المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة يونس الآية الأولى منها: قوله تعالى: "الر تلك آيات الكتاب - ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل - جـ ١

[ابن الزبير الغرناطي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌سورة أم القرآن

- ‌سورة البقرة

- ‌الآية التاسعة:

- ‌الآية الحادية عشرة

- ‌الآية الثانية عشرة:

- ‌الآية الثالثة عشرة

- ‌سورة آل عمران

- ‌سورة النساء

- ‌سورة المائدة

- ‌قوله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم

- ‌قوله عز وجل: "وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يأت أحدا من العالمين

- ‌الآية الثالثة عشرة: وهى تمام ما قبلها:قوله تعالى: "وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم

- ‌قوله تعالى: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم

- ‌سورة الأنعام

- ‌قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون

- ‌الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: "إن هو إلا ذكرى للعالمين

- ‌الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة

- ‌الآية الموفية عشرينقوله تعالى: "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل

- ‌قوله تعالى: "ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون

- ‌الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى: "كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون

- ‌الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى: "ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون

- ‌الآية السادسة والعشرون قوله تعالى: "سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا كذلك كذب الذين من قبلهم

- ‌الآية التاسعة والعشرون: قوله تعالى: "وأنا أول المسلمين "، وفى سورة الأعراف: "وأنا أول المؤمنين "، يسأل عن الفرق

- ‌سورة الأعراف

- ‌الآية الرابعة من سورة الأعرافقوله جل وتعالى: " وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ

- ‌الآية الخامسة قوله تعالى: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون

- ‌الآية الحادية عشرة من سورة الأعرافقوله تعالى فى قصة صالح: " قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

- ‌الآية الرابعة عشرة من سورة الأعرافقوله تعالى: " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ

- ‌الآية السادسة عشرة قوله تعالى: " تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ

- ‌الآية السابعة عشرة قوله تعالى: " قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وأرسل فى المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم وجاء السحرة فرعون

- ‌الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى: " قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير

- ‌سورة الأنفال

- ‌سورة التوبة

- ‌الآية الثالثة قوله تعالى: " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون

- ‌سورة يونس

الفصل: ‌ ‌سورة يونس الآية الأولى منها: قوله تعالى: "الر تلك آيات الكتاب

‌سورة يونس

الآية الأولى منها: قوله تعالى: "الر تلك آيات الكتاب الحكيم " وفى سورة لقمان "الم تلك آيات الكتاب الحكيم " وفى مطلع يوسف: "الر تلك آيات الكتاب المبين " فافتتحت تلك السور الثلاث بعد الحروف المقطعة فى مطالعها بالاشارة إلى الكتاب المذكر به والمنبه بآياه فقيل: "تلك آيات الكتاب " ثم وصفه فى السورتين بالحكيم وفى سورة يوسف بالمبين فيسأل عن ذلك؟

والجواب والله أعلم ان سورتى يونس ولقمان تردد فيهما من الآيات المعتبر بها المطلعة على عظيم حكمته تعالى واتقانه للأشياء ما لم يرد فى سورة يوسف كقوله تعالى: "إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام " وخلق السماوات والأرض وما انطوت عليه من أعظم المعتبرات قال تعالى: "لخلق السماوت والأرض أكبر من خلق الناس " وقال تعالى: "إن فى السماوات والأرض لآيات للمؤمنين " وقد تبع الآية المذكورة من سورة يونس ما يجاريها فى التنبيه بما به الاعتبار كقوله تعالى: "هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب " إلى قوله: "لقوم يعلمون " ثم قال تعالى: " إن فى اختلاف اليل والنهر وما خلق الله فى السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون إن الذين لا يرجون لقاءنا " لم يتخللها ما يخرج عن باب الاعتبار من حكم أو غيره ولا من القصص الا ما تضمن اعتبارا كالوارد من قصة نوح من قومه لقومه: "يا قوم إن كان كبر عليكم مقامى

" الآية إلى قوله: "ثم اقضوا إلى ولا تنظرون "، والمراد من هذا الكلام تعجيزهم وقطعهم عما كانوا يرومون من الكفر به عليه السلام وإرادة إهلاكه وقد قطع عليه السلام بنصرة الله إياه عليهم وقطعهم دون ما يرومونه وإن تألبوا واجتمعوا وذكر عليه السلام شركاءهم وأن يكونوا معهم تهكما بهم وتوبيخا على اعتمادهم على مالا يعقل ولا يضر ولا ينفع وفى هذا كله أعظم معتبرة ثم ذكر تعالى نجاة نوح عليه السلام منهم فى الفلك هو ومن آمن معه وجعلهم خلائف

ص: 237

وإغراق أعدائهم من المكذبين ولم يغن

عنهم كيدهم.

ولم يرد هذا الضرب المقتضب من قصة نوح عليه السلام على هذه الصفة فى غير هذه السورة لما قدمنا ذكره ولم يكن ليناسب ما بنيت عيه السورة غير هذا الوارد.

ومن نحو هذا ما ورد فيها من قصة موسى عليه السلام ودعائه فى قوله: "ربنا اطمس على أموالهم "فكان ذلك حسب ما دعاه إلى ذكر إغراق فرعون وملئه وطمعه فى الإيمان حين أدركه الغرق فقال: "آمنت أنه لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل " فلم ينفعه ذلك لفوات وقته فاقتصر أيضا على هذا القدر من قصة موسى عليه السلام لما تقدم من مناسبة هذه السورة.

