الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الرجل يبتاع السلعة فيقبضها ثم يموت أو يفلس وثمنها عليه دين
[ص](1): حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله عليه السلام قال:"أيما رجل أفلس، فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر (ح).
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قالا: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمَّد، أنه أخبره أنه سمع عمر بن عبد العزيز يحدث، أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنه سمع أبا هريرة يحدث، عن النبي عليه السلام مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وبشر بن عمر (ح).
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قالوا: ثنا شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام مثله.
ش: هذه ستة طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن يحيى ابن سعيد الأنصاري القاضي، عن أبي بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي المدني، عن الإِمام الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز بن مروان، عن
(1) في "الأصل، ك" كتب حرف "ش"، ولم يذكر الشرح ثم سرد الأحاديث دون وضع حرف "ص" كعادته.
أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني، أحد الفقهاء السبعة، عن أبي هريرة.
وهذا الحديث أخرجه الجماعة على ما يأتى:
فأخرجه أبو داود (1): عن القعنبي، عن مالك. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني البصري، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمَّد. . . . إلى آخره.
وأخرجه الترمذي (2): عن قتيبة، عن ليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم. . . . إلى آخره، وقال: حسن صحيح.
الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (3): عن قتيبة، عن ليث، عن يحيى بن سعيد. . . . إلى آخره نحوه.
الرابع: عن حسين بن نصر، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن يحيى بن سعيد. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (4) عن ابن أبي شيبة عن ابن عيينة، وعن ابن رمح عن الليث، جميعًا عن يحيى بن سعيد، به.
الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير وبشر بن عمر، كلاهما عن شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس بن مالك الأنصاري، عن بَشير -بفتح الباء الموحدة- بن نَهِيك -بفتح النون- السدوسي، عن أبي هريرة.
(1)"سنن أبي داود"(3/ 286 رقم 3519).
(2)
"جامع الترمذي"(3/ 562 رقم 1262).
(3)
"المجتبى"(7/ 311 رقم 4676).
(4)
"سنن ابن ماجه"(2/ 790 رقم 2358).
وأخرجه مسلم (1) عن أبي موسى، عن غندر وابن مهدي، عن شعبة.
وعن زهير، عن ابن علية، عن سعيد.
وعن زهير بن حرب، عن معاذ بن هشام، عن أبيه.
كلهم عن قتادة، عن النضر، عن بَشير بن نَهيك بهذا.
السادس: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي، عن شعبة، عن قتادة، عن النضر، عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة.
وأخرجه البخاري (2) عن أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن يحيى بن سعيد الأنصاري. . . . إلى آخره.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا اشترى عبدًا بثمن، وقبض العبدَ ولم يدفع ثمنه، فأفلس المشتري وعليه دين والعبد قائم في يده بعينه؛ أن بائعه أحق به من غيره من غرماء المشتري، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير وطاوسًا وعامرًا الشعبي والأوزاعي وعبيد الله بن الحسن ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وداود؛ فإنهم [قالوا](3): صاحب السلعة أحق بها في هذه الصورة.
وإليه ذهب أهل الظاهر أيضًا.
وقال أبو عمر (4): حديث التفليس هذا من رواية الحجازيين والبصريين حديث صحيح عند أهل النقل ثابت، وأجمع فقهاء الحجاز وأهل الأثر على القول بجملته وإن اختلفوا في أشياء من فروعه.
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1194 رقم 1559).
(2)
"صحيح البخاري"(2/ 846 رقم 2272).
(3)
ليست في "الأصل، ك" والسياق يقتضيها.
(4)
"التمهيد"(8/ 410 - 412).
ثم قال: واختلف مالك والشافعي في المفلس يأبي غرماؤه دفع السلعة إلى صاحبها وقد وجدها بعينها، ويريدون دفع الثمن إليه من قبل أنفسهم لما لهم في قبض السلعة من الفضل، فقال مالك: ذلك لهم، وليس لصاحبها أخذها إذا دفع إليه الغرماء الثمن.
