الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الرجل ينحل بعض بنيه دون بعض
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي ينحل بعض أولاده دون بعض.
قوله: "ينحل" من النُّحْل -بضم النون وسكون الحاء المهملة- وهو العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق، يقال: نَحَله ينحله نُحْلًا بالضم، والنحلة -بالكسر- العطية، وكذلك النحل على وزن فعلى، وبابه من فعل يفعل بالفتح فيهما.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، قال: ثنا الزهري، عن محمَّد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن، أخبراه أنهما سمعا النعمان بن بشير يقول:"نحلني أبي غلامًا، فأمرتني أمي أن أذهب إلى رسول الله عليه السلام لأشهده على ذلك، فقال: أكل ولدك أعطيته؟ فقال: لا، قال: فأردده".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعن محمَّد بن النعمان بن بشير، فحدثاه عن النعمان بن بشير قال:"إن أباه أتى به النبي عليه السلام فقال: إنى نحلت ابني هذا غلامًا كان لي، فقال رسول الله عليه السلام: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله عليه السلام: فارجعه".
ش: هذان إسنادان صحيحان، ورجالهما كلهم رجال الصحيح.
وسفيان هو ابن عيينة.
والزهري هو محمَّد بن مسلم.
والحديث أخرجه الجماعة غير أبي داود.
فالبخاري (1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. . . . إلى آخره نحوه.
ومسلم (2): عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وعن يحيى، عن إبراهيم بن سعد.
(1)"صحيح البخاري"(2/ 913 رقم 2446).
(2)
"صحيح مسلم"(3/ 1241، 1242 رقم 1623).
وعن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة.
وعن قتيبة ومحمد بن رمح، عن الليث.
وعن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس.
وعن إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان بن بشير، عن النعمان.
والترمذي (1): عن نصر بن علي وسعيد بن عبد الرحمن، عن سليمان، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان يحدثان، عن النعمان به.
وقال: حسن صحيح.
والنسائي: (2) عن محمَّد بن منصور، عن سفيان، عن الزهري، نحوه.
وعن محمَّد بن سلمة (3): والحارث بن سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك.
وعن مجاهد (4): عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، جميعًا عن الزهري، عن حميد وحده، به.
وابن ماجه (5): عن هشام بن حماد، عن سفيان، عن الزهري، عن حميد ومحمد بن النعمان به.
قوله: "نحلني أبي" أي: أعطاني، وقد ذكرنا أن النحلة والنُّحلى هي العطية مبتدأة من غير عوض.
(1)"جامع الترمذي"(3/ 649 رقم 1367).
(2)
"المجتبى"(6/ 258 رقم 3672).
(3)
"المجتبى"(6/ 258 رقم 3673).
(4)
"المجتبى"(6/ 258 رقم 3674).
(5)
"المجتبى"(6/ 258 رقم 3676).
والنعمان: هو ابن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي أبو عبد الله المدني، صاحب رسول الله عليه السلام.
وأبوه: بشير بن سعد، شهد العقبة الثانية وبدرًا وأُحُدًا والمشاهد جميعًا، يقال: إنه أول من بايع أبا بكر الصديق رضي الله عنه يوم السقيفة من الأنصار، وقتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد بعد انصرافه من اليمامة سنة اثنتي عشرة.
قوله: "فأمرتني أمي" وهي عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة الصحابية، وهي التي سألت زوجها بشيرًا أن يهب ابنها النعمان هبة دون أخويه ففعل، فقالت له: أشهد على هذا رسول الله عليه السلام، ففعل، فقال: له رسول الله صلى الله عليه وسلم أَكُلَّ بنيك أعطيته مثل هذا؟ قال: لا، قال: فإني [لا](1) أشهد على جور".
قوله: "أكُلَّ ولدك نحلته" بنصب "كل" على ما عرف في موضعه.
وهذا الحديث قد جاء في مسند بشير بن سعد أيضًا والد النعمان.
قال: أبو عمر: روى هشام بن عروة، عن أبيه قال: حدثني النعمان بن بشير قال: "أعطاه أبوه غلامًا، فقال رسول الله عليه السلام ما هذا الغلام؟ فقال: غلام أعطانيه أبي، قال: أفكل إخوتك أعطاهم كما أعطاك؟ قال: لا، قال: فاردده".
نفى هذا الخبر أنه خاطب بهذا القول النعمان بن بشير، حديث ابن شهاب أنه خاطب بذلك أباه بشير المعطي، وهو الأكثر والأشهر.
وهذا الحديث مشتمل على أحكام:
فيه: جواز العطية من الآباء للأبناء، وهذا في صحة الأباء، لأن فعل المريض في حال وصيته، والوصية للوارث باطلة، وهذا أمر مجمع عليه.
وفيه: التسوية بين الأبناء في العطاء، وأكثر الفقهاء على أن معنى هذا الحديث
(1) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها، وهي مثبتة في مصادر التخريج المذكورة.
الندب إلى الخير والبر والفضل، والدليل على ذلك إجماع العلماء على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، وإذا جاز أن يخرج جميع ولده من ماله؛ جاز أن يخرج من ذلك بعضهم.
