الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(16)
سيد العقل: عبقرية البحترى، بيروت سنة 1953.
(17)
Brockelmann، قسم 1، ص 125.
(18)
وثمة رسالة ممتازة عنوانها Un poete arabe du Ille si 6 cle de I'hegrie (.LXe s. de J.C) قدمها لنيل الدكتوراه من السوربون سنة 1953 صالح الأشتر، ولم تنشر بعد.
خورشيد [بلًا Ch. Pellal]
تعليق على مادة البحتري
ثانى اثنين رفعا اسم قبيلتهما "طيئ" في عالم الشعر على كثرة ما أنجبت هذه القبيلة الكبيرة من شعراء سبقوهما بأجيال مثل عامر بن جُوَين وحاتم وغيرهما، ومن لحقوا بهما بعد ذلك بأجيال منهم الطِّرِمَّاح وغيره. وعُرفا في كتب الأدب "باسم الطائَّيين": الأول أبو تمام حبيب بن أوس، والثاني أبو عُبادة الوليد بن عُبيدْ بن يحيى بن عُبيدَ فكان بعض الكتاب يقولون عن الأول: الطائى الكبير، وعن الثاني: الطائى الصغير، تمييزا لهما. وعُرف شاعرنا بهذه الكنية "أبو عُبادة" إلَّا أن أبا الفرج وياقوتا الحموى وابن الخطيب البغداديّ قد ذكروا في كتبهم: الأغانى، ومعجم الأدباء، وتاريخ بغداد، أنه كان يكنى: أبا الحَسن، وأبا عُبادة، فأشير عليه في أيام المتوكل بأن يقتصر على أبي "عبادة" فإنها أشعر، ففعل. ونقل ابن خِلِّكان في وفيات الأعيان هذا.
وقد اختلف كثيرون ممن أرَّخوا لهذا الشاعر في الموضع الذي وُلد فيه، وفي تاريخ ميلاده.
قال بعضهم - ومنهم ياقوت الحموى في "معجم الأدباء"(19: 249) - إن مولده كان في مدينة "منبج" الواقعة في الشمال الشرقي من حلب في شمال الجمهورية السورية، وكانت تعرف عند الروم باسم "هيرابوليس Heirapolis وقال بعض آخر - منهم ياقوت الحموى أيضًا - الذي ذكر في "معجم البلدان" (2: 239 ليبزج) إن مولد البحترى كان في قرية "حُرْدفْنَة" التي ذكرها في حرف (الحاء) وضبطها بالعبارة فقال: "بالضم ثم السكون، وضم الدال، وسكون الفاء، وفتحِ النون، وهاء"، وقال إنها "من قرى منْبِج من أرض الشام".
وقال ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" إنه "ولد بمنبج، وقيل بزردفنه، وهي قرية من قراها. ونشأ وتخرج بها". ثم عاد فضبطها بالعبارة فقال: وزردفنه، بفتح الزاى وسكون الراء، وفتح الدال المهملة، وسكون الفاء، وفتح النون، وبعدها هاء ساكنة، وهي قرية من قرى منبج بالقرب منها.
فأما الاختلاف في تاريخ مولده، فقد صادفتنا - عند تحقيق ديوانه - روايات مختلفة، تتقدم في بعض الروايات سنوات أو تتأخر عن قول الجمهرة من المؤرخين له.
فقد ذكر ياقوت في "معجم البلدان" أن مولده كان في سنة 200 هـ في أول أيام المأمون وهو بخراسان. ثم قال: "ذكر ذلك أبو غالب همام بن الفضل بن المهذب المعرى في تاريخ له"، وعقب فقال:"وقال غير ابن المهذب، ولد البحترى في سنة 205 هـ".
إلَّا أن ياقوتا نفسه ذكر في "معجم الأدباء" أن ولادة البحترى كانت سنة ست ومائتين.
وذكر ابن خلكان في كتاب "وفيات الأعيان" أن ولادته كانت سنة 206، وقيل سنة 205.
وقد أخذنا في تحققنا لديوان البحترى - عندما تصدينا لتأريخ قصائده - بالقول الذي رجح سنة 204 هـ تاريخا لمولده (انظر مقدمتنا لديوان البحترى صفحة 31 طبعة دار المعارف سنة 1963) وهو التاريخ الذي أخذ به الأستاذ مركوليوث أيضًا في مادة "البحترى" في دائرة المعارف الإسلامية.
أما تاريخ وفاته فقد تأرجح عند هؤلاء المؤرخين بين سنوات 283، 284، 285 هـ. وقد أخذنا -كما أخذ الأستاذ مركوليوث أيضًا - بالتاريخ الوسط. مات بالسكتة -كما يذكر ياقوت - في موطنه "منبج" سنة 284 بعد أن عاش فترة طويلة في العراق، وقد بلغ الثمانين من عمره.
وقد عاش طفولته وصباه متنقلا بين منبج وحلب، حيث عرف في حلب صاحبته "علوة" التي ردد ذكرها في شعره مرات كثيرة، وظل يحن إليها
لأنها كانت أول غرامه، ويحن إلى دارها التي كانت في وسط حلب، فقد قال ياقوت وهو يذكر حلب في "معجم البلدان" (2: 307 ليبزج): "وفي وسط البلد دار علوة صاحبة البحترى".
ثم أخذ يضرب منذ عام. 220 هـ في البادية يأخذ عن أهلها. وقد عثرنا على قصيدة له لم يسبق نشرها من 45 بيتا أشار أبو العلاء المعرى في كتابه "عبث الوليد" إلى ثلاثة أبيات منها هي الأول والثالث والتاسع. وقد أشار البحترى في الأبيات: الثالث والرابع والخامس إلى سنه - وقتذاك - وإلى عزمه على السير في مناكب الأرض (القصيدة 425، صفحة 1081، دار المعارف):
وقائلة، والدمع يصبغ خدها
…
رويدك يابن الست عشرة كم تسرى!
فقلت: أحق الناس بالعزم والسرى
…
طلاب المعالى صاحب الست والعشر
مقام الفتى في الحى حيا مسلما
…
معافى مقام ذلة بالفتى يزرى
وخلال تشريقه وتغريبه راكبا أعجاز الكواكب على حد تعبيره في القصيدة 28 (صفحات 78 - 82 طبعة دار المعارف) ينتهى به المطاف إلى رحبة مالك بن طوق التغلبى مادحا له.
وهذه الرحبة بين الرقة وبغداد على شاطئ الفرات. ونجده يذكر لنا في البيت العاشر من هذه القصيدة سنه وقتذاك فيقول:
عشرون قصرها الصبا، وأطالها
…
ولع العتاب بهائمٍ لم يعتب
أي أن هذه القصيدة مما نظم الشاعر عام 224 هـ.
وقد مدح مالك بن طوق بقصيدة أخرى لم يسبق نشرها في الطبعات السابقة للديوان، بلغت أبياتها 46 بيتًا، أثبتناها في طبعتنا برقم 806 (الديوان 2127 - 3132). وتاريخها هو تاريخ أختها.
وفي عام 225 نراه يمدح أحمد بن إبراهيم الآزدى بقصيدتين لم يسبق نشرهما أيضًا: القصيدة 799 (صفحة 2110 - 2113) بيتا، والقصيدة 901 (صفحة 2370 - 2372) من 17 بيتا.
ونرجح أنه قطع في هذه الرحلة ست سنوا هـ ألهمته كثيرًا من الصور، وحركت شاعريته، وصقلت لغته. وفي هذه الحقبة نظم قصيدته الدالية المشهورة في "الذئب"(القصيدة 289، ص 740) التي رجحنا أنه قالها حوالي عام 226 هـ. وقد جعلت قوة سبك هذه القصيدة بعض الناس يشكون في أنها من شعره. فقد ذكر كشاجم ذلك في كتابه "المصايد والمطارد"(107 - 108) حيث يقول: "
…
وقد شُكَّ فيها أنها له لقربها من ألفاظ الأوائل ومعانيهم". وجاء في الدلِوان في تقديم القصيدة أن أبا الغوث - ابن البحترى - قال لأبيه إن الناس يقولون هذه القصيدة، لأبي تمام. فقال "يابنى! قد ضرط أبوك أحسن من هذه القصيدة". كما نظم أيضًا قصيدته الرائية التي رثى فيها قومه (القصيدة 408 صفحة 1029). وقصيدته الدالية رقم 247 صفحة 590) التي يفخر فيها بأسرته ويذكر أسماء أجداده.