وأما سورة لقمان فورد فيها قوله تعالى: " خلق السماوات والأرض بغير عمد ترونها " إلى قوله: "هذا خلق الله " وبعد ذلك قوله تعالى: " ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " وقوله: "إن الله غنده علم الساعة

" الآية وفى هذه السورة أيضا ما منح لقمان من الحكمة وما انطوت عليه قصته من حكمة وما صدر عنه فى وصيته ولم تخرج آى هذه السورة عن هذا فهذا وجه وصف الكتاب فى هاتين السورتين بالحكيم.

وأما سورة يوسف عليه السلام فلم تنطو على غير قصته وبسط التعريف بقضيته وبيان ما جرى له مع أبيه من فراقه وامتحانه بإلقائه فى الجب والبيع والتعرض له بالفتنة وتخلصه بسابق اصطفائه مما كيد به وابتلائه بالسجن وجمعه بأخيه واشتمال شملة بأبيه عليهما السلام واخوته ولم تخرج آية من آى هذه السورة عن هذا من بسط هذه القصة فلهذا اتبع الكتاب بالوصف بالمبين.

فقد وضح ورود كل من الموضعين على ما يجب ويناسب والله أعلم.

فإن قيل فما وجه ورود الميم فى سورة لقمان مكان الراء فى قوله تعالى: " الر "فى السورتين فقيل فى مطلع لقمان: "الم " مع موافقتها سورة يونس عليه السلام فيما تمهد ثم خالفتها فى هذه فقيل: "الم " فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟

والجواب عن ذلك - والله أعلم - ان سورة لقمان تضمنت من التنبيه والتحريك والاعتبار إفصاحا وإيماء للمؤمن والكافر مالم تتضمن سورة يونس على طولها وان كانت آيها كلها آى اعتبار الا انها ليست كالوارد من ذلك فى سورة لقمان فمن التنبيه المتضمن تقريع من عبد غيره سبحانه قوله تعالى بعد ذكر خلق السماوات بغير عمد

ص: 238

وارساء الأرض بالجبال وذكر ما بث فيها من الدواب وانزال الماء من السماء وذكر ما أنبت سبحانه به من كل زوج بهيج فقال تعالى: "هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه " ولا نجد مثل هذا حيث تراد المبالغة فى توبيخ من عبد اله غيره.

ويجارى هذا فى هذا القصد الا أنه أرفق فى التعنيف قوله تعالى فى سورة يونس: "قل هل من شراكائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ..

"الآيات الا انها ليست كآية لقمان ولا ختمت بمثل ما ختمت به وقد تكرر هذا فى آيات وآية لقمان من أشدها وعيدا ولعظيم ما انطوت عليها اتبعها تعالى بتأنيس نبيه صلى الله عليه وسلم بعد قصة لقمان بقوله: "ومن كفر فلا يحزنك كفره " وبإخباره انهم لو سئلوا من خلق السماوات والأرض لم يجدوا مصرفا غير الاعتراف فقال تعالى: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله " ليعلم عليه السلام أن ذلك من حالهم جار عليهم بقدر الله وما سبق فى علمه وهو الحكيم فى أفعاله.

ومن التنبيه للمؤمنين ولغيرهم - ممن سبقت له السعادة - قوله مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض وأسبغ عليكم عمه ظاهرة وباطنة " وقوله تعالى: "ألم تر أن الله يولج الليل فى النهار.

" الآية وقوله تعالى: "ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر

" الآية فورد هذا التنبيه بهمزة التقرير ولم الجازمة وهى الأداة المتكررة فى آى التنبيه فتكررت فى هذه السورة فى ثلاث آيات ولم تقع متكررة فى شئ مما أتى بعدها من السور إلى آخر القرآن ولا فى سورة مما قبلها مما يماثلها فى عدد كلمها ولا فيما هو على الضعف منها الا فى سورة فاطر وهى أطول من سورة لقمان فتناسب ذلك مع ما فى هذه السورة من التنبيه فى مطلعها بوقوع الميم مكان الراء الواردة فى مطلع سورة يونس.

وأما سورة يونس فمبنية على التعريف بربوبيته تعالى وقصره وقد ابتدأت ثالثة آيها بقوله تعالى: "إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام " ثم تكرر فيها اسمه الرب سبحانه فى بضعة عشر موضعا أولها هذا وآخرها قوله تعالى: " قل يأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم " ولم يرد من هذا فى سورة لقمان غير قوله تعالى: "يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده

" الآية ثم إنه تكرر فى سورة يونس من الكلم الواقع فيها الراء مائتا

ص: 239

وعشرون كلمة أو نحوها وأقرب السور إليها مما يليها بعدها من غير المفتتحة بالحروف المقطعة من سورة النحل وهى أطول منها والوارد فيها مما تركب على الراء من كلمها مئتا كلمة مع زيادتها فى الطول عليها فلمجموع ما ذكرنا وردت فى الحروف المقطعة الراء مكان الميم الواردة فى لقمان وجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم.

