المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: الحكم بالشيء فيكون في الحقيقة بخلافه في الظاهر - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ١٤

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌ص: باب: رواية الشعر هل هي مكروهة أم لا

- ‌ص: باب: العاطس يشمت كيف ينبغي أن يرد على من يشمته

- ‌ص: باب: الرجل يكون به الداء هل يُجْتَنَب أم لا

- ‌ص: باب: التخيير بين الأنبياء عليهم السلام

- ‌ص: باب: إخصاء البهائم

- ‌ص: باب: كتابة العلم هل تصلح أم لا

- ‌ص: باب: الكي هل هو مكروه أم لا

- ‌ص: باب: نظر العبد إلى شعور الحرائر

- ‌ص: باب: التكني بأبي القاسم هل يصلح أم لا

- ‌ص: باب: السلام على أهل الكفر

- ‌ص: كتاب الصرف

- ‌ص: باب: الربا

- ‌ص: باب: القلادة تباع بذهب وفيها خرز وذهب

- ‌ص: كتاب الهبة والصدقة

- ‌ص: باب: الرجل ينحل بعض بنيه دون بعض

- ‌ص: باب: العمرى

- ‌ص: باب: الصدقات الموقوفات

- ‌ص: كتاب القضاء والشهادات

- ‌ص: باب: القضاء بين أهل الذمة

- ‌ص: باب: القضاء باليمين مع الشاهد

- ‌ص: باب: رد اليمين

- ‌ص: باب: الرجل تكون عنده الشهادة للرجل هل يجب أن يخبره بها؟ وهل يقبله الحاكم على ذلك أم لا

- ‌ص: باب: الحكم بالشيء فيكون في الحقيقة بخلافه في الظاهر

- ‌ص: باب: الحر يجب عليه دين ولا يكون له مال، كيف حكمه

- ‌ص: باب: الوالد هل يملك مال ولده

- ‌ص: باب: الوليد يدعيه رجلان كيف حكمه

- ‌ص: باب: الرجل يبتاع السلعة فيقبضها ثم يموت أو يفلس وثمنها عليه دين

- ‌ص: باب: شهادة البدوي هل تقبل على القروي

الفصل: ‌ص: باب: الحكم بالشيء فيكون في الحقيقة بخلافه في الظاهر

‌ص: باب: الحكم بالشيء فيكون في الحقيقة بخلافه في الظاهر

ش: أي هذا باب في بيان حكم القاضي بشيء وهو في الحقيقة بخلاف ذلك، هل ينفذ ذلك ظاهرًا وباطنًا، أم ينفذ ظاهرًا دون باطن؟.

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة أخبرته، أن أمها أم سلمة قالت:"سمع النبي صلى الله عليه وسلم جلبة خصام عند بابه، فخرج إليهم فقال: إنما أن بشر مثلكم، وإنه يأتيني الخصم، ولعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأقضي له بذلك وأحسب أنه صادق، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليدعها".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب. . . . فذكر بإسناده مثله.

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أنَّ مالكًا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، عن رسول الله عليه السلام مثله.

حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذه".

حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا وكيع، عن أسامة بن زيد، سمعه من عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: "جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى النبي عليه السلام في مواريث بينهما قد درست وليست بينهما بينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنا بشر، فإنه يأتيني الخصم، ولعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض؛ فأقضي له بذلك وأحسب أنه صادق، فمن قضيت له بحق

ص: 487

مسلم فإنما هي قطعة من النار؛ فليأخذها أو ليدعها، فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي الآخر، فقال رسول الله عليه السلام: أما إذا فعلتما هذا فاذهبا فاقتسما وتوخيا الحق. ثم اسْتَهِمَا ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه.

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أنا أسامة بن زيد. . . . فذكر بإسناده مثله.

حدثنا يونس، قال: أخبرني عبد الله بن نافع الصائغ، قال حدثني أسامة، فذكر بإسناده مثله.

ش: هذه سبع طرق صحاح:

الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان بن الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن زينب بنت أبي سلمة المخزومية الصحابية ربيبة النبي عليه السلام.

واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، عن أم سلمة زوج النبي عليه السلام، واسمها هند بنت أبي أمية.

وأخرجه البخاري (1): عن أبي اليمان إلى آخره نحوه.

الثاني: عن إبراهيم أيضًا، عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي شيخ البخاري، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن صالح بن كيسان المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة رضي الله عنها.

وأخرجه البخاري (2): عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي. . . . إلى آخره نحوه.

الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن زينب، عن أم سلمة.

(1)"صحيح البخاري"(6/ 2627 رقم 6762).

(2)

"صحيح البخاري"(2/ 867 رقم 2326).

ص: 488

وأخرجه البخاري (1): عن القعنبي، عن مالك. . . . إلى آخره نحوه.

الرابع: عن محمَّد بن عمرو بن يونس، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن هشام بن عروة. . . . إلى آخره.

وأخرجه مسلم (2): عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، عن هشام. . . . إلى آخره نحوه.

وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، وعن كريب عن عبد الله بن نمير، كلاهما عن هشام بن عروة.

وعن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري.

وعن عمرو الناقد، عن يعقوب، عن أبيه، عن صالح.

وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، كلاهما عن عروة.

الخامس: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن وكيع، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع أبي رافع المدني المخزومي مولى أم سلمة روى له الجماعة، عن أم سلمة رضي الله عنها.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(3): عن وكيع، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة. . . . إلى آخره نحوه.

السادس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة.

وأخرجه أبو داود (4): عن الربيع بن نافع، عن ابن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة. . . . إلى آخره نحوه.

(1)"صحيح البخاري"(2/ 867 رقم 2326).

(2)

"صحيح مسلم"(3/ 1337 رقم 1713).

(3)

"مسند أحمد"(6/ 320 رقم 26760).

(4)

"سنن أبي داود"(3/ 310 رقم 3584).

ص: 489

السابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن نافع الصائغ المدني، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة.

وأخرجه الطبراني (1): عن أبي يحيى الرازي، عن سهل بن عثمان، عن وكيع، عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة. . . . إلى آخره نحوه.

قوله: "جلبة خصام": الجلبة الصوت واللغط، والخصام: جمع خَصِيم كالكرام جمع كريم، قال الجوهري: الخصم: معروف يستوي فيه الجمع والمذكر والمؤنث؛ لأنه في الأصل المصدر، ومن العرب من يثنيه ويجمعه فيقول: خصمان وخصوم، والخصيم أيضًا الخصم، والجمع: الخصماء، وخاصمته مخاصمة وخصامًا، والاسم الخصومة.

قوله: "ألحن بحجته" أي أفطن لها وأجدل بها، قال أبو عبيد: اللحن -بفتح الحاء- الفطنة، واللحن -بجزم الحاء- الخطأ من القول.

قوله: "في مواريث" جمع ميراث.

قوله: "درست" أي عفيت ومضى عليها زمان.

قوله: "أو ليدعها" أي أو ليتركها.

قوله: "وتوخيا الحق" أي تحرياه واقصداه.

قوله: "ثم استهما" أي اقترعا.

ويستنبط منه أحكام:

الأول: أن البشر لا يعلمون ما غيب عنهم وستر في الضمائر وغيرها، لأنه قال عليه السلام:"إنما أنا بشر" أي من البشر ولا أدري باطن ما تتحاكمون فيه عندي وتختصمون فيه إليَّ وإنما أقضي بينكم على ظاهر ما تقولون، فإذا كان الأنبياء عليهم السلام لا يعلمون ذلك فغير جائز أن تصح دعوى غيرهم من كاهن أو منجم، وإنما يعلم الأنبياء عليهم السلام من الغيب ما أعلموا به بوجه من وجوه الوحي.

(1)"المعجم الكبير"(23/ 298 رقم 663).

ص: 490

الثاني: فيه أن بعض الناس أدرى بمواضع الحجة وتصرف القول من بعض.

الثالث: فيه أن القاضي إنما يقضي على الخصم بما يسمع منه من إقرار وإنكار أو بِبَيِّنَات على حسب ما أحكمته السنة في ذلك.

