّنْبِيهِ (" فَأَنْتُمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ ") : بِالْخِطَابِ وَيُلَائِمُهُ مَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْغَيْبَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إِيرَادِ الْمَوْصُولِ أَيْ: فَأَنْتُمْ مَثَلُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ، أَوْ فَأَنْتُمْ هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مَثَلًا (" مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ أَلَا ") : لِلتَّنْبِيهِ (" لَكُمُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ ")، أَيْ: مِثْلَيْ مَا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَكَأَنَّهُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الحديد: 28](فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ صَدَّقُوا بِنَبِيِّهِمْ وَالْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِيَةِ أَيْضًا (" فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ أَعْمَالًا وَأَقَلُّ عَطَاءً ")، أَيْ: قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ثَوَابًا كَثِيرًا مَعَ قِلَّةِ أَعْمَالِهِمْ، وَأَعْطَيْتَنَا ثَوَابًا قَلِيلًا مَعَ كَثْرَةِ أَعْمَالِنَا، وَلَعَلَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ حَكَى عَنْهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِتَحَقُّقِ ذَلِكَ، أَوْ صَدَرَ عَنْهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ لَمَّا اطَّلَعُوا عَلَى فَضَائِلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي كُتُبِهِمْ، أَوْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِمْ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لِلْأَعْمَالِ لَيْسَ عَلَى قَدْرِ التَّعَبِ، وَلَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْقَارِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَوْلَاهُ لِخِدْمَتِهِ أُجْرَةً، بَلِ الْمَوْلَى يُعْطِيهِ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْعَبِيدِ عَلَى وَجْهِ الْمَزِيدِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ هَذَا تَخْيِيلٌ وَتَصْوِيرٌ لَا أَنْ ثَمَّةَ مُقَاوَلَةٌ وَمُكَالَمَةٌ حَقِيقَةً، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى حُصُولِهَا عِنْدَ إِخْرَاجِ الذَّرِّ فَيَكُونُ حَقِيقَةً اهـ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ عُلَمَاؤُنَا تَقْوِيَةً لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ أَوَّلَ الْعَصْرِ بِصَيْرُورَةِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ النَّصَارَى أَكْثَرَ عَمَلًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ قِيلَ: مِنَ الزَّوَالِ إِلَى صَيْرُورَةِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلِهِ أَكْثَرُ مِنْهُ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، فَيَتَحَقَّقُ كَوْنُ النَّصَارَى أَكْثَرَ عَمَلًا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. أُجِيبَ: بِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْحُسَّابُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ تَفَاوُتٌ يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ أَوْ لِأَكْثَرِهِمْ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاعْتِبَارَاتِ الْغَالِبِيَّةِ، فَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ أَكْثَرَ عَمَلًا أَكْثَرُ زَمَانًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْعَمَلِ أَكْثَرَ فِي الزَّمَانِ الْأَقَلِّ، فَأَقُولُ: هَذَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ مَعَارَضٌ بِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْعَمَلِ أَقَلَّ فِي الزَّمَانِ الْأَكْثَرِ، فَإِذَا تَعَارَضَ الِاحْتِمَالَانِ الْعَقْلِيَّانِ تَسَاقَطَا، وَالْعُرْفُ حَاكِمٌ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ أَنَّ الزَّمَانَ مِعْيَارٌ لِلْعَمَلِ، فَيَكُونُ الْعَمَلُ الْأَكْثَرُ فِي الزَّمَنِ الْأَزْيَدِ، وَكَذَا عَكْسُهُ مَعَ أَنَّ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ دَلَالَةً عَلَى اعْتِبَارِ هَذَا الْمِعْيَارِ. (" قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَلْ ظَلَمْتُكُمْ) ، أَيْ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ (" مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا ") ؟ مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مُطْلَقٌ (" قَالُوا ")، أَيْ: أَهْلُ الْكِتَابِ (" لَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنَّهُ ")، أَيِ: الشَّأْنُ (فَضْلِي)، أَيْ: عَطَائِي الزَّائِدُ (أَعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ ") :

ص: 4045

أَوِ التَّقْدِيرُ، فَإِنَّ الْعَطَاءَ الْكَثِيرَ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالسِّيَاقِ فَضْلِي. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا ; لِأَنَّهُ تَعَالَى شَرَطَ مَعَهُمْ شَرْطًا، وَقَبِلُوا أَنْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَكَانَ فَضْلُهُ مَعَ النَّصَارَى عَلَى الْيَهُودِ شَرْطُهُ فِي زَمَانٍ أَقَلَّ مِنْ زَمَانِهِمْ، مَعَ أَنَّهُمَا فِي الْأُجْرَةِ مُتَسَاوِيَانِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَمُدَّةُ عَمَلِهِمْ أَقَلُّ مَعَ ضِعْفِ الْأُجْرَةِ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ اهـ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: إِنَّهُمَا فِي الْأُجْرَةِ مُتَسَاوِيَانِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْمُمَثَّلِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ مِنْ مُتَابَعَةِ الْكِتَابِيِّينَ وَالنَّبِيِّينَ دُونَ الْكُفَّارِ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَإِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ شَيْءٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّصَارَى حَيْثُ آمَنُوا بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ مَعَ إِيمَانِهِمْ بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ لَهُمْ مِنَ الْمَثُوبَةِ الْحُسْنَى مَا لَيْسَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانَ إِيمَانُهُمْ بِكِتَابِهِمْ وَنَبِيِّهِمْ فَقَطْ، كَمَا حُقِّقَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:{أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ} [القصص: 54] فَعُلِمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ تَكْرَارَ الْأَجْرِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْكِتَابِيِّ إِذَا دَخَلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، كَمَا هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ ظَاهِرِ آيَةِ {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ - أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ} [القصص: 28 - 54] وَمِنْ حَدِيثِ ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِكِتَابِهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَيُوَضِّحُهُ مَا فِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ بِسَنَدِهِ مَرْفُوعًا، قَالَ: مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا وَمَا عَمِلْنَاهُ بَاطِلٌ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا فَأَبَوْا وَتَرَكُوا وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا آخَرِينَ بَعْدَهُمْ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا: مَا عَمِلْنَاهُ بَاطِلٌ، وَلَكَ الْأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَإِنَّمَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَأَبَوْا وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ، فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ. هَذَا يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: 28](رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي تَوْقِيتِ الْعَمَلِ مِنَ النَّهَارِ وَتَقْدِيرِ الْأُجْرَةِ، فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَطْعُ الْأُجْرَةَ لِكُلِّ فَرِيقٍ قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَتَوْقِيتُ الْعَمَلِ عَلَيْهِمْ زَمَانًا زَمَانًا، وَاسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُمْ وَإِيفَاؤُهُمُ الْأُجْرَةَ، وَفِيهِ قَطْعُ الْخُصُومَةِ وَزَوَالُ الْعَنَتِ عَنْهُمْ، وَإِبْرَاؤُهُمْ مِنَ الذَّنْبِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى الرَّاوِي مِنْهُ بِذِكْرِ مَآلِ الْعَاقِبَةِ فِيمَا أَصَابَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْفِرَقِ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ: أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِيْنَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَبْلَغَ الْأُجْرَةِ لِلْيَهُودِ لِعَمَلِ النَّهَارِ كُلِّهِ قِيرَاطَانِ، وَأُجْرَةَ النَّصَارَى لِلنِّصْفِ الْبَاقِي قِيرَاطَانِ، فَلَمَّا عَجَزُوا عَنِ الْعَمَلِ قَبْلَ تَمَامِهِ لَمْ يُصِيبُوا إِلَى قَدْرِ عَمَلِهِمْ، فَأُعْطُوا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمْ وَهُوَ قِيرَاطٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُ الْمُسْلِمِينَ قَدِ اسْتَوْفَوْا قَدْرَ أُجْرَةِ الْفَرِيقَيْنِ حَاسَدُوهُمْ، فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ أَجْرًا اهـ. وَبِالْجُمْلَةِ فَيَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ زَمَنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَقَلُّ مِنْ زَمَنِ النَّصَارَى، كَمَا أَنَّ زَمَنَ النَّصَارَى أَقَلُّ مِنْ زَمَنِ الْيَهُودِ، عَلَى أَنَّ دِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُتَّصِلٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ لَا يَنْسَخُهُ نَاسِخٌ.

