الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فصل في رد ادعاء المعترض حسن قصده من اعتراضات وبيان سوء قصده وأثره وبطره]
فصل قال المعترض: (وليعلم الناظر إلى ما ذكرنا وقدَّمنا، أنا)(1) لم نذكره أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة (2) وإنما ذكرناه بيانًا ونصيحة لله تعالى ولرسوله وعباده المؤمنين، ولهذا قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159](3)[البقرة / 159] ) .
ثم ذكر آيات في (4) المعنى، ثم قال بعدها:(فهذا لهم، يعني: لأهل الكتاب، ولمن فعل فعلهم بأن أعرض عن البيان مع العلم وتزييف الزيف والزيغ بالبرهان، فإنه لم يزل في مشرع في (5) من ذمة القرآن من أي أهل (6) قرن (7) كان، لأجل ذلك بينَّا الخطأ بما ذكرنا (8) وليس القصد احتجاجا
(1) في (ح) : "إنما".
(2)
"ولا رياء ولا سمعة" ساقطة من (ق) و (م) .
(3)
في (ق) زيادة: "إلا الذين تابوا الآية".
(4)
في (ق) و (م) زيادة: "هذا".
(5)
(ق) : "مشروع".
(6)
ساقطة من (ق) و (م) .
(7)
في (ح) : "القرن".
(8)
في (ق) و (م) : "الخط بما ذكر".
على الفعل، وإنما هو دفعًا عن التكفير للأمة وعلمائها بما لا يستحقون به الكفر، سواء يكون. جائزًا أو مكروها أو مندوبًا) .
والجواب أن يقال: قال الله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص: 50] الآية [القصص / 50] .
فقسمهم قسمين: متَّبع للرسول، مؤمن بما جاء (1) به، سائر إلى الله على طريقه ومنهاجه، وآخر متبع لهواه؟ ضال عن سبيل رشده وهداه، فلا تقبل دعوى البراءة من الأشر والبطر والرياء والسمعة لمن حكم الله عليه بمتابعة الهوى، وسجل على ضلاله عن سبل الرشاد والهدى، والمصدق لهذا الضرب بما يدَّعونه من النصح والتقى جاهل بما دلَّت عليه هذه الآية من الحكم والقضاء.
وقد تقدم من الشواهد الحالية والقولية، وصريح العبارات، وظواهر المعاني والكلمات، ما يدل على أنَّ ما سوَّده هذا الرجل وافتراه من ذم الشيخ رحمه الله وبهته والكذب عليه، ورد ما جاء به من الهدى ودين الحق إنما حمله على تسويده وتسطيره محض الأَشَر والبطر والاستكبار، وطلب الرفعة والمنزلة؛ ولذلك والَى من عَبَد الصالحين ودعاهم مع الله، وصرف لهم خالص العبادة ولبَّها، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وجعل مشايخه في رواية البردة هم أهل الصراط المستقيم، الذين أُمِرنا بسؤال الهداية (2) إلى صراطهم، ومن خالفهم وقال بوجوب (3)
(1)"بما جاء "ساقطة من (ق) و (م) .
(2)
في (ق) و (م) : "بالسؤال".
(3)
في (ق) و (م) : "بموجب".
إخلاص (1) الدعاء لله في طلب الشفاعة وغيرها، وأنه لا يعلم الغيب إلا الله فهو جاهل عنده بمعنى "لا إله إلا الله"، وأبو جهل وناديه أعلم (2) منه بمعناها، وما دلَّت عليه على زعم هذا المعترض.
ثم أخذ في إظهار هذا لإِخوانه وشيعته، ممن غمص بالنفاق (3) وكراهة شيخنا، وبغض ما جاء به، ولم يطلع عليه أهل التوحيد الموافقين للشيخ في ذم الشرك والتنديد (4) فأي نصيحة حصلت والحالة هذه؟ وأي بيان وقد خصَّ به أهل النفاق والدعاء إلى الشرك بالله ودعاء سواه؟ كما أرسل نسخة من هذا الإفك إلى خدنه داود بن جرجيس.
ثم لو فرض أنه قصد النصيحة، فذلك يدل على جهله المركب (5) بدين الله وشرعه، وما جاءت به رسله، وأن قلبه في غلاف أو مصفَّح لا يعرف الحق ولا يدريه، وليس كل من ادَّعى النصح تقبل دعواه، ولا يحكم بالْإِصابة والتسديد لكل من سُلِّمت له دعواه، وقد تقرر (6) بين أهل العلم أن الجهل نوعان: مركب، وبسيط. والمركب أغلظ وأشد وأقبح من البسيط؛ لأن صاحبه يرى أنه من أهل العلم والرشد والهدى، وهو في الحقيقة من أهل الجهل والغي (7) والضلال والعمى (8)
(1) ساقطة من (ق) .
(2)
في (ق) و (م) زيادة: "عنده".
(3)
في (الأصل) و (المطبوعة) : "النفاق".
(4)
في (الأصل) : "التسديد"، وفي (ق) :"والتشديد"، وكلاهما خطأ.
(5)
في (ح) : "مركب".
(6)
في (ح) : "تقدير".
(7)
في (ح) و (ق) و (المطبوعة) : "والبغي".
(8)
في (ق) و (م) : "والعمى والضلال".
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ - أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ} [النور: 39 - 40](1) (الآية [النور / 39 ، 40] .