الآية الثانية من سورة يونس قوله تعالى: " ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم " وقال فى الأنبياء: "قال أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم " وقال فى سورة الفرقان: "ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم " فقدم فى سورة يونس ما أخر فى سورة الأنبياء والفرقان فيسأل عن ذلك؟

والجواب عنه - والله أعلم - ان الموجب لتأخير "ولا ينفعهم " فى سورة يونس ما وصل به من قولهم: "ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فكأن قد قيل: ويعدبون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويزعمون أن ذلك ينفعهم لوم يكن ليناسب لو قيل: "ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " تناسب الوارد من متصل قوله: "ولا ينفعهم " بقوله: "ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فلما كان الاتصال فيما ذكر أنسب وردت الآية بحسب ذلك.

أما آية الفرقان فإن قبلها ذكر دلائل وشواهد من مصنوعاته تعالى يهتدى المعتبر بالنظر فيها تخلصه من ورطات الشكوك ويستقيم له دينه وذلم أعظم النفع وأجله وقال تعالى: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل " إلى قوله: "وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان بك قديرا " فلما تقدم التنبيه بهذه الآيات الواضحات الموقظات من سنات الغفلات والمحصلات أعظم النفع فى امتثال الواجبات والنجاة من الضلالات ناسبها تقديم ما قدم فى الآية من قوله: "ويعبدون من دون الله ما لا يتفعهم ولا يضرهم " وصار الكلام بقوته مجاوبا لقوله: "أفمن يخلق كمن لا يخلق " وورد كل على ما يجب والله أعلم.

الآية الثالثة من سورة يونس: قوله تعالى: "قل من يرزقكم من السماء والأرض " وفى سورة سبأ: " قل من يرزقكم من السماوت والأرض " فأفرد لفظ السماء فى الأولى وجمع فى الثانية مع اتحاد المعنى والتساوى فى ألفاظ الآية غير ما ذكر فيسال عن ذلك؟

ص: 240

والجواب عنه ان الافراد الوارد فى آية يونس محصل للمعنى مع الإيجاز فورد هنا على ما يجب وأما الوارد فى سورة سبأ على الجمع فروعى فيه ما تقدم من قوله تعالى: " قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شركاء وماله من ظهير " والمراد بذلك نفى الشركاء له تعالى ثم عاد الكلام إلى ذلك أيضا فقال تعالى: "قل من يرزقكم من السماوات والأرض " على الجمع مناسبة إذ الآية قبل وهذه فى قضية واحدة وهى نفى الشركاء والأنداد فجاءت على ما يناسب التى قبلها.

فإن قيل: فلم ورد الجمع فى قوله فى الأولى: "لا يملكون مثقال ذرة فى السماوات " وقد كان لفظ الافراد يحرز هذا المعنى مع أنه أوجز؟ فالجواب ان ما قصد من قطه توهمهم أن شركاءهم ينفعونهم أو يملكون شيئا وان قل والتصرف فى شئ مما قصد من هذا يقتضى تعميم النفع وتأكيد هذا الغرض بأعم ما يعبر به ذلك فناسب ذلك جمع السماوات ولم يكن الافراد ليناسب ثم نوسب بين هذه الآى التى بعدها فى الجمع ولم يكن فى آية يونس ما يستدعى ذلك فجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم.

الآية الرابعة من سورة يونس قوله تعالى: "كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لايؤمنون " وقال فى سورة الؤمن: "وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار "، للسائل أن يسأل هنا عن قوله فى الأولى "كذلك " بغير حرف عطف وفى الثانية "وكذلك " وعن قوله فى الأولى:"على الذين فسقوا " وفى الثانية: "على الذين كفروا " وعن قوله فى الأولى: "أنهم لايؤمنون " وقوله فى الثانية: "أنهم أصحاب النار "؟ فتلك ثلاث مسائل.

والجواب: أنه لما تقدم فى سورة يونس قوله تعالى: " قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار " إلى قوله: "فأنى تصرفون " فذكر سبحانه عباده بما لا يجدون محيصا عن إضافة ذلك كله وإسناده إليه سبحانه إذ الرزق كالخلق وقد كانوا يقرون بإسناد الخلق إليه سبحانه قال تعالى: " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " وأخبر هنا سبحانه باعترافهم بإسناد ما قرروا عليه إليه بقوله: "فسيقولون الله " قيل لهم: "أفلا تتقون " أى عجبا لكم كيف تجمعون بين الاقرار بهذا كله ثم لا تخافون من إليه ذلك كله

ص: 241

وتتخذون وقاية من عذابه على مخالفتكم ثم قيل لهم: "فذلكم الله ربكم الحق " أى مالك ذلك كله والمنفرد بتدبيره هو ربكم الحق فكيف تنصرفون عنه ثم أخبر تعالى أن كلمته التى لا مبدل لها حقت على من انصرف عن الحق وتركه بعد بيانه بحسب ما قدر له فى الأزل ولم يقلع عن ذلك أنه لا يؤمن أبدا "إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية " ولما لم يتقدم قبل هذه الآيات فيما اتصل بها مقال من ذكر ممن حقت عليه كلمة العذاب أتى قوله: "كذلك حقت " فصورة الاستئناف غير معطوفة إذ لم يتقدم ما يعطف عليه وقيل "فسقوا " لأن بما تقدم مما قرروا عليه مع ما جعل لهم من الاسماع والابصار والافئدة مكنوا من النظر بما خلق لهم من الادوات ووضوح المنظور فيه فبمجموع هذا كله كانوا بمنزلة من تحصل الأجر وكأنه قج اتصف به وتمكنت حاله فيه ثم تركه وخرج عنه ونظير هذا قوله تعالى: " أولئك ال ذين اشتروا الضلالة بالهدى " فلاءم هذا الحال وسمهم بالفسق فقيل: "على الذين فسقوا " فاستحقوا على فسقهم بقدر الله عليه أن منعوا التصديق وهو الإيمان فأضلهم الله على علم.