ص: 4046

6284 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

6284 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ ")، أَيْ: أَنَّهُ يَعْنِي الشَّأْنَ، وَقَدْ رَوَى صَاحِبُ الْمَشَارِقِ فِي أَنْوَاعٍ شَتَّى بِحَذْفِ إِنَّ، وَكَذَا هُوَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ:(" مَنْ أَشَدُّ أُمَّتِي لِي حُبًّا ")، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ فِي زَمَانِهِمْ (" نَاسٌ ") : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ: (" يَكُونُونَ بَعْدِي ")، أَيْ: يُوجَدُونَ بَعْدَ فَوْتِي (" يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي ")، أَيْ: يَتَمَنَّى أَنْ رَآنِي (" مُفْدِيًا بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ ") . قَالَ الْمُظْهِرُ: الْبَاءُ فِي بِأَهْلِهِ بَاءُ التَّعْدِيَةِ كَمَا

ص: 4046

وَفِي قَوْلِهِ بِأَنْتَ وَأَبِي يَعْنِي يَتَمَنَّى أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ يَفْدِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ لَوِ اتَّفَقَ رُؤْيَتُهُمْ وَوُصُولُهُمْ إِلَيَّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَوْ هَاهُنَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2] فَلَا بُدَّ لِيَوَدُّ مِنْ مَفْعُولٍ، فَلَوْ مَعَ مَا بَعْدَهُ نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ وَيُحِبُّ مَا يُلَازِمُ قَوْلَهُ: لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ أَيْ يَفْدِي أَهْلَهُ وَمَالَهُ لِيَرَانِي، فَقُلْتُ: الْأَظْهَرُ كَلَامُ الْمُظْهِرِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَنَّ " لَوْ " هُنَا حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ بِمَنْزِلَةِ إِنَّ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَنْصِبُ وَأَكْثَرُ وُقُوعِ هَذِهِ بَعْدَ وَدَّ أَوْ يَوَدُّ نَحْوَهُ: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ - وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ - يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} [البقرة: 89 - 96] قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يُثْبِتْ وُرُودَ " لَوْ " الْمَصْدَرِيَّةِ وَالَّذِي أَثْبَتَهُ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو الْبَقَاءِ وَالتِّبْرِيزِيُّ وَابْنُ مَالِكٍ، وَيَقُولُ الْمَانِعُونَ فِي نَحْوِ:{يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} [البقرة: 96] أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، وَأَنَّ مَفْعُولَ يَوَدُّ وَجَوَابَ " لَوْ " مَحْذُوفَانِ، وَالتَّقْدِيرُ يَوَدُّ أَحَدُهُمُ التَّعْمِيرَ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ لَسَرَّهُ ذَلِكَ، وَلَا خَفَاءَ فِيمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 4047

6285 -

وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَذُكِرَ حَدِيثُ أَنَسٍ إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ فِي كِتَابِ الْقِصَاصِ.

ــ

6285 -

(وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " لَا تَزَالُ ") : وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَوْقِيَّةِ (" مِنْ أُمَّتِي ")، أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ أُمَّتِي بِالْإِجَابَةِ (" أُمَّةٌ ")، أَيْ: طَائِفَةٌ (" قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ ")، أَيْ: بِأَمْرِ دِينِهِ وَأَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ مِنْ حِفْظِ الْكِتَابِ وَعِلْمِ السُّنَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُمَا، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالنَّصِيحَةِ لِخَلْقِهِ وَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104] (" لَا يَضُرُّهُمْ ")، أَيْ: لَا يَضُرُّ دِينَهُمْ وَأَمْرَهُمْ (" مَنْ خَذَلَهُمْ ")، أَيْ: مَنْ تَرَكَ عَوْنَهُمْ وَنَصْرَهُمْ، بَلْ ضَرَّ نَفْسَهُ وَظَلَمَ عَلَيْهَا بِإِسَاءَتِهَا (" وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ ")، أَيْ: لَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ (" حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ")، أَيْ: مَوْتُهُمْ أَوِ انْقِضَاءُ عَهْدِهِمْ (" وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ") . أَيْ عَلَى الْقِيَامِ بِأَمْرِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَجْهَ الْأَرْضِ لَا يَخْلُو مِنَ الصُّلَحَاءِ الثَّابِتِينَ عَلَى أَوَامِرِ اللَّهِ الْمُتَبَاعِدِينَ عَنْ نَوَاهِيهِ حَافِظِينَ لِأُمُورِ الشَّرِيعَةِ يَسْتَوِي عِنْدَهُمْ مُعَاوَنَةُ النَّاسِ وَمُخَالَفَتُهُمْ إِيَّاهُمْ، وَفَسَّرَ شَارِحٌ أَمْرَ اللَّهِ بِالْقِيَامَةِ، وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ:" «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ: اللَّهُ» ". وَقَالَ شَارِحٌ: قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ أَيْ مُتَمَسِّكَةٌ بِدِينِهِ، قِيلَ: هُمُ الْأُمَّةُ الْقَائِمَةُ بِتَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَحِفْظِ الْحَدِيثِ لِإِقَامَةِ الدِّينِ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُقِيمُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ الْمُدِيمُونَ لَهُ مِنْ قَامَ الشَّيْءُ دَامَ، وَالْبَاءُ فِي بِأَمْرِ اللَّهِ بِمَعْنَى " مَعَ " أَوْ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: دَائِمَةٌ مَعَ أَمْرِ اللَّهِ أَوْ مُدِيمَةٌ إِيَّاهُ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ شَوْكَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تَزُولُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّ ضَعْفَ أَمْرِهِ فِي قُطْرٍ قَوِيَ وَعَلَا فِي قُطْرٍ آخَرَ وَقَامَ بِإِعْلَائِهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْأُمَّةُ الْقَائِمَةُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَإِنِ اخْتُلِفَ فِيهَا فَإِنَّ الْمُعْتَدَّ بِهِ مِنَ الْأَقَاوِيلِ أَنَّهَا الْفِئَةُ الْمُرَابِطَةُ بِثُغُورِ الشَّامِ نَضَّرَ اللَّهُ بِهِمْ وَجْهَ الْإِسْلَامِ، لِمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُمْ بِالشَّامِ، وَفِي بَعْضِهَا حَتَّى تُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، وَفِي بَعْضِهَا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَّى هُمْ؟ قَالَ: " بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ". فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الشَّامِ، وَقَدْ عَاشَتِ الذِّئَابُ فِي الْقَطِيعِ، وَعَبَرَتِ الْجُنُودُ الْعَاتِيَةُ عَنِ الْفُرَاتِ، وَأَبَاحَتْ عَلَى مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْبَلَاءِ كَنَبِيحَ وَسَرُوجَ وَحَلَبَ وَمَا حَوَالَيْهَا قُلْتُ: إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا يَضُرُّهُمْ كُلَّ الضَّرَرِ، وَقَدْ أَضَرَّ الْكُفَّارَ يَوْمَ أُحُدٍ بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمَّا كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ، مَعَ أَنَّ الْفِئَةَ الْمَوْعُودَةَ لَهُمْ بِالنَّصْرِ هُمُ الْجُيُوشُ الْغَازِيَةُ بِهَا وَلَمْ يُصِبْهُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ إِلَى الْيَوْمِ غَضَاضَةٌ وَلَا هَوَانٌ، بَلْ كَانَ لَهُمُ النُّصْرَةُ وَعَلَى عَدُوِّهِمُ الدَّبْرَةُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ - كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ الْمُغِيرَةِ وَلَفْظُهُ:«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: "«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَوَّامَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا» ". وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عُمَرَ وَلَفْظُهُ: «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» ". وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، أَيْ: مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» فِي كِتَابِ الْقِصَاصِ.