واحتج من يقول أن للأب أن يرجع فيما وهب لابنه بقوله: "فارجعه" وهو موضع قد اختلف فيه الفقهاء، وقد مَرَّ الكلام فيه مستقصًى.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا نحل بعض بنيه دون بعض؛ أن ذلك باطل، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: قد كان النعمان في وقت ما نحله أبوه صغيرًا، فكان أبوه قابضًا له لصغره عن القبض لنفسه، فلما قال: النبي عليه السلام: "اردده" بعد ما كان في حكم ما قبض، دَلّ هذا أن النحلى من الوالد لبعض ولده دون بعض لا يملكه المنحول ولا تنعقد له عليه هبة.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: طاوس بن كيسان وعطاء بن أبي رباح ومجاهدًا وعروة وابن جريج والنخعي والشعبي وابن شبرمة وابن أبي داود وأحمد وإسحاق وداود وسائر أهل الظاهر.
قال أبو عمر: اختلف في ذلك عن أحمد، وأصح شيء عنه في ذلك ما ذكره الخرقي في "مختصره" قال: وإذا فضل بعض ولده في العطية، أُمِرَ برده كما أمر النبي عليه السلام، فإن مات ولم يرده فقد ثبت لمن وهب له إذا كان ذلك في صحته.
وقال طاوس: لا يجوز لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ وفسخ، وبه قال أهل الظاهر منهم داود وغيره، وروي عن أحمد مثله، وحجتهم في ذلك حديث مالك عن ابن شهاب المذكور.
وقال ابن حزم في "المحلى"(1): ولا يحل لأحد أن يهب ولا أن يتصدق على أحد من ولده حتى يعطي أو يتصدق على كل واحدٍ منهم بمثل ذلك، ولا يحل أن يفضل
(1)"المحلى"(9/ 142) باختصار.
ذكرًا على أنثى، ولا أنثى على ذكر، فإن فعل فهو مفسوخ أيضًا، فإن كان له ولد فأعطاهم ثم ولد له ولد فعليه أن يعطيه كما أعطاهم ويشاركهم فيما أعطاهم، وإن تغيرت عين العطية ما لم يمت أحدهم فيصير ماله لغيره فعلى الأب حينئذ أن يعطي هذا الولد كما أعطى غيره، فإن لم يفعل أعطي ما ترك أبوه من رأس ماله مثل ذلك، وروي ذلك عن جمهور السلف.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ينبغي للرجل أن يُسَوِّي بين ولده في العطية؛ ليستووا في البر، ولا يفضل بعضهم على بعض فيوقع ذلك الوحشة في قلب المفضول منهم، فإن نحل بعضهم شيئًا دون بعض وقبله المنحول لنفسه إن كان كبيرًا، أو قبضه له أبوه من نفسه إن كان صغيرًا بإعلامه والإشهاد به فهو جائز.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والليث بن سعد والقاسم بن عبد الرحمن ومحمد بن المنكدر وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد في رواية.
وقال أبو عمر: واختلف العلماء في كيفية التسوية بين الأبناء في العطية، فقال منهم قائلون: التسوية بينهم أن يعطي الذكر مثل ما يعطي الأنثى، وممن قال ذلك: الثوري وابن المبارك.
وقال آخرون: التسوية أن يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وممن قال بهذا: عطاء بن أبي رباح، وهو قول محمَّد بن الحسن، وإليه ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، ولا أحفظ لمالك في هذه المسألة قولًا.
ثم اختلف الفقهاء في معنى التسوية هل هو على الإيجاب أو على الندب؟
فأما مالك والليث والثوري والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه فأجزوا أن يخص بعض بنيه دون بعض بالنحلة والعطية على كراهية من بعضهم، والتسوية أحب إلى جميعهم، وقال الشافعي: ترك التفضيل في عطية الآباء فيه حسن الأدب، ويجوز له ذلك في الحكم. وكره الثوري وابن المبارك وأحمد أن يفضل بعض ولده على بعض
في العطايا، وكان إسحاق يقول مثل هذا ثم رجع إلى مثل قول الشافعي، وكل هؤلاء يقول: إن فعل ذلك أحد نفذ ولم يُرَدّ، واختلف في ذلك عن أحمد، وأصح شيء عنه: أنه يُرَدّ، وقد ذكرناه مستقصى.
وقال ابن حزم: اختلفوا في هذا الباب، فقال شريح وأحمد وإسحاق: العدل أن يعطى الذكر حظين، وقال غيرهم بالتسوية في ذلك.
وأجاز تفضيل بعض الولد على بعض: القاسم بن محمَّد وربيعة وغيرهما، وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي، وكرهه أبو حنيفة وأجازه إن وقع، وكره مالك أن يَنْحَلَ بعض ولده ماله كله.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن حديث النعمان الذي ذكرنا قد روي عنه على ما ذكروا، وليس فيه دليل على أنه كان حينئذ صغيرًا، ولعله كان كبيرًا ولم يكن قبضه، وقد روي أيضًا على غير المعنى الذي في الحديث الأول.
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب، عن داود بن أبي هند، عن أبي هند، عن عامر الشعبي، عن النعمان بن بشير قال:"انطلق بي أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحلني نُحْلي ليشهده على ذلك، فقال: أَوَ كُلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر كلهم سواء؟ قال: بلى، قال: فأشْهِد على هذا غيري".
