المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الآية الرابعة عشرة من سورة الأعرافقوله تعالى: " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين - ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل - جـ ١

[ابن الزبير الغرناطي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌سورة أم القرآن

- ‌سورة البقرة

- ‌الآية التاسعة:

- ‌الآية الحادية عشرة

- ‌الآية الثانية عشرة:

- ‌الآية الثالثة عشرة

- ‌سورة آل عمران

- ‌سورة النساء

- ‌سورة المائدة

- ‌قوله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم

- ‌قوله عز وجل: "وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يأت أحدا من العالمين

- ‌الآية الثالثة عشرة: وهى تمام ما قبلها:قوله تعالى: "وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم

- ‌قوله تعالى: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم

- ‌سورة الأنعام

- ‌قوله تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون

- ‌الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: "إن هو إلا ذكرى للعالمين

- ‌الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة

- ‌الآية الموفية عشرينقوله تعالى: "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل

- ‌قوله تعالى: "ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون

- ‌الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى: "كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون

- ‌الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى: "ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون

- ‌الآية السادسة والعشرون قوله تعالى: "سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا كذلك كذب الذين من قبلهم

- ‌الآية التاسعة والعشرون: قوله تعالى: "وأنا أول المسلمين "، وفى سورة الأعراف: "وأنا أول المؤمنين "، يسأل عن الفرق

- ‌سورة الأعراف

- ‌الآية الرابعة من سورة الأعرافقوله جل وتعالى: " وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ

- ‌الآية الخامسة قوله تعالى: "فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون

- ‌الآية الحادية عشرة من سورة الأعرافقوله تعالى فى قصة صالح: " قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

- ‌الآية الرابعة عشرة من سورة الأعرافقوله تعالى: " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ

- ‌الآية السادسة عشرة قوله تعالى: " تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ

- ‌الآية السابعة عشرة قوله تعالى: " قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وأرسل فى المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم وجاء السحرة فرعون

- ‌الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى: " قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير

- ‌سورة الأنفال

- ‌سورة التوبة

- ‌الآية الثالثة قوله تعالى: " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون

- ‌سورة يونس

الفصل: ‌الآية الرابعة عشرة من سورة الأعرافقوله تعالى: " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين

تكرر نحوه فى القرآن فاعلم أن الرسل عليهم السلام لم يجر أمرهم فى دعائهم أممهم إلى الإيمان اولا كما جرى آخرا وبنسبة ذلك جرى جواب أممهم فى مراجعتهم فى الأكثر فإن الرسل عليهم الصلاة والسلام ابتدأوا دعاءهم الأمم بالتلطف والرفق والصبر وبذلك أمروا قال تعالى لموسى عليه السلام فى إرساله فرعون: "فقولا له قولا لينا " وهذا واضح والغال فى مجاوبة أممهم إنما جرى نسبة من هذا ألا ترى قول قوم نوح عليه السلام فى أول دعائه إياهم: "أنؤمن لك واتبعك الأرذلون " وظاهر هذا أنهم إنما أنفوا من الانقياد إلى أمره وقد سبقهم فى ذلك ضعفاؤهم ومن لم يروه بحسب التوهم الخيالى الضعيف أهلا أن يقتدى به وهذا كما قال غيرهم فى إخبار الله تعالى عنهم: "أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " وقول الآخرين: "لو كان خيرا ما سبقونا إليه " وهذا كله ليس إفصاحا بالتكذيب وإن أرادوه وكذا قول قوم نوح عليه السلام: "ما نراك إلا بشرا مثلنا " إلى ما اتبعوه من هذا وإنما أفصحوا بالتكذيب أخيرا قال تعالى فى أمر الكافة من الرسل حين توقف أممهم عن الاستجابة: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا " وقال تعالى فى مكذبيهم: "فلما آسفونا انتقمنا منهم " وتأمل دعاء الرسل حيث دعوا أممهم والتدريج فيما جرى منهم وسير نبينا صلى الله عليه وسلم يلح لك هذا وهو أبين من أن يطول بذكره فعلى هذا قلنا إن مقول قوم نوح فى أول جوابهم له: "إنا لنراك فى ضلال مبين " ليس كقولهم أخيرا: "قد جادلتنا فأكثرت جدالنا " وإنما قالوا: "بل

نظنكم كاذبين " بعد طول محاورة ثم إنهم لم يدعوا علما بما قالوه من ذلك بل أفصحوا بأن ذلك ظن فالمراد والله أعلم بما رمى به قوم نوح نبيهم من الضلالة وإن تضمن من حيث انتشار مواقع التفصيل واحتمل قصدهم الكفر وغيره ليس كما لو أفصحوا أولا فقالوا: إنك كاذب أو كافر واعتبر هذا الذى أوجزته تجده أوضح شئ والله سبحانه أعلم.