حتى إذا كانت سنة 227 وجدنا البحترى قد تعرف إلى أبي جعفر القمى فمدحه، وأشار في مديحه له أنه ينوى أن يشد الرحال إلى رجل من قبيلته كان يرابط على الثغور غازيا ومدافعا هو القائد العربي الطائى الصامتى، من بنى الصامت بطن من طيئ: أبو سعيد محمد بن يوسف ابن عبد الرحمن، من أهل مرو، وكان يعرف باسم "الثغرى" نسبة إلى ملازمته للثغور، وكان من قواد حميد الطوسى في حربه مع بابك الخُرَّمى، ثم صار بعد مصرع حميد من قادة الجيوش عند المعتصم، وكانت أول هزيمة لأصحاب بابك على يده سنة 220 هـ، فقد قال البحترى لأبي جعفر القمى وهو يمدحه (القصيدة 674 في البيت 41 منها صفحة 1750 طبعة دار المعارف بتحقيقنا):
إني أريد أبا سعيد والعدى
…
بينى وبين سحابهِ المتهللِ
مُضَر الجزيرة كلها، وربيعة الـ
…
ـخابور توعدنى، وأزْدُ الموصلِ
والتقى الشاعر الطائى الثاني بهذا القائد الطائى الذي مدحه من قبله الشاعر الطائى الأول أبو تمام، وكان هذا اللقاء سنة 227 هـ في السنة التي مات فيها الخليفة العباسى المعتصم بن
الرشيد فعزى أبا سعيد فيه بالقصيدة رقم 348 (الديوان 882) وأشار في هذه القصيدة إلى الخليفة الجديد الواثق بن المعتصم. كما أشار إلى موقف لأبي سعيد أحبط فيه مؤامرة دبرها العباس بن المأمون مع بعض قواد المعتصم هن الأتراك، فحفظ بالقضاء على هذه المؤامرة الخلافة للواثق.
وظلت صلة البحترى بأبى سعيد يمدحه بالقصيدة بعد القصيدة ذاكرًا أمجاده، مشيدا ببطولته، مسجلا الوقائع والمعارك التي خاضها هذا الرجل، حتى لتعد قصائده وقصائد أبي تمام في هذا البطل المصدر العربي الوحيد حيث أغفلت كتب التاريخ العربي تسجيل هذه الأحداث مع خطورتها، على حين سجلها مؤرخو الروم، وقد ذكر فازيليف في كتابه "العرب والروم" الشيء الكثير هن معارك هذا البطل، ولما مات أبو سعيد سنة 236 فجأة في عهد المتوكل رثاه البحترى. وكان قد مدح ابنه يوسف بن محمد بعدد من القصائد أيضًا.
وفي هذه الحقبة من سنوات 228 - 233 هـ كانت صلاته قد توطدت بأسرة حميد الطوسى، هم طائيون مثله، كما اتصل بأسرة الحسن ابن سهل، وبخاصة ابنه إبراهيم بن الحسن الذي قال فيه أكثر هن عشر قصائد، منها ثلاث عاتبه فيها، وهو الذي اشترى منه غلامه "نسيم".
كما اتصل بأمير البحر أحمد بن دينار بن عبد الله بالقصيدة رقم 387 (ديوانه 980) وبالمقطوعة 406 (الديوان 1025) التي سماه فيها أمير البحر. أما قصيدته الأولى فقد سجل فيها موقعة بحرية غزا فيها ابن دينار بلاد الروم، ولم تذكر لنا كتب المؤرخين العرب شيئًا عن هذه الموقعة التي يرى بعض مؤرخى الإفرنج مثل ماريوس كانار أنها كانت في أول خلافة المتوكل سنة 232 هـ. وقد تناول الدكتور زكى المحاسنى ذكر هذه الموقعة في كتابه "شعر الحرب في أدب العرب".
وقال أبو هلال العسكرى في "ديوان المعاني"(2: 63): "ولم يصف احد هن المتقدمين والمتأخرين القتال في المراكب إلَّا البحترى". وذكر أن الصولى قال: "سمعت عبد الله بن المعتز يقول: لو لم
يكن للبحترى إلَّا قصيدته السينية في وصف إيوان كسرى، فليس للعرب سينية مللها، وقصيدته في البركة "ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها"، واعتذاراته في قصائده إلى الفتح التي ليس للعرب بعد اعتذارات النابغة إلى النعمان مثلها، وقصيدته في دينار بن عبد الله التي وصف فيها ما لم يصفه أحد قبلها أولها "ألم تر تغليس الربيع المبكر" ووصف حرب المراكب في البحر - لكان أشعر الناس في زمانه، فكيف إذا أضيف إلى هذا صفاء مدحه ورقة تشبيهه.
وقد ذكر فيها ألفاظ" الأسطول" و"النوتى"، و"العلاة" وقد أراد بها البرج الذي يعتليه ربان السفينة، و"الاشتيام"، وهو رئيس المركب، وهذه اللفظة قال عنها المعرى إنها كلمة لم يذكرها المتقدمون من أهل اللغة، فإذا سئل من ركب البحر عنها قال: البحريون الذين يسلكون بحر الحجاز يسمون رئيس المركب "الاشتيام"، فإن كانت الكلمة عربية فهي الافتعال من شام البرق لأن رئيس المركب يكون عالما بشئون البروق والرياح ويعرف من ذلك ما لا يعرفه سواه، وذكرها الطبري في تاريخه (أخبار سنة 251) فقال:"دخل من البصرة عشر سفائن بحرية تسمى البوارج في كل سفينة اشتيام". وورد بحاشية "أمالى المرتضى"(1: 94 الحلبى): والاشتيام. رئيس المركب، كلمة نبطية. وقال الدكتور زكى المحاسنى إن الكلمة في أصلها رومية.
وارتفع بصر البحترى إلى ما فوق مستوى هؤلاء الرجال، وعبر أفقهم إلى ما بعد هذا الأفق حيث كان يطمح في الوصول إلى بلاط الخلافة منذ أن ولى الواثق أمورها في سنة 227 هـ الذي أشار إليه إشارة تمجيد في قصيدته التي عزى بها أبا سعيد في موت المعتصم. ونجده في بغداد حيث مقر الخلافة العباسية متجها ببصره أولًا إلى الرجل الأول في شئون الحكم في هذه الحقبة: محمد بن عبد الملك الزيات، وكان شاعرًا أديبا استوزره المعتصم سنة 225 هـ ثم بقى وزيرًا للواثق، واستبقاه المتوكل فترة حين تولى الخلافة بعد أخيه الواثق سنة 232 ثم
قتله سنة، 233 فمدح البحترى ابن الزيات بالقصيدة رقم 259 (صفحة 632 - 638) دار المعارف. وأشار في البيت العشرين منها إلى الواثق.
وفي بغداد نجد البحترى قد عقد صلة وثيقة بينه وبين أبي نوح عيسى بن إبراهيم بن نوح كاتب الفتح بن خاقان، وكان يخطب ود أبي نوح هذا ليصل من ذلك إلى الفتح بن خاقان صفى الخليفة المتوكل والذي يشغل المنصب الذي يعرف الآن بوزير شئون القصر. فمدح أبا نوح بخمس قصائد منها القصيدة التي دعا فيها له وللفتح بالشفاء، وكانا قد مرضا معًا. ومن ثم اتصل بالوزير الفتح بن خاقان، وبدأت مدائحه فيه تبلغ حد الروعة حتى بلغت تسعًا وعشرين قصيدة منها قصائد في العتاب هي أرق ما صاغ شاعر في هذا الباب.
وألف له كتاب "الحماسة" فزاد في أبوابه وفي مختاراته عما ضمه كتاب "الحماسة" الذي ألفه أبو تمام.
