الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فصل في رد دعوى المعترض أن طلب الشفاعة ممن له شفاعة أو قرب يسوغ ولا يحرم وليس بشرك وأنه من جنس سؤال الأحياء ما يستطيعونه]
فصل قال المعترض: (وهل طلب شرف الدين إلا مما أعطيه، فهل (1) من سأل عيسى عليه الصلاة والسلام خلق الطير الذي أعطيه يكون كافرا مشركا عند هذا الرجل؟ أو يقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم غير موجود أو أنه في عالم العدم؟ أو يقول: إن جاهه عند ربه انقطع بموته؟ فما بال صدِّيق هذه الأمة رضي الله عنه يقول لخاتم المرسلين (2) بعد موته يخاطبه: "اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك "، ولم يقل له ذلك في حياته إلا لعلمه بقربه من ربه بعد موته، وعظم جاهه عنده أعظم من كونه في الحياة، وهذا الرجل يجعل هذا من الشرك الأكبر، فهو أعظم من الصدّيق وأقرب إلى الله تعالى ورسوله منه، وهل هذا من عبادة غير الله تعالى جلَّ ذكره في شيء؟ بل الكل من عند الله: الرسول صلى الله عليه وسلم وما أعطيه لأمته، فما لهؤلاء القوم لا يفقهون (3) حديثا، وإنما الشرك- قاتلهم الله أنى يؤفكون-: طلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ولم يعطه (4) أحدا من خلقه كهداية القلوب
(1) في (المطبوعة) : " قيل".
(2)
في (م) : "الرسل".
(3)
في (ق) و (م) زيادة: "يكادون".
(4)
في (ح) و (المطبوعة) : "يعط".
وشفاء المريض، وإنبات النبات وطلب الذرية، ونحو ذلك، وكذلك قصد غيره بالعبادة من دونه تبارك وتعالى.
كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} [الأنعام: 162 - 163][الأنعام -162، 163] .
والجواب أن يقال: قاتل الله من أفَّك عن دينه وتوحيده (1) وما جاءت به الرسل من عنده، من الإيمان والإسلام وإفراده بالطاعة والعبادة، ورضي الله عمن دعا إلى توحيده وأمر بطاعته، ونهى عن الشرك به، واتخاذ الأنداد له، وأن تصرف الوجوه إلى (2) غيره عبادة واستغاثة وتوكلا ورجاءً.
وحاصل كلام هذا الرجل وتقريره (3) أن الطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره ممن له شفاعة أو قرب وجاه (4) يسوغ ولا يكره ولا يحرم؛ لأنه ليس بشرك، بل هو من جنس سؤال الأحياء من (5) الآدميين ما يستطيعونه من الأسباب العادية، وهذا هو المقصود له من ردِّه واعتراضه من أول رسالته، ولم ينكر على شيخنا سوى تجريد التوحيد، وإفراد الله بالقصد والعبادة، والخصومة في هذا قديمة ليس هذا أول قائل بدعاء [157] الموتى والاستغاثة بهم، وطلب الحوائج منهم (6) والمهمَّات من جهتهم،
(1) في (المطبوعة) زيادة: "وصده عن سبيله".
(2)
في (ق) : "إليه".
(3)
في (ح) و (المطبوعة) : " تقريره".
(4)
في (ق) : "أو جاه".
(5)
ساقطة من (ق) .
(6)
ساقطة من بقية النسخ.
ومن قال بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته (1) أولى بالمسألة والطلب منه في حال حياته الدنيوية، وأنَّ ما جاز طلبه (2) في الحياة يطلب منه بعد الممات، فقد فتح باب الشرك والتنديد، وصدف عن توحيد الله العزيز الحميد، لأن هذا هو قول الصابئة المشركين، ومذهب الجاهلين الأميِّين؛ بل صريح كلام هذا المعترض: أن الميت يسأل مما أعطيه، وأنه بيده يفعل ما يشاء من عطاء ومنع. وجمهور المشركين لم يقولوا هذا؛ وإنَّما قالوا: إنَّ الميت المعظم يقربهم إلى الله زلفى، ويشفع لهم عنده فهو واسطة على زعمهم. وأما المعترض فجعل ذلك من جنس ما يسأله الميت ويطلب منه في حال حياته، لا على سبيل الوساطة، بل كما يسأل الملاك ما بأيديهم.
فالرجل وصل إلى حد أحجم دونه أكثر المشركين، ولم يقتحموه خوف الشناعة والضلالة.
