الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فصب في رد استدلال المعترض بكلام لابن عقيل مع المتكلمين على رد قول علماء الإسلام]
فصل قال المعترض: (قال ابن عقيل: يا علماء السوء ما (1) نقنع منكم بما أنتم عليه من تصاريفكم، فإن طبيبًا به مثل مرضي يضيق على الأغذية ولا يحتمي، مشكوك في صدقه عندي، فالحظوا حال من أنتم ورثته يا سباع يا قطاع الطريق، لا ترون إلا على مطارح الجيف، نبيّكم صلى الله عليه وسلم قنع من المرأة (2) بإشارتها إلى السماء؟ وأنتم تشككون الناس في العقائد، انفتح بكلامكم البثق العظيم (3) انتهى.
وقد قال تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى - لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل: 14 - 16][الليل / 14 -16] .
قال المفسرون: البغوي والجلال المحلي: كذَّب الرسول صلى الله عليه وسلم وتولى عن الإيمان. انتهى، وهذا الاستثناء عند العلماء رحمهم الله تعالى من استثناء الحصر، والصلي هنا إنما هو المؤبد) .
والجواب أن يقال:
كلام ابن عقيل إنما هو مع المتكلمين الذين أحدثوا بدعة الكلام
(1) في (م) : "لا".
(2)
في (ق) و (م) : " الجارية".
(3)
في (م) : "العظم ".
والخوض في الجواهر والأعراض (1) والحركة والسكون، والكميات والكيفيات، ونحو ذلك من مقالات المتكلمين، وتشبهاتهم التي أوجبت لكثير من الناس الشك في ضروريات الدين، وبديهيات اليقين، فمن أخذ هذا واستدل به على رد قول (2) علماء الإسلام الذين أمروا بتوحيد الله وعبادته (3) والكفر بالطاغوت من الأنداد والآلهة والكهان ونحوهم، فهو من أسفه الناس وأجهلهم بأمر الأديان، وما جاءت به الرسل من التوحيد والإيمان (4) بما رد به على المتكلمين من أهل منطق اليونان، فظن أن البحث في التوحيد (5) وتحقيقه، والنهي عن الشرك وسد ذرائعه، وقطع وسائله، وتبين حقيقته، والفرق بين أصغره وأكبره هو من جنس أبحاث المتكلمين المخالفين للسلف في خوضهم في مسألة الجوهر والعرض، وبقية المقولات العشر، ولذلك رد على المسلمين بما رد به ابن عقيل على المتكلمين، وذكر أن تحقيق التوحيد وذكر أصوله وفروعه وثمراته وبيان الشرك وذكر أصوله وفروعه ووسائله (6) وذرائعه من جنس بدعة المتكلمين وانفتح بها البثق.
فقف هنا، واعتبر، واعرف بُعد هذا الضرب من الناس عن طريق
(1) في (ح) : " والاعتراض ".
(2)
في (المطبوعة) : " قوله".
(3)
في (ق) و (م) زيادة: "وحده لا شريك له ".
(4)
في (ح) و (م) و (المطبوعة) زيادة: "ومن أضلهم في عدم الفرق بين ما عليه أهل الإسلام مما عليه أهل المنطق والكلام ولذلك رد على أهل التوحيد والإيمان) .
(5)
في (ح) : "الإيمان".
(6)
في (ح) : "ورسائله".
العلم والهدى، واعرف ما تضمنه قوله تعالى:{إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ (1) بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44][الفرقان / 44] .
من الحكم الفصل الذي هو في غاية المطابقة لحال هؤلاء الضُّلَاّل، ما رضى تعالى أن شبههم بالأنعام حتى قال:{بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44][الفرقان / 44] .
وأما كلام المعترض على قوله تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} [الليل: 14][الليل / 14] . فمن أقبح الجهل، وأبعده عن مظان الهدى، وكلام المفسرين صحيح لا شك فيه.
وأما مفهوم هذا المعترض: فمن أبطل الباطل، وأمحل المحال، وذلك أنه ظن أن من دعا الأولياء والصالحين، واستغاث بهم، وناداهم في حاجاته وملماته لا يدخل في هذه الآية، ولا تتناوله، وأي تكذيب وتولٍّ أعظم من رد النصوص الدالة على توحيد الله، وردها بشبه القبوريين، وهذيان المشركين؟! فقوله:(وهذا الاستثناء عند العلماء من استثناء الحصر، والصلي هنا إنما (2) هو المؤبد، كقوله تعالى:{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} [هود: 106] الآية [هود / 106] فهذا كلام جاهل لا يعقل ما يقول، فإن الصلي نوع، والتأبيد نوع، ولا تلازم بين الصلي والتأبيد؟ بل التأبيد يلزم منه الصلي ولا يلزم من الصلي التأبيد، وقول بعضهم: إنَّ الصلي في الآية
(1) ساقطة من (ق) .
(2)
ساقطة من (ق) و (م) .
يراد به المؤبد، لا يدل على التلازم، وإنما قالوه لتخصيص العموم المستفاد من الحصر؛ لقوله (1) تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48][النساء / 48؛ 116] .
فخصُّوه بالصلي المؤبد إشارة إلى أنه عام مخصوص، أو عام أريد به الخصوص هذا على تأويلهم "الأشقى" بمعنى الشقي، وإن أبقينا الصيغة على أصلها فلا يحتاج لما تقدَّم، ويكون الصلي نوع خاص من العذاب لا بمعنى الدخول، فتأمل.
واستدلاله بالآية الأخرى دليل على جهله بمعاني التنزيل، فإن في هذه الآية مقالاً لأهل العلم، وبحثا في الاستثناء الذي في هذه الآية وهو قوله:{إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 108][هود / 108] . لا يدريه أمثال هذا.
وأما قوله: (فهذا من استثناء الحصر) .
فهذه عبارة جاهل باصطلاحهم، والصواب أن يقال: من حصر المستثنى.
وأما قوله: (فمتى يوجد في هذه الأمة من يكون قاصدًا لتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، موليا عن الإيمان به، مختارًا لذلك من عوامها فضلاً عن علمائها؟) .
فجوابه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن هذه الأمة أنها تتبع سنن من كان قبلها، وتأخذ مأخذ القرون شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة، فأنتم أعلم أم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى
(1) في (ق) : (كقوله) .
إن هو إلا وحي يوحى؟! فهذا يقع بلا شك فيهم من كذب وتولى، وفيهم من ألحد وبدل، وفيهم من كذب وافترى، وفيهم الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، كحال هذا المفتري، وفيهم من عبد العجل، بل فيهم من عبد سائر الموجودات (1) وتأله جميع المخلوقات، وهذا ظاهر مستبين تعرفه العامة فضلا عن الخاصة لكن المعترض وأمثاله ممن طبع الله على قلوبهم، وصرفها عن معرفة الحق وإرادته، فهم في ظلمات الجهل والطبع والريب والهوى يترددون، ويحسبون أنهم على شيء، فنعوذ بالله من الخذلان وتلاعب الشيطان.
(1) في (ح) : " المفردات".