الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كفرهم فقال: "زين لهم سزء أعمالهم والله لا يهدى القوم الكافرين " فوسموا أولا بالكفر فقيل: "يضل به الذين كفروا " إذ لم يكن تقدم لهم إيمان ثم خرجوا عنه بل كانت حالهم التمادى على كفرهم الذى لم يتقدمه إيمان ولما ذكر بعض ما حملهم عليه كفرهم وأنه من سوء أعمالهم ومما زينه الشيطان لهم قال تعالى: "ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين " الآيات فوصفوا بالتظاهر بالاسلام ثم خرجوا عنه بشنيع كفرهم وقبيح مرتكباتهم ووصفهم تعالى بأنهم "يلمزون المطوعين من المؤمنين " ومن لا يجد إلا جهده إلى قوله: "ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله " ثم قال: "والله لا يهدى القوم الفاسقين " فلخروجهم ومفارقتهم ما قد كانوا تظاهروا به من الإسلام وصفوا بالفسق الذى هو الخروج والمفارقة من قولهم فسق الرطبة إذا خرجت من قشرها قال تعالى: "إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " فقد وضح فى كل آية من هذه أن ما انجر فيها من وسم من أريد بها وجرى ذكره قبلها يقتضى ورود ذلك الوصف على ما ورد عليه وأنه لا يلائم كل آية منها إلا ما أعقبت به والله أعلم.
الآية الثالثة قوله تعالى: " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون
" وفى سورة الصف: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون " ومعنى الآيتين فى السورتين واحد وقد زادت آية براءة على آية الصف عشرة أحرف صورا فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟
والجواب عنه والله أعلم: أن زيادة آية براءة مقابل بها ما ورد من الطول فى المحكى فى هذه السورة من قول الطائفتين من اليهود والنصارى قال تعالى حاكيا عنهم: "وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله " فوقع فى المحكى هنا طول اقتضى ما بنى جوابا عليه ليتناسب.
وأما آية الصف فمقابل بها قول عيسى عليه السلام لما قال لهم: "يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد " ثم قال تعالى: "فلما جاءهم البينات قالوا هذا سحر مبين " وإنما الجواب على المحكى من قولهم خاصة وهو قولهم: "هذا سحر مبين " وليس هذا فى الطول وعدة الكلم المحكى فى سورة براءة ألا ترى أن الواقع فى سورة براءة ست كلمات وفى الصف ثلاث كلمات ثم إن الواقع فى سورة براءة مقال طائفتين منهم اليهود
والنصارى مفصحا به والواقع فى الصف مقالة طائفة واحدة وهذا مراعى فقد وضح ورود كل من الآيتين مناسبا لما اتصل به وعلى ما يجب فى السورتين والله أعلم بما أراد.
الآية الرابعة: قوله تعالى: " والله يعلم إنهم لكاذبون " وفيما بعد من هذه السورة: "والله يشهد إنهم لكاذبون " وكذا فى سورتى الحشر والنافقين فورد فى الأولى: "يعلم " وفى البواقى "يشهد " مع أن المقصود فى الأربع آيات واحد وهو أنه سبحانه عليم بما يخفونه أو يظهرونه من أعمالهم فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟
والجواب والله أعلم: أن الاستطاعة وعدمها حكم لا يطلع عليه فى الغالب بل ينفرد كل بحاله فى ذلك إلا أن يعلم ذلك بقرينة فقول المنافقين فى إخبار الله تعالى عنهم: "لو استطعنا لخرجنا معكم " غير مشاهد من ظاهرهم فقد كان يمكن صدقهم أو صدق بعضهم لولا أنه سبحانه أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بحالهم وما يكون من اعتذارهم قبل أن يقع منهم وبتقاسعهم عن الخروج فقال تعالى: "لو كان عرضا قريبا قاصدا لأتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم " فأعلم تعالى بما يكون منهم قبل أن يكون وذلك غيب وأعلم بوجه تقاسعهم وتثبطهم ثم أعلم بكذبهم فقال: "والله يعلم إنهم لكاذبون " فحصل العلم بحالهم بإخباره تعالى ثم تكاثرت الشواهد عنهم.
