الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(31)
- Die Burgen und Schloesser Sue darabiens جـ 1، 2 طبعة فينا 1879 - 1881 مع
(32)
ملحق فى Suedarab Alteruemer. الخ ص 80 - 95.
(33)
The: Captain W. F. Prideaux Lay of the Himyarites طبعة سيهور عام 1879. وأهم مصدر عن الجغرافية التاريخية هو:
(34)
الهمداني: صفة جزيرة العرب، نشره ميلر، ليدن عام 1884 - 1891. انظر كذلك الفقرات المنقولة عن ابن المجاور فى:
(35)
Post. und Reiserout-: Sprenger en des orients طبعة ليبسك عام 1864 وانظر فيما يتصل بلهجة اليمن:
(36)
Etudes sur les Dia-: Count lectes de l'Arabie؛ Landberg Meridionale المجلد 1، 2 طبعة ليدن عام 1901 وما بعدها ومصنفات. A. Jahn، D. H Muller عن - Die Mehri. und Sokotris prache فى
(37)
Suedarabische Expedition الخ المجلد 3، 4 طبعة فينا عام 1902.
يونس [ج. هـ مورتمان J. H. Mordtmann]
الحنابلة
جمع "حنبلى": هم أتباع المذهب الدينى والفقهى والأخلاقى الذى نشأ من تعاليم أحمد بن حنبل (المتوفى سنة 241 هـ = 855 م) الذى بدئ العمل فى تقنين كتابيه البارزين "المسند" و"المسائل" فى حياة صاحبهما نفسه. والمذهب الحنبلي، على عدائه من حيث المبدأ نفسه لعلم الكلام وللصوفية الباطنية (صوفية الحلول والمعرفة والإباحة) - فإنه لم يتطور بمعزل تام عنهما. فقد كان عدد كبير من مؤلفى الحنابلة هم أنفسهم من المتكلمين أو المتصوفة المتشددين، بل إن الصلابة الصارمة التى يتميز بها فى كثير من الأحيان ذلك الموقف المتشدد للمذهب الحنبلي من حيث عدم الاعتراف بأى مصدر آخر خلاف القرآن والسنة لم تعجز على غير المنتظر عن أن تؤثر
تأثيرًا راسخًا فى باقى المذاهب الإسلامية فى صميم تكوينها.
1 -
المذهب الحنبلى من سنة 241 إلى 334 هـ (855 - 945 م).
كانت الحقبة الممتدة من عودة المتوكل إلى مذهب أهل السنة (232 - 247 هـ = 847 - 861 م) حتى ظهور البويهيين سنة 334 هـ (945 م) هى التى شهدت قيام الحنبلية من حيث هى مذهب بالمعنى الصحيح. وليس ثمة شك فى أن المجموعات الكبيرة من "المسائل" التى خرجت إلى النور وقتذاك بفضل غيرة عدد لا يستهان به من علماء الدين الذين قدموا من شتى بقاع العالم الإِسلامى لشاهدة على الجهد المشترك فى سبيل البحث فى وحدة العقيدة. على أننا - إذا جاز لنا أن نصدر حكمًا على ضوء ما بقى من الرسائل - فإن هناك الكثير من الأسباب التى تجعلنا نذهب إلى أن هذه الرسائل كانت إلى حد كبير مجموعات ينصب التركيز فيها على أفكار بعينها لابن حنبل أو جوانب بعينها من مذهبه، وذلك حسب شخصيات الرواة أو اهتماماتهم. ولم تكن قط رسائل بسيطة من الفكر أو التأمل النظرى المحض، بل كانت بمثابة الاستجابة للحاجة إلى التوجيه الدينى والخلقى، وما أكثر ما كانت تتم فى وقت واحد مع نشر مسائل لشيوخ آخرين، وفى مقدمتهم شيوخ مدرسة الحجاز أو مدرسة خراسان مثل مالك ابن أنس أو الفضيل بن عياض أو عبد الله بن المبارك أو إسحاق بن راهويه. فقد أسهموا فى استقرار المذهب الحنبلي فى مرحلة مبكرة جدًا دون أن يخلصوا من ذلك إلى منهج محدد كل التحديد، تاركين الفرصة - فى الوقت ذاته - لقيام خلافات عن فكر صاحب المذهب تستمر من بعده.
وقد كان لاثنين من أبناء ابن حنبل شأن فى إذاعة مذهبه - أكبرهما صالح المتوفى سنة 266 هـ (879 - 880 م) وقد عمل فى عهد الخلافة العباسية قاضيًا فى طرسوس وأصفهان؛ أما الأصغر عبد الله المتوفى سنة 290 هـ (903 م) فقد رتب بصفة خاصة مادة كتاب "المسند" وضم إليه عددًا معينًا من الإضافات، وجاء تلميذه أبو بكر
القطيعى المولود سنة 368 هـ (978 - 979 م) فوضع للكتاب اللمسات الأخيرة. وإضافات القطيعى مثار نزاع فى كثير من الأحيان داخل المدرسة الحنبلية ذاتها.
وثمة عدة محدثين آخرين من المحدثين البارزين رووا "المسائل" ولعلهم يعدون بحق تلاميذ لابن حنبل. فقد ألف أبو داود السجستاني المتوفى سنة 275 هـ (888 - 889 م)"كتاب السنن" ويعد مؤلفه "كتاب المسائل"(المنشور بالقاهرة سنة 1353 هـ = 1934 م) هو المجموعة الوحيدة من المسائل المتوفرة فى يومنا هذا. أما أبو حاتم الرازى المتوفى سنة 277 هـ (890 - 891 م) الذى يقرن فى بعض الأحيان فى صعيد واحد مع البخارى وأبى زرعة الرازى، فقد اتبع تعاليم ابن حنبل وجمع عددًا كبيرًا من المسائل. وهو يدافع فى كتابه "العقيدة" عن الأفكار الأساسية لمذهب ابن حنبل، مستندًا إلى طبيعة الإيمان وإلى القرآن ومعتمدًا كذلك بالدرجة نفسها على ذم علم الكلام.