ص: 4047

الْفَصْلُ الثَّانِي

6286 -

عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّانِي

6286 -

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ، أَيْ فِي حُكْمِ إِبْهَامِ إِفْرَادِ الْجِنْسِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ، أَيْ: أَوَائِلُ الْمَطَرِ أَوِ الْمَطَرُ الْأَوَّلُ خَيْرٌ، أَيْ: أَنْفَعُ أَمْ آخِرُهُ. أَيْ أَوَاخِرُهُ أَوِ الْمَطَرُ الْآخَرُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَا يُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى التَّرَدُّدِ فِي فَضْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْآخَرِ، فَإِنَّ الْقَرْنَ الْأَوَّلَ هُمُ الْمُفَضَّلُونَ عَلَى سَائِرِ الْقُرُونِ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَفِي الرَّابِعِ اشْتِبَاهٌ مِنْ قِبَلِ الرَّاوِي، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِمْ نَفْعُهُمْ فِي بَثِّ الشَّرِيعَةِ وَالذَّبِّ عَنِ الْحَقِيقَةِ. قَالَ الْقَاضِي: نَفَى تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِتَفَاوُتِ طَبَقَاتِ الْأُمَّةِ فِي الْخَيْرِيَّةِ وَأَرَادَ بِهِ نَفْيَ التَّفَاوُتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: 18] أَيْ بِمَا لَيْسَ فِيهِنَّ كَأَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ يَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يَخْفَى، وَلَكِنْ لَا يُعْلَمُ لِاخْتِصَاصِ كُلِّ طَبَقَةٍ مِنْهُمْ بِخَاصِّيَّةٍ وَفَضِيلَةٍ تُوجِبُ خَيْرِيَّتَهَا، كَمَا أَنَّ كُلَّ - نَوْبَةٍ مِنْ نُوَبِ الْمَطَرِ لَهَا فَائِدَةٌ فِي النُّشُوءِ وَالنَّمَاءِ لَا يُمْكِنُكَ إِنْكَارُهَا وَالْحُكْمُ بِعَدَمِ نَفْعِهَا، فَإِنَّ الْأَوَّلِينَ آمَنُوا بِمَا شَاهَدُوا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَتَلَقَّوْا دَعْوَةَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بِالْإِجَابَةِ وَالْإِيمَانِ، وَالْآخَرِينَ آمَنُوا بِالْغَيْبِ لِمَا تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ، وَاتَّبَعُوا مَنْ قَبْلَهُمْ بِالْإِحْسَانِ، وَكَمَا أَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ اجْتَهَدُوا فِي التَّأْسِيسِ وَالتَّمْهِيدِ، فَالْمُتَأَخِّرُونَ بَذَلُوا وُسْعَهُمْ فِي التَّلْخِيصِ وَالتَّجْرِيدِ وَصَرَفُوا عُمُرَهُمْ فِي التَّقْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ فَكُلُّ ذَنْبِهِمْ مَغْفُورٌ وَسَعْيِهِمْ مَشْكُورٌ وَأَجْرِهِمْ مَرْفُوعٌ اهـ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ كَمَا لَا يُحْكَمُ بِوُجُودِ النَّفْعِ فِي بَعْضِ الْأَمْطَارِ دُونَ بَعْضٍ، فَكَذَا لَا يُحْكَمُ بِوُجُودِ الْخَيْرِيَّةِ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ دُونَ بَعْضٍ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، إِذِ الْحَيْثِيَّاتُ مُخْتَلِفَةُ الْكَيْفِيَّاتِ، وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، وَمَعَ هَذَا فَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ، وَإِنَّمَا هَذَا تَسْلِيَةٌ لِلْمُتَأَخِّرِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ بَابَ اللَّهِ مَفْتُوحٌ، وَطَلَبَ الْفَيْضِ مِنْ جَنَابِهِ مَفْسُوحٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَمْثِيلُ الْأُمَّةِ بِالْمَطَرِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَا أَنَّ تَمْثِيلَهُ صلى الله عليه وسلم الْغَيْثَ بِالْهُدَى وَالْعِلْمِ، فَتَخْتَصُّ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْمُشَبَّهَةُ بِالْمَطَرِ بِالْعُلَمَاءِ الْكَامِلِينَ مِنْهُمْ وَالْمُكَمَّلِينَ لِغَيْرِهِمْ، فَيَسْتَدْعِي هَذَا التَّفْسِيرُ أَنْ يُرَادَ بِالْخَيْرِ النَّفْعُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْمُسَاوَاةُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، وَلَوْ ذَهَبَ إِلَى الْخَيْرِيَّةِ، فَالْمُرَادُ وَصْفُ الْأُمَّةِ قَاطِبَةً سَابِقُهَا وَلَاحِقُهَا، وَأَوَّلُهَا وَآخِرُهَا بِالْخَيْرِ، وَأَنَّهَا مُلْتَحِمَةٌ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ مَرْصُوصَةٌ بِالْبُنْيَانِ مُفَرَّغَةٌ كَالْحَلَقَةِ الَّتِي لَا يُدْرَى أَيْنَ طَرَفَاهَا، وَفِي أُسْلُوبِ هَذَا الْكَلَامِ قَوْلُ الْأَنْمَارِيَّةِ: هُمْ كَالْحَلَقَةِ الْمُفَرَّغَةِ لَا يُدْرَى أَيْنَ طَرَفَاهَا، تُرِيدُ الْمُكَمَّلَةَ، وَيَلْمَحُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الشَّاعِرِ:

