الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حنيف
(والجمع حُنفَاء): تكرر ورود هذا اللفظ في القرآن الكريم للدلالة على أهل الدين الحق الصحيح، مثال ذلك ما ورد في سورة يونس الآية 105، وسورة الحج الآية 32 (1)، وسورة الروم الآية 29 (2)، وسورة البينة الآية 4 (3) الخ. وهو ينطبق على إبراهيم [عليه السلام] خاصة في عبادة الله الخالصة. وقد جرى القرآن على المقابلة بين إبراهيم والمشركين كما جاء في سورة آل عمران عمران، الآية 89 (4)، وسورة الأنعام الآيتين 79، 162 (5) وسورة يونس الآية 105 وسورة النحل الآيتين 121، 124 (6) وسورة الحج الآية 32 (7). على أنه يصفه في الوقت نفسه في آية أو آيتين بأنه لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا كما في سورة البقرة الآية 129 (8):"وَقَالُوا (أي أهل الكتاب) كُونُوا هُودًا أو نَصَاري تَهتَدُوا قُل بَل مِلَّةَ إبَراهيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ منَ المُشركينَ" وفى سورة آل عمران الآية 60 (9)"مَا كَانَ إبَراهيمُ يَهُوديًا وَلَا نَصْرانيًا ولكن كَانَ حَنيفَا مسلمًا ومَا كَانَ منَ الْمُشركينَ". وهذَا الجمَع البسيطَ بين كلَمَتي "حنيف" و"مسلم" في هذه الآية يكفى للدلالة على أن "حنيف" لم تكن عند النبي [صلى الله عليه وسلم] علمًا على جماعة دينية بعينها. والأمر أوضح من ذلك في عبارة "حنفاء لله" الواردة في سورة الحج (الآية 32)(10). أما الآية 29 (11) من سورة الروم فهى من الأهمية بمكان في فهم المدلول القرآنى للكلمة. قال [تعالى] " {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (أي) فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ. .} (وانظر أيضًا سورة الأنعَامَ الآية 79: وسورة يونس الآية 105). وهنا معناها: الدين الأول الفطرى
(1) رقم الآية في المصحف العثماني 31.
(2)
رقم الآية في المصحف العثماني 30.
(3)
رقم الآية في المصحف العثماني 5.
(4)
رقمها 95.
(5)
رقمها 161.
(6)
رقمهما 120، 123.
(7)
رقمها 31.
(8)
رقمها 135.
(9)
رقمها 67.
(10)
رقمها 31.
(11)
رقمها 30.
القديم أما فيما يختص بوقت نزول هذه الآيات فإننا نستطيع أن نقطع بنسبتها في الغالب إلى العهد المدنى اللهم إلا الآيات 79 من سورة الأنعام و 105 من سورة يونس و 4 (1) من سورة البينة، فإن نسبتها إلى هذا العهد محل شك، ولكن يجب أن ندخل في حسابنا هنا أيضًا أن من الجائز أن تكون قد صيغت فيما بعد بصيغة أخرى (2).
وقد استعمل المسلمون المتأخرون كلمة "حنيف" قياسًا على معناها القرآني، والحنيفية (وقلما يقال الحنفية) معناها دين إبراهيم [عليه السلام](ابن هشام ص 143، س 8 (3)، 147، س 4 (4) ، 822، س 1) (5) ولما كان محمد [صلى الله عليه وسلم] قد بعث دين إبراهيم الحق فإن لفظ "حنيف" كثيرا ما يستعمل بمعنى "مسلم" كما ورد في ابن هشام (ص 82، س 18 (6)، 995، س 11 (7).
وانظر أيضًا ص 781، س 5 (8) إشارة
(1) رقمها 5.
(2)
هذه عبارة مبهمة تثير التشكك في صحة القرآن الكريم، والمعروف أن الناسخ والمنسوخ من الآيات كلاهما مذكور بنصه الأصلى في القرآن الكريم.