وقال الشافعي: ليس للغرماء في هذا مقال، قال: وإذا لم يكن للمفلس ولا لورثته أخذ السلعة، فالغرماء أبعد من ذلك، وإنما الخيار لصاحب السلعة إن شاء أخذها وإن شاء تركها وضرب مع الغرماء.
لأنه عليه السلام جعل صاحبها أحق بها منهم.
وبه قال أبو ثور وأحمد وجماعة.
واختلف مالك والشافعي أيضًا إذا اقتضي صاحب السلعة من ثمنها شيئًا، فقال ابن وهب وغيره، عن مالك: إن أحب صاحب السلعة أن يرد ما قبض من الثمن ويقبض سلعته كان ذلك له.
وقال الشافعي: لو كانت السلعة عبدًا فأخذ نصف ثمنه ثم أفلس الغريم كان له نصف العبد، لأنه بعينه وبيع النصف الثاني الذي بقي للغرماء، ولا يرد شيئًا مما أخذ؛ لأنه مستوف لما أخذ.
وبه قال أحمد.
واختلف مالك والشافعي في المفلس يموت قبل الحكم عليه وقبل توقيفه، فقال مالك: ليس حكم المفلس كحكم الميت، وبائع السلعة إذا وجدها بعينها أسوة للغرماء في الموت، بخلاف التفليس. وبه قال أحمد. انتهى.
وقال ابن حزم: قال قتادة: من وجد بعض سلعته -قل أو كثر- فهو أحق بها من سائر الغرماء في التفليس في الحياة، وأما بعد الموت فهو أسوة الغرماء فيها.
وقال الشافعي: إن وجدها أو بعضها فهو أحق بها -أو بالذي وجد منها- من الغرماء -ولم يخص حياة من موت- قال: فإن كان قبض من الثمن شيئًا فهو أحق بما بقي له فقط.
وقال أحمد: هو أحق بها في الحياة وأما في الموت فهو أسوة الغرماء.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بائع العبد وسائر الغرماء فيه سواء؛ لأن ملكه قد زال عن العبد، وخرج من ضمانه، فإنما هو في مطالبته غريم من غرماء المطلوب، يطالبه بدين في ذمته لا وثيقة في يديه به، فهو وهم في جميع ماله سواء.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي والحسن البصري والشعبي -في رواية- ووكيع بن الجراح وعبد الله بن شبرمة قاضي الكوفة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر رحمهم الله؛ فإنهم قالوا: بائع السلعة أسوة الغرماء.
وروي ذلك عن علي بن أبي طالب.
وروى وكيع، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي بن أبي طالب قال: "هو فيهما أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها، إذا مات الرجل وعليه دين وعنده سلعة قائمة لرجل بعينها، فهو أسوة الغرماء.
قال ابن حزم: وهو قول إبراهيم النخعي والحسن. وقال الشعبي: من أعطى إنسانًا مالًا مضاربة، فمات فوجد كسبه بعينه؛ فهو والغرماء فيه سواء. وصح عن عمر بن عبد العزيز أن من أقبض من ثمن سلعة شيئًا ثم أفلس، فهو أسوة الغرماء وهو قول الزهري.
ص: وكان من حجتهم على أهل المقالة الأولى على فساد ما ذهبوا إليه واحتجوا به لقوهم من حديث أبي هريرة الذي ذكرنا: أن الذي في ذلك الحديث "فأصاب رجل ماله بعينه"، والمبيع ليس هو عين ماله وإنما هو عين مال قد كان له، وإنما ماله بعينه يقع على الغصوب والعواري والودائع وما أشبه ذلك، فذلك ماله بعينه فهو أحق به من سائر الغرماء، وفي ذلك جاء هذا الحديث عن رسول الله عليه السلام وإنما يكون هذا الحديث حجة لأهل المقالة الأولى لو كان:"فأصاب رجل عين مال قد كان له، فباعه من الذي وجده في يده ولم يقبض منه ثمنه فهو أحق به من سائر الغرماء" فهذا الذي
يكون حجة لهم لو كان لفظ الحديث كذلك ، فأما إذا كان على ما روينا في الحديث؛ فلا حجة لهم في ذلك، وهو على الودائع والغصوب والعواري والرهون أموال الطالبين في وقت المطالبة بها وذلك كما جاء عن رسول الله عليه السلام في حديث سمرة رضي الله عنه، فإنه حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن سعيد بن زيد بن عقبة، عن أبيه، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله عليه السلام قال:"ومن سرق له متاع -أو ضاع له متاع- فوجده في يد رجل بعينه، فهو أحق بعينه، ويرجع المشتري على البائع بالثمن".