فلما كان حال الاستطاعة على ما ذكرنا من الخفاء حتى لا يطلع عليها ناسب ذلك التعريف عن اطلاعه تعالى على ما أخفوه من حالهم بالعلم فقال سبحانه: "والله يعلم إنهم لكاذبون "ولا يناسب غيره.
أما الآية الثانية فهى فى أهل مسجد الضرار وأمرهم مما قد كانوا تواطئوا عليه ولم يخف حال بعضهم عن بعض وذلك بخلاف حال الاستطاعة وما يمكن فيها من الخفاء فكان هذا مما يرجع إلى حكم الظهور والشهادة فكان ورود قوله تعالى هنا: "والله يشهد " أنسب وكذا الحكم فى آية الحشر لبنائها على قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم " إلى آخر الآية وكل هذا قول مشاهد معلوم مدرك بحاسة السمع وما وعدوا به إخوانهم من نصرتهم والخروج معهم أن خرجوا كل
ذلك مما كنا يشاهد لو وقع وليس شئ من ذلك كالاستطاعة فى خفائها وغيابها فناسب هذا قوله تعالى: " والله يشهد إنهم لكاذبون " الوارد فى سورة المنافقين لأن قولهم: "نشهد إنك لرسول الله " قول مدرك بالسمع مع أن هذه الآية قولهم نشهد فطابق هذا وناسبه قوله: "والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " وجاء كل من هذه الآى على ما يجب ويناسب والله أعلم.
الآية الخامسة قوله تعالى: " وما منعهم أن تقبل منهم نفاقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون " وفيما بعد من هذه السورة: "ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدى القوم الفاسقين " وبعد هذه الآية: "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون " للسائل أن يسأل عن زيادة الباء فى قوله "وبرسوله " ولم تزد فى الآيتين بعد والظاهر من بعد ما يسأل فيه لأنها مقاصد مختلفة؟
والجواب: أنك إذا قلت مثلا المانع من تقريب زيد نفاقه فإنك لم تزد على أن أخبرت عن علة منع تقريب زيد شيئا فإذا قلت أن المانع من تقريب زيد نفاقه فقد زدت على الاخبار بالمانع من تقريب زيد أنه نفاقه وإن قلت إنما المانع من تقريب زيد نفاقه فقد حصرت المانع من التقريب فى النفاق وأكدت ذلك تأكيدا أكثر من الحاصل بإن ولذا اتفق الأصوليون على قوم المفهوم الحاصل من قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الولاء لمن أعتق " ولم يتفقوا فى المفهوم الحاصل من قوله عليه الصلاة والسلام: "فى سائمة الغنم بالزكاة " وذلك بسبب ما تقتضيه إنما من معنى الحصر وقد جرده بعضهم عن المفهومات وجعله دليلا برأسه لقوته وأبى أن يجعل هذا من دليل الخطاب وفى معنى قوله: "إنما الولاء لمن أعتق " وفى قوم قولك: "ما الولاء إلا لمن أعتق " فإن معناه حصر الولاء فى المعتق وأنه لا ولاء لغيره ومن هذا قوله تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " أى ما يخشاه تعالى حق الخشية إلا العلماء وقال تعالى: "إن هو إلا وحى يوحى " فنزه سبحانه نطق نبيه عن أن يكون غير وحى وليس قولك فى الكلام: هو وحى فى قوة قولك: إنه وحى يوحى لما زدت من التأكيد بإن ولا قولك: إنه يوحى فى قوة الاخبار القرآنى من قوله تعالى: " إن هو إلا وحى يوحى " لما بين قبل.