وفيه: إبطالٌ ورَدٌّ للحكم بالهوى. قال أبو عمر: قد احتج بعض أصحابنا بهذا الحديث في ردِّ حكم القاضي بعلمه.

قلت: إلى هذا ذهب أحمد بن حنبل وأبو عبيد، وهو قول شريح والشعبي: أن القاضي لا يقضي بعلمه في شيء من حقوق الناس ولا غيرها من حقوق الله إلا بالْبَيِّنَات أو الإقرار.

وقال ابن حزم (1): فرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء والقصاص والأموال والفروج والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعدها، وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:"لا يحكم الحاكم بعلمه في الزنا" وصح عن الشعبي: "لا يكون شاهدًا وقاضيًا".

وقال مالك وابن أبي ليلى -في أحد قوليه- وأحمد وأبو عبيد ومحمد بن الحسن في أحد قوليه: لا يحكم الحاكم بعلمه في شيء أصلًا، وقال حماد بن أبي سليمان: يحكم الحاكم بعلمه بالاعتراف في كل شيء إلا في الحدود خاصة، وبه قال ابن أبي ليلى.

وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن في أحد قوليه: يحكم بعلمه في كل شيء من قصاص وغيره إلا في الحدود، وسواء علمه قبل القضاء أو بعده، وقال أبو حنيفة: لا يحكم بما علمه قبل ولايته أصلًا، فأما ما علمه بعدها فإنه يحكم به في كل شيء إلا في الحدود خاصة.

وقال: الليث لا يحكم بعلمه إلا أن يقيم الطالب شاهدًا واحدًا في حقوق الناس خاصة، فيحكم القاضي حينئذ بعلمه مع ذلك الشاهد.

(1)"المحلي"(9/ 426) بتصرف واختصار.

ص: 491

وقال الحسن بن حي: كل ما علم قبل ولايته لا يحكم فيه بعلمه، وما علم بعد ولايته حكم فيه بعلمه بعد أن يستحلفه وذلك في حقوق الناس، وأما الزنا فإن شهد به ثلاثة والقاضي يعرف صحة ذلك حكم فيه بتلك الشهادة مع علمه.

وقال الأوزاعي: إن أقام المقذوف شاهدًا واحدًا وعلم القاضي بذلك حَدَّ القاذف.

وقال الشافعي وأبو سليمان وأبو ثور وأصحابهم كما قلنا.

الرابع: فيه جواز الاجتهاد للحاكم فيما لم يكن فيه نص.

الخامس: فيه جواز التحري في أداء المظالم.

السادس: قال أبو عمر: فيه جواز الصلح على الإنكار خلافًا للشافعي.

السابع: فيه أن قضاء القاضي بالظاهر الذي يعتد به هل يحل في الباطن حرامًا؟ فيه الخلاف الذي عقد له الباب، وسيجيء مفصلًا مستقصى.

الثامن: جواز الاقتراع والاستهمام.

التاسع: فيه استحباب توخي الحق وتحريه بعد العلم به.

ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله عليه السلام مثله.

ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.

ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، روي له الجماعة؛ البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات.

وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.

والحديث أخرجه أحمد (1) نحوه.

(1)"مسند أحمد"(2/ 332 رقم 8375).

ص: 492

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن كل قضاء قضى به الحاكم من تمليك مال، أو إزالة ملك، أو إثبات نكاح أو من حله بطلاق أو بما أشبه ذلك؛ أن ذلك كله على حكم الباطن فإن كان ذلك في الباطن كهو في الظاهر وجب ذلك على ما حكم به، وإن كان ذلك في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان وعلى خلاف ما حكم به فشهادتهما على الحكم الظاهر لم يكن قضاء القاضي موجبًا فيه من تمليك ولا تحريم ولا تحليل، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وممن قال ذلك: أبو يوسف رحمه الله.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الثوري والأوزاعي ومالكًا والشافعي وأحمد وأبا ثور وداود وسائر الظاهرية؛ فإنهم جعلوا الحديث المذكور أصلًا في هذا الباب.