وحينئذٍ فيقال: هذه دعوى- وهي الطلب من الأموات ما يطلب منهم في الحياة- دعوى كبيرة غليظة، ليست كغيرها من الدعاوى، فيحتاج مدعيها إلى ما يثبتها من الأدلة الشرعية، والقوانين المرضية، والسيرة السلفية، وأما المقاييس الفاسدة فلا تفيد هنا، وقد قال بعض السلف:(ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس) ، وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء المهديين وأهل القرون المفضلة، أي آية وأية سنَّة، وأي عالم من أهل القرون
(1)"بعد موته" ساقطة من (ق) .
(2)
في (ق) زيادة: "منه".
المفضلة (1) قال بهذا أو (2) ذهب إليه؟ .
بل الأدلة والنصوص متواترة متظاهرة على أن طلب الحوائج من الموتى، والتوجه إليهم شرك محرم، وأن فاعله من أسفه السفهاء وأضل الخلق، وأنه ممن عدل بربه وجعل له أندادا وشركاء في العبادة التي لا تصلح لسواه، ولا تنبغي لغيره، وأنه أصل شرك العالم، وقد حكى الإجماع على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (3) في مواضع من كلامه، وكذلك ابن قيّم الجوزية (4) قرَّر تحريمه، وأنه من الشرك الأكبر، وأنه أصل شرك العالم في كتابه "إغاثة اللهفان "(5) وغيره، وابن عقيل كفَّر بطلب الحوائج من الموتى، ودسّ الرقاع فيها:(يا مولاي، افعل بي كذا وكذا) . ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم.
واستدلوا بقول الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18][الجن -18] . و (أحدا) نكرة في سياق النهي فتعم الرسل وغيرهم. وقوله: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106][يونس -106] . وقوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117][المؤمنون -117] . وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام: 40] الآية [الأنعام -40] .
(1) في (ق) و (م) زيادة: "ومن عرف بالفتنة، والدين بعد القرون المفضلة".
(2)
في (ق) و (ح) و (المطبوعة) : " أو".
(3)
في (ق) زيادة: "رحمه الله تعالى".
(4)
في (ق) : "القيم الجوزي".
(5)
انظر: (2 / 232) .
وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56 - 57][الإسراء -56، 57] .
قال طائفة من السلف: نزلت فيمن يعبد المسيح وأمه وعزيرا (1) وقالت طائفة: نزلت فيمن يعبد رجالا من الجن أسلم المعبودون وبقي من يعبدهم من العرب على (2) شركه، وقيل: نزلت في الملائكة.
قال شيخ الإسلام تقيّ الدين (3)(والآية تعمّ هذا كله وكل من دعا معبودا من دون الله ومعبوده يبتغي الوسيلة إلى ربه بالإيمان به وطاعته، فإنه داخل في عمومها) .
والآية قبلها (4) صريحة في أن المشركين المخاطبين يخلصون الدعاء عند الشدَّة، وأنهم إن أتاهم العذاب، أو أتتهم الساعة- وهي الحادث العمم- لا يدعون غير الله؛ ولا يلتفتون لسواه، ولذلك استدلَّ الله (5) تعالى عليهم بذلك في معرض (6) الأمر بتوحيده، وإفراده بالعبادة على كل حال في الرخاء والشدَّة، وأين هذا من طلب (7) الأنبياء ودعائهم للحادث العمم أو غيره؟ والآيات قبلها دالَّة على تحريم دعاء الموتى مطلقا؛ لأنه
(1) في (ق) : "عزيرا والمسيح وأمه".
(2)
في (ح) : "ولا".
(3)
انظر: "الرد على البكري"(2 / 538) .
(4)
في (المطبوعة) : "وآية الأنعام".
(5)
لفظ الجلالة لم يرد في: (ق) و (م) .
(6)
في (ق) : "معارض".
(7)
في (المطبوعة) : " الاستغاثة بالأنبياء".
ليس من جنس الأسباب العادية، بل من دعاهم فهو يرى ويعتقد أن لأرواحهم قدرة وعلما بحاله، وسمعا ليس من جنس قدرة (1) العباد وعلمهم وسمعهم، والدعاء في هذه الآيات يشمل نوعي الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة، فما تقدَّم من الآيات دال على تحريم دعاء الأنبياء والصالحين دعاء عبادة أو دعاء مسألة.