ومن أبرز الأسماء فى تاريخ المذهب الحنبلى فى ذلك العصر أبو بكر الخلّال المتوفى سنة 311 هـ (923 - 924 م) الذى تتلمذ على أبى بكر المروزى وعرف الشيخ عبد الله وقام بالتدريس فى بغداد فى مسجد المهدي. وفى كتابه "الجامع" جمع وصنف "مسائل" ابن حنبل التى كانت من قبل موضع تنقيح يقوم به أفراد. وهذه المادة الضخمة التى جمعت أفاد منها أيضًا فى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) ابن تيمية وابن القيِّم. وما تزال هناك آثار أخرى منسوبة لأبي بكر الخلّال، حظيت بثقة عظيمة، وعلى وجه الخصوص "كتاب الإيمان" و"كتاب السنة" و"كتاب فى العلم" و"كتاب العلل". وعلاوة على ذلك فقد وضع أبو بكر الخلّال أول تاريخ نعرفه للمذهب الحنبلى ثم أتم عمله هذا عبد العزيز بن جعفر المتوفى سنة 363 هـ (973 - 974 م) المعروف بغلام الخلّال.
وثمة اسمان آخران يرتبطان كذلك ارتباطًا وثيقًا بتاريخ المذهب الحنبلي فى ختام القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) وبداية القرن الرابع الهجرى
(العاشر الميلادى). أما أولهما فهو أبو بكر السجستاني المتوفى سنة 316 هـ (928 م) وهو ابن المحدَّث أبى داود. ومما بقى لنا من مؤلفاته "كتاب المصاحف"(حققه ا. جيفرى A. Jeffery طبعة ليدن سنة 1937) ورسالة قصيرة فى العقيدة وضعها شعرًا. وهى من خير ما أثر عن ابن حنبل. وثمة عدة كتب أخرى فى التفسير والحديث نسبت له. وأما الثانى فهو أبو محمد الرازى المتوفى سنة 327 هـ (938 - 939 م) الذى حظيت آثاره بشهرة واسعة. ويعد مصنفه "كتاب الجرح والتعديل" من أهم ما كتب فى هذا الفرع. أما تفسيره للقرآن الكريم فهو فى رأى ابن كثير أعظم كتب التفسير التقليدية ويفوق فى قيمته المذهبية تفسير الطبري. ومصنفه "كتاب العلل" فى عيوب وعلل الحديث يبين ميله لاتباع طريقة أبواب الفقه. وينسب لأبى بكر الرازى كذلك رد على الجهمية وترجمة لحياة أحمد بن حنبل يثنى فيها عليه.
ومن ناحية أخرى، كان للمذهب الحنبلى شأن أى شأن فى تاريخ الخلافة الدينى والسياسى مما يتجلى فى الهمة التى أبداها البربهارى المتوفى سنة 329 هـ (940 - 941 م) المحدث والفقيه، تلميذ أبى بكر المروزى وسهل التُسترى، وهو واعظ عالى الهمة ناضل التشيع ومذهب المعتزلة نضالًا مريرًا مبتغيًا إصلاح الخلافة السنية. غير أن حماسته المفرطة دفعت الخليفة الراضى إلى إصدار أمر فى سنة 323 هـ - 935 م بذم المذهب الحنبلى.
أما معاصره أبو القاسم الخرقى المتوفى سنة 334 هـ (945 - 946 م) الذى ارتحل من بغداد عندما ظهر البويهيون ولجأ إلى دمشق، فهو صاحب أول رسالة فى الفقه الحنبلى، ونعنى بها "المختصر" الذى شرحه ابن حامد المتوفى سنة 403 هـ (1012 - 1013 م) ثم القاضى أبو يعلى المتوفى سنة 458 هـ (1066 م) ثم الشيخ موفق الدين بن قدامة المتوفى سنة 620 هـ (1223 م). وهذا المختصر الذى شرحه ما يقرب من ثلاثمائة حسب رواية يوسف بن عبد الهادي المتوفى سنة 909 هـ (1503 - 1504 م)
ما يزال حتى اليوم مدخلا ممتازًا للمذهب الحنبلى فى مجال الفروع.
2 -
المذهب الحنبلى فى ظل البويهيين: (334 - 447 هـ = 945 - 1061 م).
منذ اللحظة التى اعتلى فيها البويهيون دست الحكم فى بغداد والمذهب الحنبلى مدرسة يغمرها النشاط وتمتاز بالقوة لكثرة أتباعها، ولها من التراث المذهبى ما يقف على قدم المساواة مع التراث الذى استطاعت المذاهب الأخرى أن تقدمه. ثم كان من أثر تقدم كل من الشيعة الإمامية التى شجعها البويهيون، والإسماعيلية بعد فتح الفاطميين لمصر سنة 358 هـ (969 م) وإنشائهم مدينة القاهرة، أن وقع صدام بين هذه المذاهب وبين علماء الدين الحنابلة ودعاتها الذين كان لهم نفوذ حاسم فى بدايات حركة العودة إلى السنة التى بدأت تفرض نفسها من عهد القادر (381 - 422 هـ = 991 - 1021 م). ثم قام المذهب الحنبلى بعد ذلك بدور حرب المعارضة السياسى والدينى، وكان فى الطليعة من المذاهب الفكرية التى نمت أو تأسست دفاعا عن الخلافة والمذهب السنى.