‌الآية الرابعة عشرة من سورة الأعراف

قوله تعالى: " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ

(80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) " وفى

ص: 205

سورة النمل: " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) " وقال فى سورة العنكبوت: " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) ".

قلت: قد تقدم البيان أن اختلاف مقالات الأنبياء لأممهم إنما هو لاختلاف مقاماتهم إذ ليس دعاؤهم إياهم فى موقف واحد زلا لقوم مخصوصين بل يدعوا النبى طوائف من قومه فى أوقات مختلفة ومواطن شتى وقد يكون للطائفة منهم خصوص مرتكب فيراعى نبيهم ذلك فى دعائهم وقد يخاطب ملأهم الأعظم فى مواطن والفئة القليلة منهم فى موطن آخر وربما أطال فى موطن وأوجز فى موطن وذلك بحسب ما يرونه عليهم السلام أجدى وأنفع ولا اختلاف مجاوبة أممهم لهم، فهذا مما لا يحتاج إلى سؤال عنه وقد مر ذكر بيان ذلك وإنما يبقى السؤال عن وجه خصوص كل سورة بما خصت به من ذلك؟ وإذا أجبنا عن ذلك وأبدينا بحول الله المناسبة والالتحام حتى يتبين أن كلا من ذلك لا يصلح تأخيره عن الموضع الذى ورد فيه تعويضا بالوارد فى غير ذلك الموضع منه لم يبق فى هذه الآيات ما يشكل والحمد لله.

وفى قصة لوط عليه السلام سبع سؤالات أولها: قوله فى مطلع الآيات فى الأعراف والنمل: "أتأتون الفاحشة " وقال فى سورة العنكبوت: "أئنكم لتأتون الفاحشة " وثانيها: وصف حالهم فى مرتكبهم فى الأعراف والعنكبوت بقوله: "ما سبقكم بها من أحد من العالمين " وفى سورة النمل: "وأنتم تبصرون ".

والجواب عن هذين السؤالين: أن قوله فى الأعراف والنمل: "أتأتون الفاحشة " الهمزة فيها للاستفهام المقصود به الانكار والتعظيم فى توبيخهم على الفاحشة الشنعاء التى لم يأتها غيرهم ولما كان قد تقدم فى الأعراف من ذكر الأمم المكذبين ذكر قوم نوح وهود وصالح وذكرت مرتكباتهم السيئة من معاندتهم للرسل وتكذيبهم وسوء

ص: 206

مراجعتهم وذلك مما يطلع عليه من أتى بعدهم وقد خص بالذكر من مرتكباتهم أقبحها مما استوجبوا به العذاب وأخذ كل طائفة بذنبها قيل لقوم لوط، عليه السلام: إن هؤلاء المكذبين من قبلكم على سوء مرتكباتهم لم يسبقوكم إلى ما أنتم عليه وقد سمعتم بهم وخلت من قبلكم المثلات فناسب ما قدم من أحوال من قبلهم فى هذه السورة وذكر تلك الأحوال على التفصيل أن وبخ قوم لوط بقبيح جريمتهم وأم من قبلهم على سيئ أحوالهم لم يرضها فكأن قد قيل لهم: هذه قصص من تقدمكم وذكر مرتكباتهم التى أخذوا بها فهل وقع منهم ما وقع منكم؟ أو هل سبق أحد منهم إلى مرتكبهم الشنيع؟ فناسب ذكر الأمم المكذبين قبلهم تقريع هؤلاء بكونهم أول من فعل تلك الشناعة وأنهم لم يسبقهم قيل لهم فى سورة النمل: "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون " أى تدركون فحشها ببصائركم وأمرها غير خاف على كل ذى عقل، فهل يصدر هذا إلا عن معاند متصف بأعظم الجهل؟ وقيل إنهم كانوا يتجاهرون بها ولا يستحيى بعضهم من بعض فالمراد بقوله:"وأنتم تبصرون " أى ترون ذلك بأعينكم لا يستتر بعضكم من بعض تهكما واستهتارا هذا أعظم الجهل فلستم ممن يعقل أو يعلم شيئا بل أنتم قوم تجهلون.