فإذا وضح هذا فقوله تعالى: " وما منعهم أن تقبل منهم نفاقتهم إلا أنهم كفروا
بالله وبرسوله " وقد ورد على أبلغ وجوه التأكيد وحصل حصر المانع من القبول فى كفرهم وأنه لو لم يكن الكفر لكان القبول فناسب هذا التأكيد الذى بلغ به الغاية زيادة الباء فى قوله "وبرسوله " لإعطائها معنى التأكيد وإحرازها إياه.
ولما لم يكن هذا التأكيد الحصرى واقعا فى الآيتين بعد وإنما وكد فيها بأن قال تعالى: "ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله " وقال تعالى: "إنهم كفروا بالله ورسوله " فلم يبلغ بهذا الاخبار مع تأكيده وقوته مبلغ الأول لم تلحقه الباء وجاء كل على ما يجب والله أعلم بما
أراد.
الآية السادسة من سورة براءة قوله تعالى فى المنافقين: "ولا ينفقون إلا وهم كارهون فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم فى الحياة الدنيا " وقال فيما بعد: "ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها فى الدنيا " فحملت الآية الأولى على ما قبلها بالفاء والصانية بالواو وزيدت لا النافية فى الأولى وسقطت من الثانية وقيل فى الأولى "ليعذبهم " وفى الثانية "أن يعذبهم " وقال فى الأولى "فى الحياة الدنيا " واكتفى بالوصف فى الثانية فقيل "فى الدنيا " فتلك أربع سؤالات.
والجواب عن الأول: أنه لما وصف تعالى أقوال المنافقين فى كفرهم وشتى مرتكباتهم وقرر ما هم عليه فى آيات إلى قوله: " وما منعهم أن تقبل منهم نفاقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون " فلما عرف بأحوالهم قال لنبيه عليه السلام: "فلا تعجبك أموالهم " وكان الكلام فى قوم أن لو قيل: إذا عرفت أحوالهم فلا تغتر بما لديهم فتظن أن ما مكناهم فيه ومنحناهم إياه من مال وولد إحسان عجلناه لهم "أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم فى الخيرات بل لا يشعرون "، "وإنما نملى لهم ليزدادوا إثما " فالكلام فى قوة الشرط والجزاء فكان موضع الفاء.
أما قوله فى الآية الأخرى: "ولا تعجبك أموالهم وأولادهم " فمنسوق على قوله: "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ولا تعجبك أموالهم وأولادهم " وكل هذا نهى له صلى الله عليه وسلم أن يفعله وليس كالأولى فى أن ذكر مرتكباتهم ما بنى نهيه عليه السلام عليه فيتصور فيه معنى شرط وجزاء فلا مخل للفاء هنا ولا هو موضعها.
والجواب عن الثانى: أن الآية الأولى مقصود فيها من التأكيد ما لم يقصد فى الثانية لما قيل له عليه السلام: " وما منعهم أن تقبل منهم نفاقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله " وذكر له من قبح مرتكباتهم أشنعها أكد نهيه عليه السلام عن أن يلتفت إليهم تنزيها لقدره العلى عن الصغو إلى ما حاصله إملاء ولأهله فى الحقيقة استدراج وعناء فدخلت لا النافية تأكيدا يناسب هذا القصد ولما لم يكن فى الآية الأخرى اشتراط وجزاء يقتضى التأكيد فلم تخل لا فجاء كل على ما يجب ويناسب.
والجواب عن السؤال الثالث: أن قوله فى الآية الأولى: "إنما يريد الله ليعذبهم " بلام كى مناسب لما فى الآية من التأكيد إذ لا تقتضى تراخيا فناسب هذا ما ذكر من التأكيد أما قوله فى الآية الثانية: "إنما يريد الله أنيعذبهم " فيقتضى أن التأكيد لما لم يبلغ فى هذه الثانية مبلغ الأولى بما تقدم فيها أشعرت أن بما فيها من التراخى فأن هذه ليست من التأكيد فى نمط الأولى وهذا رعى مناسبة لفظية إذ الاخبار بحالهم واحد فى الآيتين من غير فرق.