ومن بين أولئك النفر الكثيرين الذين يمثلون المذهب الحنبلى وحفظت أسماءهم لنا كتب الطبقات سنكتفى فيما يلى بذكر قلة قليلة منهم هم أولئك المعلمون الذين نرى فيهم - لما خلفوه من آثار وكتب وما عرف من نشاطهم كذلك - من مثل حيوية هذا المذهب وما امتاز به من تنوع فى داخله:
أبو بكر النجاد المتوفى سنة 348 هـ (959 - 960 م): عقد حلقات لدعوة الناس فى مسجد المنصور ببغداد. وجمع "مسند" ابن حنبل وألف "كتاب السنن"، وأما فى الفقه، ففضلا عن تصنيفه رسالة فى الفقه، فقد ألف "كتاب اختلاف الفقهاء".
أبو بكر الآجُرى المتوفى سنة 360 هـ (971 م): ملقى العلم فى بغداد وبعدئذ عاش حياة من العزلة فى مكة، ويدعى كل من الحنابلة والشافعية فى الوقت نفسه انتسابه لمذهبهما، ومصنفه "كتاب الشريعة"(المنشور بالقاهرة سنة 1369 هـ = 1950 م) يفصح عن
تشابه واضح مع كتب العقيدة ذات الأسلوب الحنبلى، ويمكننا أن نرى فيه كما يبدو واحدًا من أولئك المعلمين الشافعيين الذين دفعهم رفضهم للأخذ بأى شئ من علم الكلام أو المذهب الأشعرى، إلى أن يكونوا حنابلة فى الأصول وشافعية فى الفروع.
أبو القاسم الطبراني المتوفى سنة 360 هـ (971 م) صاحب ثلاثة معاجم شهيرة وكتاب السنة وكتاب مكارم الأخلاق
…
(الطبقات، جـ 2، ص 49 - 51).
أبو الحسن بن سمعون المتوفى سنة 387 هـ (977 م): وهو، بحكم ممارسته للمذهب الحنبلى وميله إلى الصوفية، واحد من أولئك العلماء الذين يصعب تصنيفهم بأى قدر من اليقين فى حدود مذهب واحد؛ والقاضى أبو الحسين (الطبقات، جـ 2، ص 155 - 162) وابن عساكر (تبيين المفترى، ص 200 - 206) كلاهما يدعى أنه من مذهبه. وقد شرح ابن سمعون "مختصر" الخرقى وعقد حلقات للوعظ الدينى والخلقى ببغداد حازت شهرة عريضة.
أما معاصره ابن بطة العكبرى المتوفى سنة 387 هـ (997 م) فتلقى تعليمه ببغداد، ثم عاد إلى مسقط رأسه فى سن يناهز الأربعين بعد أن كان قد ارتحل إلى مكة والشام. ونحن ندين له بجملة آثار ذات شأن، ونخص بالذكر منها كتابًا يتبرأ فيه من الحيل الفقهية التى كان يلجأ إليها البعض، وكتابين فى العقيدة صارت لهما فيما بعد منزلة المرجع الواسع الانتشار وهما "الإبانة الكبيرة". و"الإبانة الصغيرة"، وكتاب "الإبانة الصغيرة" (انظر H. Laoust: Profession de foi d'Ibn Batta، 1958) قصد به فى المقام الأول أن يكون كتابًا عامًا فى العقيدة يخاطب النشء الصغير وغير العرب على وجه الخصوص، وهو يرمى إلى العودة بكل أولئك الذين كانوا يميلون إلى التذبذب فى عقيدتهم بسبب شيوع الفرق والمذاهب المختلفة إلى اقتفاء سنة النبي [صلى الله عليه وسلم].
ابن حامد المتوفى سنة 403 هـ (1012 - 1013 م؛ الطبقات جـ 2، ص 171 - 177): واحد من المقربين
للخليفة القادر، وكان فى المقام الأول معلمًا وفقيهًا وأشهر آثاره "كتاب الجامع فى اختلاف الفقهاء" الذى أصبح كثيرًا من بعد مرجعًا فى المذهب الحنبلى. وعلاوة على ذلك تنسب إليه رسالتان فى الأصول كثيرًا ما يستشهد بهما أيضًا، وهما:"كتاب فى أصول الدين" و"كتاب فى أصول الفقه". وقد أسهم ابن حامد، سواء عن طريق تدريسه أو عن طريق كتبه المؤلفة، فى تعليم عدد كثير من الحنابلة من أبناء بغداد أو من أولئك الذين اجتذبتهم قصبة الخلافة العباسية بما لها من شهرة فى مجال العلم.
ومن تلاميذه القاضى أبو يعلى بن الفراء المتوفى سنة 458 هـ (1066 م) وقد عمل ببغداد فى خدمة الخليفة القائم. ومؤلفات القاضى أبى يعلى - التى فقدت كلها تقريبًا - معروفة لنا عن طريق كتابه "الأحكام السلطانية"(المنشور بالقاهرة سنة 1356 هـ - 1938 م) ويظهر أنه نسخ نسخًا حرفيًا من رسالة الماوردى المتوفى سنة 456 هـ (1064 م) فى أحكام الشريعة العامة، ما لم يكن الكتابان قد استقيا من معين واحد؛ أما أكثر مؤلفاته التى كان يرجع إليها كثيرًا فهى حاشيته على الخرقى، ورسالة فى أصول الفقه هى كتاب "المجرد" ورسالة أخرى فى الآراء المتفاوتة لعلماء الشريعة هى "كتاب الاختلاف" وأخيرًا رسالة مهمة فى أصول الدين وهى "كتاب المعتمد"، الذى بقيت لنا نسخة مختصرة (مخطوط فى المكتبة الظاهرية، بدمشق). وكتاب "المعتمد" الذى ألف على غرار الرسائل المعاصرة له فى علم الكلام، يفرد فراغًا كبيرًا للكلام عن نظرية الخلافة. وقد كان القاضى أبو يعلى الذى حضر سنة 433 هـ (1041 - 1042 م) وسنة 445 هـ (1053 - 1054 م) قراءة القادرية رسميًا - مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بسياسة العودة إلى السنة فى عهد القائم من خلال واجباته الرسمية ومن خلال أستاذيته وتدريسه سواء بسواء.