فكان في الحديث من قول النبي عليه السلام لبشير فيما كان نحله النعمان: "أَشْهِدْ على هذا غيري" فهذا خلاف ما في الحديث الأول؛ لأن هذا لا يدل على فساد العقد الذي كان عقده للنعمان؛ لأن النبي عليه السلام قد يتوقى الشهادة على ما له أن يشهد عليه، وعلى الأمور التي قد كانت، فكذلك لمن بعده؛ لأن الشهادة إنما هي أمر يتضمنه الشاهد للمشهود له، فله أن لا يتضمن ذلك، وقد يحتمل غير هذا أيضًا، فيكون قوله:"أشهد على هذا غيري" أي: أنا الإِمام، والإمام ليس من شأنه أن يشهد وإنما من شأنه أن يحكم.
وفي قوله: "أشهد على هذا غيري" دليل على صحة العقد، وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاء، عن المغيرة، عن الشعبي، قال: سمعت النعمان على منبرنا هذا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سوُّوا بين أولادكم في العطية كما تحبون أن يسووا بينكم في البر".
فكان المقصود إليه في هذا الحديث الأمر بالتسوية بينهم في العطية ليستووا جميعًا في البر، وليس فيه شيء من ذكر فساد للعقد المعقود على التفضيل.
ش: أي: وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه، وأراد به الجواب على ما احتجت به أهل المقالة الأولى من حديث النعمان بن بشير على الوجه الذي رووا، وهو على وجهين:
الأول: بطريق التسليم، وهو أن يقال: سلمنا أن حديث النعمان قد روي على الوجه الذي رَوَوْهُ، وهو معنى قوله:"قد روي عنه على ما ذكروا ولكن ليس فيه دليل على أن النعمان كان حينئذ صغيرًا، ولعله قد كان كبيرًا حينئذ ولم يكن قد قبضه" فلذلك قال لأبيه بشير: اردده، فأمر بالرجوع عن ذلك.
فإن قيل: قد قال ابن حزم: كان صغر النعمان أشهر من الشمس، وأنه ولد بعد الهجرة بلا خلاف من أحد من أهل العلم، وقد بين ذلك في حديث أبي حيان عن الشعبي، عن النعمان "وأنا يومئذ غلام" ولا يطلق هذا اللفظ على رجل بالغ.
قلت: نعم، ولد النعمان بعد الهجرة، ولكن ابن حزم ما بين تاريخ ميلاده وأبهمه ترويجًا لكلامه، وكان ميلاده على رأس أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول مولود من الأنصار، وقيل: ولد بعد سنة أو أقل من سنة، وقيل: ولد قبل وفاة النبي عليه السلام بثمان سنين، والأول أصح.
فإذا كان الأمر كذلك يكون مراد الطحاوي من قوله: وليس فيه دليل على أنه كان حينئذ صغيرًا، يعني قبل بلوغه سن التميز وهو خمس سنين أو سبع سنين، ويكون المراد من قوله:"ولعله قد كان كبيرًا" يعني بعد بلوغه سن التمييز، ولا يشترط
البلوغ في صحة قبض الهبة، فيجوز قبض الصبي العاقل ما وُهِبَ له، لأن قبض الهبة من التصرفات النافعة المحضة، فيملكه الصبي العاقل كما يملك وَلِيُّه، وكذا الصبية إذا عقلت جاز قبضها لما قلنا.
فإذا كان الأمر كذلك يكون معنى كلامه: "ولعله قد كان كبيرًا" يعني صبيًّا عاقلًا أهلا للقبض، ولكنه لم يكن قبضه، فلذلك أمر والده بالرجوع لعدم تمام الهبة، لأنها لا تتم إلا بالقبض.
الوجه الثاني: بطريق المنع؛ وهو أن يقال: لا نسلم دلالة ما رويتم من حديث النعمان على ما ادعيتم، لأنه قد روي على وجوه مختلفة: منها الوجه المذكور، ومنها ما أشار إليه بقوله:"وقد روي أيضًا على غير المعنى الذي في الحديث الأول".
وبينه بتخريجه بإسناد صحيح عن نصر بن مرزوق، عن الخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي، عن وهيب بن خالد البصري، عن داود بن أبي هند دينار البصري، عن عامر الشعبي.
وأخرجه مسلم (1): ثنا محمَّد بن مثنى، قال: ثنا عبد الوهاب وعبد الأعلى (ح).
وثنا إسحاق بن إبراهيم ويعقوب الدورقي جميعًا عن ابن علية -واللفظ ليعقوب- قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: انطلق بي [أبي](2) يحملني إلى رسول الله عليه السلام فقال: يا رسول الله اشْهَد أني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي، فقال: أكل بنيك نحلت مثل ما نحلت للنعمان، قال: لا، قال: فَأَشْهِد على هذا غيري، ثم قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال بلى، قال: فلا إذا".
قوله: "فهذا" أي هذا الوجه في هذا الحديث "خلاف ما في الحديث الأول" وبَيَّن وجه المخالفة بقوله: "لأن هذا القول" يعني قوله عليه السلام: "أشهد على
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1243 رقم 1623).