ووعده الفتح بن خاقان بأن يقدمه إلى الخليفة المتوكل، وهو الحلم الذي داعب خياله زمنًا طويلا ويظهر أن ثمة ظروفا شغلت الفتح عن الوفاء بهذا الوعد، فأثر هذا في نفس البحترى وأثار قلقه - وكان قد وطد صلته في محيط الفتح بأبى الحسن علي بن يحيى المنجم الذي كان يقوم بأمر مكتبة الفتح الضخمة، وكان نديما للمتوكل ومن خواصه وجلسائه - فبعث إلى ابن المنجم بقصيدته رقم 460) الديوان 1132) التي يذكر فيها توحش بغداد لنزيلها، ويطلب من هذا الرجل أن يذكر الفتح بن خاقان بوعده ويقول له إنه قد مضى خميس خامس على وعبد ابن المنجم في تذكير الفتح حيث قدم عليه رجالا يراهم أدنى منه مرتبة أدبية.
ويبدو أنه كان يأمل منذ زمن في أن ينهض بهذا الأمر ابن قبيلته أبو سعيد الثغرى الطائى أو أحد بنى حميد الطائيين فلم يفعل، ثم عاوده الأمل حين اتصل بابن خاقان فتباطأ وشغل، فقال لابن المنجم في قصيدته:
لم يرع لي حق القرابة طيئ
…
فيها، ولاحق الصداقة فارس
ويفى الفتح بن خاقان بوعده، ويقدم الشاعر إلى الخليفة، ويصبح شاعره
الأول، ينتقل معه إلى دمشق حين انتقل إليها فترة ثم يعود معه، ويسجل أحداث عصره، وما أنشأ هذا الخليفة من قصور وغير ذلك، ويشاركه ووزيره الفتح مجالسهما حتى آخر يوم من حياتهما ويحضر اغتيالهما معًا ليلة الخميس الرابع من شوال سنة 247 هـ.
وتستولى الفجيعة على الشاعر الذي شهد الحادث وشهد معه نجم سعده يأفل، فقد كان عهد المتوكل هو عهد الخير على هذا الشاعر، أنعم عليه الخليفة بالجزيل من الأعطيات، وأنعم عليه بمثلها وزيره الفتح، وحسده الشعراء على ما هو فيه من نعماء العيش ورفاهته حتى لقد ذكر الحصرى في كتابه "زهر الآداب" أن أبا العباس ثعلب كان يقول في هذه القصيدة:"ما قيلت هاشمية أحسن منها، وقد صرح فيها تصريح من أذهلته المصائب عن تخوف العواقب".
وقد رجحنا في تحقيقنا لهذه القصيدة (ديوان البحترى 1045) أن الشاعر نظمها بعد مصرع المتوكل مباشرة أي في صبيحة الحادث، فإن إلى جانب التأثر السريع للحادث الذي شهده نجد أبياتا تنبيء عن أمله في أن يلي الخلافة المعتز دون المنتصر، أي يوم 4 شوال سنة 247 هـ، وقد أجمع المؤرخون على أن المنتصر كان شريكًا في التآمر على قتل أبيه لأن الوزير عبيد الله بن خاقان والفتح بن خاقان كانا يوغران قلب المتوكل على ابنه المنتصر ويرغبانه في عزله من ولاية العهد ليكون الأمر للمعتز، وكان المتوكل قد استمع لمشورتهما بأن يقوم المعتز في يوم جمعة بالصلاة بالناس، وفي الجمعة التالية حسنا له أن يصلى هو بالناس، فاستمال المنتصر إليه قواد الأتراك ودبروا معه مؤامرة تولاها بغا الشرابى، فأمر باغر التركى الذي كان يتولى حراسة الخليفة فدخل عليه ورجاله، وقد أخذ منه الشراب فضربوه بالسيف وكان معه الفتح فالقى بنفسه عليه فقتلوه.
وقد كشف الشاعر عن الرأس المدبر لهذا الحادث، ولم يخش العاقبة من
تصريحه أو تلميحه فقال معرضًا بالمنتصر ولى العهد:
وهل أرتجى أن يطلب الدم واتر
…
يد الدهر، والموتور بالدم واتره! ؟
أكان ولى العهد أضمر غدرة؟
…
فمن عجب أن ولى العهد غادره!
وصرح قبل ذلك بأمله في أن يكون المعتز خليفة أبيه المتوكل فغاب من كانوا يعملون على ذلك فقال:
ولا نصر "المعتز" من كان يرتجى
…
له، وعزيز القوم من عز ناصره
وقد قلنا في شرح هذا البيت إن الذي نرجحه أنه لم يقصد بقوله "المعتز" صفة كما يرى بعض الشراح، وإنما قصد المعتز بن المتوكل، أي أن حزب المعتز لم يجد من يناصره امام المتآمرين لمصلحة أخيه المنتصر، فقد قضت المؤامرة على الفتح، وانتهز المتآمرون فرصة غياب الأمير طاهر ابن عبد الله بن طاهر في خراسان وكان يميل إلى المعتز.
وتنبه البحترى بعد أن افاق من الهول إلى ما قال وخشى مغبة تصريحه وتعريضه فخرج حاجا إلى مكة، ولم يخرج إلى بلده "منبج" كما ذكر الأستاذ مركوليوث معتمدا فيما يبدو على ما ذكره ابن خلكان، فهو في القصيدة التي مدح بها المنتصر بعد ذلك حين تشفع له عنده - وهي القصيدة الوحيدة التي قالها فيه لأن المنتصر مات بعد ستة أشهر من مصرع أبيه - يذكر حَجَّه (القصيدة رقم 340، صفحة 848).
حججنا البنية شكرا لما
…
حبانا به الله في المنتصر
والبنية: الكعبة. وقد أشار المعرى في لزومياته (1: 424) إلى حج البحترى في هذه الفترة فرارًا من بطش الخليفة الجديد لا أداء لفرض يدعو إليه، فقال أبو العلاء ساخرًا من رجل قام بالحج لوجه غير وجه الله:
حج من غير تقى صاحبنا
…
كأخى بحتر عام المنتصر
ولكنه وجد في دعوة المنتصر إلى سلوك سياسة جديدة مع آل أبي طالب ما دفعه إلى أن يسجله حسنة للخليفة
الجديد، فقد روى الطبري وابن الأثير في تاريخيهما أنه قال لعلي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد عندما ولاه المدينة بعد عزل صالح بن وصيف عنها: يا على، إني أوجهك إلى لحمى ودمى: ومد جلد ساعده، وقال إلى هذا وجهتك فانظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم، يعني آل أبي طالب. وذكر الصولى ذلك في "أخبار البحترى" (100) ثم قال: إن المنتصر أحب أن يشهر فعله ذلك ويمدح به. فكان أول من فطن له البحترى
…
فوصله وأجزل، ولم يكن يصل الشعراء إلَّا قليلا.
هنا ظهرت فرحة البحترى فأشار إلى ذلك في قصيدته، وكم هجا علي بن الجهم لأنه كان يسب علي بن أبي طالب، وكان المتوكل يحب ذلك. وقلنا في تعليقنا على المقطوعة رقم 60 اليانية (الديوان 176) - وقد اختلف في أنه هجا بها مروان بن أبي حفصة، وذكرت بعض النسخ أنه هجا بها على بن الجهم. وتاريخ للك المقطوعة يرجع إلى ما بعد مقتل المتوكل أي إلى سنة حيث استطاع الشاعر في عهد المنتصر إلى إظهار تشيعه، وكان يكتم ذلك في عهد المتوكل. وله قصيدة أخرى رائية هجا بها علي بن الجهم لهذا السبب (المقطوعة 410 صفحة 1038).
ومات المنتصر عام 248 هـ: وخلفه المستعين ابن المعتصم أخو المتوكل فمدحه البحترى ولكنه لم يلبث أن هجاه. وقامت بين المستعين والمعتز ابن أخيه حروب انتهت بخلع المستعين عام 252، لينهض بالأمر المعتز الذي كان الشاعر معه بقلبه منذ حياة أبيه، وكان المستعين قد حبسه هو وأخاه المؤيد مدة حكمه. وظل المعتز في الخلافة من أوائل عام 252 حتى أواخر رجب عام 255، والشاعر في بلاطه كما كان في بلاط أبيه، تحس في مدائحه له بصدق العاطفة وصفاء الشعور.