إِنِ الْخِيَارَ مِنَ الْقَبَائِلِ وَاحِدٌ

وَبَنُو حَنِيفَةَ كُلُّهُمْ أَخْيَارُ

فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأُمَّةَ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ فِي الْخَيْرِيَّةِ، بِحَيْثُ أُبْهِمَ أَمْرُهَا فِيهَا وَارْتَفَعَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ سَوْقِ الْمَعْلُومِ مَسَاقَ غَيْرِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ أَنْشَدَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ:

تَشَابَهَ يَوْمَاهُ عَلَيْنَا فَأَشْكَلَا

فَمَا نَحْنُ نَدْرِي أَيَّ يَوْمِهِ أَفْضَلُ

أَيَوْمُ بَدَاءِ الْعُمُرِ أَمْ يَوْمُ يَأْسِهِ

وَمَا مِنْهُمَا إِلَّا أَغَرُّ مُحَجَّلُ

وَمِنَ الْمَعْلُومِ عِلْمًا جَلِيًّا أَنَّ يَوْمَ بَدَاءَةِ الْعُمُرِ أَفْضَلُ مِنْ يَوْمِ يَأْسِهِ، لَكِنَّ الْبَدْءَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ يَكْمُلُ إِلَّا بِالْيَأْسِ أُشْكِلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، قَالَ: مَا قَالَ، وَكَذَا أَمْرُ الْمَطَرِ وَالْأُمَّةِ. اهـ. وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ كُلَّهَا لَا تَخْلُو عَنِ الْخَيْرِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لِكَوْنِ نَبِيِّهَا نَبِيَّ الرَّحْمَةِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأُمَمِ، فَإِنَّ الْخَيْرَ انْحَصَرَ فِي سَابِقِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ الشَّرُّ فِي لَاحِقِهِمْ حَيْثُ بَدَّلُوا كُتُبَهُمْ وَحَرَّفُوا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلُهُمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيْ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَلْمَانَ، فَقَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي فَتْوَاهُ ضَعِيفٌ مُتَعَقَّبٌ، وَقَدْ يُصَحِّحُ كَلَامَهُ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، لَكِنْ فِي عُرْفِ الْمُحَدِّثِينَ يُنَافِيهِ الْإِطْلَاقُ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: حَدِيثٌ، «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ لَهُ طُرُقٌ قَدْ يُرْتَقَى بِهَا إِلَى الصِّحَّةِ اهـ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَأَحْمَدُ عَنْ عَمَّارٍ، وَأَبُو يَعْلَى عَنْ عَلِيٍّ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو.

ص: 4048

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

6287 -

عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَبْشِرُوا وَأَبْشِرُوا إِنَّمَا مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْغَيْثِ لَا يُدْرَى آخِرُهُ خَيْرٌ أَمْ أَوَّلُهُ أَوْ كَحَدِيقَةٍ أُطْعِمَ مِنْهَا فَوْجٌ عَامًا ثُمَّ أُطْعِمَ مِنْهَا فَوْجٌ عَامًا لَعَلَّ آخِرَهَا فَوْجًا أَنْ يَكُونَ أَعْرَضَهَا وَأَعْمَقَهَا عُمْقًا وَأَحْسَنَهَا حُسْنًا كَيْفَ تَهْلِكُ أُمَّةٌ أَنَا أَوَّلُهَا وَالْمَهْدِيُّ وَسَطُهَا وَالْمَسِيحُ آخِرُهَا وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ فَيْجٌ أَعْوَجُ لَيْسُوا مِنِّي وَلَا أَنَا مِنْهُمْ» . رَوَاهُ رَزِينٌ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

6287 -

(عَنْ جَعْفَرٍ) ، أَيِ الصَّادِقِ (عَنْ أَبِيهِ) ، أَيْ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ (عَنْ جَدِّهِ)، أَيْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهم وَيُسَمَّى مِثْلُ هَذَا السَّنَدِ سِلْسِلَةَ الذَّهَبِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَبْشِرُوا ") : مِنَ الْإِبْشَارِ، فَفِي الْقَامُوسِ: أَبْشَرَ فَرِحَ، وَمِنْهُ أَبْشِرْ بِخَيْرٍ (" وَأَبْشِرُوا ") ، كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ أَوْ أَحَدُهُمُا لِلدُّنْيَا وَالْآخَرُ لِلْأُخْرَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي بِمَعْنَى بَشِّرُوا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، (" إِنَّمَا مَثَلُ أُمَّتِي ") : أَيْ أَفْرَادُ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ (" مَثَلُ الْغَيْثِ ") ، أَيْ مَثَلُ أَنْوَاعِ الْمَطَرِ فِي حُصُولِ الْمَنْفَعَةِ (" لَا يُدْرَى آخِرُهُ خَيْرٌ أَمْ أَوَّلُهُ ") ؟ وَلَعَلَّ عَكْسُ التَّرْتِيبِ هُنَا لِإِفَادَةِ زِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ (" أَوْ كَحَدِيقَةٍ ") : أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوِ التَّخْيِيرِ، وَالْمَعْنَى كَمَثَلِ بُسْتَانٍ ذِي أَشْجَارٍ ذَاتِ أَثْمَارٍ شَبَّهَ بِهِ الدِّينَ بِاعْتِبَارِ شَرَائِعِهِ وَأَرْكَانِهِ وَشُعَبِهِ وَأَغْصَانِهِ (" أُطْعِمَ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ انْتَفَعَ (مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ بَعْضِهَا (" فَوْجٌ ") ، أَيْ: جَمْعٌ (" عَامًا ") ، أَيْ سَنَةً (ثُمَّ أُطْعِمَ مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ بَعْضِهَا الْآخَرِ (" فَوْجٌ عَامًا، لَعَلَّ آخِرَهَا فَوْجًا ") : مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ (" أَيْ يَكُونُ ")، أَيْ: آخِرُهَا (" أَعْرَضَهَا عَرْضًا وَأَعْمَقَهَا عُمْقًا، وَأَحْسَنَهَا حُسْنًا) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ يَكُونُ، وَجَوَّزَ الطِّيبِيُّ رَفْعَهَا كَمَا سَيَأْتِي لَكِنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ (" كَيْفَ تَهْلَكُ أُمَّةٌ ")، أَيْ: بِالْكُلِّيَّةِ (" أَنَا أَوَّلُهَا وَالْمَهْدِيُّ وَسَطُهَا، بِفَتْحِ السِّينِ وَيُسَكَّنُ (" وَالْمَسِيحُ ")، أَيْ: عِيسَى عليه السلام (" آخِرُهَا ") ، أَيْ آخِرُ الْأُمَّةِ (" وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ ")، أَيْ: بَيْنَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَوَّلِهَا وَأَوْسَطِهَا الْمُتَّصِلِ بِآخِرِهَا (" فَيْجٌ ") : بِفَتْحِ فَاءٍ وَسُكُونِ يَاءٍ فَجِيمٍ أَيْ فَوْجٍ (أَعْوَجٌ) : وَأُفْرِدَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْفَوْجِ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْفَيْجُ الْجَمَاعَةُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ فَيُجْمَعُ عَلَى فُيُوجٍ وَأَفْيَاجٍ كَبُيُوتٍ وَأَبْيَاتٍ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَصْلُ فَيْجٍ فَيِّجٌ بِالتَّشْدِيدِ لَكِنَّهُ خُفِّفَ كَمَا قِيلَ فِي هَيِّنٍ هَيْنٌ (" لَيْسُوا ")، أَيْ: ذَلِكَ الْفَوْجُ وَجَمْعُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى (" مِنِّي ")، أَيْ: مُتَّصِلًا بِي وَمُتَّبِعًا لِي وَمِنْ أَتْبَاعِي وَأَحْبَابِي (" وَلَا أَنَا مِنْهُمْ ") . بَلْ أَنَا مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ وَغَيْرُ رَاضٍ عَنْهُمْ بِفِسْقِهِمْ هَذَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: أَوْ حَدِيقَةٌ أَوْ هَذَا مَثَلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] لِلتَّسَاوِي فِي غَيْرِ الشَّكِّ، كَقَوْلِكَ: جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ يُرِيدُ أَنَّهُمَا سِيَّانِ فِي اسْتِصْوَابِ أَنْ يُجَالَسَا، وَمَعْنَاهُ أَنَّ كَيْفِيَّةَ صِفَةِ أُمَّتِي مُشَبَّهَةٌ بِكَيْفِيَّةِ الْمَطَرِ وَالْحَدِيقَةِ، وَأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِوَجْهِ التَّمْثِيلِ قِيَامُهَا مِثْلُهَا فَأَنْتَ مُصِيبٌ فِي تَمْثِيلِهَا بِهِمَا جَمِيعًا.