(2)
ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح مسلم".
هذا غيرى" لا يدل على فساد العقد الذي صدر عن بشير للنعمان رضي الله عنهما، وبَيَّن ذلك من وجهين:
الأول: أن النبي عليه السلام قد كان يتوقى الشهادة أي يتجنبها على شيء له إن شهد عليه، وذلك لغلبة ورعه وجلالة قدره؛ لأن تحمل الشهادة أمر عظيم لأجل الأداء، وكذلك غير النبي عليه السلام مثله في هذه القضية؛ لأن الشهادة ليست من الأمور اللازمة على الشخص؛ لأن الشاهد مخير في تحملها، فله أن يتحمل وله أن لا يتحمل.
الوجه الثاني: أن يكون إنما كان أمره بإشهاد غيره بقوله: "أشهد على هذا غيري" لأنه إمام، وليس من شأن الإِمام أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم، وقد طعن ابن حزم هاهنا هذا الكلام بقوله:"بل الإِمام يشهد" لأنه أحد المسلمين المخاطبين بأن لا يأبوا إذا دعوا، وبقوله تعالى:{كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} (1) الآية، فهذا أمر للأئمة بلا شك، والعجب من هذا القائل ومن قوله ومذهبه أن الإِمام إذا شهد عند حاكم من حكامه جازت شهادته، فلو لم يكن من شأنه أن يشهد لما جازت شهادته.
قلت: هذا كلام صادر من يَبْس دماغ، من غير روية ولا فكر، لأن مراده من مقولة:"والإمام ليس من شأنه أن يشهد" أي: ما دام في صدد الحكم، فإنه ليس له حنيئذ أن يشهد لأحد ولا عليه، وإنما له أن يسمع الدعوى والشهادة ويحكم بينهم، وأما إذا أدى عند حاكم آخر فله ذلك، سواء كان في حال انتصابه للحكم أو بعده.
وأما الآية التي استشهد بها فلا تدل على مُدَّعاه؛ لأنها ليست واردة في باب الشهادة في أمور الناس والله أعلم.
قوله: "وفي قوله: أشهد على هذا غيري دليل صحة العقد" أراد بهذا الرد على أهل المقالة الأولى في قولهم: الرجل إذا نحل بعض بنيه دون بعض أن ذلك باطل، ودلالة هذا القول على صحة العقد ظاهرة إذْ لو كان هذا الفعل باطلًا لقال قولًا دالًّا علي.
(1) سورة النساء، آية:[135].
هو أكد كلامه بما أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري، عن ورقاء بن عمر اليشكري الكوفي، عن المغيرة ابن مقسم الضبي، عن عامر الشعبي، عن النعمان رضي الله عنه.
وأخرجه الطبراني في "معجمه" بأتم منه: ثنا يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا أبو الربيع الزهراني (ح).
وحدثنا الحسن بن إسحاق التستري، نا عثمان بن أبي شيبة، قالا: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي قال:"سمعت النعمان بن بشير على منبرنا هذا يقول: طلبت عمرة بنت رواحة إلى بشير بن سعد أن ينحلني نُحلًا من ماله فأبى عليها، ثم بدا له بعد حول أو حولين أن ينحلنيه، فقال لها: إن الذي سألت لابني كنت منعته وقد بدا لي أن أنحله إياه، وإنها قالت: لا أرضى حتى تأخذه بيده فتنطلق به إلى النبي عليه السلام فتشهده، فأخذ بيدي فانطلق بي إلى النبي عليه السلام فقال: يا نبي الله، إن عمرة بنت رواحة طلبت إليَّ أن أنحل ابني هذا نحلًا، وإني كنت أبيت عليها، ثم بدا لي أن أنحله إياه، وإنها قالت: لا أرضى حتى تأخذه بيده فتنطلق به إلى النبي عليه السلام فتشهده، فقال: هل لك معه ولد غيره؟ قال: نعم، قال: فهل آتيت كل واحد منهم ما آتيت هذا؟ قال: لا، قال: فإني لا أشهد على هذا؛ هذا جور، أشهد على هذا غيري، اعدلوا بين أولادكم في النُّحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف".
قوله: "فكان المقصود إليه" أي الذي قصد إليه في هذا الحديث الأمر بالتسوية بينهم -أي بين الأولاد- في العطية ليستووا جميعًا في البر والإحسان وليس فيه شيء يدل على فساد العقد المذكور الذي عُقِدَ على التفضيل أي تفضيل بعضهم على بعض.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عباد بن العوام، عن حصين، عن الشعبي، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: "أعطاني أبي عطية، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهد
رسول الله عليه السلام، فأتى رسول الله عليه السلام فقال: إني أعطيت ابني من عمرة عطية، وإني أشهدك، قال: كل ولدك أعطيت مثل هذا؟ قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم".
فليس في هذا الحديث أن النبي عليه السلام أمره برد شيء، وإنما فيه الأمر بالتسوية بينهم.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا مرجَّي -أظنه- عن داود، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال:"انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله عليه السلام فقال: يا رسول الله، اشهد أني قد نحلت النعمان من مالي كذا وكذا، فقال له رسول الله عليه السلام: أكل ولدك نحلت؟ قال: لا، قال: أما يسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا".