ويخلع المعتز ليبايع لابن عمه المهتدى محمد بن الواثق بالخلافة في أوائل شعبان سنة 255، وما يكاد يبايع له حتى يحدث شغب، وتقوم خلال خلافته التي لم تزد على أحد عشر
شهرا وبعض أيام، أحداث يشير إليها الشاعر في القصيدة 143 (الديوان 369) التي مدح بها هذا الخليفة، فأما الشغب الذي حدث في أعقاب خلع المعتز فهو وثوب العامة بسليمان بن عبد الله ابن طاهر في بغداد، فكانت فتنة قتل فيها وغرق في دجلة وجرح آخرون ثم استقام الأمر بعد ذلك، وأما الأحداث التي أشار إليها الشاعر فهي قتل عبيدة العمروسى الشارى: قتله مساور بن عبد الحميد الشارى حين التقى معه به في جمادى الأولى سنة 256 بالكحيل وكانا مختلفى الآراء، وقيام موسى بن بغا أمير الري بمحاربة مساور الشارى، ويشير مرة أخرى في القصيدة 268 (الديوان 674) التي مدحه بها إلى أحداث أخرى وقعت في العريش وفلسطين وقيام "مفلح" وهو قائد من قواد "الموالى" بمطاردة العصاة. وثمة قصيدة ثالثة قالها فيه هي رقم 341 (صفحة 852)، وهو يشير في قصائده له إلى تقواه.
وتعود الخلافة بعد المهتدى إلى ابن من أبناء المتوكل هو المعتمد أحمد بن جعفر، ويظل في الخلافة من سنة 256 إلى وفاته في سنة 279 هـ أي ثلاثًا وعشرين سنة كان فيها كالمحجور عليه من أخيه الموفق الذي ولاه المعتمد أمور الناس ليفرغ هو إلى لذاته، فقوى أمر الموفق، كما قوى أمر ابن الموفق الذي تولى الخلافة بعد عمه المعتمد وتسمى باسم "المعتضد".
وقد سجل البحترى أحداث هذا العهد من حروب قام بها الموفق مع الزنج، وامتدت رقعة صلاته برجال الحكم في عهد المعتمد من وزراء وكتاب.
وضاقت به الحياة في بغداد على الرغم مما هو فيه من جاه يغبطه عليه آخرون، ويوغرون عليه الصدور، وأصبح حنينه إلى وطنه يشتد ويقوى عما كان عليه في عهد المعتز حين خاطبه بالقصيدة 576 (الديوان 1479 - 1484) وسأله أن يسمح له بزيارة لا تستغرق أكثر من شهرين يطلع فيها على شؤون ضيعته بالشام التي أصبحت في حكم الضياع كاسمها من إهماله لها فيرم خلتها، فحقق له
المعتز هذا الرجاء وقدم له من الهدايا ما حمل على "عشر من البرد" كما قال في قصيدته رقم 595 (صفحة 1534 - 1538)، ثم زار موطنه الشام مرة أخرى خلال عام 256 هـ وهناك قال قصيدته 593 (الديوان 1529) التي هجا بها أحمد بن طولون إرضاء لأحمد بن المدبر أخي إبراهيم بن المدبر ممدوحيه - ولكنه في عهد المعتمد، وبخاصة خلال تولى أبي الصقر إسماعيل بن بلبل وزير المعتمد، نراه يشتد به الضيق، ويستولى عليه السام من حياته في بغداد، ونحس من خلال إلحاحه على هذا الوزير بأن يسمح له بالرحيل إلى وطنه أنه كان كالمقيد في حريته، المحددة إقامته، فيقول له في البيت الأخير من القصيدة 362 (صفحة 986):
وأعتقت الرقاب، فمر بعتقى
…
إلى بلدى، وأنت به جدير!
ويخاطبه أيضًا في البيت الأخير من القصيدة 361 (صفحة 912) بقوله:
وسواى الغداة تحدى مطايا
…
هـ إلى منبج، وترحل عيره
كل هذا يتردد في أعماق نفس الشاعر في زمن استطعنا تحديده بعام 269 هـ وكان أحمد بن طولون في ذلك الوقت في الشام حيث دخلت في حوزته سنة 264 بلاد الشام والثغور واتسع ملكه حتى انتهى إلى الفرات، واقتصرت مملكة بنى العباس على العراق والجزيرة الفراتية حتى أنه أغرى الخليفة المعتمد بأن يهرب من سيطرة أخيه الموفق ويذهب إليه، وهم بالفعل، ولكنه أعيد إلى بغداد. في ذلك الحين كتب البحترى قصيدة إلى أحمد ابن طولون تفيض بالحسرة والندم على هجرته عن وطنه (القصيدة 39 البائية صفحة) وفيها يقول:
فأصبحت في بغداد، لا الظل واسع
…
ولا العيش غض في غضارته رطب
أأمدح عمال الطساسيج راغبا
…
إليهم، ولى بالشام مستمتع رغب
وظلت سنتا 269، 270 سنتى الحنين وتحين الفرصة للانطلاق من هذا العذاب النفسى، ثم نراه متجهًا نحو إيوان كسرى - وهو على مسافة 30
كيلو مترا من بغداد جنوبا، ويعرف الآن باسم "طاق كسرى" وتسمى الناحية التي بها "ناحية سلمان باك" باسم الصحابى سلمان الفارسى. وكان الإيوان لم يزل قائما حتى أيام المكتفى في حدود سنة 290 هـ. ويقف البحترى أمام هذا الإيوان وقفة الشاعر صاحب الحس المرهف فيراه ثابتا على الزمن، جلدا على الأحداث، فتنعكس صورة حياته على الإيوان، وتنعكس صورة الإيوان على نفسه. وتتألف الصورتان، وينظر إلى ما في نفسه من تزعزع، فيتماسك كما يتماسك أمامه هذا القصر على رغم ما مر به من أحداث وأزمان، ويرى في أعماق نفسه أنه يجب ألا يقل في تماسكه عن هذا الجماد. وتنطلق انفعالاته النفسية من مكمنها، فهو يصور أحزانه وآلامه وضيقه بالغربة في سبيل العيش. ثم يطابق بينه وبين هذا القصر الذي خلا من كل ما كان يجرى فيه من مباهج الحياة متجردا من بسط الديباج ومن ستور الدمقس، فيجد صورة حياته هو وقد رحل عن جاه عريض ومجد طال أمده في رحاب خلفاء العصر ووزرائه في بغداد. صورتان متماثلتان: جماد يتماسك على الزمن، وإنسان كاد أن يتهاوى، ولكنه يتماسك حين زعزعه الدهر التماسا لتعسه ونكسه.
هذه الصورة هي بذاتها الصورة التي عكسها علينا الشاعر في صباه في قصيدته عن "الذئب"(القصيدة رقم 289) التي طابق فيها بينه وبين الذئب الذي طرقه جائعًا وهو يضرب في مجاهل الصحراء. كلاهما يضرب على غير هدى، وكاوهما جائع، عوامل الشر وعوامل الخوف تنتاب كلا منهما. وغريزة حب البقاء تستولى على كل منهما بالصورة التي تتفق مع لون دفاعه.
والقصيدتان صورتان من أروع ما حفظ لنا تراثنا الخالد وقصيدة الإيوان قد رأى بعض المحققين أن البحترى نظمها عقب مقتل المتوكل مباشرة. والحقيقة غير ذلك، فقد أثبتنا أنها نظمت بعد هذا الحادث بثلاث وعشرين سنة. أي حوالي سنة 270 هـ، فإن البحترى لم يتجه إلى إيوان كسرى عقب مقلر المتوكل بل اتجه إلى الحجاز فحج كما ذكرنا ذلك من قبل.
وقد بنينا تقديرنا لهذا التاريخ على ذكر "الإيوان" في شعر البحترى فوجدنا أنه وارد في قصائده التي حددنا لها تاريخا هو سنة 271 هـ أي بعد مروره بالإيوان مباشرة، فهو يقول في مدح ابن ثوابة في البيت 19 من القصيدة رقم 50 (الديوان 145 طبعتنا):
قد مدحنا إيوان كسرى وجئنا
…
نستثيب النعمى من ابن ثوابهْ
ويقول في القصيدة 863 (صفحة 2294 - 22999:
زورة قُيِّضت لإيوان كسرى
…
لم يُردها كسرى ولا إيوانه
ونراه قد اتصل برجال الحكم الطولونى فمدح من مدح، وهجا من هجا. ويبدو أن المقام لم يطب له في وطنه الشام، فنجده يبعث إلى أبي العباس بن المبرد بقصيدته الجيمية (القصيدة 167 صفحة 415) يمدح فيها أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، ويسخر من أن الأيام ألجأته إلى أن يخاطب والى منبج بلقب "الأمير": وقد حددنا سنة 275 تاريخا لهذه القصيدة، ونجد له قصائد أخرى في أبي الصقر حددنا لها سنة 277 تاريخا لنظمها.