فإن قيل فإن لام كى فى قوله تعالى: " ليعذبهم " تقدر بعدها أن على قول الجمهور فقد تساوت الآيتان قلت ليس المعنى مع تقديرها هو المعنى مع ظهورها بل لظهورها حكم لا يكون فى تقديرها وقد نص سيبويه رحمه الله على ذلك فى باب الجواب بالفاء من كتابه أنه كلام العرب فتبين أن قوله تعالى: " ليعذبهم " ليس كقوله: "أن يعذبهم " فيما يعطيه ظهور أن من التراخى والله أعلم.
والجواب عن السؤال الرابع: أن قوله "فى الحياة الدنيا " فى الآية الأولى بالجمع بين الصفة والموصوف مناسب أيضا وملائم أوضح ملاءمة للتأكيد الجارى فيها، أما الآية الأخرى فلا تأكيد فيها فناسب ذلك الاكتفاء بقوله:"فى الدنيا " وجاء الكل على ما يجب ويناسب.
الآية السابعة من سورة براءة قوله سبحانه وتعالى: "وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون " وقال بعدها: "إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون " فيهما سؤالان: قوله فى الأولى "وطبع على قلوبهم " ببناء الفعل للمفعول مكتفى به، وفى الثانية "وطبع الله " ببناء الفعل على
الأصل؟ والثانى قوله فى الأولى "فهم لا يفقهون " وفى الثانية "فهم لا يعلمون ".
والجواب عن الأول: أن مطلع الآية قبلها قوله تعالى: " وإذا أنزلت سورة " على بناء الفعل للمفعول فجاء قوله "وطبع على قلوبهم " على ذلك ونوسب بختام هذه الآية بداءة ما قبلها وأما الثانية فلم يقع قبلها فعل بنى للمفعول وقد ذكر الفاعل فيها فجرى الكلام على ما يجب فقيل "وطبع الله على قلوبهم ".
والجواب عن الثانى: أن قوله "وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله " لما اجتمع ذكر إنزال السورة والاشارة إلى ذكر المراد بها بقوله: "أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله " استدعى ذلك نظر من بلغه هذا المنزل واعتباره وتفهم المقصود به إلى الكمال ليقع الامتثال على وجهه فلما تراموا إلى الخلود إلى الراحة وترك الجهاد الذى تحملت الآية الأمر به ناسب ذلك أن ينفى عنه الفهم والتدبر فقيل: "وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون " والتفقه التفكر والاعتبار ولما لم يقع فى الآية بعد ذكر تديره وتفهمه لقرب المعنى المراد منه وذلك قوله: "إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء " صرف النفى إلى الحاصل على التفهم وهو العلم فقيل: "وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ".
الآية الثامنة من هذه السورة قوله تعالى: " قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " وقال بعد هذا: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة. .. "الآية فيها أربع سؤالات: الأول: قوله فى الأولى "وسيرى الله عملكم " بواو النسق ولم يرد فيها "والمؤمنون " وقال فيها "ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة " وقال فى الثانية "فسيرى الله " بفاء التعقيب وفيها "والمؤمنون " ولم يقل فى الأولى "والمؤمنون " وقال "وستردون " بالواو وفى الأولى "ثم تردون ".
فاختلفت الآيتان فى ثلاثة مواضع فيسأل عنها وهل كان يصح وقوع الأولى فى موضع الثانية؟ والثانية فى موضع الأولى؟ وكل منهما على ما بنى؟ فهذه أربعة أسئلة.