فَإِنْ قُلْتَ، أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ التَّمْثِيلَيْنِ؟ قُلْتُ: شُبِّهَتِ الْأُمَّةُ فِي التَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ بِالْمَطَرِ فِي نَفْعِ النَّاسِ بِالْعِلْمِ وَالْهُدَى، وَفِي الثَّانِي بِالِاسْتِنْفَاعِ مِنْ عِلْمِ الرَّسُولِ وَهُدَاهُ فِي إِنْبَاتِهِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَحُصُولَ الْأَخَّاذَاتِ، ثُمَّ انْتِفَاعَ النَّاسِ مِنْهُمَا بِالرَّعْيِ وَالسَّقْيِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِالْفَوْجِ أَيْ: أُطْعِمَ مِنَ الْحَدِيقَةِ عَامًا، وَالْحَدِيقَةُ كُلُّ مَا أَحَاطَ بِهِ الْبِنَاءُ مِنَ الْبَسَاتِينِ وَغَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ خَبَرُ لَعَلَّ وَأُدْخِلَ فِيهِ أَنَّ تَشْبِيهًا لِلَعَلَّ بِعَسَى، وَاسْمُ يَكُونُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرًا عَائِدًا إِلَى آخِرِهَا، وَأَعْرَضَهَا خَبَرُهُ، وَوَصْفُ الْأُمَّةِ بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالْعُمْقِ بِاعْتِبَارِ مُلَابَسَتِهَا بِالْحَدِيقَةِ، وَأَنْ يَكُونَ أَعْرَضَهَا صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ هُوَ اسْمُ يَكُونُ، وَالْخَبَرُ مُقَدَّرٌ أَيْ: أَنْ تَكُونَ الْحَدِيقَةُ أَعْرَضَهَا عَرْضًا لَهُ إِنْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَأَعْرَضَ وَأَعْمَقَ وَأَحْسَنَ جِيءَ بِهَا مُبَالَغَةً أَيْ أَبْلَغُهَا عَرْضًا وَعُمْقًا وَحُسْنًا نَحْوَ قَوْلِكَ: الْعَسَلُ أَحْلَى مِنَ الْخَلِّ، وَالصَّيْفُ أَحَرُّ مِنَ الشِّتَاءِ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَوِي النُّهَى، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ: أَحْسَنَهَا حُسْنًا كَقَوْلِهِ: جَدَّ جَدُّهُ وَجُنَّ جُنُونُهُ، وَعَرْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ عَيْنٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَأَعْمَقَهَا عُمْقًا، وَأَنْ يَكُوْنَ اسْمَ مَعْنَى بِدَلِيلِ وَأَحْسَنَهَا حُسْنًا. (رَوَاهُ رَزِينٌ) . يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مُرْسَلًا. لِأَنَّ الْإِمَامَ زَيْنَ الْعَابِدِينَ مَعْدُودٌ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، وَكَذَا وَلَدُهُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ عُدَّ مِنَ التَّابِعِينَ، لِأَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبَاهُ زَيْنَ الْعَابِدِينَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا جَعْفَرٌ الصَّادِقُ فَذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ، وَأَظُنُّ أَنَّهُ سَهْوٌ أَوْ وَهْمٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ فِي قَبْرٍ فِيهِ أَبُوهُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ وَجَدُّهُ زَيْنُ الْعَابِدِينَ.

ص: 4049

6288 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إِلَيْكُمْ إِيمَانًا؟ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ. قَالَ: وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالُوا: فَالنَّبِيُّونَ. قَالَ: وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ؟ قَالُوا: فَنَحْنُ. قَالَ: وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَعْجَبَ الْخَلْقِ إِلَيَّ إِيمَانًا لَقَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي يَجِدُونَ صُحُفًا فِيهَا كِتَابٌ يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا» .

ــ

6288 -

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ)، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا السَّنَدِ مِنَ الْمَرَامِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَيُّ الْخَلْقِ ") ، أَيِ: الْمَخْلُوقَاتُ (" أَعْجَبُ ")، أَيْ: أَغْرَبُ (" إِلَيْكُمْ إِيمَانًا ") ؟ تَمْيِيزٌ (قَالُوا)، أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (الْمَلَائِكَةُ) . أَيْ أَعْجَبُ الْخَلْقِ إِيمَانًا، أَوِ التَّقْدِيرُ هُمُ الْمَلَائِكَةُ (قَالَ:" وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ") ؟ أَيْ مُقَرَّبُونَ وَمُشَاهِدُونَ عَجَائِبَ الْمَلَكُوتِ وَغَرَائِبَ الْجَبَرُوتِ، فَأَيُّ عَجَبٍ وَغَرَابَةٍ فِي إِيمَانِهِمْ؟ (قَالُوا)، أَيْ: ذَلِكَ الْبَعْضُ أَوْ بَعْضٌ آخَرُ (فَالنَّبِيُّونَ)، أَيْ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَلَائِكَةُ فَالنَّبِيُّونَ (قَالَ: وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ") ؟ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَفْعُولِ (قَالُوا: فَنَحْنُ. وَقَالَ: " وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ") ، أَيْ: فِيمَا بَيْنَكُمْ تُشَاهِدُونَ مُعْجِزَاتِي وَأَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِي. (قَالَ)، أَيِ: الرَّاوِي (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ أَعْجَبَ الْخَلْقِ إِلَيَّ ")، أَيْ: عِنْدِي (" إِيمَانًا لَقَوْمٌ يَكُونُونَ ")، أَيْ: يُوجَدُونَ (" مِنْ بَعْدِي ")، أَيْ: مِنْ بَعْدِ مَمَاتِي مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (" يَجِدُونَ ") : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَيْ: يُصَادِفُونَ (" صُحُفًا ") بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ صَحِيفَةٍ أَيْ: مَصَاحِفَ وَأَجْزَاءً (" فِيهَا كِتَابٌ ")، أَيْ: مَكْتُوبٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ (" يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا ") . أَيْ بِمَا فِي تِلْكَ الصُّحُفِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُفَسِّرَ الصُّحُفَ بِمَا يَشْمَلُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَحَيْثُ وَرَدَ الْكَلَامُ فِي الْأَعْجَبِيَّةِ وَالْأَغْرَبِيَّةِ، فَلَا اسْتِدْلَالَ بِالْحَدِيثِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْمَزِيَّةِ هَذَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ أَعْجَبُ إِيمَانًا مُحْتَمَلٌ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَعْظَمُ إِيمَانًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ ; لِأَنَّ مَنْ تَعَجَّبَ فِي شَيْءٍ عَظَّمَهُ، فَجَوَابُهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَجَازِ، وَرَدُّهُ صلى الله عليه وسلم مَبْنِيٌّ عَلَى إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَالنَّبِيُّونَ، وَفِي قَوْلِهِ: فَنَحْنُ كَمَا فِي قَوْلِكَ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَالْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَفْضَلِيَّةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي كَوْنِ إِيمَانِهِمْ مُتَعَجَّبًا مِنْهُ بِحَسَبِ الشُّهُودِ وَالْغَيْبَةِ قِيلَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أَيْ غَائِبِينَ عَنِ الْمُؤْمِنِ بِهِ، وَيُعَضِّدُهُ مَا رُوِيَ: أَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ ذَكَرُوا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِيمَانَهُمْ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ كَانَ بَيِّنًا لِمَنْ رَآهُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا آمَنَ مُؤْمِنٌ أَفْضَلُ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الصَّحَابَةَ أَيْضًا كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ، لَكِنْ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الْمُؤْمِنِ بِهِ مَعَ مُشَاهَدَةِ بَعْضِهِ بِخِلَافِ التَّابِعِينَ، فَإِنَّ إِيمَانَهُمْ بِالْغَيْبِ كُلِّهِ، فَمِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بِأَنَّهُمْ أَعْجَبُ وَأَفْضَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: 4050