ونرى الصولى يروى لنا في أخبار البحترى أنه كان يجتمع بالمبرد سنة 276 عند عبد الله بن الحسين القطربلى بداره بالخلد، وهي محلة على شاطئ دجلة.
على أننا نجد خبرا يرويه المرزبانى في "الموشح"(342) يقول: "حدثني أحمد بن محمدين زياد قال: سألت أبا الغوث عن السبب في خروج أبيه عن بغداد، فقال لي: كان أبي قد قال في قصيدته التي رثى فيها أبا عيسى العلاء بن صاعد أبياتا وجد بها بعض أعدائه عليه مقالا، فشنع عليه أنه ثنوى، ودارت في الناس، وكانت العامة حينئذ غالبة ببغداد. فخافهم على نفسه. فقال لي: قم بنا يابنى حتى نطفئ عنا هذه الثائرة بخرجة نلم فيها ببلدنا، ونعود! قال: فخرجنا، وأقام فلم يعد". وهذه الأبيات تضمها قصيدة من حرف القاف لم يسبق نشرها في طبعات الديوان السابقة وهي القصيدة 605 (الديوان
1552 -
1554). ومعروف أن وفاة العلاءبن صاعد كانت سنة 272 في الحبس، وقد حددنا للقصيدة سنة 273 هـ.
ونحن في حيرة من هذا الخبر حين نرى أن الرجل رحل إلى بلده ولم يرجع في الوقت الذي نجد خبر المرزبانى أنه يجتمع مع المبرد سنة 276 في دار القطربلى على شاطئ دجلة. فهل كان الرثاء متأخرا كثيرا عن سنة 273 هـ التي حددناها تاريخا له؟ كما حدث عندما رثى أبا تمام الطائى المتوفى سنة 231 بأبيات رثى فيها دعبل بن علي الخزاعى المتوفى سنة 246 (المقطوعة 685 صفحة وهي مقطوعة لم يسبق نشرها في الطبعات السابقة، وردت في بعض مخطوطات الديوان كما رواها الصولى في "أخبار أبي تمام" (274) وذكرتها مراجع أخرى كالموازنة ووفيات الأعيان والنجوم الزاهرة ومرآة الجنان وهبة الأيام وغير ذلك مما أثبتناه في تحقيقنا.
ولكننا نجده قبل موته بسنوات أربع - أي في سنة 280 - يمدح رجال خمارويه بن أحمد بن طولون، ونجد قصائده في هذه الفترة قد بدات تتضاءل، وبدأ بريقها يخبو، وصفاؤها يتلاشى، وبدأ الوهن يسرى من جسده إلى نفسه، والشيب الغامر يتسرب من شعره إلى شعره، والمرارة في نفسه تملأ كيانه وتزعزع وجدانه. فهو في قصيدته 137 (الديوان 355) التي قالها في جعفر بن عبد الغفار كاتب أحمد بن طولون يقول في لوعة وحسرة وإحساس بغربة الروح:
أنا بالشام، موطنى، غير أنى
…
بعد عهد العراق فيها غريب
ويبدأ شعره يقل. فلم نجد له في سنة 280 إلَّا هذه القصيدة والقصيدة 466 (الديوان 1144) وهي قصيدة سينية هجا فيها قوما من أهل بلده. وفي سنة 271 نجد قصيدة واحدة هي القصيدة اللامية رقم 722 (الديوان 1878 - 1880) التي مدح بها طغج بن جف مولى خمارويه. وهي قصيدة لم يسبق نشرها في الطبعات السابقة.
وفي سنة 282 نجد مقطوعة من أربعة أبيات هجا بها رجلا من رجال
خمارويه يقال له ابن أبي زنبور هي المقطوعة رقم 199 (صفحة 478) صفحة قصيدة رقم 423 (صفحة 1077) التي مدح بها إسحاق بن نصير العبادى وكان كاتبا لخمارويه أيضًا.
ثم تسكن القيثارة التي عرفت ستين عاما، وهزت مشاعر العروبة لتنطلق أصداؤها في رحاب الزمان، ويسكن بعدها بعامين هذا الجسد الذي طوف بالبلاد يحمل هذه القيثارة العذبة.
أما ولده فليس اسمه "ثابت" كما ذكر الأستاذ مركوليوث، ولكنه "يحيى" سماه باسم جده. ويكنى أبا الغوث. ترجم له المرزبانى في معجم الشعراء، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد.
وقد ذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان أن للبحترى حفيدين من ولده يحيى هما عبيد الله، وأخوه أبو عبادة اللذان مدحهما المتنبي في قصائده، وكانا رئيسين في زمانهما. وقد ضم ديوان المتنبي القصيدتين: واحدة من قافية الدال. والأخرى من قافية الكاف.
أما ما ذكره أبو الفرج مما رواه جحظة عن أن البحترى ألقى قصيدة في حضرة المتوكل فضجر منه لأنه كان من أبغض الناس إنشادا يتشادق ويتزاور في مشيه مرة جانبا ومرة القهقرى ويهز رأسه مرة ومنكبيه أخرى ويشير بكمه ويقف عند كل بيت ويقول: أحسنت والله، ثم يقبل على المستمعين فيقول: مالكم لا تقولون أحسنت؟ هذا والله مالا يحسن أحد أن يقول مثله - هذه الصورة المشوهة لهذا الرجل لا نشك في أنها صادرة عن نفس تحمل للرجل حقدًا، ولو صحت لما حظى عند سبعة خلفاء ونائب خليفة وطائفة كبيرة من وزراء وكتاب وقواد هذه الحظوة التي نالها حتى كان من ندماء المتوكل - الذي قيل إنه ضجر منه - ولا تعدو حادثة تحريض المتوكل للصيمرى على هجوه في مجلسه عن أن يكون هذرا من ملك مخمور في جلسة عابثة مع حاشية منافقة تريد التقريب إلى قلب الملك في ساعة خماره لتشفى غلا كامنا في نفوسها نحو الشاعر المقرب إلى هذا الملك، وهي حاسدة له.
وحسبنا أن نذكر أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قد هاجم البحترى لأنه أحس في قصيدة وجهها البحترى
إلى أبي العباس أحمد بن محمد ابن بسطام الذي كان يجتمع عنده الشاعران - تعريضا به فاندفع يهاجم البحترى ورد عليه البحترى بقصيدة. وقد كشفنا عن الأيدى الخفية وراء هذه المعركة في الكلمة التي ختمنا بها شعر البحترى في الجزء الرابع من ديوانه (2465 - 2493) فانكشف أن أصابع ابن الرومى كانت تؤجج نار هذه المعركة.
هذا هو الشاعر الذي قال ابن الأثير في كتابه "المثل السائر" وهو يتحدث عنه: "وسئل أبوالطيب المتنبي عنه. وعن أبي تمام، وعن نفسه، فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحترى، ولعمرى إنه أنصف في حكمه. وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه: فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء. فأدرك بذلك بعد المرام، مع قرابة إلى الأفهام، وما أقول إلَّا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقى في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية".
وقال الثعالبى في كتابه "برد الأكباد" إن أبا القاسم الإسكافى قال: "استظهارى على البلاغة بثلاثة: القرآن، وكلام الجاحظ، وشعر البحترى". ودكر في كتابه "ثمار القلوب" أنه يضرب به المثل فيقال: "طبع البحترى" لأن الإجماع واقع على أنه في الشعر أطبع المحدثين والمولدين، وأن كلامه يجمع الجزالة والحلاوة والفصاحة والسلاسة. ويقال: إن شعره كتابة معقودة بالقوافى.