فقد اختلف لفظ داود هذا فيما روى عنه مرجَّي هاهنا وفيما روى عنه وهيب فيما تقدم من هذا الباب، وهكذا رواه الشعبي عن النعمان، وقد رواه أبو الضحى، عن النعمان أيضًا:
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن فطر (ح).
وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا فطر، قال: ثنا أبو الضحي، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: "ذهب بي أبي إلى رسول الله عليه السلام ليشهده على شيء قد أعطانيه، فقال: ألك ولد غيره؟ قال: نعم، فقال بيده: ألا سويت بينهم".
فلم يخبر في هذا الحديث أنه أمره برده، وإنما قال:"ألا سويت بينهم" على طريق المشورة وأن ذلك لو فعله كان أفضل.
ش: هذه ثلاث وجوه أخرى في حديث النعمان، وقد سبق ذكر الوجهين فالجملة خمسة أوجه، فدل على اضطراب شديد متنًا، فالعمل بحديث جابر الذي يأتى إن شاء الله تعالى أولى، لأن جابرًا أحفظ له وأضبط، لأن النعمان كان صغيرًا على ما أشار إليه الطحاوي رحمه الله.
وقال أبو عمر: وأما قصة النعمان بن بشير هذه فقد روي في حديثه ألفاظ مختلفة تدل على أن ذلك على الندب لا على الإيجاب.
منها: ما رواه داود بن أبي هند، عن الشعبي، عنه.
ورواية حصين عن الشعبي، نحو ذلك.
رواه البخاري (1)، وفيه قال:"فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال: فرجع فرد عطيته" فلم يذكر فيه أن رسول الله عليه السلام أمره أن يرجع في صدقته، وإنما فيه:"فرجع فرد عليه عطيته".
ورواه أبو داود (2) وقال فيه -وذكر مجالد في حديثه-: "إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك" فهذه الألفاظ كلها مع قوله: "أشهد على هذا غيري" دليل واضح على جواز العطية.
وأما رواية من روى عنه: "لا أشهد إلا على حق" فيحتمل أن لا يكون مخالفًا لما تقدم؛ لاحتماله أن يكون أراد الحق الذي لا تقصير فيه عن أعلى مراتب الحق وإن كان ما دونه حقًّا. انتهى.
الوجه الأول: أخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة شيخ البخاري ومسلم، عن عباد بن العوام الواسطي، عن حُصين -بضم الحاء- ابن عبد الرحمن السلمي، عن عامر الشعبي.
وأخرجه مسلم (3): عن أبي بكر بن أبي شيبة إلى آخره نحوه.
والبخاري (4): عن حامد بن عمر، عن أبي عوانة، عن حصين. . . . إلى آخره نحوه.
(1)"صحيح البخاري"(2/ 914 رقم 2447).
(2)
"سنن أبي داود"(3/ 292 رقم 3542).
(3)
"صحيح مسلم"(3/ 1242 رقم 1623).
(4)
"صحيح البخاري"(2/ 914 رقم 2447).
الوجه الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن مرجي بن رجاء اليشكري، خال أبي عمر المذكور، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي.
وهذا إسناد لا بأس به، فإن مرجي فيه خلاف، وثقه قوم وضعفه آخرون.
وأخرجه مسلم (1): من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي نحوه.
الوجه الثالث: أخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمَّد بن خزيمة، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى القطان، عن فطر بن خليفة، عن أبي الضحى مسلم بن صُبَيْح الكوفي العطار، عن النعمان بن بشير.
وأخرجه النسائي (2): عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن فطر، قال: حدثني مسلم بن صبيح، قال: سمعت النعمان. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن فطر. . . . إلى آخره.
ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قصة النعمان هذا خلاف كل ما روينا عن النعمان:
حدثنا فهد، قال: ثنا النفيلي، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال:"قالت امرأة بشير لبشير: انحل ابني غلامك، وأشهد لي رسول الله عليه السلام، قال: فأتى النبي عليه السلام، فقال: يا رسول الله إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، وقالت: وأشهد رسول الله عليه السلام، فقال: ألَهُ إخوة؟ قال: نعم، قال: أفكلهم أعطيت؟ قال: لا، قال: فإن هذا لا يصلح، وإني لا أشهد إلا على حق".
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1243 رقم 1623).
(2)
"المجتبى"(6/ 261 رقم 3685).
ففي هذا الحديث أن النبي عليه السلام إنما كان أمره لبشير بالرد قبل إنفاذ بشير الصدقة، فأشار النبي عليه السلام بما ذكرنا، وهذا خلاف جميع ما روي عن النعمان؛ لأن في تلك الأحاديث أنه نحلة قبل أن يجيء يسأل النبي عليه السلام، وأنه قال للنبي عليه السلام: إني نحلت ابني هذا كذا وكذا، فأخبر أنه قد كان فعل، وفي حديث جابر هذا إخباره للنبي عليه السلام بسؤال امرأته إياه، فكان كلام النبي عليه السلام إياه بما كلمه به على طريق المشورة، وعلى ما ينبغي أن يُفْعَل عليه الشيء إن آثر أن يفعله.