3 -
المذهب الحنبلى خلال القرنين الأخيرين من الخلافة فى بغداد (447 - 656 هـ = 1061 - 1258 م).
احتل طغرل بك بغداد سنة 447 هـ (1061 م) وأنهى حكم أسرة البويهيين
الشيعية. وتميزت محاولة البساسيرى سنة 451 هـ (1059 م) لإعادة المذهب الشيعى إلى بغداد بكل ما تتميز به الأعمال اليائسة سريعة الزوال. وفى سنة 459 هـ (1067 م) افتتحت المدرسة النظامية فى بغداد لتدريس الفقه الشافعى. وتبع ذلك غزو المذهب السنى من جديد لأواسط الشام وجنوبيه. ثم أعاد الأمير أتسز سنة 467 هـ (1074 - 1075 م) الخطبة للعباسيين فى دمشق. وقد بدأ أول تمزق سياسى فى الإمبراطورية السلجوقية الكبرى سنة 485 هـ (1092 م) بموت ملك شاه. وعقيب ذلك، ظهر الصليبيون فى الشام وفلسطين واحتلوا أنطاكية سنة 491 هـ (1098 م) والقدس سنة 492 هـ، وطرابلس سنة 503 هـ (1109 - 1110 م) إلا أن القوة الدافعة لحركة العودة إلى المذهب السنى استمرت بإحياء الخلافة، التى بدأت بالخليفة المكتفى (530 - 555 هـ - 1136 - 1160 م) وبتأسيس أسرة بنى زنكى وأسرة الأيوبيين الحاكمتين فى الشام. وكانت هذه الحقبة التى دامت قرنين هي العصر الذهبى للمذهب الحنبلى الذى بدأ أيضًا من خلال شخصيات أكابر دعاته فى صورة حركة تنطوى على خلافات فى الرأى بالرغم من التزامه الكبير بالتقاليد التى تقوم عليها العقيدة الحنبلية.
الشريف أبو جعفر الهاشمى المتوفى سنة 470 هـ (1077 - 1078 م) وهو يعد فى الجوهر خليفة للبربهارى وابن بطة، إلَّا أنه امتاز على وجه الخصوص بالجهود النشطة التى بذلها لتأييد العقيدة الحنبلية واستعادة سلطان الخلافة العباسية. فنراه وقتذاك فى بغداد متزعمًا لسلسلة من الانتفاضات الشعبية ضد مذهب المعتزلة والتصوف؛ وفى سنة 460 هـ (1068 م) ناهض تدريس مذهب المعتزلة بالمدرسة النظامية؛ وفى سنة 461 هـ ناهض ابن عقيل الذى أدين لتعاطفه مع فكر المعتزلة أو الحلاج؛ وفى سنة 464 هـ شن حملة على شتى صور الفساد؛ وفى سنة 465 هـ إلى مناهضة ابن عقيل الذى أجبر على أن يعلن على الملأ رجوعه عن معتقداته السابقة؛ وأخيرًا
ناهض سنة 469 هـ ابن القشيرى الذى عاد مرة أخرى فى محاضراته بالمدرسة النظامية إلى الهجوم على المذهب الحنبلى متهمًا إياه بتلك التهمة القديمة، وهى "التشبيه".
أما أبو الخطاب الكلوذانى المتوفى سنة 510 هـ (1116 - 1117 م) فكان متبحرًا فى الفقه عاش بمنأى عن أى اضطراب سياسى أو قلاقل (الطبقات، جـ 2؛ ص 258) وقد أسدى إلى المذهب الحنبلى صنيعًا بتأليفه رسالة "الهداية" وهى مرجع مختصر ظل ردحًا من الزمن عمدة فى موضوعه. أما مصنفه "كتاب التمهيد فى أصول الفقه"، الموجود فى مخطوطة بدمشق، فمن الكتب الخليقة بالتحقيق. وثمة آثار أخرى كثيرة له يستشهد بها فى تراث هذه المدرسة، ومن ذلك رسالتان فى الاختلاف ورسالة أخرى فى موضوع ولاية الخلافة، وإن كانت هذه الرسالة موضع خلاف أكثر. ثم قصيدة موجزة فى العقيدة، وهى المعروفة "بالدالية" والتى ظلت تحفظ عن ظهر قلب فى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى).
أبو الوفاء بن عقيل المتوفى سنة 513 هـ (1110 - 1120 م): وليس أبو الوفاء واحدًا من أعاظم علماء الحنابلة فحسب بل هو أيضًا واحد من أشهر الكتاب العرب فى النثر، وكان كثير من شيوخه من الحنفية أو الشافعية. وكان فى شبابه مهتمًا بمذهب المعتزلة وعقيدة الحلاج. وقد أشرنا فيما سبق إلى المعركتين (سنة 461 هـ = 1069 م) و 465 هـ = 1073 م) اللتين كان يعارضه فيهما الشريف أبو جعفر إلى ان اضطره هذا إلى إعلان توبته عما كان يعتنقه من أفكار. وقد شن سنة 475 هـ (1082 - 1083 م) هجومًا علميًا عنيفًا على مذهب الأشعرية. وحدث سنة 484 هـ (1091 - 1092 م)، أى وقت قدوم ملك شاه ونظام الملك إلى بغداد، أن تم استدعاؤه ليشرح لنظام الملك معنى المذهب الحنبلى وأهميته. وقد حظى بسمعة حميدة وثناء عظيم لدى الخليفتين المقتدى (467 - 487 هـ = 1074 - 1094 م) والمستظهر (487 - 512 هـ = 1094 - 1118 م) وكثر تدخله فى الحياة السياسية.