ولما لم يتقدم فى هذه السورة تفصيل أحوال الأمم المكذبين وأخذهم ولم يذكر ذلك كان ذكرهم كأن لم يتعرفوا حال من تقدمهم فعدل عن توبيخهم بما وبخوا حيث ذكر من كان قبلهم إلى ضرب آخر من التوبيخ لم يكن نص عيه فى الأعراف من بيان شنيع المرتكب فى فعلهم.

وأنه غير خاف، فقيل:"وأنتم تبصرون " أى أن من شأن من له عقل أو بصر يبصر على المأخذ الآخر أن يكتفى بعقله وإبصاره فى ميز ما يشنع.

ثم قد تقدم فى هذه السورة قوله فى قصة موسى عليه السلام: "فلما جاءتهم آياتنا مبصرة " أى بينة واضحة جحدوا بها، وهذا أقبح واضحة أو مرئية مشاهدة بالابصار جحدوا بها وهذا من أقبح مرتكب.

فلما تقدم هذا ناسبه فى قصة لوط عليه السلام قوله: "وأنتم تبصرون " ولقبح هذا التعامى ما أعقب بقوله بعد: "إنكم قوم تجهلون ".

ولما تقدم فى سورتى الأعراف والنمل تقريرهم تقريعا وتوبيخا وعرفوا بذلك مرة بعد مرة وردت قصتهم فى العنكبوت مؤكدة بأن واللام لثبوتها فوردت مورد ما يجئ بعد القسم متلقى به القسم، إذ قد تقدم تقريرهم التوبيخى مرتين فجاء الاخبار بعد بما به يخبر عن المتقرر الثابت ولم يكن ليناسب العكس وهذا على مقتضى الترتيب فى السور والآى فجاء كل على ما يجب.

ص: 207

والسؤال الثالث إنه لما تقرر بقوله فى الأعراف والنمل: "إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء " ذكر مرتكبهم القبيح وأنهم فى ذلك من حيث لم يراعوا فى فعلهم إلا مجرد الشهوة ولم يلحظوا ما يلحظه العقلاء ولا ما قررته الشرائع من قصد التناسل والتوالد وقد جبلت عليه البهائم وجرى التعريف من حالهم فى سورة العنكبوت بمثل ذلك فقال تعالى: "أئنكم بتأتون الرجال " فللسائل أن يقول ما وجه اختلاف ما بنى علي هذا الإخبار فى السورتين من وصفهم فقيل فى الأولى: "بل أنتم قوم مسرفون " وفى الثانية: "بل أنتم قوم تجهلون "؟ والعدول فى سورة العنكبوت عن قوله: "شهوة من دون النساء " إلى قوله: "وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر "؟ ما الوجه فى هذا وقد اتفق الإخبار فى مطلع الآى فى هذه السور الثلاث؟

والجواب عن ذلك والله أعلم أنه قصد بما ذكر فى سورة الأعراف الإشارة إلى التعريف بانهماكهم فى الجرائم وقبيح المرتكبات فنص على أفحشها وحصل الإيماء إلى ما وراء ذلك بما ذكر من إسرافهم: "بل أنتم قوم مسرفون ".

ولما قيل فى سورة النمل: "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون " كان أهم شئ أن تنفى عنهم فائدة الأبصار إذ لم تغن عنهم شيئا فأعقب بقوله: "بل أنتم قوم تجهلون " أى أن مرتكبكم مع علمكم بشنيع ما فيه من أقبح ما يرتكبه الجهال ولم يذكر هنا إسرافهم إذ قد حصل فيما ذكر فى الأعراف.

وأما سورة العنكبوت فقصد فيها تفصيل ما أشير إليه فى الأعراف من شنيع ما ارتكبوه من إسرافهم فقيل: "أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر " وورد أولا - بحسب التريب المتقرر عليه السور والآيات - ذكر أفحش مرتكباتهم ثم أجمل القول فى سائر جرائمهم ثم أتبع فى السورة الثانية بشنيع حالهم فى تلك الفعلة المنصوص عليها من حيث بيان فحشها للأبصار والبصائر ثم أتبع ذلك فى السورة الثالثة بتفصيل بعض قبائح أفعالهم والتنصيص عليها وجاء كله على ما يجب ولا يمكن العكس فيما ورد والله أعلم.