ش: مخالفة حديث جابر لحديث النعمان من كل الوجوه المذكورة ظاهرة، وقد بَيَّنَهَا بقوله:"ففي هذا الحديث" أي حديث جابر. . . . إلى آخره، وهو ظاهر.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن محمَّد بن علي بن نفيل النفيلي الحراني شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه مسلم (1): عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن زهير، عن أبي الزبير. . . . إلى آخره.
قوله: "قالت امرأة بشير" هي عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة.
وَبشِير -بفتح الباء الموحدة- هو والد النعمان.
قوله: "انحل" أمر من نحل ينحل إذا أعطى ابتداء من غير تعويض.
قوله: "وأَشْهِدْ لي" بفتح الهمزة، من الإشهاد، و"رسولَ الله" بنصب اللام على أنه مفعول "أَشْهِدْ".
قوله: "ألَهُ إخوة" الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "وإني لا أشهد إلا على حق" استدلت به الظاهرية وبقوله: "فإن هذا لا يصلح" على أن أحدًا لا يجوز له أن ينحل بعض بنيه دون بعض، فإن فعل ذلك
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1244 رقم 1624).
فهو مردود؛ لأنه عليه السلام منع هذا بقوله: "لا يصلح" وأخبر أن هذا ليس بحق، فإذا لم يكن حقًّا يكون باطلًا.
قلنا: قد ذكرنا أن معنى قوله: "لا أشهد إلا على حق" أي الحق الذي لا تقصير فيه عن أعلى مراتب الحق، وإن كان ما دونه حقًّا.
قوله: "إن آثر" أي إن اختار أن يفعله.
ص: وقد روى شعيب ابن أبي حمزة هذا الحديث عن الزهري، موافقًا لهذا المعنى.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان، أنهما سمعا النعمان بن بشير يقول:"نحلني أبي غلامًا، ثم مشى بي حتى إذا أدخلني على رسول الله عليه السلام فقال: يا رسول الله، إني نحلت ابني غلامًا، فإن أذنت أن أجيزه له أجزت. . . ." ثم ذكر الحديث.
فدل ما ذكرنا على أنه لم تكن النحلى كملت فيه من حين نحله إياه إلى أن أمره النبي عليه السلام برده.
ش: أراد بـ"هذا الحديث" حديث النعمان بن بشير، وأراد بـ"هذا المعنى" المعنى المذكور في حديث جابر.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن النعمان بن بشير، كلاهما عن النعمان. . . . إلى آخره.
وقد روى هذا الحديث أيضًا سفيان، عن الزهري، عن حميد، ومحمد عن النعمان، على خلاف هذا، وقد تقدم في أول الباب.
قوله: "لم تكن النُّحْلَى" بضم النون على وزن فعلى، بمعنى النحلة وهي العطية.
ص: وقد كان رسول الله عليه السلام إذا قسم شيئًا بين أهله سوى بينهم جميعًا، فأعطى المملوك منهم كما يعطى الحر.
حدثنا بذلك يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن القاسم ابن عباس، عن عبد الله بن دينار، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"أتي رسول الله عليه السلام بظَبيَة خرز، فقسمها بين الحرة والأمة، قالت عائشة: وكذلك كان أبي يقسم للحر والعبد".
فكان هذا مما كان النبي عليه السلام يعم بعطاياه جميع أهله حرهم وعبدهم ليس على أن ذلك واجب، ولكنه أحسن من غيره، فكذلك كانت مشورته في الولدان أن يسوى بينهم في العطية ليس على أنه واجب ولا على أن غيره إن فُعِلَ لم يثبت، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: ذكر هذا شاهدًا لما قاله من أن التسوية بين الأولاد في العطية غير واجبة وإنما هي أفضل من غيرها تطيبًا لقلوبهم، كما كان النبي عليه السلام إذا قسم شيئًا بين أهله سوى بينهم، حتى كان يعطي المملوك منهم مثل ما كان يعطي للحر، وهذا لم يكن لأجل كون التسوية واجبة، وإنما كان ذلك منه مراعاة لخواطرهم، وتطيبًا لأنفسهم؛ وإشارة أيضًا إلى أن الأمر المذكور بالتسوية المذكور في الأحاديث السابقة إنما هو للندب لا للوجوب.
ثم إنه أخرج حديث عائشة رضي الله عنهما بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس بن مغيث الهاشمي المدني، عن عبد الله بن نِيَار -بكسر النون وتخفيف الياء آخر الحروف وفي آخره راء- ابن مكرم الأسلمي المدني، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.
وأخرجه أبو داود (1): عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس، عن ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن ابن نيار، عن عروة، عن عائشة، نحوه.
(1)"سنن أبي داود"(3/ 136 رقم 2952).
قوله: "بظَبْيَة فيها خرز""الظبية" -بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف وفي آخرها هاء-: جراب صغير عليه شعر، وقيل: هي شبه الخريطة والكيس.
و"الخرز" بفتح الخاء المعجمة والراء، وفي آخره زاي معجمة: الذي ينظم، واحده خرزة، قاله الجوهري.