6289 -

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَلَاءِ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ لَهُمْ مِثْلُ أَجْرِ أَوَّلِهِمْ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْفِتَنِ» رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.

ــ

6289 -

(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَلَاءِ الْحَضْرَمِيِّ) ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، وَذَكَرَ أَبَاهُ الْعَلَاءَ فَقَالَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ حَضْرَمَوْتَ كَانَ عَامِلًا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَأَقَرَّهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَلَيْهِمَا إِلَى أَنْ مَاتَ الْعَلَاءُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، رَوَى عَنْهُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُهُ. (قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبَاهُ أَوْ غَيْرَهُ (يَقُولُ)، أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (" إِنَّهُ ")، أَيِ: الشَّأْنُ (" سَيَكُونُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ لَهُمْ مِثْلُ أَجْرِ أَوَّلِهِمْ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (" وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُقَاتِلُونَ ")، أَيْ: بِأَيْدِيهِمْ أَوْ بِأَلْسِنَتِهِمْ (" أَهْلَ الْفِتَنِ ") . أَيْ مِنَ الْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ (رَوَاهُ)، أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .

ص: 4050

6290 -

وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَطُوبَى سَبْعَ مَرَّاتٍ لِمَنْ لَمْ يَرَنِي وَآمَنَ بِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.

ــ

6290 -

(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ)، أَيِ: الْبَاهِلِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " طُوبَى لِمَنْ رَآنِي ") : يَعْنِي: وَآمَنَ بِي (" وَطُوبَى سَبْعَ مَرَّاتٍ لِمَنْ لَمْ يَرَنِي وَآمَنَ بِي ") . وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَيْدًا لَهُمَا.

قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَطُوبَى جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى السَّابِقَةِ أَيْ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «طُوبَى لِمَنْ لَمْ يَرَنِي وَآمَنَ بِي» " سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَعَلَى هَذَا سَبْعَ مَرَّاتٍ ظَرْفٌ لِقَالَ مُقَدَّرًا تَخَلَّلَ بَيْنَ طُوبَى وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَصْدَرًا لِطُوبَى وَمَقُولًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُرَادُ بِهِ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ اهـ. وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ عَلَى الْأَوَّلِ قَوْلُ الرَّاوِي، وَهُوَ بَعِيدٌ وَالْأَقْرَبُ مَا قَرَّرَهُ ثَانِيًا، كَمَا يُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَاتُ الْآتِيَةُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . وَفِي الْجَامِعِ:" طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، وَطُوبَى لِمَنْ لَمْ يَرَنِي وَآمَنَ بِي سَبْعَ مَرَّاتٍ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَكَذَا أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ، وَعَبَدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ:" طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، وَطُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَلَفْظُهُ: " «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، ثُمَّ طُوبَى ثُمَّ طُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي» ".

ص: 4051

6291 -

«وَعَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جُمُعَةَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: نَعَمْ أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا جَيِّدًا تَغَدَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ ابْنُ الْجَرَّاحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا أَسْلَمْنَا وَجَاهَدْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَرَوَى رَزِينٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدٌ مِنَّا إِلَى آخِرِهِ.

ــ

6291 -

(وَعَنْ أَبِي مُحَيْرِيزٍ)، بِضَمِّ مِيمٍ وَفَتْحِ حَاءٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ فَرَاءٍ مَكْسُورَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَزَايٍ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ. (قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جُمُعَةَ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي (رَجُلٌ) : بَدَلٌ مِنْ أَبِي جُمُعَةَ (مِنَ الصَّحَابَةِ) : بَيَانٌ لِرَجُلٍ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُقَالُ لَهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَيُقَالُ الْكِنَانِيُّ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ: حَبِيبُ بْنُ سِبَاعٍ، وَقِيلَ: جُنَيْدُ بْنُ سِبَاعٍ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ لَهُ صُحْبَةٌ يُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ (حَدِّثْنَا) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ اسْتِدْعَاءً وَالْتِمَاسًا (حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: نَعَمْ)، أَيْ: قَبِلْتُ (أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا جَيِّدًا) بِفَتْحِ جِيمٍ وَتَشْدِيدِ يَاءٍ مَكْسُورَةٍ أَيْ حَسَنًا (تَغَدَّيْنَا)، أَيْ: أَكَلْنَا الْغَدَاءَ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ) وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (فَقَالَ)، أَيْ: أَبُو عُبَيْدَةَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدٌ)، أَيْ: أَحَدٌ (خَيْرٌ مِنَّا) ؟ أَيْ مِمَّنْ بَعْدَنَا أَوْ مِنَ السَّابِقِينِ وَاللَّاحِقِينَ (أَسْلَمْنَا)، أَيْ عَلَى يَدِكَ (وَجَاهَدْنَا مَعَكَ قَالَ:" نَعَمْ، قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي ") . وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ خَيْرٌ مِنْكُمْ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَإِنْ كُنْتُمْ خَيْرًا مِنْهُمْ مَنْ جِهَةِ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: مَعَكَ حَالٌ مِنَ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَمِثْلُهُ مُقَدَّرٌ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى أَيْ أَسْلَمْنَا مَعَكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} [النمل: 44] حَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِفْهَامِ وَأَسْلَمْنَا وَجَاهَدْنَا حَالٌ، وَنَعَمْ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا وَأَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ، وَأَسْلَمْنَا اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ نَفْيِ خَيْرِيَّةِ الْغَيْرِ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا وَقَعَتْ نَعَمْ مَوْقِعَ بَلَى، فَالْخَيْرِيَّةُ بِحَسَبِ الشُّهُودِ وَالْغَيْبَةِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ آنِفًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَرَوَى رَزِينٌ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مِنْ قَوْلِهِ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا إِلَى آخِرِهِ) .