وقال ابن حزم: لا يحل ما كان حرامًا قبل قضائه، ولا يحرم ما كان حلالًا قبل قضائه، إنما القاضي منفذ على الممتنع فقط، لا مزية له سوى هذا.

قوله: "وممن قال ذلك" أي القول الذي ذهب إليه هؤلاء القوم: أبو يوسف يعقوب القاضي رحمه الله.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما كان من ذلك من تمليك مال فهو على حكم الباطن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذها، فإنما اقطع له قطعة من النار" وما كان من ذلك من قضاء بطلاق أو نكاح بشهود ظاهرهم العدالة وباطنهم، فحكم الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم الذي تعبد الله أن يحكم بشهادة مثلهم معه، فذلك تحريم في الباطن كحرمته في الظاهر.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم عامرًا الشعبي وأبا حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهم الله، فإنهم قالوا: ما كان من ذلك. . . . إلى آخره.

وقال ابن حزم: [قال أبو حنيفة](1) لو أن رجلًا رشى شاهدين فشهدا له بزور أن فلانًا طلق امرأته فلانة أو أعتق أمته فلانة وهما كاذبان متعمدان، وأن المرأتين

(1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المحلي"(9/ 422).

ص: 493

بعد العدة رضيتا بفلان زوجًا فقضى القاضي بهذه الشهادة، فإن وطء تينك المرأتين حلال للفاسق الذي شهدا له بالزور، حرام على المشهود عليه بالباطل، وكذلك من أقام شاهدي زور على فلان أنه أنكحه ابنته برضاها وهي في الحقيقة لم ترضه قط ولا زوجها إياه أبوها فقضى القاضي بذلك، فوطئه إياها حلال.

ثم قال ابن حزم: ما نعلم أحدًا قبله قال بهذه الطامة.

قلت: جهله بذلك لا يرد علم غيره به، وقد قال أبو عمر بن عبد البر: وجاء عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وروي ذلك عن الشعبي قبلهما في رجلين تعمدا الشهادة بالزور على رجل أنه طلق امرأته، فقبل القاضي شهادتهما لظاهر عدالتهما عنده وهما قد تعمدا الكذب في ذلك أو غلطا، ففرق القاضي بين الرجل وامرأته بشهادتهما، ثم اعتدت المرأة جاز لأحدهما أن يتزوجها وهو عالم أنه كاذب في شهادته، وعالم بأن زوجها لم يطلقها؛ لأن حكم الحاكم لما أحلها للأزواج فإن الشهود وغيرهم في ذلك سواء.

ص: والدليل على ذلك ما روي عن رسول الله عليه السلام في المتلاعنين:

حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:"فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان وقال لهما: حسابكما على الله، الله يعلم أن أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله، صداقي الذي أصدقتها، قال: لا مال لك؛ إن كنت صدقت عليها فهو بها استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منه".

ش: أي الدليل على ما ذهب إليه الآخرون: حديث المتلاعنين.

أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة. . . . إلى آخره.

ص: 494

وأخرجه البخاري (1): عن علي بن عبد الله، نا سفيان، قال عمرو: سمعت سعيد بن جبير قال: "سألت ابن عمر عن حديث المتلاعنين، فقال: قال النبي عليه السلام للمتلاعنين: حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: مالي، قال: لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك"، قال سفيان: حفظته من عمرو.

وأخرجه مسلم (2): عن يحيى بن يحيى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير .. إلى آخره نحوه.

وأبو داود (3): عن أحمد بن حنبل، عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير. . . . إلى آخره نحوه.

والنسائي (4): عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير. . . . إلى آخره نحوه.

قوله: "بين أخوي بني العجلان" وهما عويمر بن أبيض العجلاني وزوجته، ووقع في رواية "الموطأ" (5) وأبي داود: عويمر بن أشقر، وكان الذي رمى به زوجته شريك بن سحماء، وكان ذلك في شعبان سنة تسع من الهجرة.