ش: أي: وكان من حُجَّة هؤلاء الآخرين، وأراد بها الجواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من حديث أبي هريرة المذكور، وبيانه أن يقال: استدلالهم به لما ذهبوا إليه فاسد؛ وذلك لأن المذكور في الحديث "فأصاب رجل ماله بعينه".
والمبيع ليس هو عين ماله؛ لأنه خرج عن ملكه بالعقد وملكه المشتري فكأن العين قد تبدلت بتبدل الملك الوارد عليها، نعم قد كان ذلك عين ماله قبل ورود العقد عليه.
وقوله: "ماله بعينه" إنما يقع على الغصوب والعواري والودائع ونحوها؛ لقيام ملكه فيها، والحديث إنما يكون حجة لهؤلاء لو كان رجل أصاب غير ماله الذي قد كان له، فباعه من الرجل الذي وجده في يده، والحال أنه لم يقبض منه ثمنه، فهو أحق به من سائر الغرماء، فلو كان لفظ الحديث هكذا كان يكون حجة لهم، فأما إذا كان على اللفظ الذي روي فيما مضى، فليس لهم فيه حجة، وإنما هو على الغصوب والودائع والرهون ونحوها، والدليل على ذلك ما روى عن سمرة بن جندب.
أخرجه عن محمَّد بن عمرو بن يونس الثعلبي السوسي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير، عن الحجاج بن أرطاة النخعي فيه مقال، عن سعيد بن زيد الفزاري الكوفي وثقه ابن حبان، عن أبيه زيد بن عقبة الفزاري الكوفي -أخي حصين بن عقبة، وثقه العجلي والنسائي وروى له وأبو داود والترمذي أيضًا.
وأخرجه الطبراني (1): نا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (ح).
وحدثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن سعيد بن زيد. . . . إلى آخره نحوه.
فهذا يبين أن المراد من حديث أبي هريرة أنه على الودائع والعواري ونحوهما، وأن صاحب المتاع أحق به إذا وجده في يد رجل بعينه، وليس للغرماء فيه نصيب، لأنه باق على ملكه ولم يخرج؛ لأن يد الغاصب يد التعدي والظلم، وكذلك يد السارق، بخلاف ما إذا باعه وسلمه إلى المشتري، فإنه يخرج عن ملكه وإن لم يقبض الثمن.
ص: فقال أهل المقالة الأول: لو كان الحديث على ما ذكرتم من التأويل الذي وصفتم؛ إذا لما كان بنا إلى ذكر النبي عليه السلام ذلك من حاجة؛ لأن هذا تعلمه العامة فضلًا عن الخاصة، فالكلام بذلك فضل وليس من صفته عليه السلام الكلام بالفضل ولا الكلام بما لا فائدة فيه، فكان من الحجة للآخرين عليهم في ذلك: أن ذلك ليس بفضل بل هو كلام صحيح وفيه فائدة؛ وذلك أنه أعلمهم أن الرجل إذا أفلس فوجب أن يقسم جميع ما في يده بين غرمائه، فثبت ملك رجل لبعض ما في يده؛ أنه أولى بذلك، وإذا كان الذي ذلك في يده قد ملكه وغَرَّ فيه؛ فلا يجب له فيه حكم إذ كان مغرورًا؛ فعلمهم بهذا الحديث ما علمهم بحديث سمرة رضي الله عنه، وبقي أن يكون المغرور الذي يُشكِل حكمه عند العامة يستحق بذلك المغرور شيئًا، فهذا وجهٌ لهذا الحديث صحيح.
ش: هذا اعتراض من جهة أهل المقالة الأولى على ما ذكره أهل المقالة الثانية من التأويل المذكور في حديث أبي هريرة، وهو ظاهر، وأجاب عن ذلك بقوله: فكان من الحجة للآخرين عليهم -أي على أهل المقالة الأولى وهو ظاهر.