أما آية غافر فإنه تقدم قبلها قوله تعالى: " ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا " ثم أعقب بذكر قوم نوح والأحزاب وهم كل أمة منهم برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذهم الله وأهلكهم بما حق عليهم.

ثم قال تعالى: " وكذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار " وأهلها فكيف يصح منهم الإيمان وقد حقت عليهم الكلمة: "أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النار " فلما تقدم فى هذه السورة ذكر من حقت عليه كلمة العذاب عطف عليه: "وكذلك حقت " ولم يتقدم ذلك فى يونس ولما تقدم قوله تعالى: " ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا " ولم يتقدم بسط دلالات مما به الاعتبار لم يكن هؤلاء بمنزلة المذكورين فى يونس وإن كانت الدلالات عنده فى حق الكل ولكن مراعاة النظم أمر ملتزم والافصاح بالذكر كما أفصح فى آية يونس لم يقع هنا فلما تكن هذه الآية كتلك فيما ذكر وسم هؤلاء بالكفر وقيل "على الذين كفروا " ولم يقل "فسقوا " إذ لم يتقدم هنا ما تقدم هناك ما يتقدم معه ذكر الفسق وأيضا فقد تقدم فى غافر قوله تعالى: " ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا " فناسبه "وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا " وإذا كانوا كافرين فهم أصحاب النار فأما الفاسق فإن كان فسقه يخرجه من الإيمان كان كافرا وان كان بالخروج إلى

ص: 242

المعصية دون الكفر لم يكن كافرا إلا أن المراد بفسوق من ذكر فى سورة يونس إنما هو ترك الاعتبار الحامل على الإيمان إذا وفق المعتبر فالتارك لذلك خارج عن التصديق فكان كافرا فقد حصل الجواب عن السؤالات الثلاث ووضح مجئ كل على ما يناسب وإن الوارد فى سورة يونس لا يناسبه ما تقدم قبل الآية فى سورة غافر ولا الوارد فى سورة غافر يناسب ما تقدم فى سورة يونس والله أعلم.

الآية الخامسة قوله تعالى: " ألا إن لله ما فى السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون " وقال فيما بعد: "ألا إن لله من فى السماوات ومن فى الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء " ثم قال بعد: "قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغنى له ما فى السماوات وما فى الأرض إن عندكم من سلطان بهذا " هنا ثلاث سؤالات يسأل عن سقوط "ما " من قوله فى الآية الأولى: " ألا إن لله ما فى السماوات والأرض "؟ ووجه ثبوتها فى الآية الثالثة فى قوله: " له ما فى السماوات وما فى الأرض "؟ وعن ورود "من " مكان "ما " فى الآية المتوسطة فى قوله: " ألا إن لله من فى السماوات ومن فى الأرض "؟

والجواب عن السؤال الأول: أنه تقدم قبل الآية قوله تعالى: " ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الأرض لافتدت به " وهذه الآية مبنية عليها ومجموع الآيتين فى قوة أن لو قيل: "ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الأرض لافتدت به " وليس ذلك لها بل كل ذلك لله سبحانه: "ألا إن لله ما فى السماوات والأرض " فلما كانت الآية مبنية على هذه التى قبلها - والمعنى بين ذلك - وقع الاكتفاء بوقوع ما فى الأولى واجتزئ بذا عن تكرارها فى الثانية وليس الموضع موضع تأكيد فتكرر لذلك.

وأما ثبوتها فى الآية الثالثة - وهو السؤال الثانى - فوجهه أن التأكيد مقصود فى هذه الآية لأن قبلها حكاية قول الكفار: "قالوا اتخذ الله ولدا " فنزه تعالى نفسه عن مقالهم فقال: "سبحانه هو الغنى له ما فى السماوات وما فى الأرض "وإذا ورد فى القرآن ذكر مقال هؤلاء المعتدين فى ضلالهم تبعه ذكر ملكه سبحانه لكل من فى السماوات والأرض كقوله تعالى: "وقالوا اتخذ الرحمان ولدا " ثم قال: "لقد جئتم شيئا إدا " ثم ذكر سبحانه عظيم مرتكبهم فى شنيع

ص: 243

مقالهم فقال: "تكاد السماوت يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمان ولدا " أى من أجل ادعائهم الولد لله سبحانه ثم قال: "وما ينبغى للرحمان أن يتخذ ولدا " وكيف والكل عبيده وملكه: "إن كل ما فى السماوت والأرض إلا آتى الرحمان عبدا " وهو الغنى عن العالمين فلما كان موضع تأكيد ناسبه الاتيان بما والتأكيد بها وإن كان المعنى حاصلا دونها.