ص: 4051

6292 -

وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ وَلَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» . قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: هُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

ــ

6292 -

(وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) بِضَمِّ قَافٍ فَتَشْدِيدِ رَاءٍ فَتَاءٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ يُكْنَى أَبَا إِيَاسٍ الْبَصْرِيَّ، سَمِعَ أَبَاهُ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ. رَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ وَشُعْبَةُ وَالْأَعْمَشُ (عَنْ أَبِيهِ) وَهُوَ قُرَّةُ بْنُ إِيَاسٍ الْمُزَنِيُّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ مُعَاوِيَةَ قَتَلَهُ الْأَزَارِقَةُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ ") . أَيْ لِلْقُعُودِ فِيهَا أَوِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا (" وَلَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ ")، أَيْ: غَالِبِينَ عَلَى أَعْدَاءِ الدِّينِ. (" لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ")، أَيْ: تَرَكَ نُصْرَتَهُمْ وَمُعَاوَنَتَهُمْ (" حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ") . أَيْ يَقْرُبُ قِيَامُهَا لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهَا لَا تَقُومُ وَفِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ: اللَّهُ. (قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ) : مِنْ أَكَابِرِ الْمُحَدِّثِينَ (هُمْ)، أَيْ: تِلْكَ الطَّائِفَةُ (أَصْحَابُ الْحَدِيثِ) . أَيِ الْمُحَدِّثُونَ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَرُوَاتُهُمْ أَوِ الْعَامِلُونَ بِالسُّنَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لِلْكِتَابِ، فَالْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ:" «لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ» " عَلَى مَا مَرَّ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا الْفِئَةُ الْمُرَابِطَةُ بِثُغُورِ الشَّامِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ. أَقُولُ: وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، فَيُحْتَمَلُ الْخِذْلَانَ عَلَى تَرْكِ الْمُعَاوَنَةِ لَهُمْ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ، فَيَكُونُ هُنَا مَجَازًا وَهُنَالِكَ حَقِيقَةً اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةٌ، فَفِي الْقَامُوسِ خَذَلَهُ عَنْهُ خَذْلًا وَخِذْلَانًا بِالْكَسْرِ تَرَكَ نُصْرَتَهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيِ الْحَدِيثَ فَقَوْلُهُ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِبَيَانِ الْحَدِيثِ وَتَفْسِيرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا دَاخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) . وَسَبَقَ جَوَابُ الْإِشْكَالِ عَنْ هَذَا الْإِسْنَادِ.

ص: 4052

6293 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ.

ــ

6293 -

(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ ")، أَيْ: عَفَا، وَزَادَ فِي الْجَامِعِ (" لِي ") أَيْ لِأَجْلِي (" عَنْ أُمَّتِي ")، أَيِ: الْإِجَابَةَ (" الْخَطَأَ ") : بِفَتْحَتَيْنِ، وَيَجُوزُ مَدُّهُ وَهُوَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا لَمْ يَتَعَمَّدْهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ عَفَا عَنِ الْإِثْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَإِلَّا فَالْمُؤَاخَذَةُ الْمَالِيَّةُ كَمَا فِي قَتْلِ النَّفْسِ خَطَأً، وَإِتْلَافُ مَالِ الْغَيْرِ ثَابِتَةٌ شَرْعًا، لِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ: الْخَطَأُ عُذْرٌ صَالِحٌ لِسُقُوطِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا حَصَلَ مِنِ اجْتِهَادٍ، وَلَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْعُدْوَانِ. (" وَالنِّسْيَانَ ") : وَهُوَ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنَّ النِّسْيَانَ إِذَا كَانَ غَالِبًا كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالتَّسْمِيَةِ فِي الذَّبِيحَةِ يَكُونُ عَفْوًا. وَلَا يُجْعَلُ عُذْرًا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ حَتَّى لَوْ أَتْلَفَ مَالَ إِنْسَانٍ بِالنِّسْيَانِ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ. (" وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ") . بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ مَا طُلِبَ مِنْهُمْ مِنَ الْمَعَاصِي عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ، وَهُوَ حَمْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى مَا يَكْرَهُهُ، وَلَا يُرِيدُ مُبَاشَرَتَهُ لَوْلَا الْحَمْلُ عَلَيْهِ بِالْوَعِيدِ كَالْقَتْلِ وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَلَهُ تَفْصِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعِبَادِ مَحَلُّهُ كَتُبُ أُصُولِ الْفِقْهِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ - وَالْبَيْهَقِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ.

ص: 4052

6294 -

وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ «سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] قَالَ: أَنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ - وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

ــ

6294 -

(وَعَنْ بَهْزِ) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ فَزَايٍ (بْنِ حَكِيمٍ) أَيِ ابْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ الْبَصْرِيِّ، قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ. رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَكِيمٍ وَقَتَادَةُ. (عَنْ جَدِّهِ)، أَيْ: مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (أَنَّهُ)، أَيْ: جَدَّهُ (سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] : الْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا كَذَلِكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَوِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ بَيْنَ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَالْمُرَادُ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَيَدُلُّ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَقِيلَ: خَاصٌّ بِالْمُهَاجِرِينَ أَوْ بِالْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: مُبْهَمٌ كَذَا فِي تَفْسِيرِ شَيْخِنَا الْمَرْحُومِ مَوْلَانَا زَيْنِ الدِّينِ عَطِيَّةَ السُّلَمِيِّ الْمَكِّيِّ، وَفِي تَفْسِيرِ الْكُورَانِيِّ، وَقِيلَ: خَاصٌّ بِالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَقِيلَ: كَانَ بِمَعْنَى صَارَ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ، قَوْلُهُ: كُنْتُمْ أَيْ أَنْتُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا} [الأعراف: 86] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ} [الأنفال: 26] وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: قَوْلُهُ: كُنْتُمْ دَلَّ عَلَى خَيْرِيَّتِهِمْ فِيمَا مَضَى وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى انْقِطَاعٍ طَرَأَ كَقَوْلِهِ: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96] اهـ.

