الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فصل في احتجاج المعترض بأقوال لأهل العلم في أهل البدع يرمي به علماء التوحيد]
فصل قال المعترض: (وقال الإمام أحمد رضي الله عنه: إنه يجب هجر من فسق، أو كفر ببدعة، أو دعا (1) إلى بدعة مضلَّة، أو مفسقة على من عجز عن الردِّ عليه، أو خاف الاغترار به والتأذي، ذكره ابن مفلح: وقال القاضي أبو الحسين، قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: ترى للرجل أن يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت عن الكلام في أهل البدع؟ فكلح على وجهه.
وقال: إذا هو صلَّى وصام واعتزل الناس أهو لنفسه؟ قلت: بلى. قال: فإذا تكلَّم كان له ولغيره؟ يتكلَّم أفضل. قال أبو طالب عن الإمام أحمد: كان أيوب يقدم الجريري على سليمان التيمي، لأن الجريري كان يخاصم القدرية وأهل البدع، وروى الإمام أحمد عن أبي عقبة الخولاني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «لا يزال اللَّه يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم بطاعته» "، وقال أبو الفرج الشيرازي: من الأصحاب، قال أحمد بن حنبل: إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنَّة والجماعة فارجه، فإذا رأيته مع أصحاب البدع فايئس منه، فإن الشاب مع أول نشأة. وقال أبو الفرج ابن الجوزي لما ذكر أهل البدع من المعتزلة وغيرهم قال:
(1) إلى هنا تنتهي النسخة (ق) .
اللَّه اللَّه من مصاحبة هؤلاء، ويجب منع الصبيان من مخالطتهم، لئلا يشرب في قلوبهم من ذلك شيء. انتهى.
فلقد صدق ابن الجوزي رحمه الله. قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
…
فصادف قلبا خاليا فتمكنا
والجواب أن يقال: هذا المعترض لما غلبت عليه ظلمات الجهل والهوى والضلال عن سبيل الحق والهدى، ظنَّ أن من دعا إلى توحيد اللَّه ونهى عن الإشراك (1) به وألزم بأركان الإسلام وشرائعه: مبتدع ضال، يدخل فيما نقل عن الأئمة من ذم أهل البدع وهجرهم، فلم يفرِّق بين أهل السنَّة وأهل البدع، وأهل الشرك وأهل التوحيد، وأهل البر وأهل الفجور، وقد خاصم بعض هؤلاء الحمقى رجلاً عند بعض الأمراء، فقال: إنه ناصبي شيعي يسب علي بن الخطاب، ويمدح معاوية بن أبي طالب. فقال الأمير: لا أدري على أي شيء أحسدك، أعلى علمك بالمذاهب، أو على معرفتك بالأنساب؟ .
وكذلك حال هذا الضال، يجمع بين الأضداد، ولا يعرف المقصود من الخطاب والمراد، فهو في ظلمات بعضها فوق بعض، لما عفت آثار الإسلام، وقل من يعرفه من الخاصة والعوام، وصارت الغلبة لأمثاله من الجهال والطغام؟ استغرب ما أبداه الشيخ العلم الإمام، من أصول الملة وقواعد الإسلام، وظنَّ أنه من جنس بدع الرافضة والقدرية وأهل الكلام، لأنه لا شعور له بحقيقة ما جاءت به الرسل ولا إلمام، أولئك كالأنعام بل هم أضل من كل وجه حتى في المعارف والأفهام، أين من يقول:
(1) في بقية النسخ: "الشرك".
اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، واتركوا ما أنتم عليه من دعاء الأحجار والأشجار والصالحين والأصنام، ويجدِّد للسنة ما اندرس من القواعد والأصول والأعلام، ممن يدعو إلى إنكار القدر السابق، وأن الله لم يخلق أفعال العباد من الأنام؟ بل وأين هو ممن يرى رأي المعتزلة في سلب الصفات وإنكار ما جاءت به الأحاديث والآيات (1) ويبالغ في الجدال والخصام؟ وأين هو من رافضي يذهب إلى تضليل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرى شتم السابقين الأولين من الصفوة الكرام؟ ما بعد التباس أمر الفريقين وعدم الفرق بين المذهبين غاية ينتهي إليها أهل الشك والظلام، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] ومن أصعب الأشياء على النفوس مخالفة العوائد، وما ألفته، ونشأت عليه من النحل والطرائق، ما لم تساعد هداية التوفيق، ويأتي المدد من مصرف القلوب، وعلام السرائر والغيوب.
(1) في بقية النسخ: "الآيات والأحاديث ".