والجواب عن السؤال الثالث: أن ورود "من " فى الآية المتوسطة مناسب لما قصد بها وبنيت عليه ألا ترى أن ما ثبت قبل هذه الآية من قوله تعالى: " ولا يحزنك قولهم " فأنسه تعالى وثبته كما قال فى موضع آخر: "قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " فتأمل عظيم هذا التأنيس وما تضمنه قوله: "فإنهم لا يكذبونك " من وضوح صدقه عليه السلام وتصديقه فلم يبق إلا الحسد وقصد إطفاء نور الله: "زيأبى الله إلا أن يتم نوره " فلما قال له تأنيسا وتكفلا لحفظه إياه: "ولا يحزنك قولهم " أتبع ذلك سبحانه بإعلامه إياه أن العزة له جل جلاله لا يشركه فى ذلك أحد ولا يعتز مخلوق إلا بإعزازه يعز من يشاء ويذل من يشاء وإلى ذلك أشار قوله "جميعا " ثم قال: "هو السميع العليم " أى لا يخفى عليه مقالهم فيك وما يسرونه من مكر أو مكيدة ثم أعلمه باحتواء ملكه سبحانه على ما أعلمه به فى قوله: "ألا إن لله من فى السماوات والأرض " فهو يعزك بإمداده إياك بمن شاء من مخلوقاته "ولله جنود السماوات والأرض " ولما كان تأييده عليه السلام فى الغالب عند لقاء أعدائه إنما يكون بالملائكة والمؤمنين لذلك ما ورد التعبير بمن وكررت تأكيدا فقيل: "ألا إن لله من فى السماوات ومن فى الأرض " وهو مؤسده وممده بمن شاء من عباده: "ولا يحزنك قولهم " وقد وضح أن كل آية من هذه الآيات لا يناسبها غير ما اتصلت به ولا يمكن على ما تبين وقوع واحدة منهما فى موضع الأخرى والله أعلم بما أراد.

الآية السادسة من سورة يونس: قوله تعالى: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون " وفيما بعد من هذه السورة: "وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون " وفى سورة الزمر: "وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون "

ص: 244

وفى آخر السورة: "وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين " فورد فى الموضعين من سورة يونس "بالقسط " وفى الموضعين من سورة الزمر "بالحق " فللسائل أن يسأل عن الفرق؟

ووجه ذلك والله أعلم أن القسط يراد به العمل والتسوية فى الحكم فمظنة وروده حيث يراد موازنة الجزاء بالأعمال من غير زيادة كما قال تعالى فى جزاء الكافرين: "جزاء وفاقا " أى موازنا لأعمالهم موافقا لها: "ولا يظلم ربك أحدا " والحق الصدق فوروده حيث يراد تصديق وعيد أو إخبار متقدم وإن الله سبحانه وعد المؤمنين بزيادة الأجور والإحسان بما يفوت الغايات ويفوق الحصر ولم يجعل جزاءهم على أعمالهم الدينية وفاقا لأعمالهم فى مقادير الجزاء بل قال تعالى: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " وقال تعالى: "وسنزيد المحسنين " وقال تعالى: "فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله " ومنه جعل الحسنة بعشر أمثالها وهذا كثير فى الكتاب والسنة ولما كان الوارد فى آيتى الزمر منزلا على الحكم حقا بين النبيين والشهداء والملائكة قال تعالى: " وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم " وقال تعالى: "وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم " والضمير فى الأولى إما أن يكون للنبيين والشهداء ولا كونه فى أن هؤلاء ممن يضاعف أجورهم فجئ بقوله "بالحق " تصديقا لما وعدوا من الزيادة وليس موضع ورود القسط وإما أن يكون للخلق كافة وفيهم المؤمن والكافر فورد قوله "بالحق " تصديقا لما ورد فى حق الفريقين من الزيادة فى أجر المؤمن والعدل فى حق الكافر فلا يظلم مثقال ذرة وإنما جزاؤه وفاق عمله ولا يصح هذا إن لو قيل: "وقضى بينهم بالقسط " وعلى هذا ما ورد فى الآية الأخيرة من فروق.

وأما آيتا يونس فقد تقدم الأولى منهما غير ما آيات فى تأنيس نبينا صلى الله عليه وسلم وتعنيف كفار قريش ووعيدهم وتسليته عليه السلام فى إبراهيم ألا ترى ختام الآى قبلها بقوله: "وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم " أى فسأجرى تكذيبهم عيانا لا يجدون محيصا عنه ثم قال: "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم " أى حضرهم فى القيامة وقد كذبوه فى الدنيا قضى بينهم وبينه فصدق زكذب معانده فنجا المصدق وهلك المكذب ولما لم يقصد هنا تفضيل أحوال المصدقين بل

ص: 245

لحظ الطرفان من التصديق والتكذيب كان موضع التعبير بالقسط الذى هو العدل بين المصدق والمكذب وإنما بناء الآى على إرغام المكذبين ولا يناسب هذا إلا ذكر العدل بحسب ما بنيت عليه الآى قبله وأما قوله فى الآية بعد: "واشتروا الندامة لما رأوا العذاب " فمسرو ندامتهم هم المكذبون وهم المشاهدون العذاب والضمير فى قوله: "وقضى بينهم " عائد عليهم فليس موضع التعبير بقوله "بالحق " لما قد تبين فقد وضح ورود كل من هذه الآى على ما يناسب ويلائم ولا يناسب خلافه.