قال ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي"(2) (وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق، يسمع أصوات العباد كلهم، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله، وأنه يعلم ما يفعله العباد، ويسمع أصواتهم، ويجيب دعاءهم.
قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 72]- إلى قوله- {هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة: 76][المائدة -72، و 76] .
فلا المسيح ولا غيره من البشر، ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق ضرًّا ولا نفعا بل ولا لنفسه، وإن كان أفضل الخلق.
[159]
قال تعالى (3){قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} [الجن: 21](4)[الجن -21] .
(1) في (الأصل) و (م) و (ح) : "قدر"، فلعل التاء المربوطة سقطت أو هي كذلك مقصودة للجمع بضم أوله (قُدَر) ، فالله أعلم.
(2)
انظر: "الصارم المنكي في الرد على السبكي" ص (210) .
(3)
في (المطبوعة) زيادة: "له".
(4)
هذه الآية كلها ساقطة من (ق) .
وقال تعالى في (1){قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [الأنعام: 50] الآية [الأنعام
] وقال تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعراف: 188][الأعراف -188] ) . انتهى كلام ابن عبد الهادي.
وقول المعترض: (وهل طلب شرف الدين إلا مما أعطيه؟ فهل من سأل عيسى عليه الصلاة والسلام خلق الطير الذي أعطيه يكون كافرا مشركا) .
فهذه شبهة واهية، فإن من سأل عيسى خلق الطير أو غيره، بعد رفعه إلى السماء كافر مشرك بإجماع المسلمين؛ بل ولا يجوز ذلك (2) مطلقا قبل رفعه، والرسول صلى الله عليه وسلم أُعطي الشفاعة (3) بمعنى أنَّ الله يشفعه، ويحد له حدًّا يدخلهم الجنة، ويريح الخلق من هول الموقف وكربه، وقد دلَّت الآيات والأحاديث أن المالك للشفاعة هو الله وحده، وأنها لا تنال إلا بما ربطها الله به من الأسباب وهي التوحيد والإيمان والإخلاص، كما دلَّت عليه الآيات الكريمات، وكما دلَّ عليه حديث أبي هريرة، وأنها متوقفة على الإذن والرضى منه تعالى، وليس طلب الرسول سببا لنيلها وتحصيلها، لا سيَّما بعد موته صلى الله عليه وسلم ولم يدل دليل (4) على مشروعية ذلك ولا فعله أحد
(1)(المطبوعة) زيادة: "له".
(2)
ساقطة من (المطبوعة) .
(3)
في (ح) : "شفاعة".
(4)
في (ق) و (م) زيادة: " شرعي".
يحتج به، فهو من أضل البدع وأبعدها عن هديه صلى الله عليه وسلم وهدي من قبله من الأنبياء.
وليس قولهم: (إنه أعطى الشفاعة) بمعنى: ملكها وحازها، كسائر العطايا والأملاك التي يعطاها البشر. وأيضا: فإن الله يعطي رسله وأولياءه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أفيقال: إنَّ الله أعطاهم ذلك، وملَّكهم إياه فيطلب منهم، ويرغب إليهم فيه؟ فإن كان ذلك مشروعا وسائغا فالشفاعة من جنسه، مع أن الشفاعة قيدت بقيود لم تقيد (1) بها هذه العطايا والمواهب السَّنِيَّة.
وقد قال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الزمر: 44] الآية [الزمر -44] . وقال: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28][الأنبياء -28] . وقال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [} [البقرة: 255] البقرة -255] . وأما غير الشفاعة مما أعطيه أهل الجنة: فقد ذكر تعالى أنه حرمه على الكافرين. وكذلك الشفاعة، لأنها وسيلة إليه.
قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 50][الأعراف -50] . فمن أتى بمانع يمنع من الشفاعة، أو دخول الجنة، كالشرك والكفر، فلا سبيل للشفعاء إلى الشفاعة فيه.
(1) في (ح) : "يقيد".
[160]
وأيضا: فمحلها ووقتها يوم يقوم الناس لربّ العالمين، ويشتد هول الموقف وكربه هذا هو المراد، وبه تعرف بطلان هذه الشبهة، وأن الباب مسدود على من طلبها من غير الله.
وأما قول المعترض: (أو يقول: إنَّ الرسول غير موجود، أو أنه في عالم العدم أو يقول: إنَّ جاهه عند ربه انقطع (1) بموته) .