قوله: "إن أحدكما كاذب" ظاهره أنه بعد الملاعنة، وحينئذ تحقق الكذب عليهما جميعًا ووجبت التوبة، وذهب الداودي أنه إنما قاله النبي عليه السلام قبل اللعان لا بعده تحذيرًا لهما ووعظًا. قال عياض: والأول أظهر وأولى بمساق الكلام.

قلت: الصواب مع الداودي؛ لأن بعد الملاعنة يتحقق الكذب عليهما فلا يصدق أن يقال: "إن أحدكما كاذب" فافهم.

(1)"صحيح البخاري"(5/ 2035 رقم 5006).

(2)

"صحيح مسلم"(2/ 1131 رقم 1493).

(3)

"سنن أبي داود"(2/ 278 رقم 2257).

(4)

"المجتبى"(6/ 177 رقم 3476).

(5)

"الموطأ"(2/ 566 رقم 1177).

ص: 495

وقوله: "إن أحدكما"، فيه رد على من ذهب من النحاة أن أحدًا لا تستعمل إلا في النفي، وقول بعضهم: لا يستعمل إلا في الوصف وأنه لا يوضع موضع واجب ولا يوقع موقع واحد، وقد أجار هذا المبرد، وجاء في هذا الحديث في غير وصف ولا نفي وبمعنى واحد، قال الله تعالى:{فَشَهَادَةُ أحَدِهِم} (1) قال الخطابي: فيه أن البَيِّنتيْن إذا تعارضتا تهاترتا وسقطتا.

قوله: "لا سبيل لك عليها" حمله جمهور العلماء على العموم، فلا تحل له أبدًا، واختلفوا إذا أكذبَ نفسه: هل تحل له أم لا؟

فعند أبي حنيفة: إذا أكذب نفسه حلت له، لارتفاع المعنى المانع لإكذاب نفسه، وبه قال محمَّد بن الحسن، وهو قول حماد بن أبي سليمان وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والحسن البصري والزهري.

وقال الأوزاعي والثوري والحسن بن حي والليث بن سعد والشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف وزفر وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد: لا يجتمعان أبدًا سواء أكذب نفسه أو لا، ولكنه إن أكذب نفسه جُلِدَ الحدّ ولحق به الوالد، ولا يجتمعان أبدًا.

وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم.

وقال الشعبي والضحاك: إذا كذب نفسه جُلد الحدّ وَرُدَّت إليه امرأته.

ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، سمع سهل بن سعد الساعدي يقول:"شهدت النبي عليه السلام فرق بين المتلاعنين، فقال: يا رسول الله كذبت عليها إن أمسكتها".

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره: "أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: أرأيت يا عاصم لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله

(1) سورة النور، آية:[6].

ص: 496

فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي عن ذلك يا عاصم رسول الله عليه السلام، فقال عاصم لعويمر: لم تأت بخير؛ قد كره رسول الله عليه السلام المسألة التي سألته عنها، فقال عويمر: لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله عليه السلام وسط الناس، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله عليه السلام: فقد أُنزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائت بها، قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله عليه السلام، فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله عليه السلام بطلاقها. قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا الماجشون، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن عاصم بن عدي قال:"جاءني عويمر. . . ." ثم ذكر مثله.

ش: هذه ثلاث طرق أخرى صحاح:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . . إلى آخره.

وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة (1): عن سفيان، عن الزهري، عن سهل نحوه.

الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سهل.

وأخرجه البخاري (2): عن إسماعيل، عن مالك، عن الزهري، عن سهل بن سعد. . . . إلى آخره نحوه.

ومسلم (3): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(4/ 19 رقم 17367).

(2)

"صحيح البخاري"(5/ 2033 رقم 5002).

(3)

"صحيح مسلم"(2/ 1129 رقم 1492).

ص: 497

وأبو داود (1): عن القعنبي، عن مالك.

والنسائي (2): عن محمَّد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك.

وابن ماجه (3): عن محمَّد بن عثمان، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن الزهري، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد.

الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي، عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سهل بن سعد رضي الله عنه.