الآية السابعة قوله تعالى: " إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون وما تكون فى شأن " وقال تعالى فى سورة غافر: "إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون " فأظهر هنا ما أضمر فى الآية الأخرى فللسائل أن يسأل عن ذلك؟

والجواب والله أعلم أن آية غافر لما تقدمها قوله تعالى: " لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون " ومقصود هذه الآية تحريك الخلق للاعتبار ةالتذكير بما نصب سبحانه من الدلائل والآيات فاقتضى ذلك تكرار الظاهر كما فى آية التذكير والتنبيه ثم جئ بعد هذا بقوله: "إن الله لذو فضل على الناس " فنوسب بين هذا وبين ما تقدم لتجئ هذه الآى على منهاج واحد من التذكير فاقتضت الثانية تكرير الظاهر.

وأما آية يونس فإنما تقدمها تأنيس بقوله تعالى: "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا

"الآية ثم رجع الكلام إلى تعنيف الكفار فى تحكيمهم فقال: "قل أرأيتم ما أنزل لكم من رزق

" الآية ثم قال: "وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة " ولم يتقدم تكرير يطلب بمناسبة فلذلك ورد الكلام على ما هو الأصل من الاتيان بالضمير ليحصل به ربط الكلام فجاء كل من الموضعين على ما يقتضيه ما قبله رعيا لتناسب الكلام.

الآية الثامنة من سورة يونس: قوله تعالى: "وما يعزب عن ربك مثقال ذرة فى الأرض زلا فى السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين " وفى سورة سبأ: "عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين " وقال فيما بعد: "قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض وما لهم فيهما

ص: 246

من شرك وماله منهم من ظهير " للسائل أن يسأل عن تقديم الأرض على السماء فى سورة يونس وعكس ذلك فى الموضعين من سورة سبأ؟

والجواب عن ذلك والله أعلم: أن آية يونس مقصود فيها من تأكيد الاستيفاء والاستغراق مالم يقصد فى الأخريين وإن كان العموم مراد فى الجميع إلا أن آية يونس قضت بزيادة التأكيد ولذلك تكررت فيها مع ما قبلها ما النافية المتلقى بها القسم فى قوله: "وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا ليكم شهودا " فقوى بذلك قصد تأكيد الاستغراق وتضمين الكلام معنى القسم فقال تعالى: "وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة " بزيادة من فى الفاعل وهى مقتضية معنى الاستغراق فى مثل هذا وبناؤها على ما المتلقى بها القسم بفهم ما قلناه من معنى القسم وتأكيد الاستغراق بل أقول إن "من " فى مثل هذا نص فى ذلك.

قال سيبويه رحمه الله: "إذا قلت ما أتانى رجل فإنه يحتمل ثلاثة معان أحدها أن تريد أنه ما أتاك رجل واحد بل أتاك أكثر من واحد والثانى ما أتاك لاجل فى قوته ونفاذه بل أتاك الضعفاء والثالث أن تريد ما أتاك رجل واحد ولا أكثر من ذلك فإن قلت ما أتانى من رجل كان نفيا لذلك كله " هذا معنى كلامه والحاصل منه أن "من " فى سيلق النفى تعم وتستغرق.

ثم إنه قد تقدم قبل هذه الآية قوله تعالى: " وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه " فدخول "من " فى المفعول فى الموضعين من قوله: " وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل " فزيدت فى المفعول وهو اسم نكرة وارد فى سياق النفى وذلك محصل للاستغراق ثم حمل عليه قوله تعالى: " وما يعزب عن ربك مثقال ذرة

" الآية فناسب هذا تقديم ذكر الأرض على السماء لأن السماء مصعد الأمر ومحل العلو ومسكن الملائكة وهى مشاهدة لهم ومستقبل الداعين منها ينزل الأمر ورزق العباد وفيها الخزنة من الملائكة واليها يصعد بأرواح المؤمنين ويعرج الملائكة السياحون فى الأرض المسؤولون عن أفعال العباد فكان العلم بما فيها أجلى وأظهر وكان العلم بما فى الأرض أخفى وهذا بالنظر الينا وبحسب متعارف أحوالنا وإلا فعلم بارينا سبحانه بما فى الأرض وما فى السماء على حد سواء كما أن علمه بالسر والجهر مستو: "سواء منكم من أسر القول ومن جهر به " ولكنا إنما خوطبنا على أحوالنا وبما

ص: 247

نتعاهده ونتعارفه من المعانى والصفات ولذلك ورد فى القرآن التعجب والدعاء والترجى وغير ذلك فخوطب العباد بما يتعارفون ويألفون فيما بينهم.

فهذا بيان ما تقدم.

فلما كانت الأرض بالنسبة إلى اسمها فيما ذكرنا كان أمرها أخفى وكان أمر السماء أوضح وأقرب من حيث ذكرنا خوطب الخلق على ذلك فقدم ذكر ما هو عندنا كافة أخفى فقيل عند قصد المبالغة فى تأكيد الاستغراق والقسم على ذلك: "وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء " ونظير هذا الوارد هنا قوله تعالى: " ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن وما يخفى على الله من شئ فى الأرض ولا فى السماء " وهذه الآية فى الذى تعطيه من إفهام القسم والاستغراق والابتداء بما هو عندنا أخفى كآية يونس من غير فرق وعلمه سبحانه بما خفى عندنا أو ظهر سواء تعالى ربنا عن شبه الخليقة.