وقد دلَّت الآية على تشبيه أعمال الكفار وما هم عليه بالسراب الذي يراه الظمآن بالقيعان، فيظنه ماءً ووردًا، فيقصده وهو في الحقيقة لا شيء، أو كحال من تراكمت عليه الظلمات بعضها فوق بعض) (2) ظلمة (3) الأمواج المتراكمة في البحر العميق، وظلمة السحاب الحائل بينه وبين النور، ظلمات بعضها فوق بعض، فأهل المثل الأول أشد كفرًا وأقبح حالًا وأبعد هداية وبصيرة، فلا مانع والحالة هذه من أن يدعو أحدهم إلى دينه وطريقته ويتوهمها حقًّا، وهي في نفس الأمر أضل الضلال وأبطل الباطل؛ وقد قام فرعون خطيبًا في قومه فقال:{ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26][غافر / 26] .
ومما يدل على جهل المعترض، وسوء قصده، وفساد إرادته، تناقض كلامه، فإذا احتج شيخنا رحمه الله بآية قال:(هذه نزلت في كذا وهي خاصة به) كما تقدَّم لك في كلامه؟ فقصر التنزيل على (4) أهل تلك الأسباب
(1) في (ق) زيادة: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)، وفي (م) ساق الآية إلى قوله تعالى:(فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) .
(2)
ما بين القوسين ساقط كله من (ق) .
(3)
في (ق) : " ظلمات".
(4)
في (ق) و (م) : "في".
الموجودين وقت النزول؛ ومنع مِنْ (1) عموم ألفاظ القرآن، وقصره عن أن يحتج به على من قام به سبب وموجب يدخله في العموم اللفظي.
وإذا احتج هو على الشيخ، أو زكَّى نفسه قال في الآيات القرآنية فهذا لهم؛ ولمن فعل فعلهم، كما ذكرنا (2) هنا، فأي جهل وأي أشر وأي سمعة غير ما هو بصدده؟ .
هذا، وقد عُلِم أن هذا المعترض قد شرح كتاب التوحيد الذي قد صنفه الشيخ محمد رحمه الله، وتزين عند أهل الْإِسلام بشرح كتابه، وانتسابه إليه، والشهادة له بأنه على الحق (3) فلما فاته بعض مقصوده (4) رجع القهقرى وانقلب على عقبه (5) فنعوذ بالله من زيغ القلوب بعد الهدي ومن الشرك والشك والعمى.
وقد قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ [انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} [الحج: 11]] (6) الآية [الحج / 11] .
وقد أكثر الكلام والهذر بعض الأمراء بمجلس بعض الأعراب، ثم
(1) في (المطبوعة) : " في ".
(2)
في (ق) و (م) : " ذكر".
(3)
في (المطبوعة) زيادة: "وأطنب في مدحه، والثناء عليه في شرحه المذكور على مصنف شيخنا قدس الله روحه".
(4)
في (المطبوعة) زيادة: "من الدنيا التي إليها يسعى ولها يعمل ".
(5)
في (المطبوعة) زيادة: "لأنه لوَّح له بعض أعداء التوحيد بما إليه يسعى، فولى مدبرًا".
(6)
ما بين المعقوفتين من الآية ليس في (الأصل) وأبقيناه إذ لا يحسن الوقف عند "فتنه". وفي (ق) و (م) : "عقبه"، بدل "وجهه"، وهو خطأ.
التفت إلى الأعرابي، وقال له: ما العي عندكم في البادية؟ قال: هو ما كنت فيه منذ اليوم.
فسبحان من أظهر من عجائب قدرته، وأدلة حكمته في بعض مخلوقاته، ما نبَّه به المعافى والمنعم عليه من عباده على عظم النعمة وجزيل العطية والمنحة، ولطائف الخصائص (1) وخصائص اللطائف.
وأما قوله: (وليس القصد (2) احتجاجًا على الفعل، وإنما هو دفعًا عن التكفير للأمة وعلمائها) إلى آخر عبارته.
فجوابه: أن منعك من تكفير من أشرك بالله وعدل به سواه، وسوَّى بينه وبين عباده من الأحياء والأموات هو غاية التزكية، والاحتجاج على جواز أفعالهم (3) وإباحة صنيع من أشرك؛ لأن الحكم على أمثالهم بأحكام المسلمين؛ والدخول في عامة المؤمنين يقتضي استحباب دعاء الصالحين أو إباحته، ومتى قيل: بأنه كفرٌ ودعاءٌ لغير الله لزم أن يترتب على فاعله، ويجري عليه ما رتبه القران والسنَّة من أحكام الشرك والكفر (4) لا سيَّما وهذا المعترض يصف أهل هذه الأفعال بأنهم علماء الأمة وصلحاؤها. وهم خير أمة أخرجت للناس، وهم أهل الصراط المستقيم، فكيف يرجع بعد هذا ويدَّعى أنه لا يحتج على قبيح أفعالهم وعظيم شركهم؟ وهل هذا إلَاّ محض التدافع والتناقض، وإذا وجد الملزوم وجد اللازم.
(1) ساقطة من (ق) .
(2)
في (م) : " المقصود".
(3)
في (ق) و (م) : " أفعاله".
(4)
في (ق) و (م) : "الكفر والشرك".
وقوله: (سواء يكون جائزًا أو مكروهًا أو مندوبًا) .
هذا صريح في أن أفعالهم وشركياتهم دائرة عنده بين الكراهة والجواز والندب، وهذا يردُّ ما قبله، ويؤيد ما قلناه، ويبين أن المعترض ملبوس عليه، لا يعقل ما يقول.
وفي تعبيره بمضارع "كان" عن أمر حصل وتحقق في الماضي، وصار النزاع فيه واقعًا (1) ما يدل على جهله بمواقع الخطاب، ومعاني الكلمات، وأنه نبطي لم يمارس صناعة العلم، وقد تقدم التنبيه على ذلك.
(1) في (ح) : "واقفًا".