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَكُونُ لِأَوَّلِنَا وَلَا تَكُونُ لِآخِرِنَا، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ، وَأَيَّدَهُ بِحَدِيثِ: " «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي» . ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُمْ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ السَّيِّدُ الصَّفْوِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، أَيْ: أُظْهِرَتْ لِهَذَا الْجِنْسِ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِأُمَّةٍ. وَقَالَ الصَّفْوِيُّ: يَعْنِي أَنْتُمْ خَيْرُ النَّاسِ وَأَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، وَيُوَضِّحُهُ مَا قَالَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ قَالَ: قَوْلُهُ لِلنَّاسِ مِنْ صِلَةِ قَوْلِهِ: خَيْرُ أُمَّةٍ أَيْ أَنْتُمْ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَعْنَاهُ كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَجِيئُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فَتُدْخِلُونَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُؤْمِنْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ بِالْقِتَالِ فَهُمْ يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ، فَيُدْخِلُونَهُمْ فِي دِينِهِمْ فَهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ لِلنَّاسِ، وَقِيلَ: قَوْلُهُ لِلنَّاسِ مِنْ صِلَةِ قَوْلِهِ أُخْرِجَتْ، وَمَعْنَاهُ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ لِلنَّاسِ أُمَّةً خَيْرًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْبُرْدَةِ بِقَوْلِهِ:

لَمَّا دَعَا اللَّهُ دَاعِيِنَا لِطَاعَتِهِ

بِأَكْرَمِ الرُّسْلِ كُنَّا أَكْرَمَ الْأُمَمِ

إِشَارَةً خَفِيَّةً إِلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَوْنِ الْأُمَّةِ مَوْصُوفًا بِنَعْتِ الْخَيْرِيَّةِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُمْ مَنْعُوتًا بِنَعْتِ الْأَكْرَمِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ عَكَسَ الْقَضِيَّةَ الِاسْتِدْلَالِيَّةَ إِحْلَالًا لِمَرْتَبَةِ الرِّسَالَةِ الْعَلِيَّةِ، فَإِنَّ كَوْنَنَا خَيْرَ أُمَّةٍ مِنْ بَقَايَا جَائِزَتِهِ وَجَدْوَى مُتَابَعَتِهِ، لِأَنَّ تَكْرِيمَ الطَّبْعِ مِنْ تَكْرِيمِ الْمَتْبُوعِ عَلَى مُقْتَضَى الْمَعْقُولِ وَالْمَشْرُوعِ، وَإِلَّا فَيَنْعَكِسُ الْمَطْبُوعُ وَالْمَوْضُوعُ، وَلَا يَظْهَرُ حُسْنُ الْمَصْنُوعِ. (قَالَ)، أَيِ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (أَنْتُمْ تُتِمُّونَ) : بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ تُكْمِلُونَ وَتُوَفُّونَ (" سَبْعِينَ أُمَّةً ") أَيْ مِنَ الْأُمَمِ الْكِبَارِ (" أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أَيْ: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَالْمُرَادُ بِسَبْعِينَ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ لِيُنَاسِبَ إِضَافَةَ الْخَبَرِ إِلَى الْمُفْرَدِ النَّكِرَةِ لِأَنَّهُ لِاسْتِغْرَاقِ الْأُمَمِ الْفَائِتَةِ لِلْحَصْرِ.

ص: 4053

بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِهَا أَيْ إِذَا نَقَصَتْ أُمَّةٌ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ كُنْتُمْ خَيْرَهَا وَتُتِمُّونَ عِلَّةٌ لِلْخَيْرِيَّةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخَتْمُ كَمَا أَنَّ نَبِيَّكُمْ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ أَنْتُمْ خَاتَمُ الْأُمَمِ اهـ. وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ خِتَامَهُ مِسْكٌ فِي الِاخْتِتَامِ كَمَا أَشَارَ لَفْظُ النُّبُوَّةِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ بِالْإِمَامِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) . وَفِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى حُسْنِ الْمَقْطَعِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَغَوِيُّ بِسَنَدِهِ مَرْفُوعًا قَالَ:" «إِنَّ الْجَنَّةَ حُرِّمَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ حَتَّى أَدْخُلَهَا، وَحُرِّمَتْ عَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي» " اهـ. وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ الْمُنْبِئَةِ عَلَى حُسْنِ الْبَدَاءَةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء: 101] فَنَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ وَاللَّاحِقُونَ السَّابِقُونَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عليه الصلاة والسلام وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِشُكْرِهِ تَزِيدُ الْبَرَكَاتُ وَالْخَيْرَاتُ، وَقَدْ فَرَغْتُ مِنْ تَسْوِيدِ هَذَا الشَّرْحِ أَنَامِلُ الْعَبْدِ الْمُفْتَقِرِ إِلَى كَرَمِ رَبِّهِ الْغَنِيِّ الْبَارِي، عَلِيُّ بْنُ سُلْطَانٍ مُحَمَّدٌ الْهَرَوِيُّ الْقَارِيُّ، الْمُلْتَجِئُ إِلَى الْحَرَمِ الْمُحْتَرَمِ الْمَكِّيِّ خَادِمُ الْكِتَابِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، عَامَلَهُ اللَّهُ بِلُطْفِهِ الْخَفِيِّ وَكَرَمِهِ الْوَفِيِّ، وَعَفَا عَمَّا زَلَّ قَدَمُهُ أَوْ خَلَّ قَلَمُهُ، وَخَتَمَ لَهُ بِالْحُسْنِ وَبَلَّغَهُ الْمَقَامَ الْأَسْنَى مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا وَذَلِكَ عَاشِرُ رَبِيعٍ الثَّانِي عَامَ ثَمَانٍ وَأَلْفٍ بَعْدَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أُلُوفٌ مِنَ الصَّلَاةِ وَآلَافٌ مِنَ التَّحِيَّةِ.

قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَهُ وَأَتَمَّ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ: قَدْ وَقَعَ الْفَرَاغُ مِنْ جَمْعِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ آخِرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ رَمَضَانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، بِحَمْدِ اللَّهِ، وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ الْحَمْدُ لِوَلِيِّهِ عَلَى الْإِتْمَامِ وَالصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ وَأَفْضَلُ السَّلَامِ. وَاعْلَمُوا إِخْوَانِي إِنَّ أَفْقَرَ الْفُقَرَاءِ وَأَضْعَفَ الضُّعَفَاءِ حَافِظُ نَظَرِ بْنُ نَفْسٍ نَبْهَانِيُّ. ابْتَدَأَ كِتَابَةَ كِتَابِ الْمِشْكَاةِ الْمُبَارَكَةِ الْمَيْمُونَةِ بِيَدِهِ الضَّعِيفَةِ الْقَاصِرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَلْفٍ وَافْتَتَحَ قِرَاءَةَ هَذَا الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَعْلَمِ الْعُلَمَاءِ وَأَفْقَهِ الْفُقَهَاءِ وَأَفْصَحِ الْفُصَحَاءِ قُدْوَةِ الْمُحَدِّثِينَ وَزُبْدَةِ الْمُدَقِّقِينَ إِمَامِ الْعَاشِقِينَ الْحَسَبِ وَالنَّسَبِ ضِيَاءِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ عَرَبٍ أَبْقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي دَارِ الدُّنْيَا بِلَا تَعَبٍ وَأَتَمَّ كِتَابَةَ هَذَا الْكِتَابِ فِي ثَمَانٍ مِنْ شَهْرِ مُحَرَّمٍ الْحَرَامِ وَخَتَمَ قِرَاءَتَهُ عَلَى إِسْنَادِهِ الْمُعَظِّمِ الْمُزَيَّنِ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ الْمُبَرَّأِ مِنَ الصِّفَاتِ الرِّدِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ آنِفًا فِي سَنَةِ ثَمَانِيَةَ وَأَلْفٍ فِي شَهْرِ الْمُحَرَّمِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ. اللَّهُمَّ وَفِّقِ الْعَمَلَ. بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَارْزُقِ الْعِلْمَ النَّافِعَ يَوْمَ الْحِسَابِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِأُسْتَاذِي وَلِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلِجَمِيعِ الْأَحْبَابِ وَلِمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ. آمِينَ وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

ص: 4054