كان ابن عقيل مؤلفًا غزير الإنتاج خصب القريحة على نحو خاص (الذيل، جـ 1، ص 158) ومؤلفه الضخم "كتاب الفنون"، الذى لم يبق لنا منه سوى مجلد واحد، هو رسالة فى الأدب كان ابن الجوزى يرجع إليها كثيرًا. على أن كتبه الأخرى الأكثر تخصصًا ينبغى ألا تغيب عن ذاكرتنا: وهى "كتاب الفصول" المعروف كذلك باسم "كفاية المفتى" و"كتاب الإرشاد فى أصول الدين وهو رسالته الكبرى فى هذا الباب، و"كتاب الواضح فى أصول الفقه"، وأخيرًا "كتاب الانتصار لأهل الحديث" الذى يدل عنوانه دلالة ما بعدها من مزيد على المكانة التى رفع إليها هذا المؤلف دراسة الحديث - G.Mak Ibn Akil et la resurgence de l'Islam: disi) traditionaliste، PIFD، 1962).
وفى القرن الذى سبق سقوط الخلافة سطعت فى تاريخ المذهب الحنبلى ثلاثة أسماء. أولهم الوزير ابن هبيرة المتوفى سنة 560 هـ (1165 م) الذى تجول وهو بعد فى ريعان الشباب فى أسواق بغداد مع داع من دعاة الصوفية لحث أهلها على اتباع أحكام القرآن الكريم والسنة فى حياتهم. وكان للخليفة المقتفى الفضل فيما شغل ابن هبيرة من مناصب، فقد أقامه وزيرًا له. وثبته المستنجد (555 - 566 هـ = 1160 - 1171 م) فى منصبه، وإن كان هذا الأمر لم يمر دون صعاب. وقد أسس ابن هبيرة سنة 557 هـ فى حى باب البصرة مدرسة خصصت لتدريس الحديث والفقه على المذهب الحنبلى ووقف عليها مكتبته الخاصة ذات القيمة العظيمة. وقد قام برنامج ابن هبيرة السياسى على هدفين اثنين هما استعادة مكانة السنة واستعادة سلطان الخلافة. وأراد أن يوفق فى بغيته هذه، فسعى من ناحية إلى تحرير الخلافة من السيطرة السلجوقية وحث نور الدين على فتح مصر الفاطمية، كما جاهد من الناحية الأخرى لجمع كل أسر المذهب السنى حول العقيدة الحنبلية ومناهضة فكر الشيعة. وقد حوى مؤلفه "كتاب الإفصاح" بين دفتيه شرحًا لصحيحى البخارى ومسلم كما ضمنه رسالة فى الاختلاف (نشرت فى حلب سنة 1928). والظاهر أن هذا
الكتاب الذى كان يقرأ ويشرح فى المساجد حسب رغبة الوزير نال رواجًا كبيرًا وحظى بشهرة لا بأس بها فى حياة مؤلفه على الأقل (الذيل، جـ 1، ص 251 - 289).
الشيخ عبد القادر الجيلى المتوفى سنة 561 هـ (1166 م): هو مؤسس أول طريقة صوفية كبيرة، وهى الطريقة القادرية. غير أن موقفه المذهبى يصعب التثبت منه نظرًا لما تعرضت له شخصيته وأفكاره من تحريف وتشويه على يد مترجم حياته الرئيسى الشطانوفى المتوفى سنة 713 هـ (1313 - 1314 م) وكذلك الأساطير التى رواها عنه مريدوه. ولم يكن الشيخ عبد القادر ينتمى إلى المذهب الحنبلى عن طريق الدراسة فحسب، بل بحكم طبيعة مؤلفاته نفسها. فمؤلفه "كتاب الغنية" الذى حقق غير مرة هو رسالته الكبرى فى أصول الدين والأخلاق. وهنا سوف نجده قد جمع فى صعيد واحد بين كلام فى العقيدة ورسالة فى الآداب الشرعية وتلخيص لأحكام الفقه الأساسية ومبادئ أخرى - وكل ذلك مكتوب على منهج المذهب الحنبلى الذى يتسم بالورع والجهاد.
أبو الفرج بن الجوزي المتوفى سنة 597 هـ (1200 م) وهو فقيه ومحدث ومؤرخ، وفوق ذلك كله واعظ. كان وطيد الصلة بالحياة السياسية فى عصره. وقد تتلمذ على شيوخ من الحنابلة كان كثير منهم من المشهورين. ويرجع الفضل فى نجاحه أولًا إلى المناصب التى شغلها بفضل الوزير ابن هبيرة فى خلافة المقتفى والمستنجد. فأما الفترة البارزة فى نشاطه من حيث قيامه بالدعوة الرسمية فقد بدأت فى خلافة المستضئ (سنة 566 - 574 هـ = 1171 - 1179 م) ولم يضع ارتقاء الناصر (575 = 622 هـ = 1179 - 1225 م) للخلافة حدًا لنشاط ابن الجوزى على الفور ولكنه كان بمثابة بداية لانحدار مكانته وتدهور شأنه شيئًا فشيئًا. وقد اعتقل سنة 590 هـ (1194 م) وحبس خمس سنوات فى أحد المنازل بواسط، وما لبث أن قضى نحبه بعد إطلاق سراحه بقليل. ونستطيع القول بأن مجموعة مصنفاته
الضخمة (انظر الذيل، جـ 1، ص 416 - 420) تضم بين طياتها كل ضروب المؤلفات الإِسلامية وألوانها. فهو مؤرخ الخلافة فى كتابه "المنتظم" ومؤرخ الصوفية فى كتابه "صفة الصفوة" وقد تأثر فيهما غاية التأثر بابن عقيل وأبى نعيم الإصفهانى. كما أن كتابه "تلبيس إبليس" الذى شن فيه هجومًا على البدع التى استحدثت فى الإِسلام؛ وهو كتاب يسير على النهج الحنبلى فى مهاجمة الخصوم. على أن أفضل ما صنف هو كتبه المسماة "بالمناقب" التى خصصها لترجمة حياة الشخصيات الدينية والسياسية فى قرون الإِسلام الأولى. ولما كان ابن الجوزى ناقدًا لا يعرف المهادنة فقد وضع كذلك ردودًا يفند فيها آراء الحلاج وعبد القادر الجيلى والخليفة الناصر.