والسؤال الرابع: ما وجه الاختلاف الوارد فى جواب قوم لوط عليه السلام له فى سورة الأعراف: "فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " وفى سورة النمل: "أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس

ص: 208

يتطهرون " وفى سورة العنكبوت: "ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين "؟

والجواب أنه لما زيد فى تعنيفهم فى النمل وتعريفهم بإتيانهم الفاحشة على علم بها أو مع مشاهدة بعضهم بعضا وعدم استخفائهم بها وذلك أقبح فى المرتكب فلما زيد فى تعليل الاخراج التنصيص على الآل لأن قوله: "آل لوط " - أنص فى إخراج جميع من للوط عليه السلام من ذويه وأهله من قوله: "أخرجوهم " بزيادة التنصيص الأعم بإزاء الأزيد فى التقريع ولما عدد من قبائح مرتكباتهم فى العنكبوت ما عدد بقوله: "أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر " فكان تعداد مرتكباتهم أشد توبيخا فى تقريعهم وأنكأ لتمييز أفئدتهم كان مظنة تهيج واشتعال لسئ أخلاقهم وقبيح جوابهم فجاوبوا جواب من استحكم حنقه وطبع على قلبه فقالوا: "ائتنا بعذاب الله " تحكيما وتحقيقا لتكذيبهم وشاهدا بتصميمهم على المعاندة والكفر لأن قولهم فى الموضعين قبل: "أخرجوهم من قريتكم " على شناعة مرتكبهم فيه ليس كقوله: "ائتنا بعذاب الله " لأن قولهم: "أخرجوهم من قريتكم " يفهم فحواه ما يستلزم إخراجهم من مجازاتهم على ذلك فهو فى قوة قول القائل لمعانده: أنا أعاملك بكذا فإن قدرت على الانتصار لنفسك فافعل وقول القائل: أنا أفعل كذا ولا أبالى بما يكون عن ذلك وكأن قد قالوا: أخرجوهم فإن كان عذاب فليأت به فلما اشتد حنقهم نا طلبوا العذاب وعدلوا عن ذلك السبب استعجالا للمسبب فجاء كل من هذا على ما يجب والله سبحانه أعلم.

والسؤال الخامس قوله فى الأعراف: "فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين " وفى سورة النمل: "قدرناها من الغابرين "، وقد ورد فى إهلاك امرأة لوط عليه السلام فى الحجر:"إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين " وللسائل أن يسال عن وجه الاختلاف فيما ذكر وورود كل من هذه العبارات حيث ورد؟

والجواب أن قدرناها معط من المعنى ما يعطيه كانت من غير فرق لأن المراد إلحاقها بالهالكين وإخراجها من الناجين وهذا المعنى هو المراد بقدرناها مشددا وذكلك قوله فى الحجر: "قرنا أنها " وأما وجه اختصاص "كانت " بآية الأعراف فليناسب إيجازا قوله: "أخرجوهم " وقوله فى النمل "قدرناها " ليناسب: "أخرجوا آل لوط " وقوله فى

ص: 209

الحجر: "قدرنا أنها " ليجرى مع ما وكد قبل بأن ويناسبه كقوله: "إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين " وقوله: "إنا لمنجوهم أجمعين " فقيل مناسبا لذلك: "قدرنا أنها " وتناسب هذا كله.

والسؤال السادس ما وجه تعقيب قوله فى الأعراف: "وأمطرنا عليهم مطرا " بقوله: "فانظر كيف كان عاقبة المجرمين " وفى النمل بقوله: "فساء مطر المنذرين " وهل كان يحسن العكس؟ والجواب أنه لما تقدم فى الأعراف قوله: "ما سبقكم بها من أحد من العالمين "حصل منه أن ارتكابهم ما لم يسبق إليه غيرهم قد جمع إلى قبيح الفحش الاجترام من حيث لم يفعل تلك الفعلة الشنعاء من تقدمهم فأجمع إلى الفحش الاجترام فأعقب بقوله: "فانظر كيف كان عاقبة المجرمين " ولما تقدم فى النمل قوله: "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون " حصل منه تعنيف وإنذار لم يقع مثله فى الأعراف إذ ليس موقع قوله: "ما سبقكم بها من أحد من العالمين " فى الانذار والتعنيف كموقع تعريفهم بعلمهم بها وشنعة معاينة بعضهم بعضا من ارتكابها فناسب إنذارهم بهذا ما أعقب به من قوله: طفساء مطر المنذرين " ولو أعقبت آية الأعراف بهذا أو آية النمل بما أعقبت به آية الأعراف لم يكن متناسبا فجاء كل على ما يجب والله أعلم.

