الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين " وفى سورة التغابن: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين "، فورد فى الأولى زيادة: "واحذروا " وزيادة: "فاعلموا " مع اتحاد ما تضمنته الآيتان من الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله والتحذير من التنكب عن ذلك والتولى.
فيسأل عن ذلك؟
والجواب عن ذلك والله أعلم: أن آية المائدة لما أعقب بها آية الأمر باجتناب الخمر وما ذكر معها، ثم اتبع بعد ذلك بذكر العلة فى تحريمها فقال تعالى: "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر
…
"الآية إلى قوله: "فهل أنتم منتهون " فختمت من التهديد بما يشعر بشديد الوعيد ناسب ذلك قوله تأكيدا لما تقدم من الاشعار بمخوف الجزاء قوله "فاحذروا " وقوله "فإن توليتم فاعلموا " لما فى ذلك من التأكيد لما تقدم.
أما آية التغابن فلم يرد قبلها ما يستدعى هذا التأكيد ألا ترى الوارد فيها من قوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم " فلما لم يرد هنا نهى عن محرم متأكد التحريم بما اتبع النهى من التهديد والتأكيد لم يرد هنا من الزيادة المحرزة لمعنى التأكيد ما ورد هناك فجاء كل على ما يجب ويناسب وليس عكس الوارد بمناسب والله أعلم.
الآية الخامسة عشرة:
قوله تعالى: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم
" وكذا فى سورة الممتحنة: "واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم " فورد فى هاتين الآيتين وصفه تعالى بهاتين الصفتين المشيرتين إلى العزة والقهر وإنما ورد المطرد فى الكتاب العزيز مهما جرى ذكر المغفرة طلبا أو إخبارا ورود ما به يقوى رجاء السائل ويطمع تعلقا به المتذلل الراغب كقوله تعالى: "إنه كان فريق من عبادى يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين " فقوله هنا: "وأنت خير الراحمين " توسل مناسب لما تقدم من طلب المغفرة والرحمة وفى سورة يوسف قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " وفى سورة القصص: "قال رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم " فهذا كله مناسب للطلب وهو كثير فى الكتاب العزيز وجار على ما تمهد وأما وصفه سبحانه بالعزة والملكية والحكمة فإنما يرد حيث يراد معنى الاقتدار والاستيلاء والقهر وإحاطة العلم
وإفراده سبحانه بالخلق والأمر والربوبية والتعالى وما يرجع إلى هذا كقوله تعالى: "وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم " وقوله تعالى: "وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى فى السماوات والأرض
…
" ثم قال تعالى: "وهو العزيز الحكيم " وقوله تعالى: "ولله جنود السماوات والأرض
…
" ثم قال: "وكان الله عزيزا حكيما " وقوله تعالى: "سبح لله ما فى السماوات والأرض
…
" ثم قال: "وهو العزيز الحكيم " وهذا كثير مطرد حيث يراد معنى القهر والملكية والإحاطة والاقتدار فللسائل أن يسأل عن وجه ورود آيتى المائدة والممتحنة معقبتين بما ذكر؟
والجواب عن ذلك والله أعلم: يتفصل فى الآيتين: أما آية المائدة فمبنية على التسليم لله سبحانه وأنه المالك للكل يفعل فيهم ما يشاء فلو ورد هنا عقب آية المائدة: "وإن تغفر لهم فأنت الغفور الرحيم " لكان تعريضا بطلب المغفرة ولم يقصد ذلك بلآية وإنما قيل ذلك على لسان عيسى عليه السلام تبريا وتسليما لله سبحانه وليس موضع طلب مغفرة لهم وإنما هو تنصل من حالهم وتسليم لله فيهم قال القرطبى رحمه الله: "لم يقل "الغفور الرحيم لأن مخرجه على التسليم ولأن فى ذكر الغفور تعريضا للسائل والكلام لتسليم الأمرين والحكمة تقتضيهما وكأنه قال: فالمغفرة لا تنقص من عزك ولا تخرج عن حكمتك.
وأما قوله فى سورة الممتحنة: "ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم " فالجواب عندى هنا ان قوله: "إنك أنت العزيز الحكيم " مبنى على قوله: "لا تجعلنا فتنة للذين كفروا " فإن المراد لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيكون سبب فتنتهم فلا تفعل ذلك بنا فأنت القادر على كفهم ونصرنا عليهم فانك العزيز الذى الذى لا معارض لما تريده ولا مانع مما تشاؤه لما كان المؤمنون يعلمون أن ما يصيبهم من مصيبة إنما هى بما كسبت أيديهم سألوا المغفرة من مجترحاتهم وأورد سؤالهم مورد جمل الاعتراض فقدم وهو قوله: "واغفر لنا ربنا " فإن الكلام فى تقدير التقديم والتأخير: ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا إنك أنت العزيز الحكيم واغفر لنا ربنا، فقد قوله:"واغفر لنا ربنا " أثناء الكلام إحرازا لآدابهم ومعتقدهم الإيمانى فقد تبين حال المناسبة فى آية العقود وآية الممتحنة بين الآيتين وبين ما أعقبتا به وأنه لا يمكن على ما تقرر سواه والله أعلم بما أراد.
فإن قلت فما جوابك عما ذكر عن بعض المتأخرين من أن جواب قوله تعالى:
"وإن تغفر لهم " محذوف أى وإن تغفر لهم فإنهم عبادك ثم عطف عليه قوله: "فإنك أنت العزيز الحكيم " وأن المناسبة إنما تحصل بهذا التقدير؟.
قلت: هنا خطأ من وجهين: توجيه المناسبة وتوجيه الإعراب أما المناسبة فقد تبينت على أتم وجه وأما الإعراب فيمتنع تقديره فيه على ما نبينه، ثم فى هذا المرتكب فساد المعنى إذ ليس الكلام واردا مورد الاستلطاف وقد بين، وأما امتناع ما اختاره فى الإعراب فمن وجهين: أحدهما التهيئة والقطع وهو متفق علي منافرته إذا أمكنت المندوحة والثانى وهو عاضد لهذا وقاطع فى المسألة وهو أن سيبويه رحمه الله قد نص أن العرب لا تتكلم به الا فى الشعر قال فى باب الجزاء: "وقبح فى الكلام أن تعمل أن أو شئ من حروف الجزاء فى الفعل حتى تجزمه فى اللفظ ثم لا يكون له جواب فيجزم ما قبله ألا ترى أنك تقول: آتيك إن أتيتنى ولا تقول آتيك إن تأتينى الا فى الشعر لأنك أخرت إن وما عملت فيه فلم تجعل لها جوابا ينجزم بما قبله فهكذا جرى هذا فى كلامهم وقد زاد الإمام بسطا فى الكتاب " فهذا قاطع من سيبويه وقد تقدم قبله ما يحصل فى الكلام من التهيئة والقطع وهو كاف لاتفاق النحويين على قبح التهيئة والقطع ثم قد انضم إلى ذلك من نص سيبويه: ان العرب لا تتكلم بهذا فلا تأتى بكلام قد انجزم فيه الفعل بأداة الشرط ثم لا تأتى بجواب مجزوم فى اللفظ أما إذا أتيت بالفاء فى الجةاب فلا خلاف فى هذا كما فى الآية وعلى ما قاله سيبويه رحمه الله كافة النحويين من متقدميهم ومتأخريهم فوضح خطأ هذا القول.