(3)
حدثت عن سلمان الفارسى أنه قال لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] حين أخبره خبره أن صاحب عمورية قال له ايت كذا وكذا من أرض الشام فإن بها رجلًا بين غيضتين في كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزًا يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحد منهم إلا شفى. فسله عن هذا الدين الذي تبتغى فهو يخبرك عنه. قال سلمان: فخرجت حتى جئت حيث وصف لى فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك حتى خرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض إلا شفى، وغلبونى عليه فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخل إلا منكبة، قال فتناولته فقال من هذا والتفت إلي قال قلت يرحمك الله. أخبرنى عن الحنيفية دين إبراهيم، قال إنك لتسأل عن شئ ما يسأل عنه الناس اليوم.
(4)
". . . وكان زيد بن عمرو قد أجمع الخروج من مكة ليضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم. ."
(5)
قال ابن هشام حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم فرأى إبراهيم [عليه السلام] مصورًا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ما شأن إبراهيم والأزلام، ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين. ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست.
(6)
من قصيدة لابن أنيس.
وقلت له خذها بضربة ماجد
…
حنيف على دين النبي محمد
(7)
من أبيات لامامة المزيرية:
حباك حنيف آخر الليل طعنة
…
أباعفك خذها على كبر السن
(8)
من قصيدة لكعب بن مالك حين أجمع رسول الله [صلى الله عليه وسلم] السير إلى الطائف بعد غزوة حنين:
لأمر الله والإسلام حتى
…
يقوم الدين معتدلًا حنيفا
إلى الدين ذاته أي الدين الخالص القويم، وكذلك في بيت الفرزدق (النقائض جـ 1، ص 378)(1) حيث يؤدى الخلاف في رسم اللفظ إلى قراءة أخرى.
ويصف النبي [صلى الله عليه وسلم] في أحاديث مختلفة الدين الذي يدعو إليه بأنه "الحنيفية السمحة". تمييزًا له عن النزعات الرهبانية (ابن سعد، جـ 1، ص 128 (2)، جـ 3، ص 287) (3) وكان الفعل (المصدر) "تَحَنُّف "يرد أحيانًا بمعنى خلوص العبادة في العصر الجاهلي (Skizzen and Vo-5 - : Wellhausen rarbeiten جـ 4، ص 156) وأحيانًا أخرى مرادفًا بالفعل للدخول في الإسلام (الكامل، ص 526: في بيت لجرير (4) لسان العرب جـ 10، ص 404 (5). ويصدق هذا أيضًا على الفعل (المصدر) "تَحَنَّث". ويرى هرشفيلد Hirschfeld ولَيَال Lyall ومن قبلهما دويتش E. Deutsch أنه مشتق من اللفظ العبري "ثحنّوث" ولعل الأرجح أنه مشتق من "تَحَنُّفَ" (نولدكه Neue Beitrage zur Semit.: Noeldeke Sprach Wis senschaft ص 72) ذلك لأن الاشتقاق الأخير يفسره ابن هشام (ص 152 (6) جـ 1، ص 149 (7) بـ"التبرر"، وإن كان من معانيه أيضًا الدخول في الإسلام (الطبرى جـ 1، ص 2827)(8).
(1) إذا غاب نصرانيه في حنيفها
…
أهلت بحج فوق ظهر العجارم.
(2)
قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم]"بعثت بالحنيفية السمحة".
(3)
قال النبي [صلى الله عليه وسلم]"يا عثمان إن الله لم يبعثنى بالرهبانية -مرتين أو ثلاثًا- وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة. .".
(4)
إن الفرزدق إذ تحنف كارهًا
…
أضحى لتغلب والصليب خدينا.
(5)
". . . والحنيف الصحيح الميل إلى الإسلام والثابت عليه. . .".
". . . والدين الحنيف الإسلام، والحنيفية ملة الإسلام وفي الحديث أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة. .".
(6)
كان رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يجاور في حراء من كل سنة شهرًا وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية. والتحنث التبرر.
