الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الحر يجب عليه دين ولا يكون له مال، كيف حكمه
؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الحر الذي ركبت عليه ديون وليس له مال يوفى به ديونه، كيف يكون حكمه؟
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي، قال: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني قال:"كنت بمصر فقال لي رجل: ألا أدلك على رجل من أصحاب رسول الله عليه السلام؟ فقلت: بلى، فأشار إلى رجل فجئته فقلت: من أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا سرق، فقلت: سبحان الله ما ينبغي لك أن تسمى بهذا الاسم فأنت رجل من أصحاب رسول الله عليه السلام، فقال: إن رسول الله عليه السلام سماني بسرق فلن أدع ذلك أبدًا. قلت: ولم سماك سرق؟ قال: لقيت رجلًا من أهل البادية ببعيرين له يبيعهما، فابتعتهما منه، فقلت له: انطلق معي حتى أعطيك، فدخلت بيتى ثم خرجت من خلف لي وقضيت بثمن البعيرين حاجتي وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي قد خرج، فخرجت والأعرابي مقيم، فأخذني وقدمني إلى رسول الله عليه السلام فأخبرته الخبر، فقال رسول الله عليه السلام: ما حملك على ما صنعت؟ قلت: قضيت بثمنهما حاجتي يا رسول الله قال: فاقضه، قال: قلت: ليس عندي، قال: أنت سرق اذهب به يا أعرابي فبعه حتى تستوفي حقك، قال: فجعل الناس يسومونه بي، ويلتفت إليهم فيقول: ماذا تريدون؟ فيقولون: نريد أن نبتاعه منك، قال: فوالله إن منكم أحد أحوج إليه مني، اذهب فقد أعتقتك".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا عبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار، قال: حدثني زيد بن أسلم، قال:"لقيت رجلًا بالأسكندرية يقال له سرَّق، فقلت له: ما هذا الاسم؟ قال: سمانيه رسول الله عليه السلام، قدمت المدينة فأخبرتهم أنه يقدم لي مال فبايعوني فاستهلكت أموالهم، فأتوا النبي عليه السلام: فقال أنت سرق، فباعني بأربعة أبعرة، فقال له غرماؤه: ما تصنع به؟ قال: أعتْقِه، قالوا: ما نحن بأزهد في الأجر منك، فأعتقوني".
ش: هذان طريقان:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوحاظي أبي زكرياء الدمشقي -ويقال: الحمصي- أحد الأئمة الحنفية وشيخ البخاري، ونسبته إلى وُحَاظة -بضم الواو، وبالحاء المهملة وبعد الألف ظاء معجمة- وهو وحاظة بن سعد بن عوف بن عدي، يروي عن مسلم بن خالد الزنجي الملكي -شيخ الشافعي، ضعفه يحيى وأبو داود، وقال ابن المديني: ليس بشيء.
وقال البخاري: منكر الحديث. روي له أبو داود وابن ماجه، عن زيد بن أسلم القرشي المدني الفقيه مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه روى له الجماعة، عن عبد الرحمن ابن البيلماني، قال أبو حاتم: لين. روي له الأربعة وعن سُرَّق -بضم السين المهملة وفتح الراء المشددة وفي آخره قاف- وقال ابن الأثير: سرق محفف بوزن غدر ونسق، وأصحاب الحديث يشددون الراء والصواب تخفيفها، وهو سرق بن أسد الجهني. ويقال: الديلمي، ويقال: الأنصارى، سكن مصر، قيل: كان اسمه الحباب فسماه رسول الله عليه السلام سُرَّق لما ذكره في الحديث المذكور.
وأخرجه الطبراني (1): حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا معلي بن مهدي الموصلي (ح).
وحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني العباس بن [عبد](2) الواحد القرشي، قالا: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني. . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث التميمي العنبري البصري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار العدوي المدني، عن زيد بن أسلم. . . . إلى آخره.
وهذا إسناد صحيح.
(1)"المعجم الكبير"(7/ 165 رقم 1716).
(2)
سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "المعجم الكبير".
وأخرجه ابن يونس (1) في ترجمة سرق فقال: سُرَّق رجل من أصحاب النبي عليه السلام، روى عنه زيد بن أسلم، كان بالإسكندرية وهو معروف من أهل مصر وقد روى، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، ثنا محمَّد بن المثنى، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، نا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، ثنا زيد بن أسلم قال:"رأيت شيخًا بالإسكندرية يقال له: سرق، فقلت: ما هذا الاسم؟! فقال: سمانيه رسول الله عليه السلام فلن أدعه، قال: قلت: ولم سماك؟ قال: قدمت المدينة فأخبرتهم أن مالي يقدم، فبايعوني، فاستهلكت أموالهم، فأتوا النبي عليه السلام فذكروا ذلك له، فقال: أنت سرق، فباعني -قال: بأربعة أبعرة- فقال الغرماء للذي اشتراني: فما تصنع به؟ قال: أعتقه، قالوا فلسنا بأزهد في الأجر منك، قال: فأعتقوه، قال: وبقي اسمي هذا فلن أدعه".
قوله: "ثم خرجت من خلف لي" أراد به [ظهر بيته، يعني كان لبيته بابان، دخل من أحدهما فخلى الأعرابي عليها، وخرج من الآخر فقضى حاجته ثم عاد، وظن أن الأعرابي قد ذهب، فلا خرج مسكه وذهب به إلى النبي عليه السلام؛ ومن هذا القبيل ما جاء في حديث عائشة وبناء الكعبة، قال:"لولا حدثان قومك بالكفر؛ بنيتها على أساس إبراهيم، وجعلت لها خلفين. . . ." الحديث. كأنه أراد أن يجعل لها بابين، والجهة التي تقابل الباب من البيت ظهره؛ فإذا كان لها بابان فقد صار لها ظهران، والخلف: الظهر فافهم، ويقال للمربد أيضًا خلف. قال الجوهري: يقال: وراء بيتك خلف حيد وهو المربد. ويمكن أن يكون راء بيت مربد فخرج منه وغيبه.