وأخرجه الطبراني (4): نا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، نا علي بن الجعد، ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد قال:"جاء رجل من بني العجلان إلى عاصم بن عدي، فقال: يا عاصم، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي رسول الله عليه السلام، فكره رسول الله عليه السلام المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله عليه السلام، فلما جاء عاصم إلى أهله، جاء عويمر فقال: ماذا قال لك رسول الله عليه السلام؟ فقال: قد كره رسول الله عليه السلام المسألة التي سألت عنها، فأقبل عويمر حتى سأل رسول الله عليه السلام في وسط الناس فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال: قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائت بها. قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله عليه السلام، فلما فرغا من تلاعنهما قال: يا رسول الله، كذبت عليها إن أمسكتها، قال: فطلقها قبل أن يأمره رسول الله عليه السلام بطلاقها، فكان فراقه إياها سنة بين المتلاعنين".

(1)"سنن أبي داود"(2/ 273 رقم 2245).

(2)

"المجتبى"(6/ 143 رقم 3402).

(3)

"سنن ابن ماجه"(1/ 677 رقم 2066).

(4)

"المعجم الكبير"(6/ 119 رقم 5692).

ص: 498

قوله: "أرأيت" أي أخبرني.

قوله: "أيقتله" الهمزة فيه للاستفهام.

وفيه: تحرز في السؤال لئلا يصرح بالقذف؛ فيجب عليه الحد في الرجل، ولا يخلصه منه لزوجته إلا لعانه؛ خلافًا للشافعي في إسقاطه عنه الحد في الرجل بلعان زوجته؛ لأنه عنده كحكم التبع، ولأنه في ترك تسميته لا حد عليه حتى يصرح باسمه خلافًا للشافعي في حده وإن لم يسمه إن لم يلتعن، أو لعله كان يعتقد أن ذلك كان يجب عليه في زوجته فلذلك لم يصرح، أو أبهم الأمر حتى يرى كيف يكون الحكم فيه فيعمل بحسب ذلك من كتمه أو إبدائه.

وقال عياض: وقوله: "أيقتله فيقتلونه؟ " يحتمل أن يكون سؤالًا عن الحكم إذا فعله، ويحتمل أنه علم الحكم ولكنه قال على سبيل التوصل إلى وجه آخر غيره يصل به إلى شفاء غيظه وإزالة عثرته.

قال الإِمام: وجعل بعض الناس حجة على الزوج إذا قتل رجلًا وزعم أنه وجده مع امرأته أنه يقتل به ولا يصدق إلا ببينة؛ لأنه عليه السلام لم ينكر عليه ما قال.

قال القاضي: قد يكون سكوته عليه السلام لئلا يتسبب بذلك أهل الأذى والشر إلى القتل وَيَدَّعون هذا السبب لكل من قتلوه.

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فجمهور العلماء على أنه يقتل به إن لم يأت بأربعة شهداء، وهو قول الشافعي وأبي ثور، قالا: ويسعه قتله فيما بينه وبين الله تعالى. وقال أحمد وإسحاق: يهدر دمه إذا جاء بشاهدين.

قال عياض: اختلف أصحابنا هل يهدر دمه إذا قامت البينة إذا لم يكن المقتول محصنًا؟ فعند ابن القاسم: هما سواء ويهدر دمه واستحق الدية في غير المحصن، وقال ابن حبيب: إن كان المقتول محصنا فهذا الذي ينجي قاتله البينة من القتل، وقد اختلف عن عمر رضي الله عنه في هدر دم قتل هذا، وروي عن علي رضي الله عنه: يقاد منه.

ص: 499

وقال أبو عمر: لا خلاف علمته بين العلماء فيمن قتل رجلًا ثم ادعى إنه إنما قتله لأنه وجده مع امرأته بين فخذيها أو نحو ذلك من وجوه زناه بها، ولم يعلم ما ذكر عنه إلا بدعواه أنه لا يقبل منه ما ادعاه، وأنه يقتل به إلا أن يأتى بأربعة شهداء يشهدون أنهم رأوا وطأه لها وإيلاجه فيها، ويكون مع ذلك محصنا مسلمًا بالغًا.