وقد بقى للمذهب الحنبلى فى السنين الخمسين التالية عدة من الرجال البارزين يمثلونه فى بغداد، منهم ابن المارستانية المتوفى سنة 599 هـ (1203 م) وكان هذا الفقيه مشغوفًا بالعلوم الموروثة عن عصور الإغريق الغابرة، كما صنف تاريخًا لبغداد، وقد نافح بحماسة عظيمة عن سياسة ابن هبيرة فى الرسالة التى خصصها لترجمة حياته والإشادة به (الذيل، جـ 1 ، ص 442 - 446)؛ ومحمَّد ابن عبد الله السامرى المتوفى سنة 616 هـ (1219 - 1220 م) وكان قاضيًا فى سامراء ومحتسبًا فى بغداد وانخرط فى الخدمة بديوان الخلافة، وقد خلف رسالتين فى الفقه لهما شأن عظيم هما:"كتاب المستوعب" و"كتاب الفروق"(الذيل، جـ 2 ص 121 - 122)؛ وإسحاق بن أحمد العُلثى المتوفى سنة 634 هـ (1236 - 1237 م) وهو صوفى وأخو جدل لايلين، اشتهر بحاسة شديدة للإصلاح بلغت به حد انتقاد الخليفة الناصر فى السياسة التى انتهجها، وابن الجوزى لتسامحه فى موضوع التأويل (الذيل جـ 2، ص 205 - 211). ومحيى الدين ابن الجوزى المتوفى سنة 652 هـ (1255 م) وهو ابن الواعظ الشهير أبى الفرج بن الجوزى، وقد اشتغل إسحاق فى خدمة الناصر والظاهر والمستنصر. وقبل مقتله هو وأبناؤه الثلاثة عند
استيلاء التتار على بغداد خلف رسالة يدافع فيها عن المذهب الحنبلى. وأقام فى أثناء رحلته الرسمية مدرسة فى دمشق هى "الجوزيّة" التى أصبحت محكمة للقاضى الحنبلى. وفى الأقاليم كذلك كان للمذهب الحنبلى ظهور مبكر جدًا. ففي أصفهان كثيرًا ما يذكر أبو عبد الله بن منده المتوفى فى سنة 395 هـ (1004 - 1005 م) وابنه أبو القاسم المتوفى سنة 470 هـ (1077 - 1078 م) باعتبارهما من الكتاب ذوى المكانة (الاختصار، ص 339 - 396).
وفى هراة خلّف الأنصارى المتوفى سنة 481 هـ (1088 - 1089 م) أشهر رسالة صوفية فى تاريخ المذهب الحنبلى وهى "كتاب منازل السائرين".
وفى دمشق كان من أوائل شيوخ المذهب الشيخ أبو صالح مفلح المتوفى سنة 333 هـ (941 - 942 م) وقد أسس مسجدًا يحمل اسمه خارج الباب الشرقى (البداية، جـ 11، ص 204 - 206). على أن المذهب الحنبلى أصبح راسخ القدم فى فلسطين والشام على يد أبي الفرج الشيرازي المتوفى سنة 486 هـ (1093 م) بوجه خاص (الطبقات، جـ 2، ص 248 - 249؛ الذيل، جـ 1، ص 68 - 73). بل إن ابنه عبد الوهاب المتوفى سنة 536 هـ (1141 - 1142 م) الذى كان هو نفسه واعظًا ومؤلفًا لكتاب فى الرد على المذهب الأشعرى، قد أسس بدمشق أول مدرسة حنبلية عظيمة الشأن (الذيل، جـ 1، ص 198 - 201).
ومن علماء الحنابلة الآخرين علا نجم أسرتين بدمشق أيام حكم بنى زنكى والأيوبيين وهما بنو منجى ثم بنو قدامة على وجه الخصوص وهم من أبناء فلسطين (Precis de: H. Laoust drou d'Ibn Kudama، فى PIFD، 1950) ولهذه الأسرة الأخيرة ينتمى الشيخ عبد الغنى المتوفى سنة 652 هـ (1254 - 1255 م) وهو محدث ذو ميول صوفية مناوئة للأشعرية، وكذلك الشيخ موفق الدين بن قدامة المتوفى سنة 620 هـ (1223 م) الذى ندين له برسالة فى الفقه الحنبلى هى "المغنى"(فى 12 مجلدًا، القاهرة، 1922 - 1930) ، وكانت هذه الرسالة وما زالت
عظيمة الشهرة. ومن ناحية أخرى، كانت مدينة حرّان من عهد قديم جدًا مركزًا لنشاط المذهب الحنبلى. أما أشهر شيوخ المدرسة فكان مجد الدين بن تيمية المتوفى سنة 652 هـ (1254 - 1255 م) الذى ندين له بمصنفيه "المنتقى"(القاهرة سنة 1932) و"المحرر"(القاهرة سنة 1950).