ص: وقال أبو جعفر رحمه الله: ففي هذا الحديث بيع الحر في الدين، وقد كان ذلك في أول الإسلام يباع من عليه دين فيما عليه من الدين إذا لم يكن له مال يقضيه عن ئفسه، حتى نسخ الله عز وجل من الدين؛ فقال:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (2) وقضى رسول الله عليه السلام بذلك في الذي ابتاع الثمار فأصيب فيها، فكثر
(1)"المستدرك"(2/ 62 رقم 233)، "سنن البيهقي الكبرى"(6/ 50 رقم 11056)، "سنن الدارقطني"(3/ 62 رقم 236).
(2)
سورة البقرة، آية:[280].
دينه، فقال رسول الله عليه السلام:"تصدقوا عليه، فتصدق عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله عليه السلام: خذوا ما وجد نفر، وليس لكم إلا ذلك".
وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم من كتابنا هذا.
ففي قول رسول الله عليه السلام لغرمائه: "ليس لكم إلا ذلك" دليل على أن لا حق لهم في بيعه، ولولا ذلك لباعه كما باع سرق في دينه لغرمائه، وهذا قول أهل العلم جميعًا.
ش: كان بيع الحر بالدين جائزًا في صدر الإِسلام إذا لم يكن له مال يُوفي ما عليه؛ فلذلك باع عليه السلام سرق لما استهلك أموال الناس وركبت عليه ديون، ثم نسخ الله ذلك بقوله:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (1) وعليه وقع الإجماع، إلا ما روي عن الليث بن سعد أنه قال: يُؤاجر الحر المعسر فيقضي دينه من أجرته.
وقال الجصاص: ولا نعلم أحدًا قال بمثل هذا القول إلا الزهري؛ فإن الليث بن سعد روى عن الزهري قال: يُؤاجر المعسر بما عليه من الدين حتى يقضي عنه.
وقال ابن حزم في "المحلى"(1): وفي هذا خلاف قديم وحديث نورد -إن شاء الله- منه ما تيسر لإيراده؛ ليعلم مدعي الإجماع فيما هو أخفى من هذا أنه كاذب.
روينا من طريق محمَّد بن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ومعاذ بن هشام الدستوائي -قال عبد الرحمن: ثنا همام بن يحيى، وقال معاذ: ثنا أبي، ثم اتفق هشام وهمام- كلاهما عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة:"أن رجلًا باع نفسه فقضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه عبد كما أقر على نفسه، وجعل ثمنه في سبيل الله عز وجل" هذا لفظ همام.
وأما لفظ هشام: "فإنه أقر لرجل حتى باعه" واتفقا فيما عدا ذلك، والمعنى واحد في كلا اللفظين.
ومن طريق ابن أبي شيبة، ثنا شريك، عن جابر، عن عامر الشعبي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:"إذا أقر على نفسه بالعبودية فهو عبد".
ومن طريق سعيد بن منصور، ثنا هشيم، أنا المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم
(1)"المحلى"(9/ 17).
النخعي -فيمن ساق إلى امرأته رجلًا حرًّا- فقال إبراهيم: "هو رهن بما جعل فيه حتى يَفْتَكّ نفسه".
وعن زرارة بن أوفى قاضي البصرة من التابعين أنه باع حرًّا في دين، وقد روينا هذا القول عن الشافعي وهي قول غريبة لا يعرفها من أصحابه إلا من تبحر في الحديث والآثار؟. انتهى.
ثم الكلام في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ} (1) فنقول: فيه تأويلان:
أحدهما: أن تكون "كان" من النواقص ويكون الخبر محذوفًا تقديره: وإن كان ذو عسرة غريمًا لكم، فنظرة أي فعليكم انتظاره إلى ميسرته.
والثاني: أن تكون "كان" تامة بمعنى وُجِدَ ووقع، أي: وإن وُجِدَ ذو عسرة فنظرة.
وقد اختلف في حكم هذه الآية: فروي عن ابن عباس وشريح وإبراهيم أنه في الربا خاصة.
وكان شريح يحبس المعسر في غيره من الديون.
وروي عن إبراهيم والحسن والربيع بن خثيم والضحاك أنه في سائر الديون.
وروي عن ابن عباس رواية أخرى مثل ذلك.
وقال آخرون: إن الذي في الآية إنظار المعسر في الربا، وسائر الديون في حكمه قياسًا عليه.
قلت: اللفظ عام يجب حمله على العموم ولا يُقتصر به على الربا إلا بدلالة؛ لما فيه من تخصيص لفظ العموم من غير دلالة.
قوله: "وقضى رسول الله عليه السلام" ذكره شاهدًا لصحة ما ذكره فيما قبله، وقد تقدم ذكر هذا في باب (2).
قوله: "وهذا قول أهل العلم جميعًا" أي نسخ بيع الحر في الدين، وإنظار المعسر إلى وقت الميسرة هو قول [أهل](3) العلم جميعًا، ولا خلاف فيه اليوم، والله أعلم.
(1) سورة البقرة، آية:[280].
(2)
بيض له المؤلف رحمه الله.
(3)
ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.