ص: وقد فَضَّلَ بعض أصحاب رسول الله عليه السلام بعض أولادهم على بعض في العطايا.
فحدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي عليه السلام أنها قالت:"إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه نحلها جادَّ عشرين وَسْقًا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية، ما من أحد من الناس أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرًا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وَسْقًا، فلو كنت جددته وأحرزته كان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواك واختاك، فاقتسموه على كتاب الله تعالى، فقالت عائشة: والله يا أبه لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء فمن الأخرى؟ فقال: ذو بطن بنت خارجة أراها جارية".
حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن شقيق، قال: ثنا مسروق قال: "كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه قد أعطى عائشة نحلًا، فلما مرض قال لها: اجعليه في الميراث، وذكر القبض في الهبة والصدقة".
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان عن عمرو، أخبره صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف:"أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فضل بني أم كلثوم بنحل قسمه بين ولده".
فهذا أبو بكر رضي الله عنه قد أعطى عائشة دون سائر ولده، ورأى ذلك جائزًا، ورأته هي كذلك، ولم ينكره عليهما أحد من أصحاب رسول الله عليه السلام.
وهذا عبد الرحمن بن عوف قد فضل أيضًا بعض ولده فيما أعطاهم على بعض، ولم ينكر ذلك عليه منكر، فكيف يجوز لأحد أن يحمل فعل هؤلاء على خلاف قول النبي عليه السلام، ولكن قول النبي عليه السلام عندنا فيما ذكرنا من ذلك إنما كان على الاستحباب كاستحبابه التسوية بين أهله في العطية وترك التفضيل لحرِّهِم على مملوكهم، ليس على أن ذلك مما لا يجوز غيره، ولكن على استحبابه لذلك، وغيره في الحكم جائز كجوازه.
ش: ذكر هذين الأثرين عن أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما شاهدًا لصحة ما قاله أهل المقالة الثانية من أن ما كان من قول النبي عليه السلام في حديث النعمان بن بشير إنما كان على الاستحباب لا الوجوب، كما كان عليه السلام استحب التسوية بين أهله في إعطائه العطايا إياهم وترك التفضيل لحرهم على عبدهم، ولم يكن ذلك على أن غيره لا يجوز فعله، ولكن إنما كان على استحبابه لذلك تطييبًا لقلوبهم ومراعاة لهم في رضاهم، والدليل على ذلك: أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد أعطى عائشة ما أعطى دون سائر ولده، ورأى ذلك جائزًا، وكذلك عائشة رأته جائزًا، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينكر عليهما أحد منهم، فدل ذلك على الجواز، ولو كان الأمر كما قاله أهل المقالة الأولى، لكان يلزم خلاف أبي بكر لما قال عليه السلام، وحاشاه من ذلك، وكذلك عبد الرحمن بن عوف قد فَضَّل بعض ولده فيما أعطاهم على بعض، وكان ذلك أيضًا بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليهم أحد منهم، فدل ذلك أيضًا على الجواز.
ثم إنه أخرج أثر أبي بكر الصديق رضي الله عنه من طريقين صحيحين:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير. . . . إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه"(1).
وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): من حديث شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة، أن عائشة قالت:"كان أبو بكر رضي الله عنه نحلني جداد عشرين وسقًا من ماله، فلما حضرته الوفاة جلس ناحيتي، ثم تشهد، ثم قال: أما بعد: أي بنية إن أحب الناس إلى غنى بعدي لأنت، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وَسْقًا من مالي، فوددت والله لو أنك كنت جَرَنْتِهِ وجددته، ولكن إنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هو أخواك وأختاك، فقلت: يا أبتاه هذه أسماء فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن ابنة خارجة -أراه جارية- فقلت: لو أعطيتني ما هو كذا إلى كذا لرددته إليك".
قال الشافعي رضي الله عنه: وفضل عمر رضي الله عنه عاصمًا بشيء، وفضل ابن عوف ولد أم كلثوم.
الطريق الثاني: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن مسروق بن الأجدع. . . . إلى آخره.
وأخرجه الشافعي في "مسنده".
وأخرج أثر عبد الرحمن بن عوف عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف:"أن عبد الرحمن. . . . إلى آخره" وهذا منقطع؛ لأن صالح بن إبراهيم لم يدرك جده عبد الرحمن بن عوف.
وأخرج عبد الله بن وهب في "مسنده" وقال: بلغني عن عمرو بن دينار: "أن عبد الرحمن بن عوف نحل ابنته من أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أربعة آلاف درهم، وله ولد من غيرها".
(1)"موطأ مالك"(2/ 752 رقم 1438).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 178 رقم 11784).
قلت: وهذا أيضًا منقطع.
قوله: "نحلها" أي أعطاها.
قوله: "جَادَّ عشرين وَسْقًا" الجاد بالجيم وتشديد الدال بمعنى المجدودة، والمعنى: أعطاها نحلًا تجدُّ منها ما يبلغ عشرين وَسْقًا، أي: تقطع.
"والوَسْق" بفتح الواو: ستون صاعًا، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلًا عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمد.