فيقال: هذا كلام معتوه لا يدري ما يقول، فإن كلام الشيخ، والقول بأن دعاء غير الله شرك، لا يلزم منه القول (2) بأن الرسول صلى الله عليه وسلم غير موجود، بمعنى أنه كسائر المعدومات؛ بل هو حي في قبره تعرض عليه صلاة أمته (3)«وقد "حرَّم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» " (4) ومع ذلك فهو صلى الله عليه وسلم في الرفيق الأعلى، وهو أقرب الرسل من ربه، وأرفعهم (5) درجة لديه، ولروحه اتصال بجسده الشريف، لا يعلم كنهه وحقيقته (6) ومقداره إلا الذي خلق ووهب وتفضَّل وأعطى، وهو اللطيف الخبير.
وأما القول: بأن هذه الحياة [كالحياة](7) الدنيوية، يطلب منه ما كان
(1) في (ق) و (م) : (انقطع عند ربه".
(2)
ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(3)
في (المطبوعة) : "يبلغ صلاة أمته وسلامهم عليه صلى الله عليه وسلم.
(4)
أخرجه أبو داود (1531) ، وابن ماجه (1085، 1636) ، وأحمد (4 / 8) .
تنبيه: وقع عند ابن ماجه في الموضع الأول (1085) الحديث من رواية (شداد بن أوس) ، وفي الموضع الثاني وعند أبي داود وأحمد (أوس بن أوس) .
(5)
في (ق) : " وأرفعه".
(6)
في (ق) و (م) : "حقيقته وكنهه".
(7)
ما بين المعقوفتين زيادة من (ق) و (م) أثبتها لضرورة استقامة السياق.
يطلب (1) قبل موته، ويسأل ويستفتي، ويرجع إليه.
فهذا قول ضال، مخالف للكتاب والسنَة، وحقائق المعقول والمنقول، فافهم هذا البحث (2) فكم زلَّ فيه من قدم، وكم ضلَّ بالخرص (3) فيه (4) من أمم.
وأما قوله: (أو أنه في عالم العدم؟) . فالعدم ليس له عالم، والعوالم إنَّما تطلق على الموجودات، لا على المعدومات، ولا يقول: إنَّ جاهه صلى الله عليه وسلم عند ربه انقطع (5) بعد موته إلا ضال لا يؤمن بيوم الحساب، بل هو دائما في مزيد، وما من مؤمن يؤمن بما جاء به، ويهتدي بهديه إلي يوم القيامة إلا كان ذلك زيادة في أجره وكماله، والكامل يقبل الكمال.
وأمَّا قول الصديق: "اذكرنا يا محمد عند ربك"(6) فقد تقدَّم البيان (7) بأنه من الموضوعات والمكذوبات؛ التي لا يلتفت إليها. ثم عِظَم الجاه وإن تناهى فلا ينتفع به إلا أهل الإيمان والمتابعة، ومن قام به سبب شرعي يقتضي انتفاعه بدعاء الداعين، وشفاعة الشافعين.
(1) في (ق) و (م) و (المطبوعة) زيادة: " منه ".
(2)
في (ق) و (م) و (المطبوعة) : " المبحث ".
(3)
في (ق) : "في الخرص ".
(4)
ساقطة من (ح) .
(5)
في (ق) و (م) : "انقطع عند ربه".
(6)
في (ق) و (م) زيادة: "ولنكن من بالك".
(7)
في (ق) : "بيانه". وانظر ذلك في ص (335) .
وأمَّا تشبيهه بأن الكل من عند الله: الرسول، وما أعطيه الرسول. فهذا لا نزاع فيه، وذكره هنا تشبيه على السامعين، والنزاع إنما هو في مشروعية طلبه وسؤاله، والاستغاثة (1) به بعد موته صلى الله عليه وسلم.
وأما القول: (بأن الكل من عند الله) . فلا نزاع فيه، وليس فيه دليل على أنه يطلب من الرسل أو غيرهم شيء ممَّا أعطوه في الدار الآخرة، ولا يحصل لكل من طلب شيئا [161] مطلوبه (2) وفي الحديث (3) " «يذاد أناس من أصحابي عن الحوض فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا» " (4) .
وأما قوله: (وإنَّما الشرك طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، ولم يعطه أحدا من خلقه) .
فيقال: قد تقدم أن الشفاعة وغيرها لا يقدر على إعطائها وتيسيرها إلا الله، وأنها مملوكة له وحده، وأنه هو الذي يأذن ويعين من رضي قوله وعمله من أهل التوحيد فيشفع فيه الشافعون، وأنَّ الشفاعة لا تملك، كما ظنه المشركون؛ وأنَّ الاستثناء من المِلْك (5) في الآيتين لا يوجب إثبات
(1) في (المطبوعة) : "والاستعانة".