قوله: "أنه أعلمهم" أي أن رسول الله عليه السلام أعلم أمته.
(1)"المعجم الكبير"(7/ 185 رقم 6781).
قوله: "أنه أولى" جملة وقعت خبرًا في قوله: "أن الرجل".
قوله: "إذْ كان""إذْ" هاهنا للتعليل.
قوله: "صحيح" مرفوع؛ لأنه صفة لقوله: "فهذا وجه".
ص: فقال أهل المقالة الأولى: فقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه بألفاظ غير ألفاظ الحديث الأول، فذكروا ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن: "أن رسول الله عليه السلام قضى بالسلعة يبتاعها الرجل فيفلس وهي عنده بعينها ، ولم يقبض البائع من ثمنها شيئًا أن ترد إلى صاحبها، فإن كان صاحبها قد قبض من ثمنها شيئًا فهو أسوة الغرماء، قال أبو بكر: وقضى رسول الله عليه السلام أنه من توفي وعنده سلعة رجل بعينه لم يقبض من ثمنها شيئًا؛ فصاحب السلعة أسوة الغرماء".
قالوا: فقد بان بهذا الحديث أن رسول الله عليه السلام إنما أراد في الحديث الأول الباعة لا غيرهم.
ش: هذا منع من جهة أهل المقالة الأولى لما قاله أهل المقالة الثانية من التأويل المذكور في حديث أبي هريرة، وذلك أنهم قالوا: إن حديث أبي هريرة محمول على الودائع والعواري والغصوب ونحوها، وجه المنع أن يقال: إن ما ذكرتم من ذلك يبطله ما روي عنه عليه السلام: "أنه قضي بالسلعة يبتاعها الرجل. . . ." الحديث فإنه قد بَيَّن أن المراد في حديث أبي هريرة هو الباعة لا غيرهم، وهو جمع بائع، كالجاكة جمع جائك.
وهو ما أخرجه بإسناد مرسل: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، أحد الفقهاء السبعة، قيل اسمه محمَّد، والصحيح أن اسمه وكنيته سواء.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(1) وفي "الخلافيات": أنا أبو أحمد عبد الله بن محمَّد ابن الحسن العدل، أنا أبو بكر بن جعفر، نا محمَّد بن إبراهيم، نا بكير، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن رسول الله عليه السلام قال:"أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه منه، ولم يقبض الذي باعه منه شيئًا فوجده بعينه، فهو أحق به من غيره، وإن مات المشترى فصاحب المتاع أسوة الغرماء".
وقال ابن حزم (2): وأما من فرق بين الموت والحياة وبين أن يدفع من الثمن شيئًا أو لا يدفع منه شيئًا فإنهم احتجوا بآثار مرسلة، منها طريق مالك ويونس بن عبيد، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، أن رسول الله عليه السلام.
وعن عمر بن عبد العزيز، أن رسول الله عليه السلام.
وإسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، أن رسول الله عليه السلام.
ومسند من طريق إسماعيل بن عياش وبقية، كلاهما عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله عليه السلام[وبقية وإسماعيل ضعيفان.
وآخر من طريق إسحاق بن إبراهيم بن جوتي عن عبد الرزاق، عن مالك عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله عليه السلام] (3) قال:"أيما رجلٌ باع رجلًا متاعًا، فأفلس المبتاع ولم يقبض الذي باع من الثمن شيئًا، فإن وجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها، وإن مات المشترى فهو أسوة الغرماء" فإن إسحاق بن إبراهيم بن جوتي مجهول وهذا غير معروف من حديث مالك.
وخبر آخر من طريق عبد الرزاق، عن وكيع، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن بشير بن نَهيك، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام مثل حديث الزهري،
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 46 رقم 11037) سند مختلف.
(2)
"المحلى"(8/ 179).
(3)
ليست في "الأصل، ك"، ولعله انتقال نظر من المؤلف رحمه الله، والمثبت من "المحلى".
هكذا لم يذكر متنه ولا لفظه، ثم هو منقطع ، لأن قتادة لم يسمعه من بَشير بن نَهيك إنما سمعه من النضر بن أنس، عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة، هكذا رويناه من طريق شعبة وسعيد بن أبي عروبة والدستوائي كلهم عن قتادة، مثل قولنا.