قوله: "بالغابة" أي في الغابة وهو موضع قريب من المدينة من عواليها، وبها أموال لأهلها. "والغابة": الأجمة ذات الشجر المتكاثف؛ لأنها تغيب ما فيها، وتجمع على غابات.
قوله: "فلو كنت جددته" أي قطعته، وفي رواية البيهقي:"أنك كنت جرنته" أي ضميته في الجرن وهو بيدر التمر، ومادته: جيم وراء ونون.
وقوله: "وإنما هما" الضمير يرجع إلى الوارث، ولكنه إنما ثَنَّاهُ بالنظر إلى قوله:"أخواك".
قوله: "يا أبه" الهاء فيه للوقف والسكت.
قوله: "ذو بطن" بالباء الموحدة والطاء المهملة وبالنون (1).
ص: وقد اختلف أصحابنا في عطية الولد التي يُتَّبع فيها أمر النبي عليه السلام لبشير كيف هي؟
(1) بيض لها المصنف رحمه الله، وهي أم كلثوم بنت أبي بكر، قال النووي في "تهذيب الأسماء" (2/ 574): وأم كلثوم هي التي كانت حملًا في وقت كلام أبي بكر، فقالت عائشة:"من أختاي" تعني إنما لي أخت واحدة وهي أسماء، فمن الأخرى؟ قال: هي ذو بطن بنت خارجة، يعني الحمل الذي في بطن بنت خارجة، فإني أظن الحمل بنتًا لا ابنًا، وبنت خارجة هي زوجة أبي بكر وكانت حاملًا حال كلام أبي بكر. . . . وقال النووي: وهذه القصة من كرامات أبي بكر.
فقال أبو يوسف: يسوى فيها بين الذكر والأنثى. وقال محمَّد بن الحسن: بل يجعلها بينهم على قدر الوارث للذكر مثل حظ الأنثيين.
قال أبو جعفر رحمه الله: وفي قول النبي عليه السلام: "سَوُّوا بينهم في العطية كما تحبون أن يسووا لكم في البر" دليل على أنه أراد التسوية بين الإناث والذكور؛ لأنه لا يراد من البنت شيء من البر إلا والذي يراد من الابن مثله. فلما كان النبي عليه السلام أراد من الأب لولده ما يريد من ولده له، وكان ما يريد من الأنثى من البر مثل ما يريد من الذكر، كان ما أراد منه لهم في العطية للأنثى مثل ما أراد للذكر، وفي حديث أبي الضحى:"فقال النبي عليه السلام: ألك ولد غيره؟ فقال: نعم، فقال: ألا سويت بينهم" ولم يقل: ألك ولد غيره ذكرًا أو أنثى؛ فذلك لا يكون إلا وحكم الأنثى فيه كحكم الذكر، ولولا ذلك لما ذكر التسوية إلا بعد علمه أنهم ذكور كلهم، فلما أمسك عن البحث عن ذلك ثبت استواء حكمهم في ذلك عنده، فهذا أحسن عندنا مما قال محمَّد رحمه الله.
ش: أراد بقوله: "أصحابنا أصحاب أبي حنيفة، ونبه أيضًا على أنه اختار قول أبي يوسف في عطية الرجل أولاده، وهو أن يسوي بينهم ولا يخص الذكر بشيء على أنثى، وهو مذهب الثوري وعبد الله بن المبارك أيضًا، وأشار إلى الحجة في ذلك بقوله ومن "قول النبي عليه السلام" وهو ظاهر.
ص: وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك أيضًا:
حدثنا أحمد بن أبي داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا عبد الله ابن معاذ، عن معمر، عن الزهري، عن أنس رضي الله عنه قال:"كان مع رسول الله عليه السلام رجل، فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، ثم جاءت ابنة له فأجلسها إلى جنبه، فقال: فهلا عدلت بينهما".
أفلا ترى أن رسول الله عليه السلام قد أراد منه التعديل بين الابنة والابن، وأن لا يفضل أحدهما على الآخر، فذلك دليل على ما ذكرنا في العطية أيضًا، والله أعلم.
ش: أي قد روي عن النبي عليه السلام ما يدل على ما ذكرنا من ثبوت استواء الحكم في العطية للأولاد، وقد ذكر هذا تأييدًا لما قاله أبو يوسف، وذهب إليه.
أخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد شيخ ابن ماجه، فيه مقال، عن عبد الله بن معاذ بن نشيط وثقه ابن معين، عن معمر بن راشد، عن محمَّد بن مسلم الزهري.
وأخرجه البزار في "مسنده"(1): ثنا بعض أصحابنا، عن عبد الله بن موسى، عن معمر، عن الزهري، عن أنس:"أن رجلًا كان عند رسول الله عليه السلام فجاء ابن له فقبله وأقعده على فخذه، وجاءته بنية له فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله عليه السلام: ألا سويت بينهما؟! ".
وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن معمر إلا عبد الله بن موسى، وكان صنعانيًّا تحول إلى مكة. والله أعلم.
(1) وذكره الحافظ ابن حجر في "مختصر زوائد البزار"(2/ 248 رقم 1799).
وذكره الهيثمي في "المجمع"(8/ 156 رقم 1893) وقال: رواه البزار فقال: حدثنا بعض أصحابنا ولم يسمه، وبقية رجاله ثقات.