(2)
في (ح) و (المطبوعة) : "بمطلوبه".
(3)
في (المطبوعة) زيادة: " الذي رواه البخاري وغيره".
(4)
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد، وتقدم تخريجه، انظر: ص (352) ، هامش 2.
(5)
"من المِلك " ساقط من (المطبوعة) .
الملك لغير الله، وأكثر المفسرين يرون: أن (1) الاستثناء منقطع، كما تقدَّم ذكره عن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وسائر المطالب كذلك لا تطلب من الموتى، وسيأتي لهذا مزيد بحث في محله إن شاء الله تعالى. وفي الحديث:" «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» . . . "(2) وأمَّا تخصيص المعترض هداية القلوب، وشفاء المريض؛ وإنبات النبات، وطلب الذرية ونحو ذلك. بالمنع: فهذا من جهله؛ فإن الأسباب العادية التي يستطيعها الإنسان في حياته تنقطع بموته، كما دلَّ عليه (3) الحديث، وبذلك تصير ملحقة في الحكم والشرع بما لا يستطيعه (4) في حياته كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية؛ فلا فرق بين قول الرجل للمسيح بعد رفعه: اعطني كذا وكذا من القوت ونحوه، وقوله: اهدِ قلبي، اغفر ذنبي، وقد تقدَّم أن قول النصارى:(يا والدة المسيح اشفعي لنا عند الإله (5)) شرك بإجماع المسلمين؛ ولو طلب منها في حياتها أن تشفع بالدعاء والاستغفار، كما كان يفعله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه لم يمنع من ذلك.
وأيضا: فالمعترض لم يلتزم (6) هذا، وسيأتيك له عند حكاية العتبي
(1) ساقطة من (ق) .
(2)
أخرجه مسلم (1631) ، وابن ماجه بمعناه (241، 242) . الحديث.
(3)
في (ح) و (المطبوعة) : "في " مكان "دلَّ عليه".
(4)
في (ق) و (المطبوعة) : "يستطيع".
(5)
في (ق) : "إله".
(6)
في (ق) : "يلزم".
أنَّه يجوِّز طلب الاستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته.
ثم في قول البوصيري في الاستعاذة برسول الله صلى الله عليه وسلم ونفى الإعاذة عمن (1) سواه وأنه هالك إن لم يأخذ بيده، ما هو من أبلغ الصيغ في طلب النجاة من النار وإدخال الجنة، وهذا كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية فإنَّ من طلب هذا من الأنبياء والأولياء يتأوَّل كتأويلكم (2) كلام البوصيري فيقولون (3)(إنَ الله أعطاهم جاها ومنزلة [162] وشفاعة، وإجابة لدعائهم، فنحن نطلب الهداية والشفاء ونحو ذلك مما أعطاهم الله وملَّكهم إياه) .
وليس قولكم: (إنَّ الله ملَّكه الشفاعة) بأحق من قول هؤلاء، فإن الشفاعة طلب ودعاء، فعادت المسألة على تقرير هذا المعترض إلى عبادة الأنبياء والملائكة والمؤمنين والأطفال، وسائر من يشفع ويستجاب دعاؤه، وهذا عين قول الصابئة في عبادة الأرواح المفارقة ودعائها أرواح الأنبياء والصالحين، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، والضلال بعد الهدى، والكفر بعد الإيمان. والآية التي استدلَّ بها دليل على إبطال دعواه، فإن قوله تعالى:{إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} [الأنعام: 162 - 163][الأنعام -162، 163] . الآية من أوضح الأدلَّة على تحريم دعاء الموتى، فإن الصلاة دعاء
(1) في (ق) : "الاستعاذة بما".
(2)
في (ق) و (المطبوعة) : "كتأويلهم".
(3)
في (ق) : "فيقول".
صريح قولا وعملا، وقد دلَّت الآية على أن ذلك لله وحده لا شريك له؛ وأنه (1) قد أُمِرَ بذلك، وهو أول المسلمين من هذه الأمة بالتزام هذا وسائر الأحكام الإسلامية، فأين هذا من دعاء غير الله وطلب الشفاعة من سواه؟ .
(1) في (المطبوعة) زيادة: "صلى الله عليه وسلم ".