4 -
المذهب الحنبلى فى ظل المماليك والعثمانيين:
ظل المذهب الحنبلى على نشاطه الواسع بالشام وفلسطين فى ظل المماليك البحرية. وفى هذا العصر كان أحمد بن تيمية المتوفى سنة 728 هـ (1328 م) هو أشهر من يمثل المذهب؛ وكانت أسرته قد احتمت بدمشق سنة 666 هـ (1267 - 1268 م) تهيبًا من الغزو التترى الوشيك. وقد تلقى ابن تيمية تعليمه بدمشق ولم يشغف بالتراث الحنبلى فحسب بل بكل المذاهب الإِسلامية أيضًا يستوى فى ذلك شغفه وإقباله على الفقه وعلم الكلام والفلسفة. ولما كان ابن تيمية منهمكًا ومشاركًا عن قرب فى الحياة الدينية والسياسية فى عصره، فإنه سرعان ما وجد نفسه، بسبب حماسته فى الجدل، مصطدمًا بكثير من خصومه مما عرضه لمحن كثيرة. ولما حمل إلى القاهرة سنة 705 هـ (1305 - 1306 م) سجن مرة حوالى ثمانية عشر شهرًا حتى سنة 707 هـ (25 سبتمبر 1307 م). وبعد أن نفى إلى الإسكندرية سبعة أشهر أطلق سراحه الملك الناصر وأعاده إلى القاهرة بعد سقوط بيبرس الجاشنكير. وعاد إلى دمشق سنة 712 هـ (1313 م). وسجن مرة أخرى سنة 720 هـ (1320 م) بالقلعة قرابة خمسة شهور لاعتناقه رأيًا فى مسألة الطلاق عُدَّ من الزندقة. ثم سجن من جديد سنة 726 هـ (1326 م) لآرائه فى زيارة القبور حيث أنكر زيارة القبور وعدها بدعة. وكانت وفاته فى السجن بقلعة دمشق فى العشرين من ذى القعدة سنة 728 هـ (26 سبتمبر سنة 1328 م). وسواء نظرنا إلى مصنفات أحمد بن تيمية فى المذهب أو إلى دروسه التى ألقاها أو إلى نشاطه الشخصى، فإنه فى كل هذه المجالات ترك بصمة
واضحة وأثرًا عميقًا على تاريخ المذهب الحنبلى.
وأهم تلاميذ ابن تيمية هو ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 هـ (1350 - 1351 م؛ الذيل، جـ 2، ص 447 - 453) وقد شاركه بعضًا من محنه الأخيرة. وكان واعظًا أكثر منه متكلمًا وله حاشية على كتاب "المنازل" للأنصارى (3 مجلدات، القاهرة، سنة 1916) كما بقى لنا من مؤلفاته رسالة ذات أهمية فى أصول الفقه، وكتاب "إعلام الموقعين"(3 مجلدات، القاهرة سنة 1915) ورسالة فى الفقه العام أدارها حول نظرية فى الأدلة وهى رسالة "الطرق الحكمية"(القاهرة، سنة 1317 هـ والطبعات التالية)، ثم منظومة فى العقيدة هى "النونية" انصرف كلامه فيها بصفة خاصة إلى الهجوم على الجهمية ومذهب الاتحاد (صدرت منها طبعات كثيرة بالقاهرة منذ سنة 1902 م).
عبد الرحمن بن رجب المتوفى سنة 795 هـ (1393 م) وهو من أسرة كانت نشأتها فى بغداد ولكن المقام استقر بها فى دمشق. وقد تتلمذ على ابن القيم. ولما كان فقيهًا أصوليًا ومحدثًا فقد اكتسب لنفسه بمصنفه "الذيل" صفة المؤرخ المثبت الدقيق للمذهب الحنبلى. ومؤلفه الفقهى الضخم "القواعد"(القاهرة، 1933) حرى بأن يكون رسالة تتناول موضوعًا واحدًا. ولابن رجب أيضًا عدة رسائل يسعى فيها لتوطيد دعائم موقف السلف، على أساس من العقيدة مع الاستمساك بشئ من الصلابة فى الرأى.
وفى ظل حكم المماليك الجراكسة (784 - 923 هـ = 1382 - 1517 م) فقد المذهب الحنبلى بعض ماله من مكانة فى الشام وفلسطين لأسباب من العسير التأكد منها، على أنه ليس ثمة ريب فى أن من بين ما يعين على جلاء الأمر وتعليل هذا الاضمحلال النسبى عداء المذهب الحنبلى لمدرسة ابن عربى ومذهب الاتحاد اللذين كان أثرهما فى نمو وازدياد. ومع ما اعتور المذهب الحنبلى من ضعف كبير، فإنه لم يغب عن الساحة غيابًا كاملًا. فقد كانت تمثله أسر عظيمة من الفقهاء الذين احتكروا
التدريس كما احتكروا الوظائف الرسمية، كما يتميز هذا المذهب بكثيرين من علماء الأصول الذين تستوجب مكانتهم منا أن نعمل على إبرازها. وثمة قائمة بأسمائهم فى كتاب "مختصر طبقات الحنابلة" الذى ألفه المفتى الجليل للحنابلة فى دمشق الشيخ محمد جميل الشطى (نشر فى دمشق سنة 1330 هـ = 1921 م) وهو يعتمد على كتاب "المنهج الأحمد" - الذى لم ينشر حتى الآن - لمجير الدين العُليمى المتوفى سنة 927 هـ (1521 م) مؤرخ القدس والخليل.
قاضى القضاة برهان الدين بن المفلح المتوفى سنة 884 هـ (1479 - 1480 م) وهو سليل أسرة أمدت المذهب الحنبلى بعلماء آخرين كثيرين يضارعونه فى الشهرة وذيوع الصيت، وقد صنف فيما صنف تاريخًا للمذهب الحنبلى، لم يقم أحد بتحقيقه حتى الآن.
علاء الدين المرداوى المتوفى سنة 885 هـ (1480 - 1481 م) معروف على وجه الخصوص فى تراث المذهب بمرجعه الضخم فى الفروع وهو "كتاب الإنصاف" وبرسالة فى أصول الفقه هى "كتاب التحرير فى أصول الفقه". وقد بدا أثره واضحًا جليًا على كثيرين من علماء مصر فى هذا العصر (المختصر، ص 69) وأتم كتابه شهاب الدين العسكري المتوفى سنة 912 هـ (1506 - 1507 م؛ المصدر السابق، ص 78 - 79).