فإن قيل فإن قوله سبحانه: "وما من غائبة فى السماء والأرض إلا فى كتاب مبين " قد اجتمع فيه زيادة من الاستغراقية بعد ما النافية المشيرة إلى معنى القسم كما فى الآيتين وقد تقدم فيه ذكر السماء بخلاف ما فى الآيتين؟ قلت لما تقدم هذا قوله تعالى: " وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون " وقد تقدم فى سبأ إحراز التسوية من غير فرق فقدم ذكر السماء وإنما كانت تكون كالآيتين لو لم يتقدمها ما ذكر وإذ قد نبين وجه تقديم الأرض فى آية يونس فنقول ان الآيتين من سورة سبأ لما لم يتقدم فيهما ما تقدم فى آية يونس مما يحرز تأكيد العموم والاستغراق ولم يكن فيهما داع من المعنى لتقديم الأرض على السماء ثم ان ورود السماوات بلفظ الجمع يحرز فى الآيتين من سورة سبأ معنى العموم والاستغراقى إذ هو مراد فى كل هذه الآيات الواردة فى هذا الغرض فأعطاه وأحرزه فى آية يونس وآية إبراهيم ما نجر فى هاتين الآيتين من محرز معنى القسم والاستغراق وأعطاه وأحرزه فى آيتى سبأ ما ورد فيهما من جمع السماوات وجاء كل على ما يجب ويناسب.

الآية التاسعة من سورة يونس قوله تعالى: " ولقد بوأنا بنى إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " وفى سورة الجاثية:: "ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم منالطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من

ص: 248

بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف الوارد فى هاتين السورتين وزيادة ما فى الوارد فى سورة الجاثية من الألفاظ مع اتحاد المعنى المفصود فى الموضعين من منحهم واختلافهم؟

والجواب عن ذلك والله أعلم: أن آية يونس تقدم قبلها دعاء موسى عليه السلام على فرعون وملئه بقوله: "ربنا إنك أتيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا

" الآية فأجاب سبحانه دعاء نبيه وطمس على أموال آل فرعون وملئه وأغرقه وآله ونجى بنى إسرائيل من الغرق وقطع دابر عدوهم وأورث بنى إسرائيل أرضهم وديارهم يتبوؤن منها حيث شاؤوا فقال سبحانه معرفا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم: "ولقد بوأنا بنى إسرائيل مبوأ صدق " أى مكناهم ومهدنا لهم أمرهم بإهلاك عدوهم وبما أورثناهم بعد ضعفهم من مشارق الأرض ومغاربها فبعد تمكن أمرهم واستحكام حالهم واستقرار أمر دينهم بما شاهدوه من الآيات وعظيم البراهين المعقبة لمن شاهدها اليقين اختلفوا جريا على ما سبق لهم ولغيرهم ممن أشار إليه قوله تعالى فى أول هذه السورة: "وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا " ويناسب هذا كله تناسبا لا توقف فى وضوحه ولم يتقدم فى السورة ما يستدعى من حالهم أكثر من هذا.

أما آية الجاثية فتقدم قبلها بسط الدلالة والبراهين من لدن قوله تعالى: " إن فى السماوات والأرض لآيات للمؤمنين " إلى ما تبع هذا من التنبيه بخلقها وما بث سبحانه فيهما من أصناف المخلوقات واختلاف الليل والنهار وتعاقبهما وإنزال الرزق من السماء وإحياء الأرض بعد موتها بما ينزل من الرزق اليها وتصريف الرياح ثم ذكر سبحانه أن هذه الآيات إنما يعتبر بها ويهتدى بأنوارها من منحه الله تعالى العقل وهذاه إلى الاعتبار فقال: "آيات لقوم يعقلون " ولم يرد ذكر هذه الجملة للاعتبار بها فى موضع من كتاب الله تعالى أوعب منها فى هذه السورة وفى سورة البقرة وهى هناك أوعب لذكر الفلك وجريها فى منافع العباد وتسخير السحاب بين السماء والأرض وذكر تصريف الرياح وقد أعقب ذكر هذه الآيات فى الموضعين بقوله فى سورة البقرة: "ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا " الآية إشارة إلى كفار العرب وسوء مرتكبهم وتعاميهم عن الاعتبار والاستدلال مع وضوح الأمر إذ لا يقبل العقل تكون هذه

ص: 249

المخلوقات العظام بأنفسها ولا أن بعضها أوجد بعضا لتساويها فيما قام من دلائل الحدوث فلابد من صانع مريد مختار قادر منزه عن شبه هذه الجملة والا لافتقر إلى موجد آخر وذلك يؤدى إلى التسلل وهو محال عقلا والإثنينية ممتنعة عقلا: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " فتعين توحيد الموجد الحق وانه ليس كمثله شئ ولما كان الاستدلال بهذه الجمل المفصلة أوضع شئ أتبعها سبحانه بقوله: "فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون " ولكونه أبسط ما ذكر به من خوطب بالقرآن ثم لم يجد ذلك فى حق من سبق له الشقاء منهم الا المنافرة والمخالفة أعقبت بذكر من ترادفت وتوالت عليه الآيات وكثرت فى حقه الشواهد ثم لم يعقبه ذلك الا الاختلاف والعدول عن سلوك المنهج الواضح وهم الممتحنون بالاختلاف من بنى إسرائيل فقال تعالى: "ولقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم

بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن برك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " فاقتضى ذلك ما قدم من بسط الآيات وواضح ما خصه تعالى من واضح الدلالات فى صدر هذه السورة بسط ما منحه بنو إسرائيل وما بين لهم مما أشار إليه قوله تعالى: " وآتيناهم بينات من الأمر " بعد ما ذكر ما أوتوه من الكاب والحكم وتوالى النبوة فيهم وكثرة الرسل منهم وما بسط لهم من الرزق وإدرار النعم فعتوا واعتدوا وقتلوا الأنبياء بغير حق لينفذ فيهم ما قدر على فاعلى ذلك منهم من ضرب الذلة والمسكنة ومسخهم قردة وخنازير ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم فلا يأتلف شملهم ولا تجتمع جماعاتهم إلى يوم القيامة ليعلم المعتبرون بالآيات أنه لا يجرى على أحد الا سابق سعادة ان قدرت له الا ان الانقياد للاعتبار والاذعان لموجب الدلالات عنوان رجاء والمنافرة لذلك عنوان مشقة وهما شاهدا حال والشأن كله فى الخواتم والكتاب والسنة موضحان لهذا الإجمال.

ولما لم يكن تقدم آية سورة يونس من الدلالات مثل ما بسط فى سورة الجاثية من الاعتبار لما يناسبه الواقع فى الجاثية من الاطناب فنوسب الإيجاز بالايحاز والاطناب بالاطناب وجاء كل على ما يجب ويناسب مع اتحاد الممقصود فى السورتين.

الآية العاشرة من سورة يونس قوله تعالى: " وأمرت أن أكون من المؤمنين " وفى سورة النمل: "وأمرت أن أكون من المسلمين " للسائل أن يسأل عن الفرق الموجب لافتراق الوصفين فى الآيتين.

ص: 250

والجواب أن الآية الأولى قد ورد قبلها قوله تعالى: " ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله " وبعد هذا: "وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " وبعد هذا كذلك: "حقا علينا ننجلا المؤمنين " وبعد هذا الآية المذكورة من قوله: "وأمرت أن أكون من المؤمنين " وتناسب هذا كله بين.

ثم من المعلوم ان اسم الإيمان إنما يقع لغة على التصديق وعلى هذا يطلقه الأشعرية ومنه: "وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " ثم قد يتسع فى إطلاقه فيوقع على التصديق والاستسلام ومنه: "وأمرت أن أكون من المؤمنين " والأصل فى اسم الإسلام وقوعه على الاستسلام والتزلم الأعمال الظاهرة ثم يتسع فيه فيطلق على مجموع التصديق والاعتقاد والاستسلام ومنه: "وأمرت أن أكون من المسلمين " وقد يختص كل من الاسمين بمسماه من غير اتساع ومنه قوله تعالى: " قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " وفى حديث سؤال جبريل عليه السلام: "ما الاسلام؟ قال ان تشهد ان لا اله الا الله وأنى رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا قال صدقت فما الايمان؟ قال: أن تؤمن بالله

"الحديث فوقع فيه التفصيل إجراء على أصل التسمية فإذا تقرر هذا فاعلم ان ما تقدم قبل آية يونس من تكرار اسم الإيمان لم يكن ليلائمه إطلاق اسم الإسلام لأن رتبة الإيمان فوق رتبة الإسلام ومقامه أعلى وهذا على إطلاق كل واحد من الاسمين على مسماه لغة وعلى رعى التفصيل فكأن يكون عكس الترقى إلى الأعلى أبدا فلا يمكن فى آية يونس الا ما وردت عليه.

أما آية النمل فإن قبلها قوله: "إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها الله وله كل شئ " وقوله: "وله كل شئ " يقتضى تسليم كل شئ له والتبرى من توهم شريك أو نظير فناسب هذا قوله: "وأمرت أن أكون من المسلمين " وجاء كل على ما يجب.

الآية الحادية عشرة

قوله تعالى: " فمن اهتدى قإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما انا عليكم بوكيل " وفى سورة النمل: "فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنرين " فورد فى الأولى عقب قوله

ص: 251

"ومن ضل " قوله "فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل " وفى الثانية عقب قوله "ومن ضل " قوله "فقل إنما أنا من المنذرين " فللسائل أن يسأل عن الفرق؟

والجواب أن آية يونس مرتبطة بقوله تعالى فيما قبلها: "ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " فلما تقدمها هذا ومعناه هو المعنى المراد فى قوله تعالى فى سورة الزمر: "وما أنت عليهم بوكيل " فقيل هنا على لسانه صلى الله عليه وسلم: "وما انا عليكم بوكيل " وتناسب ذلك وارتبط ارتباطا لا يلائم الموضع خلافه والله أعلم.

وأما آية النمل فإنها راجعة إلى قوله تعالى فيما تقدمها: "فتوكل على الله إنك على الحق المبين إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون " فناسب هذا أتم مناسبة قوله تعالى: " ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين " ولم يكن قوله: "فقل إنما أنا من المنذرين " ليناسب المتقدم فى سورة يونس ولا قوله: "وما أنا عليكم بوكيل " ليلائم ما تقدم هنا والله أعلم.

ص: 252