قوله: "قد كَرِهَ رسول الله عليه السلام" قيل: يحتمل أنه كره قذف الرجل امرأته ورميها في غير بَيِّنَة لاعتقاده أن الحد يجب عليه، وذلك قبل نزول حكم اللعان، بدليل قوله في الحديث الآخر لهلال بن أمية:"البينة وإلا حد في ظهرك. . . ." الحديث. وفيه نزل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} (1) الآية، ويحتمل أنه كره السؤال لما فيه من قبح النازلة والفاحشة وهتك ستر المسلم، أو لما كان فيه من نهيه عن كثرة السؤال إما سدًّا لباب سؤال أهل الشغب من الجهلة والمنافقين وأهل الكتاب، أو لما يخشى من كثرة السؤال من التضييق عليهم في الأحكام التي لو سكتوا عنها لم يُلْزَموها وتُرِكُوا إلى اجتهادهم كما قال:"اتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبيائهم".

قلت: المسائل إذا كانت فيما يضطر إليها السائل فلا بأس بها، وقد كان عليه السلام يُسأل عن الأحكام فلا يكره ذلك، وإن كان على جهة التعنيت فهو منهي عنه.

وعاصم بن عدي هذا إنما سأل لغيره، ولعله لم يكن به ضرورة إلى ذلك.

قوله: "وَسْط النَّاس" بسكون السين؛ لأن الوسط بالسكون يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل، كالناس والدواب وغير ذلك، فإذا كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح، وقيل: كل ما يصلح فيه "بين" فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه "بين" فهو بالفتح، وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر وكأنه الأشبه.

(1) سورة النور، آية:[6].

ص: 500

قوله: "فقد أُنزل فيك وفي صاحبتك" يحتمل أنه عليه السلام عرف أن عويمر صاحب المسألة حين كرر السؤال له عليها؛ إما بما دل عليه من قوله أو حاله مما لم يذكر في الحديث، أو بوحي أوحى إليه عند نزول آية اللعان، وفيه أن القرآن لم ينزل جملة واحدة إلى الأرض وإنما نزل بحسب الوقائع والحوادث، آية فآية، سورة فسورة.

قوله: "فتلاعنا" أجمع المسلمون على صحة حكم اللعان بين الزوجين بهذا الحديث إذا أدعى رؤية، وكذلك قال الجمهور إذا نفى ولدًا، واختلفوا فيما بعد ذلك، فقالت فرقة: لا لعان في القذف المجرد وهو أحد قولي مالك وقول الليث وأبي الزناد والبتي ويحيى بن سعيد، وأن في هذا الحدّ بكل حال.

وقال الكوفيون والشافعي والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث باللعان في القذف المجرد، وروي عن مالك أيضًا.

واختلفوا إذا أقام الزوج البينة على زناها: فعند مالك والشافعي: يلاعن؛ إذْ لا عمل للشهود في نفي الولد.

وقال أبو حنيفة وداود: إنما اللعان لمن لم يأت بأربعة شهداء، فمن أتى بهم فلا لعان.

واختلفوا في اللعان ينفي الحمل وفي وقته، فذهب الكوفيون إلى أنه لا لعان به إلا أنه ينفيه ثانية بعد الولادة.

وهو قول عبد الملك بن ماجشون. كذا حكاه ابن عبد البر.

وذهب الشافعي إلى أن كل من نفي الحمل يلاعن، وهو قول أحمد وداود وأبي ثور وحكي عنه أنه لا يلاعن حتى تلد، وهو المعروف عن عبد الملك.

وروي عن مالك وعبد العزيز وأشهب.

وعن مالك وأصحابه في ذلك ثلاثة أقوال أيضًا: يلاعن إذا ادعى رؤية واستبراء معًا، ويلاعن بالجملة دون استشهاد، ويلاعن بدعوى الاستبراء، ولا يلاعن إن لم يدعه إلا أن تلد لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية.

ص: 501

ونحوه عن أبي يوسف ومحمد، بن الحسن إلا أن يكون مقرونًا بحمل، أو رآه فلم ينكره.