(7)
قال ابن هشام: تقول العرب التحنث والتحنف يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء مكان الثاء كما يقولون جدث وجدف يريدون القبر.
(8)
.. وفيها "أي سنة 82 هـ" تزوج عثمان نائلة ابنة القرافصة وكانت نصرانية فتحنثت (أي تحنفت فأسلمت) قبل أن يدخل بها.
والمعنى الذي جاءت به الآية المذكورة آنفًا (سورة الروم، الآية 29 (1) وهو أن كلمة حنيف معناها الدين الفطري يتردد في مصنفات العرب المتأخرين مثل الكامل (ص 244)(2)". . ما حنيف على الفطرة .. ؟ " أو الديار بكرى (جـ 2، ص 177): إذا مت "على الفطرة لله".
ويتصل بهذا، وإن أصابه تعديل جوهري، استعمال بعض المصنفين للفظ "حنيف" لا للدلالة على الدين الفطري الخالص، ولكن للدلالة على ما سبق الأديان المتأخرة القائمة بذاتها.
ويستعمل المسعودي بخاصة في كتابه "التنبيه والإشراف" لفظ "الحنفاء" مرادفًا للصابئين من الفرس والرومان قبل اعتناقهم المجوسية فالنصرانية (3) وهو يسمى هذا الطور من أطوار الرقى الديني بالحنيفية الأولى (4) ليفرق بينه وبين الدين الحنيف. ويقرر في الوقت نفسه أن هذه الكلمة "حنيف" صيغة معربة من السريانية "حنيفوا (5) " ويجب أن نذكر في هذا المقام أن الكلمة السريانية "حنف" إنما تستعمل للدلالة على الصابئين بالذات (ابن العبرى: التاريخ ص 176).
وإذا أردنا الآن أن نحقق أصل كلمة "حنيف" وتاريخها الأقدم فإن أول ما ينبغي أن نعمله هو البحث عن عبارات قد ترد فيها الكلمة بمدلول مستقل عن الاستعمال القرآني. ومما يستوجب الأسف أن معظم هذه العبارات تكتنفها الصعاب الشديدة، إما للشك في صحتها وإما لأنها من التداخل والإلتباس بحيث تتعرض لكثير من التأويلات. ومن ثم انتهى العلماء إلى نتائج مختلفة،
(1) رقمها في المصحف العثماني 30.
(2)
من قصيدة لعمرو بن زعبل يعترض فيها على أبي عيينة:
إني أحاجيك ما حنيف على الـ
…
فطرة باع الرباح بالغبين
(3)
المسعودي: التنبيه والإشراف طبعة ليدن 1891، ص 6، س 4 ". . وملوك الروم على طبقاتهم من الحنفاء وهم الصابئون والمتنصرة. ."
(4)
المسعودي: ص 136، س 15:". . فهذه الطبقة الأولى من ملوك الروم الذين كانوا على دين الصابئة وهي الحنيفية الأولى. ."
(5)
المسعودي: ص 90، 91 ". . وكانوا قبل ذلك على رأى الحنفاء وهم الصابئون، وهو المذهب الذي أتى به يوذاسب إلى طهاروث، وهذه كلمة سريانية عربت وإنما هي (حنيفوا) قيل جئ بحرف بين الباء والفاء وإنه للسريانيين فاء.
فقلهوزن Wellhausen مثلًا يخرج من هذه العبارات بأن "حنيف" كانت تدل في الأصل على الراهب النصراني.