وبعد فتح الشام ومصر (1517 م) لم يكن نظام الحكم العثمانى موافقًا للمذهب الحنبلى، إلى حد أنه جعل الصدارة للمذهب الحنفى أو الماتريدى. على أن كثيرًا من العلماء فى الشام وفلسطين ومصر خليقون بأن نذكرهم هنا:
شرف الدين موسى الحُجاوى المتوفى سنة 986 هـ (1560 - 1561 م) من أبناء القدس وقد كان موضع ثقة عظيمة فى هذه البلاد الثلاثة. وما يعنينا فى المقام الأول أنه مؤلف "كتاب الإقناع"(نشر بالقاهرة) الذى ظل على مدى زمن طويل من الرسائل الأساسية فى الفقه الحنبلى، وما يزال يرجع إليه بصفة مستمرة (المختصر، ص 85).
منصور البهوتى المتوفى سنة 1051 هـ (1641 م) وقد قام بالتدريس بجامعة الأزهر، وخلف أيضًا عدة رسائل ذات قيمة.
ابن العماد المتوفى سنة 1089 هـ (1679 م) ولد بدمشق وتلقى العلم بالقاهرة وتوفى بمكة. وهو فى المقام الأول، وفى عيون الأجيال التى تلته - مؤلف "شذرات الذهب"(المختصر، ص 61).
على البرادعى المتوفى سنة 1150 هـ (1737 - 1738 م) كان واعظًا رسميًا بمسجد سنان باشا بدمشق وتولى أمر المدرسة العمرية، وقد أثر عنه أنه كان واعظًا عظيمًا (المختصر، ص 123).
الشيخ عبد الرحمن البَعْلى المتوفى سنة 1192 هـ (1778 م) وقد أنجبت أسرته أيضًا علماء مبرزين آخرين فى العلوم الإِسلامية. وانخرط عبد الرحمن فى صوفية ابن عربى وابن الفارض بإرشاد الشيخ عبد الغنى النابلسى (المختصر، ص 133) - الأمر الذى لا يعد ظاهرة قائمة بنفسها، إذ إن المذهب الحنبلى لم يعدم من الحنابلة من سعوا إلى الجمع فى ذكاء بين الشريعة والحقيقة جنبًا إلى جنب.
وأبرز حقيقة فى تاريخ المذهب الحنبلى فى ظل حكم العثمانيين هى ظهور المذهب الوهابى على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة 1206 هـ (1792 م؛ انظر H. Laoust: Essai sur Ibn Taymiya، ص 506 - 540). ولد محمد بن عبد الوهاب بالعُيَيْنَة حوالى سنة 1115 هـ (1703 م) ولكنه تلقى القدر الأكبر من علومه فى مكة والمدينة، ونجح فى استمالة الأمير محمد بن سعود أمير الدرعية إلى دعوته بعد عدة محاولات لم يكتب لها النجاح. وهكذا ولدت الدولة السعودية سنة 1157 هـ (1744) واستطاعت بعد تقلبات شتى أن تبقى. وما يزال محمد بن عبد الوهاب عبر هذا التاريخ الطويل، هو مُنَظِّر هذه الحركة الأول المشهود له بالقدح المعلى فى ذلك. وعلاوة على كتب أخرى كثيرة فى العقيدة ألفها محمد بن عبد الوهاب، فإن أخطر مؤلفاته شأنًا هو "كتاب التوحيد"
(طبعت منه طبعات كثيرة). ويمكن العثور على المؤلفات التى تحمل سمة الحركة فى "مجموعة التوحيد النجدية"(القاهرة سنة 1346 هـ) و"مجموعة الرسائل والمسائل النجدية"(القاهرة 1346 هـ، 4 مجلدات).
واستفاد محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه استفادةً عظيمة من مؤلفات أحمد بن تيمية، ولا سيما "الواسطية" و"السياسة الشرعية" و"منهاج السنة" وسائر رسائل ابن تيمية التى حمل فيها على تقديس الأولياء وعلى صور بعينها من الصوفية فى مقدمتها مذهب الاتحاد. ويأتى بعد ابن تيمية، ابن القيم الذى يستشهد بمؤلفاته كثيرًا هو الآخر، وإن كان هناك مؤلفون آخرون من المتقدمين أو المتأخرين، مثل القاضى أبى يعلى أو الحجاوى اللذين رجع إليهم أيضًا الكتاب الوهابيون.
على أن الوهابية لم تكتسب داخل المذهب الحنبلى تأييدًا مطلقًا أو مجمعًا عليه، فقد كان من المؤلفين الحنابلة من لم يتبع الوهابية بل ناصبها العداء أيضًا: ومن أمثال هؤلاء ابن حميد المكى المتوفى سنة 1295 هـ (1878 م؛ Brockelmann، قسم 2، ص 812) وهو صاحب مجموعة هامة من التراجم الحنبلية وهى "السحب الوابلة"، وتحقيق هذا الكتاب من شأنه أن يسهم إسهامًا عظيمًا فى فهم أفضل للإسلام فى الزمن الحديث والمعاصر.
إن الوهابية التى ناقشها الناس بحماسة وانفعال إبان ظهورها وفى أوقات أخرى من تاريخها كان لها خصوم ألداء فى الامبراطورية العثمانية وفارس وبلدان عربية مختلفة، واستطاعت أن تخلف أثرًا باقيًا وعميقًا - وإن تفاوت مقدار بقائه وعمقه - فى بلاد المغرب العربى والهند وشبه جزيرة العرب. وقد اتضح أثرها على الحركة الشامية المصرية للإصلاح الإِسلامى، وعلى الأخص فى شخص رشيد رضا المتوفى سنة 1935 م فى الحقبة التى أعقبت الحرب العالمية الأولى. وقد كان هناك سعى فى بعض الأحيان للتأثير عن طريق المذهب الحنبلى فى مولد حركة الإخوان المسلمين (راجع J. Heyworth - Dunne: Religins and Political trends in modern