على أن ديوانه لم يظفر - على قوة شاعريته - بما ظفر به ديوان أبي تمام عند الأقدمين من كثرة الجمع والشرح والتعليق، ولكن ياقوتا الحموى قد قال في ترجمته لأبي جعفر محمد بن إسحاق الزوزنى البحاثى المتوفى سنة 463 هـ بغزنة (من مدن أفغانستان الآن): "ولم أر من تصانيف البحاثى هذا شيئًا إلَّا شرح ديوان البحترى، ولعمرى إن هذا شيء ابتكره، فإني ما رأيت هذا الديوان مشروحا. ولا تعرض له أحد من أهل العلم، ولاسمعت أحدا قال: إني رأيت ديوان أبي عبادة البحترى مشروحا. وتأملته فرأيته قد ملئ علما، وحشى فهما، وذاك أن
شروح الدواوين المعروفة كأبى تمام والمتنبي وغيرهما تساعدت القرائح عليها وترافدت الهمم إليها، وما أدرى له فيما اعتمده من شرح هذا الكتاب عمدة إلَّا أن يكون كتاب عبث الوليد للمعرى، وكتاب الموازنة للآمدى لا غير".
وذكر ياقوت أيضًا في ترجمة الآمدى من بين مؤلفاته بعد ذكر كتاب "الموازنة" أن له كتابًا عنوانه "معاني شعر البحترى"، وكذلك ذكر هذا ابن النديم في الفهرست والسيوطى في بغية الوعاة.
وقال ياقوت سورة ثالثة في ترجمة أبي حكيم عبد الله بن إبراهيم الخبرى - نسبة إلى "الخبر" من قرى شيراز بفارس - والمتو في سنة 476 هـ إنه شرح الحماسة وديوان البحترى وعدة دواوين أخرى. وذكر ذلك السيوطي وابن مكتوم أيضًا.
وقال سورة رابعة في ترجمة علي بن زيد البيهقي المتوفى سنة 565 هـ أن له "كتاب شرح شعر البحترى وأبي تمام" مجلد.
ولكننا لم نظفر بشيء من شروح الآمدى والبحاثى والخبرى وابن زيد البيهقي.
أما كتاب "عبث الوليد" الذي وضعه أبو العلاء المعرى، فليس شرحا وافيا لكل قصائد الديوان، ولكنه اختار بعض القصائد، واختار أبياتا من هذا البعض فعلق عليها، وقد أثبت في تعليقاته ما أصلحه من الغلط الذي وجد في النسخة التي قرئت عليه وكان مكتوبا في آخرها أنها بخط ظفر بن عبد الله العجلي. وقال:"ولم يمكن إثبات جميع الأغلاط لأن أكثرها غير مخل". وكان لكتاب "عبث الوليد" الفضل في توجيهنا نحو البحث عن شعر البحترى الذي لم ينشر في طبعات ديوانه السابقة.
وذكر ابن النديم في كتاب "الفهرست" أن للخالدين أبي بكر وأبي عثمان "كتاب اختيار شعر البحترى" ولا نعرف مصير هذا الكتاب وقد نشر الأستاذ عبد العزيز الميمنى الراجكوتى في (مجموعة الطرائف الأدبية) سنة 1973 لعبد القاهر الجرجانى اختياره من دواوين أبي الطيب المتنبي
والبحترى وأبي تمام. وهذا الاختيار يقوم على اختيار بعض أبيات من بعض قصائد هؤلاء الشعراء. وذكر فيما اختاره من شعر البحترى أبياتا من قصائده المفقودة التي لم يسبق نشرها في طبعات ديوانه السابقة.
كذلك وقع لنا اختيار آخر في كتاب مخطوط اسمه "السفينة" لابن مباركشاه المصري المتوفى سنة 862، وقد وردت في هذا الاختيار أبيات من القصائد المفقودة أيضًا.
وقد انتفعنا بهذين الاختيارين في التحقيق.
أما الطبعات الثلاث التي سبقت طبعتنا فهي: الأولى: طبعت بمطبعة الجوائب بالآستانة سنة 1300 هـ (1882 م) في جزءين، الأول عدد صفحاته 259، والثاني عدد صفحاته 260 وبلغ عدد قصائدها 560 قصيدة ومقطوعة تضم 11989 بيتًا.
وقد طبعت على المخطوطة المحفوظة بمكتبة كويريلى بالآستالنة برقم 1252 وهي بخط علي بن عبيد الله الشيرازى. كتبها بمدينة تبريز سنة 424 هـ ولكن هذه الطبعة غير مضبوطة بالشكل ولم تظفر بعناية في التصحيح فجاءت مليئة بالأخطاء والتصحيف والتحريف، على الرغم من أن المخطوطة التي نقلت عنها مضبوطة تمام الضبط، دقيقة خالية إلَّا في النادر من التصحيف، ولم ترتب على حروف المعجم، ولكنها رتبت بأسماء الأشخاص الذين وجهت إليهم القصائد، ثم اختلفت بعد ذلك عن مسارها الأول.
الثانية: طبعت في بيروت في المطبعة الأدبية سنة 1911 وهي مضبوطة بالشكل الكامل، وعلق حواشيها الشيخ رشيد عطية، وهي في جزءين عدد صفحاتهما 799 منقولة عن طبعة الجوائب، إلَّا أن ناشرها تصرف فيها بحذف بعض المقطوعات والأبيات التي رأى أنها منافية للآداب - وقد أخذت عليه ذللُ في حينه مجلة "المقتبس" - وبلغ عدد قصائدها 540 قصيدة ومقطوعة تضم 11585 بيتا. وهي كطبعة الجوائب في ترتيب القصائد.
وشرح ناشرها بعض ألفاظها، ولكنه كان يبعد في الشرح عن المعنى الذي رمى إليه الشاعر، أو تغمض عليه أسماء
بعض الرجال مثل "سيما الطويل الذي كان حاكما أنطاكية فضبطه "سيما الطويل" كمضاف ومضاف إليه، وقال إن "سيما: شارة ومخيلة وعلامة". كما فسر "الخابور" - وهو نهر الخابور - بأنه شجر. وغير ذلك.
الثالثة: طبعت في القاهرة بمطبعة هندية بالموسكى سنة 1329 هـ (1911 م) وجاء في صفحتها الأولى أنها منقولة عن نسخة مشكولة قديمة كتبت في سنة 424 هـ بخط علي بن عبد الله الشيرازى (أي هي المخطوطة التي نشرت على أساسها طبعة الجوائب). ولكنها تختلف عن تلك الطبعة من حيث ترتيب القصائد. فقد جاء كذلك في صنفحتها الأولى أنها "مرتبة على حروف الهجاء"، وأنها "قوبلت على نسخة خطية بالكتبخانة الخديوية"، ولم يذكر رقم هذه المخطوطة التي قوبلت عليها، وذكر على هذه الصفحة أن الذي وقف على طبعها وضبطها وتصحيحها الشيخ عبد الرحمن البرقوقى. ومن المقدمة التي ألحقت بهذه الطبعة تبين لنا أنها روجعت على مخطوطة محفوظة بدار الكتب برقم (27 م) وهي مخطوطة سقيمة مشحونة بالتحريف والتصحيف. ومع ذلك أخلَّت هدْه الطبعة ببعض المقطوعات التي وردت في المخطوطتين.
وهذه الطبعة محرفة كذلك وليست مضبوطة بالشكل ولا مذيلة بأقل تفسير. وقد نقصت منها بعض قصائد موجودة في الطبعتين السابقتين ولكنها زادت عليها بعض قصائد أخرى.
وبلغ عدد قصائد هذه الطبعة 610 قصيدة ومقطوعة تضم 12303 أبيات.
طبعتنا: أما طبعتنا فقد رجعنا في تحقيقها إلى خمس عشرة نسخة مخطوطة صورناها من باريس، والآستانة، وهال (ليبزج)، وميونخ بألمانيا، والمدينة المنورة، والقاهرة، وهذه المخطوطات يختلف بعضها عن بعض في النقص أو الزيادة في عدد القصائد وعدد الأبيات، بل في ترتيب الأبيات كذلك، وأحيانا في مناسبة القصيدة. وقد اخترنا من هذه المخطوطات واحدة جعلناها أُمًا، وأخذنا بترتيبها.