بينما يرى مرجوليوث D. S. Margoliouth أن "حنيف" معناها في كل ما وردت فيه "المسلم". ولا مشاحة في أن هذا المدلول الأخير يطابق كل المطابقة بيتًا من شعر القرن الأول الهجري كثيرًا ما يستشهد به (ياقوت، جـ 2، ص 51: كتاب الأغاني جـ 16، ص 45 الخ .. ) وفيه ينماز الحنيف من القس النصراني والحبر اليهودي (1) ونجد من ناحية أخرى أن من المشكوك فيه أن يكون هذا المعنى هو الذي يستخلص من قصة مصرع بسطام البكري النصراني، وقد جعلوا مسرح هذه القصة في الشمالى الشرقى من جزيرة العرب (الكامل، ص 131؛ النقائض، طبعة بيفان جـ 1، ص 314) فقد صاح بسطام بأخيه عندما أراد أن يرجع إليه: "إن كررت يابجاد فأنا حنيف (2) ". ومهما يكن من شيء فإن المبرد يبين بتعليقه على ذلك أن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان قد بُعث آنئذ، وأنه أي المبرد، قد عرف أن الحنيف هو المسلم (3). بيد أن المعنى يكون أسوأ تأثيرًا إذا فسرنا الحنيف هنا بـ"الكافر"(نولدكه Noeldeke) أو المشرك. أما بيت صخر (هذيل Kosegarten جـ 18، ص 11) الذي يرد فيه ذكر نفر من سكارى النصارى يصخبون حول "حنيف" من الحنفاء، فإن أحد الشراح يفسر الحنيف هنا بأنه المسلم، ولكن العبارة يمكن أن تدل أيضًا على راهب يرغب عن الخمر. ويصدق هذا أيضًا
(1) وصهباء جرجانية لم يطف بها
…
حنيف ولم تنغر بها ساعة قدر.
ولم يشهد القس المهينم نارها
…
طروقا ولا صلى على طنجها حبر.
(2)
النقائض جـ 1، ص 314 ". . فأسر عيينة بسطاما قال ونادى القوم بجادا أخا بسطام بن قيس: كر على أخيك وهم يرجون إذا أبى أن يكر فيأسروه، فنادى بسطام أخاه إن كررت يا بجاد فأنا حنيف وكان نصرانيا قال نلحق بجاد بقومه. ."
(3)
الكامل ص 131 ". . وكان بسطام نصرانيًا، وكان مقتله بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أخوه الرجوع إلى القوم فصاح به بسطام أنا حنيف إن رجعت. ."
على بيت الشاعر ذي الرمة (لسان العرب جـ 13، ص 206 (1) الذي يتجه في صلاته ناحية الغرب، وهي غير وجهة النصارى. أما بيت الهذلى (2) لسان العرب جـ 6، ص 133 الذي يشير إلى مقام الحنيف للعبادة فلا غناء فيه، على أننا قد نعلق أهمية أكبر على بعض أبيات ورد فيها لفظ "تحنف" بمعنى إقامة الشعائر، وهو المعنى الذي ذكرناه آنفًا، وأحد هذه الأبيات لشاعر جاهلي هو جران العود من بنى نمير من قبيلة هوازن بنجد (لسان العرب جـ 10، ص 404 (3): وانظر خزانة الأدب جـ 4، ص 198 (4) وفيه يذكر "العابد المتحنف" الذي يقيم صلاته، وهو لا يقصد بذلك إلا الناسك العربي، ولا شك أن جريرًا (النقائض جـ 2، ص 595)(5) كان يفكر في رجل مثل هذا عندما تحدث عن إحدى القبائل بأن أهلها تحالفوا على الخزى والعار كما تحالف النصارى مع دين من يتحنف. وقد تدفعنا القصائد المنسوبة إلى بعض معاصرى النبي [صلى الله عليه وسلم] خطوة جوهرية إلى الأمام إذا كانت صحتها ثابتة ولو بعض الشئ، ولكن الواقع يخالف ذلك للأسف.
ويصدق هذا بصفة خاصة على الأبيات المنحولة لقيس بن الأسلت، وهو خصم للنبي [صلى الله عليه وسلم] من الأوس، وفيها يدعو إلى "دين حنيف"(ابن هشام، ص 180)(6) ويوازن بين هذه الديانة الفطرية وبين النصرانية واليهودية (المصدر السابق، ص 293)(7). أما قصيدة أمية بن أبي
(1) إذا حول الظل العشى رأيته
…
حنيفا وفي قرن الضحى يتنصر
والمعنى يقول إذا حول الظل العشى وذلك عند ميل الشمس إلى جهة المغرب صار متوجهًا للقبلة فهو حنيف. فإذا كان في أول النهار فهو متوجه للشرق لأن الشمس تكون في جهة المشرق فيصير متنصرًا لأن النصارى تتوجه في صلاتها إلى جهة المشرق.