والجواب عنها على الجملة أن الآية الأولى فى المنافقين لم يخالطهم سواهم والثانية فى طائفة من المؤمنين كان فيهم تقصير ولهم إيمان فأنسوا وقوى رجاؤهم قال الطبرى: "هى فيمن تاب من المخلفين " قلت ويشهد لهذا ما اتصل بالآية مما قبلها والواقع
قبل الأولى من قوله: "قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم " أى لستم صادقين فى اعتذاركم ثم قال: "قد نبأنا الله من أخباركم " أى قد أطلعنا على نفاقكم وسوء سرائركم ثم قال: "وسيرى الله عملكم ورسوله " وهذا تهديد عطف على مثله وقصد تعريفهم بالمجموع مما استوجبوا به المقت ولم يعطف بالفاء إذ ليس ما تعطيه من المعنى مقصودا هناا ولم يقل هنا والمؤمنون إذ النفاق عمل يخفيه المنافق فلا يطلع عليه إلا الله سبحانه وقد يطلع عليه رسوله ومن شاء من عباده وإنما كانوا يتظاهرون بخلاف ما يبطنون ثم قال "ثم تردون " فعطف ردهم إلى الله بثم المعطية مع مهلة الزمان هنا تفاوتا فى التهديد والوعيد ولم تكن الواو لتعطى هذا المعنى وتحرزه وقد بينت المواضع الثلاثة التى خالفت فيها هذه الآية الآية التى بعدها.
وأما الثانية فهى فى المتخلفين عن غزوة تبوك قال الطبرى: "فيمن تاب منهم " كما تقدم وقد وقع قبلها قوله تعالى: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم " ثم قال: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم " فأمره سبحانه بأخذ زكواتهم وأخبره أنها تطير لهم وتزكية وأمره أن يدعوا لهم بقوله: "وصل عليهم " ثم زادهم تأنيسا بقوله: "ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ".
فإن قيل إنك قد عضدت هذا المأخذ فى هذه الآية لما اتصل بها من قوله: "خذ من أموالهم " وهذه الآية مطلقة يراد بها جميع من امر بالزكاة وهم المؤمنون ولم تختص بأهل تبوك ولا غيرهم قات إنما دليلى فى اتصال بالآية عقبها المتكلم فيها وفى اتصالها بها بل تحصل الشهادة ويعتضد المراد ويلتئم النظم لأن من كان مقصودا بالآية الثانية وهى قوله: "قل اعملوا " على ما تمهد من جملة المؤمنين المخاطبين بالزكاة فالمعنى ومقتضى النظم وجلالة التركيب وتناسب السياق تحصل الشهادة فنقول قال تعالى: "وقل اعملوا " والمراد بالدأب على أعمال البر ما سلف من تقصيرهم ونظير هذا ما وقع عقب قوله تعالى: " قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله
…
"الآية ثم قال تعالى: "وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب " فليس قوله: "وقل اعملوا " وإن كان قد يبدو منه تهديد كالواقع فى الآية قبل إنما هو فى الحقيقة أمر بالعمل المرجو محوه لما سلف من تقصير وتهذيد لمن لم يتب.
وقوله: "فسيرى الله عملكم " جواب للأمر من قوله: "اعملوا " فالفاء فاء جواب
وكأن قد قيل تأنيسا لهم: اعملوا فلن يضيع عملكم، وقيل هنا "والمؤمنون " لأن الاعمال الاسلامية يشاهدها المسلمون بعضهم من بعض كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك من الأعمال فيرى المسلمون ما تظوهر به من هذه الأعمال ويشهدون لما وراءها مما يرجع إلى قبيل الإيمان من الاعتقادات القلبية وما يرجع اليها قال عليه السلام:"إذا رأيتم الرجل يشهد المسجد فاشهدوا له بالايمان " وقال تعالى: "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله
…
"الآية فلهذا قيل فى هذه الآية "والمؤمنون " ولم يقل ذلك فى أعملا المنافقين لأنها مما لا يتظاهرون بها للمؤمنين وهذا مما يعضد قول الطبرى: أن هذه الآية فى التائبين من المتخلفين " لأن أعمال المنافقين قل ما يتظاهرون بها للمؤمنين إنما يبدونها إخواهم قال تعالى: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا الى
شياطينهم قالوا إنا معكم ".