وهذه النسخة التي اخترناها هي المخطوطة المحفوظة بالمكتبة الأهلية في باريس برقم 3068. وهي أقدم مخطوطة وقعت لنا من الطبعة التي رتبت فيها القصائد على حروف المعجم إذ يرجع تاريخها إلى سنة 610 هـ كتبها بمدينة الموصل علي بن محمد بن أبي القاسم في جزءين، ضاع من آخر الجزء الأول بعض الأوراق التي تضم قصيدة على قافية السين لم يسبق نشرها فأوردت منها 44 بيتا أكملنا بقيتها من مخطوطتين أخريين حتى بلغت 84 بيتا إلى جانب أربع قصائد ومقطوعات من هذه القافية ضاعت من هذه المخطوطة في الأوراق المفقودة، ثم يبدأ الجزء الثاني منها بقافية الصاد.
وهذه المخطوطة تشترك مع بعض المخطوطات الأخرى التي رجعنا إليها في إثبات الكثير من شعر البحترى الذي لم يرد في مخطوطة كوبريلى وفي طبعات الديوان السابقة. وهو الشعر الذي أشار أبو العلاء المعرى إلى مطالع كثير من قصائده في كتابه "عبث الوليد" ولكن هذه المخطوطة نقص منها عدد من القصائد التي أثبتناها في طبعتنا عن مخطوطات أخرى تليها في التاريخ، كما أن بعض قصائدها كانت تنقص أبياتا أو كلمات من بعض الأبيات فأكملناها من غيرها.
وقد بلغ عدد قصائد هذه المخطوطة الأم 835 قصيدة ومقطوعة، أضفنا إليها من المخطوطات الأخرى 98 قصيدة ومقطوعة. وانفردت هي عن المخطوطات الأخرى بسبع وعشرين، اشتركت أخت لها في أربع عشرة منها. وقسمنا المخطوطات الخمس عشرة التي رجعنا إليها إلى أربع مجموعات:
1 -
مجموعة رتبت فيها القصائد على الأشخاص، وعلى رأس هذه المجموعة مخطوطة كوبريلى، تتبعها سبع أخوات.
2 -
مجموعة مرتبة على حروف المعجم، على رأسها مخطوطة باريس التي اتخذناها الأم، وتسير في ركابها مخطوطة صورناها من ميونخ ولكنها غير كاملة، ثم مخطوطتان من دار الكتب بالقاهرة تختلفان أحيانا عنها في ترتيب قصائد كل قافية، وتتفقان أحيانا.
3 -
مجموعة رتبت قصائدها على أبواب، كل باب في غرض بعينه كالمديح أو الفخر أو الرثاء، إلى آخر هذه الأبواب، وهما مخطوطتان إحداهما محفوظة بمكتبة الأستاذ الدكتور محمد صبرى تاريخها سنة 1030 تفضل فأعارنيها. ويبلغ عدد قصائدها 457، منها 39 لم ترد في المخطوطات السابقة، والأخرى محفوظة بدار الكتب تاريخها 1296 هـ.
4 -
مجموعة جمعت بين ترتيب نسختى الأبواب في ترتيبها في أولها. واختلفت عنها بعد ذلك في بعض قصائد متفرقة لا ترتبط بقافية أو غرض، ثم اتبعت في قسمها الأخير نظام الترتيب على القوافى. وهذه المجموعة تمثلها نسخة وحيدة حديثة محفوظة بمكتبة المستشرقين الألمان بمدينة هال (ليبزج) بألمانيا برقم 101، وعدد أوراقها 222. وكان المستشرق الكبير الأستاذ الدكتور كارل بروكلمان قد كتب إلى في سنة 1951 رسالة يذكر لي فيها أنه وجد نسخة في جمعية المستشرقين الألمان وهي من تركة الأستاذ سوسن SOCIN، وأنها حديثة ولا تاريخ لها ولا إشارة إلى أصلها. وقال في رسالته إنه قابلها على طبعتى الديوان - طبعة الجوائب وطبعة مصر - فوجد فيها كثيرا من الأشعار غير الموجودة في الطبعتين، وأنها مرتبه ترتيبا غير ترتيب أصل الطبعتين، وشاء فضله إلَّا أن يفهرسها لي ذاكرا مطالع القصائد والقطوعات التي لم ترد في المطبوع وعدد أبيات كل منها. وبعد سنوات تفضل على المستشرق الألمانى الأستاذ الدكتور يوهان فوك. Johann W Fuck فبحث عن هذه المخطوطة ثم أرسل إلي فيلما مصورا لها.
وهذه المخطوطة تضم 341 قصيدة ومقطوعة، انفردت بست عشرة قصيدة لم ترد في المخطوطات الأخرى.
وعلى هذه المجموعات الأربع سرنا في تحقيقنا للطبعة التي نشرتها "دار المعارف" في أربعة مجلدات، والخامس يعد للطبع متضمنا بعض مانسب للشاعر مما لم يرد في المخطوطات، ثم الفهارس.
ولقد بلغ عدد القصائد التي تضمها الطبعة التي حققناها 933 قصيدة
ومقطوعة تضم 1595 بيتا، أي بزيادة 372 قصيدة ومقطوعة عن طبعة الجوائب و 393 عن طبعة بيروت، و 323 عن طبعة مصر.
أما من حيث عدد الأبيات فإن الزيادة في طبعتنا بلغت كالآتى: 3961 عن طبعة الآستانة (الجوائب). و 4365 عن طبعة بيروت، و 3647 عن طبعة مصر.
هذا غير الملحق الذي ضم طائفة كبيرة من الأبيات نسبت للبحترى في عدد من كتب الأدب، ولكننا لم نجدها في مخطوطات الديوان، فأثبتناها وفاء لواجب الأمانة العلمية، وإن كنا نشك في نسبة الكثير منها إلى البحترى.
وكان منهجنا في تحقيق الديوان منحصرا فيما يلي:
1 -
مراجعة نصوص المخطوطات جميعها في كل بيت من أبيات القصيدة، ومقابلتها بعضها ببعض، ثم إثبات ما تتفق عليه أغلبية النسخ إذا كان نص المخطوطة الأم بعيدا عن طبع البحترى.
2 -
إثبات ما فات النسخة الأم من أبيات في مواضعها.
3 -
الإشارة أيضًا إلى الاختلاف في روايات النسخ.
4 -
تركنا بعض الأبيات التي انفردت بها بعض المخطوطات وتعذر علينا تقويمها أو تبين وجهها الصحيح على حالها، معقبين في الحواشى على ما نرى وجه الصواب فيه حتى لا نتحكم في وجه قد يكون بعيدا عن تقديرنا.
5 -
أضفنا في نهاية كل قافية ما ورد من قصائد أو مقطوعات في المخطوطات الأخرى مما لم يرد في النسخة الأم، وراعينا في إثبات ذلك أقدمية كل مخطوطة.
ثم أتبعنا اختلاف الروايات في الحواشى بشرح الكلمات أو توضيح المعنى إذا وجدنا ما يدعو إلى ذلك، ثم شرح الحادث التاريخي الذي يشير إليه البيت، والتعريف بالأعلام والأمم والقبائل والعقائد والمذاهب والملل والنحل وما يتصل بها من مراسم وأزياء، والأعياد والأيام المشهورة والوقائع والحروب وما يتصل بها من سلاح وأدوات والمواضع من بلدان وأنهار وجبال وآثار وما يشبه ذلك، ثم
ما يتصل بالإنسان في حياته الاجتماعية من وظائفه ومجالس علمه وأنسه ولهوه وشرابه وزينته ولباسه، ومايصيبه من آفات وعلل، ثم كل ما يتصل بالظواهر الطبيعية في الأرض والسماء والحيوان والطير والزهر والمعادن والأحجار وما يتعلق بهذا كله. وأشرنا إلى ما ضمنه البحترى شعره من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأبيات شعر وحكم وأمثال.
ثم أتبعنا ذلك جميعه بسرد تاريخي لنصوص أبيات البحترى في كتب الأدب المختلفة حسب أقدمية كل كتاب ليكون من ذلك موكب تاريخي للبيت وروايته على مر العصور.
وقدمنا حواشى القصائد بذكر موضع كل قصيدة من الطبعات الثلاث السابقات وبيان ما في كل منها من نقص مشيرين إلى المخطوطات التي روتها، ومعقبين ذلك بالترجمة للشخصية التي وجهت إليها القصيدة.