قوله: "وأنا مع النَّاس" فيه أن سنة التلاعن أن لا يكون مكتومًا ويكون مشهودًا بحضرة الناس، وأن سنته أن يكون بحضرة الإِمام أو من يستنيبه الإِمام لذلك من الحكام، وهذا إجماع أن لا يكون إلا بالسلطان.

قوله: "كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله عليه السلام" قال الخطابي: يشبه أن يكون إنما دعي به -أي إلى هذا القول- لأنه لما قيل له: لا سبيل لك عليها، وجد من ذلك في نفسه شيئًا، فقال: كذبت عليها إن أمسكتها، هي طالق ثلاثًا يريد بذلك تحقيق ما مضى وتوكيده. وقال عياض: احتج بهذا الشافعي على جواز الطلاق ثلاثًا في كلمة واحدة.

وانفصل أصحابنا عن هذا بأنها قد بانت منه باللعان، فوقعت الثلاث على غير زوجة فلم يكن لها تأثير، وقال الخطابي: وقد يحتج بذلك من يرى أن الفرقة لا تقع بنفس اللعان حتى يفرق بينهما الحاكم، وذلك أن الفرقة لو كانت واقعة بينهما لم يكن للتطليقات الثلاث معنى.

قيل: يندفع هذا بما ذكرناه عن عياض آنفًا، وأيضًا فإن الفرقة لو لم تكن بنفس اللعان لكانت المرأة في حكم المطلقات ثلاثًا، وقد أجمعوا على أنها ليست في حكم المطلقات ثلاثًا فدل أن الفرقة واقعة قبل.

قلت: قال الحنفية: لا تقع الفرقة بينهما بنفس اللعان حتى يحكم القاضي بينهما بالفراق، لقوله:"ففرق بينهما" وهذه إشارة للحكم، وأيضًا فإن هذا من الفسوخ التي يحتاج فيها إلى حضرة الحاكم فإنها لا تقع إلا بهم.

قوله: "فكانت سنة المتلاعنين" أي الفرقة بينهما.

ص: فقد علمنا أن النبي عليه السلام لو علم الكاذب منهما بعينه لم يفرق بينهما ولم يلاعن، ولو علم أن المرأة صادقة لحدَّ الزوج لها بقذفه إياها، ولو علم أن الزوج

ص: 502

صادق لحد المرأة للزنا الذي كان منها، فلما خفي الصادق منهما على الحكم وجب حكم آخر، فحرم الفرج على الزوج في الباطن والظاهر ولم يردّ ذلك إلى حكم الباطن، فلما ثبت هذا في المتلاعنين ثبت أن كذلك الفروق كلها والقضاء بما ليس فيه تمليك أموال أنه على حكم الظاهر لا على حكم الباطن، وأن حكم القاضي يُحدث في ذلك التحريم والتحليل في الظاهر والباطن جميعًا، وأنه خلاف الأموال التي يقضى بها على حكم الظاهر وهي في الباطن على خلاف ذلك؛ فتكون الآثار الأول هي على القضاء بالأموال، والآثار الأُخر هي على القضاء بغير الأموال في إثبات العقود وحلها؛ حتى تتفق معاني وجوه الآثار والأحكام ولا تتضاد.

وقد حكم رسول الله عليه السلام في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة أنهما يتحالفان ويترادان، فتعود الجارية إلى البائع ويحل له فرجها ويحرم على المشترى، ولو علم الكاذب منهما بعينه إذًا لقضى بما يقول الصادق، ولم يقض بفسخ بيع ولا بوجوب حرمة فرج الجارية المبيعة على المشتري، فلما كان ذلك على ما وصفنا؛ كان كذلك كل قضاء بتحريم أو تحليل أو عقد نكاح على ما حكم القاضي فيه في الظاهر، لا على حكمه في الباطن، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن -رحمهما الله-.

ش: هذا كله ظاهر.

قوله: "منهما" أي من المتلاعنين، وهما الزوجان.

قوله: "فتكون الآثار الأُول": وهي الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى.

قوله: "وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . ." إلى آخره، ذكره شاهدًا لما قبله.

قوله: "أنهما يتحالفان" مفعول لقوله: "حكم" أي أن المتبايعين.

قوله: "إذًا" أي حينئذ.

ص: 503