وقال تعالى: "وإذا جاؤوك قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به " وقال تعالى: "يخفون فى أنفسهم ما لا يبدون لك " فإنما يشاهده المؤمنون ويرو ما يتظاهر به من الأعمال وفى هذا يشاركون نبيهم عليه السلام فى رويته فتلك أعمال المسلمين لا أعمال المنافقين فقوله: "فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " على هذه الصفة من التشريك بينهم وبين نبيهم عليه السلام فى رؤيته إنما هى أعمال الطاعة فهى التى تشاهد ويشاهد التفوت فيها بين المحافظ والمقصر ألا ترى قوله تعالى فى الآية الأولى: "قد نبأنا الله من أخباركم " فإنما نبأهم سبحانه وتعالى بما لم يشاهدوه ولا رأوه من مضمرات المنافقين ولما كان وصول المؤمنين إلى تعرف ذلك باخبار الله تعالى من غير رؤية من المؤمنين لذلك ما قال تعالى: "وسيرى الله عملكم ورسوله " ولم يقل هنا "والمؤمنون " لأنهم لم يحصل لهم شئ من أخبار المنافقين إلا بإنباء الله تعالى لا بإدراك رؤيته.
أما الآية الثانية فقيل فيها "المؤمنون " لأن الواقع من هؤلاء - والله أعلم - أعمال مرئية كما قدمنا فشهد هذا السياق - والله أعلم - أن الآية الأولى فى المنافقين المستمرين على نفاقهم وان الثانية فى التائبين بعد على أعمال محمودة تشاهد وترى هذا حاصل قول الطبرى وان قلنا بما قال أبو محمد بن عطية ورغم أنه الظاهر من أن الماد بقوله "وقل اعملوا
…
"الآية المعتدون الذين لم يتوبوا المتوعدون المعنيون بقوله: "ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم " فيعارضنا اتصالها بما اتصلت به وأما على قول الطبرى فلا اشكال وهة أظهر، والله أعلم بما أراد.
وقد استمر كلام من وقفنا على كلامه من المفسرين على عبور الموضع دون
نزول للاعتبار وهو من المواضع التى يجب أن يتعرض لها وقد جرى فيها كلام الزمخشرى على مقتضى قول الطبرى من غير تعرض لذلك وهو ظاهر والله أعلم.
الآية التاسعة: قوله تعالى: "إن إبراهيم لأواه حليم " وفى سورة هود: "إن إبراهيم لحليم أواه منيب " فتقدم فى الأولى الوصف بأواه على حليم وتأخر فى الثانية وتقدم فيها وصفه بحليم.
ووجه ذلك والله أعلم ان الأواه الكثير التأوه وفى كتاب ابن عطية أن التأوه التفجع فالمراد بالآية أن إبراهيم عليه السلام مع غلظة أبيه وقساوته حتى قال له "لئن لم تنته لأرجمنك " وابراهيم عليه السلام مع ذلك يتأوه تأسفا وتحسرا على اباية أبيه عن إجابته واتباعه مع تلطف إبراهيم عليه السلام فى قوله دعاء لأبيه إلى الإيمان فى إخبار الله تعالى عنه: "يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا " إلى قوله: "يأبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا " فكان عليه السلام لفرط ترحمه ورأفته وحلمه يتعطف على أبيه ويستغفر له ولم يزل على ذلك إلى أن قطع من حاله وتبين له أنه عدو الله فتبرأ منه فإخبر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بما كان من أبيه إبراهيم فى ذلك ليقتدى به ويهتدى بهديه فقال تعالى: "ما كان لنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم " وأعلمه تعالى بعذر إبراهيم فى استغفاره وان ذلك كان عن موعدة تقدمت منه لأبيه فتقدم وصف إبراهيم عليه السلام فى هذه الآية بأنه أواه وذلك مناسب لما بيناه أما آية هود فمنزلة على ما ذكر سبحانه من مجادلته فى قوم لوط جريا على ما وصفه سبحانه به من الحلم فكان تقديم وصفه هنا بالحلك أنسب وأجرى على ما بنى عليه فوضح ورود كلا الموضعين على ما يجب ويناسب ولا يمكن عكس الوارد والله أعلم.