وحاولنا في تحقيقنا أن نحدد لكل قصيدة تاريخها، مستقرين ذلك من واقع الحوادث التي يشير إليها الشاعر، وقد يتفق أن يذكر حوادث قديمة اشترك فيها الممدوح في حين أن القصيدة لا ترجع إلى تاريخ تلك الحوادث، فنحاول التعمق في حياة الممدوح وصلة الشاعر به لنصل إلى التاريخ الحقيقي للقصيدة. وفي أحيان أخرى كنا نجعل ألفاظ الشاعر التي يستعملها ويتردد ورودها على لسانه وتراود خاطره في حقبة من الزمن أساسا يرتكز عليه تحقيق هذا التايخ، وبلغ عدد ما لم نستطع تحديد تاريخ قاطع له حوالي 50 قصيدة من 933.
أما كتاب "الحماسة" الذي اختاره من أشعار العرب للفتح بن خاقان معارضة لكتاب "الحماسة" الذي ألفه أبو تمام حبيب بن أوس، رواية أبي العباس أحمد بن محمد المعروف بابن أبي خالد الأحول عن أبيه عن البحترى، كما ورد في المخطوطة الوحيدة لهذا الكتاب المحفوظة بمكتبة كلية ليدن، فقد ذكره ياقوت في معجم الأدباء، وابن النديم في الفهرست وابن خلكان في وفيات الأعيان.
إلَّا أن البغدادي عبد القادر بن عمر قد شك في أن للبحترى حماسة فقال
في "خزانة الأدب"(3: 591 بولاق) وهو يذكر الشاهد السادس والخمسين بعد الستمائة - وهو بيت اختلف في نسبته - فقال: "قال العينى: البيت للنابغة الذبيانى، وقيل للنابغة الجعدى. والأصح أن قائله قيس بن الخطيم ذكره البحترى في حماسته". فعقب البغدادي على ذلك بقوله: "ولم نسمع أن للبحترى حماسة".
على أننا قد وجدنا البيت الذي قال العينى إنه في حماسة البحترى منسوب إلى قيس بن الخطيم، منسوبا فيها - في الباب السابع والعشرين بعد المائة - إلى عبد الله بن معاوية، وهو بهذه النسبة أيضًا في "مجموعة المعاني" التي لم يعرف مؤلفها، وهي مجموعة انتفعت بمختارات حماسة البحترى في كثير من أبوابها، ووجدناها تسير حتى في ترتيب المختارات على نسق الحماسة.
ولقد نشرت حماسة البحترى لأول مرة مطبعة بريل في ليدن بالتصوير على المخطوطة الوحيدة المحفوظة بمكتبة الجامعة في ليدن (هولاندة). وقد وضع لها الأستاذان جاير ومركوليوث فهرسين: واحدا للشعراء والآخر للقوافى.
وفي سنة 1910 نقلها طباعة بالمطبعة الكاثوليكية ببيروت عن الطبعة المصورة الأب لويس شيخو اليسوعى. ولكن هذه الطبعة الجديدة لم تميز بين ما هو مكتوب على جوانب الصفحات بخطوط مغايرة للأصل من عمل من تملكوها فأضافت ذلك إلى متن الحماسة، كما سقطت منها بعض المقطوعات الواردة في المتن، وسقطت أبيات من بعض المقطوعات علاوة على ما شابها من تحريف. ولم يتبين ناشرها أن في المخطوطة اضطرابا في ترقيم الأوراق فنشرها على علاتها حتى أن بعض المختارات جاءت في غير أبوابها، فأضيفت مثلًا أبيات للقتال الكلابى مضمونة اللام إلى أبيات للعباس بن مرداس.
ثم ظهرت لها طبعة أخرى سنة 1929 نشرت في مصر عام 1929، نقلها عن الأصل المصور وعلق عليها بعض حواش الأستاذ كمال مصطفى.
ولكنه لم يتبين كذلك الاضطراب في أوراقها فوقعت طبعته في العيب الذي شاب طبعة شيخو - ولم يتنبه إليه أحد من قبل - واستدرك ناشر الطبعة المصرية بعض ما سقط من مقطوعات وأبيات في الطبعة البيروتية، ولكنه لم يستطع استيفاء ذلك كله، ولم ينف عنها الدخيل مما على جوانب الأصل المخطوط.
وقد قومنا هذا الاضطراب، وأعدنا ترتيب الصفحات، ورددنا المختارات إلى أبوابها الأصيلة، ونفينا عن الحماسة كل غريب أدخل عليها، وحققنا نسبة الأبيات إلى أصحابها وخرجناها وأوضحنا غريبها عندما تصدينا لتحقيقها.
وتتميز "حماسة البحترى" عن "حماسة أبي تمام" بالذوق الشاعرى الذي يتميز به البحترى عن غيره من رقة الشعور، ورهافة الحس، وصفاء الماء، وجلاء الرونق، حتى أنه إذا ما رجعنا إلى البيت أو الأبيات التي يختارها من قصيدة وجدنا أنها أجمل وأعذب وأروع ما في للك القصيدة.
وهي إلى جانب هذا التميز، تمتاز بكثرة الأبواب وتنوع الأغراض، وبالعدد الضخم من الشعراء والشواعر أصحاب هذه المختارات، وعدد المقطوعات التي تضمنتها.
إن حماسة أبي تمام لا تنطوى إلَّا على أحد عشر بابا تضم حوالي 880 حماسية لقرابة 430 شاعرا، في حين إن حماسة أبي تمام تنطوى على 174 بابا تضم 1460 حماسية لأكثر من ستمائة شاعر. على أننا نجد الشاعرين أحيانا قد اختارا أبياتا بعينها.
أما ما ألفه الأقدمون عن البحترى فقد أحصينا ما ظهر منها ونشر، وما ذكرته بعض المصادر ولم يعرف مصيره:
1 -
كتاب "الموازنة بين شعر أبي تمام والبحترى لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدى المتوفى سنة 370 هـ، وقد نشرت له طبعات مختلفة في الآستانة وبيروت والقاهرة حتى قام الأستاذ السيد أحمد صقر فحقق جزءين نشرتهما دار المعارف سنة 1961 وسنة 1965، وبقى قسم لم ينشر.
2 -
وللآمدى كتاب آخر هو "معاني شعر البحترى" الذي أشرنا إليه من قبل، وهو مفقود.
3 -
كتاب "أخبار البحترى" لأبي بكر محمد بن يحيى الصولى المتوفى سنة 325 هـ. وقد حققه الدكتور صالح الأشتر ونشر في مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق سنة 1958.
4 -
وورد قسم تناول فيه الصولى شعر البحترى في كتابه "أخبار أبي تمام"، الذي حققه الأساتذة خليل عاسكر ومحمد عبده عزام ونظير الإسلام الهندى. ونشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة عام 1937.
5 -
كتاب "طيف الخيال" الذي ألفه الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوى العلوى المتوفى سنة 436 هـ. وقمنا بتجقيقه. ونشرته الإدارة العامة للثقافة بوزارة الثقافة بالقاهرة سنة 1962 بالاشتراك مع دار إحياء الكتب العربية. وقد تناول في قسم كبير منه ما ذكره البحترى في شعره عن الطيف.
6 -
كتاب "عبث الوليد" الذي ألفه أبو العلاء المعرى المتوفى سنة 449، وقام بتصحيحه واتعليق عليه محمد عبد الله المدني، ونشر في دمشق سنة 1936.
وقد قمنا بتحقيقه على ضوء تحقيقنا للديوان وللمخطوطات التي ذكرت كثيرا من الشعر المفقود للبحترى الذي أشار إليه أبو العلاء في تعليقاته.
7 -
كتاب "المختار من شعر المتنبي والبحترى وأبي تمام" الذي وضعه عبد القاهر الجرجانى وحققه الأستاذ عبد العزيز الميمنى ونشره في مجموعة "الطرائف الأدبية" بالقاهرة سنة 1937.
8 -
كتاب "السفينة" لابن مباركشاه المصري المتوفى سنة 862 حيث اختار فيه طائفة من شعر البحترى، منها عدد من مقطوعاته المفقودة، وهو مخطوط.
9 -
كتاب "اختيار شعر البحترى" للخالديين أبي بكر محمد بن هاشم وأبي عثمان سعيد بن هاشم ذكره ابن النديم. وهو مفقود.
10 -
كتاب "شرح شعر البحترى" لأبي جعفر محمد بن إسحاق الزوزنى البحاتى المتوفى سنة 463. ذكره ياقوت. وهو مفقود.