والسؤال السابع ما وجه قوله فى الأعراف: "وما كان جواب قومه "منسوقا بالواو وفى النمل والعنكبوت: "فما كان جواب قومه " بالفاء مع ان القصة واحدة فلا فرق بين الجوابين؟

والجواب أنه حيث يراد مع ما سببية أو ما يشبه معنى المجازاة وكان الكلام المجاوب بصريح الفعل إذ هو أوضح إحرازا لهذا المعنى فحيث يجئ هذا فالوجه والأولى أن يترتب الجواب بالفاء وسواء تسبب عن الأول أو أقيم مقام ما تسبب عن الأول مثال الجارى على طريقة السببية قوله تعالى: "سنقرئك فلا تنسى " وقوله: "فآمنوا فمتعناهم إلى حين " وقوله: "فكذبوه فأنجيناه "وهذا كثير.

ومثال الثانى: "ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا " وقوله: "وجعلنا لهم سمعا وأبصرا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ ".

ص: 210

ولما تقدم فى سورة النمل قوله تعالى: "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون "أى وقد منحتم بصائر للفه والاعتبار أو أبصارا لإدراك الأشياء وإحراز الحياء المانع من مواقعة العار.

فما أثمر أنس ذلك لكم إلا التعامى عن رشادكم وتمادى عنادكم فختام الآيتين بقوله: "وأنتم تبصرون " وقوله: "بل أنتم قوم تجهلون " فالجملة الفعلية فى خبر المبتدأ فى الأول وفى الصفة الموطئة للخبر فى الثانية مسوغ لتقدير معنى السببية لذلك من الواو فى سورة الأعراف إذ الختم فى الآيتين قبل آية الجواب بالجمل الإسمية: "ما سبقكم بها من أحد من العالمين بل أنتم مسرفون " فليس هذا فى تقدير السببية كالأول فالجواب هنا بالواو وحسن مع جواز الفاء والجواب بالفاء حيث تقدم أقوى لمكان الفعل وكون المعنى عليه فورد على ما يقويه السياق ويشهد له المعنى.

وأما آية العنكبوت فقد تقدم فيها أيضا قوله تعالى: "أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر " فهذه جملة فعلية وتقدير معنى السببية فيها كآية النمل، فالجواب فيها بالفاء كما فى آية النمل أولى وأجرى مع المعنى وما يعطيه السياق وجاء كل ذلك على ما يناسب والله أعلم.

الآية الخامسة عشرة من سورة الأعراف

قوله تعالى: " وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره "وفى سورة هود: "وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره " وفى سورة العنكبوت: "وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله "فاختصت آية العنكبوت بالفاء فى قوله "فقال "فيسأل عن ذلك؟

والجواب عنه: أنه لم يقع فى سورة العنكبوت من ذكر إرسال الرسل ما بنى على أرسلنا ظاهرا ومقدرا منوطا به ذكر المرسل إليهم بحرف الغاية الذى هو "إلى " غير قوله تعالى: " لقد أرسلنا نوحا إلى قومه "وقوله: "وإلى مدين أخاهم شعيبا " وتعلق حرف الغاية فى الأولى بالفعل الظاهر وهو "أرسلنا " وتعلق فى الثانية بأرسلنا المقدر وقد قيل فيما بنى على الأخبار بالإرسال فى الأولى: "فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما " بالفاء فى قوله "فلبث فيهم " فقيل فى الثانية "فقال " بالفاء لتناسب ما ورد فى هذه السورة من ذكر إبراهيم ولوط عليهما السلام فعلى غير البناء على أرسلنا ظاهرا أو مقدرا أو إيصاله إلى المرسل إليهم

ص: 211