(2)
وهو أبو ذؤيب الهذلى قال:
أقامت به كمقام الحنيف
…
شهرى جمادى وشهرى صفر
(3)
وأدركن إعجازًا من الليل بعدما
…
أقام الصلاة العابد المتحنف
(4)
عن التعريف بالشاعر: وجران العود لقب شاعر جاهلي من بنى صعصعة بن نمير بن عامر بن صعصعة.
(5)
وحالفتم للؤم يا آل درهم
…
حلاف النصارى دين من يتحنف
(6)
أقيموا لنا دينًا حنيفًا فأنتم
…
لنا غاية قد يهتدى بالذوائب
(7)
فلولا ربنا كنا يهودا
…
وما دين اليهود بذى شكول
ولولا ربنا كنا نصارى
…
مع الرهبان في جبل الجليل
ولكن خلقنا إذ خلقنا
…
حنيفا ديننا عن كل جيل
الصلت التي يتحدث فيها عن دين الحنيفية على أنه الدين الحق الذي سيبقى بعد البعث (انظر Schulthess: Beitraege Zur Assyriologie جـ 8، 3، ص 72، 129، على أننا إذا طرحنا هذه القصائد جانبًا، فإن الأبيات المذكورة آنفا تكفي لتبيان ما ينبغي أن نسلم به وهو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم إنما كان في استعماله لهذه الكلمة متبعًا استعمالًا مقررًا؛ ويمكن أن نرجح أن كلمة حنيف كانت حتى قبل عهده تدل على القوم الذين رفضوا النصرانية واليهودية، وإن تأثروا بالأولى، التماسًا لدين أبسط وأدنى إلى الفطرة. بيد أن التطور التاريخي لمثل هذه الحركة يكتنفه غموض لا يمكن كشفه بالمعلومات التي بين أيدينا الآن. ومن المحتمل أن تكون الكلمة متصلة بالحركات الدينية التي نشأت في بلاد اليمن، كما يذهب إلى ذلك بعض العلماء المحدثين، ولكن ذلك غير مقطوع به، لأن أكثر ما يروى من أبيات الشعر الموثوق بها إنما ينسب لعرب الشمال.
أما كلمة "حنيف" من حيث الاشتقاق، فإن المسعودي نفسه -كما ذكرنا آنفًا- يرى فيها كلمة آرامية دخيلة، ولرأيه مؤيدون في العصر الحديث، يجعلونها مشتقة من الكلمة الكنعانية الآرامية "حنف".
ومهما يكن من شئ فحسبنا هذا الاشتقاق من الآرامية، ذلك لأن الكلمة الإثيوبية الموافقة لها التي يفترض فنكلر Winckler أنها قد اشتقت منها، إنما هي كلمة دخيلة لا توجد إلا في المؤلفات. وقد أشار شولتس Schulthess بحق إلى أن الكلمة الآرامية "حنف" أو "حنفا" لا يمكن أن تصير إلى "حنيف" العربية، وقد لا نستطيع أن نخرج من هذا إلا بأمر واحد يقتضينا أن نفرض صيغة وسطًا تؤيد الصيغة التي وجدت عند الماندويين [الصائبة](انظر اسم المعنى السريانى "حنيفوا" الذي ذكره المسعودي). أضف إلى ذلك أننا نستطيع، إذا لم نجد سبيلًا آخر، أن نستخلص معنى "المنشق" من الكلمة العربية "حنف" أي (كسر أو شق) التي قد تشير إلى تطور مماثل في المعنى. وينبغي أن لا نطرح من حسابنا أن