ثم لو صحت هذه الآثار لكانت مخالفة لقول مالك والشافعي؛ لأن في جميعها الفرق بين الموت والحياة، والشافعي لا يفرق بينهما، وفي جميعها الفرق بين أن يكون قبض من الثمن شيئًا وبين أن لا يكون قبض، ومالك لا يفرق بينهما؛ فحصل قولهما مخالفًا لكل الآثار.
ص: فكان من الحجة عليهم: أن هذا الحديث منقطع لا يقوم بمثله حجة، فإن قالوا: إنما قبلناه وإن كان منقطعًا؛ لأنه بين ما أشكل في الحديث المتصل.
قيل لهم: قد كان ينبغي لكم لما اضطرب حديث أبي بكر بن عبد الرحمن هذا فرواه عنه الزهري كما ذكرنا آخرًا، ورواه عنه عمر بن عبد العزيز على ما وصفنا أولًا، أن ترجعوا إلى حديث غيره وهو بَشير بن نَهيك فتجعلونه أصل حديث أبي هريرة، وتسقطون ما خالفه، فإذا فعلتم ذلك عادت الحجة الأولى عليكم، وإن لم تفعلوا ذلك كان لخصمكم أيضًا أن يقول: هذا الحديث الذي رواه الزهري عن أبي بكر ففرق فيه بين حكم التفليس والموت هو غير الحديث الأول، فيكون الحديث الأول عنده مستعملًا من حيث تأوله ويكون هذا الحديث الثاني حديثًا منقطعًا شاذًّا لا تقوم بمثله حجة، فيجب لذلك ترك استعماله، فهذا الذي ذكرنا هو وجه الكلام في الآثار المروية في هذا الباب.
ش: أي: فكان من الدليل والبرهان على أهل المقالة الأولى، وأراد بها الجواب عما قالوه من قولهم:"فقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر.
وقد ذكرنا ما قاله ابن حزم آنفًا.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا الرجل إذا باع من رجل شيئًا، كان له أن يحبسه حتى ينقده الثمن، وإن مات المشتري وعليه دين فالبائع أحق بذلك الشيء من سائر الغرماء، وإن دفعه إلى المشترى ثم مات وعليه دين فالبائع أسوة الغرماء، فكان البائع متى كان محتبسًا لما باع حتى مات المشترى كان أولى به من سائر غرماء المشتري، ومتى دفعه إلى المشتري وقبضه منه فمات، فهو وسائر غرماء المشتري فيه سواء، فكان الذي يوجب له الانفراد بثمنه دون الغرماء إنما هو بقاؤه في يده، فلما كان ما وصفنا كذلك؛ كان كذلك إفلاس المشترى إن كان العبد في يد البائع أولى به من سائر غرماء المشتري، وإن كان قد أخرجه من يده إلى المشتري؛ فهو وسائر غرمائه فيه سواء، فهذه حجة صحيحة.
ش: أي: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس: فإنا رأينا. . . . إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "فهذه" إشارة إلى ما ذكره من وجه القياس، والتأنيث باعتبار الحجة.
ص: وحجة أخرى: أَنَّا رأيناه إذا لم يقبضه المشتري وقد بقي للبائع كل الثمن أو نقده بعض الثمن وبقيت له عليه طائفة منه؛ أنه أولى بالعبد حتى يستوفي ما بقي له من الثمن، فكان ببقائه في يده أولى به إذا كان له كل الثمن أو بعض الثمن، ولم يفرق بين شىء من ذلك، بل جعل حكمه حكمًا واحدًا، فلما كان ذلك كذلك، وأجمعوا أن المشتري إذا قبض العبد ونقد البائع من ثمنه طائفة ثم أفلس المشتري؛ أن البائع لا يكون بتلك الطائفة الباقية له أحق بالعبد من سائر الغرماء، بل هو وهم فيه سواء، وكذلك إذا بقي له ثمنه كله حتى أفلس، فلا يكون بذلك أحق بالعبد من سائر الغرماء، ويكون هو وهم فيه سواء، فيستوى حكمه إذا بقي له كل الثمن على المشتري أو بعض الثمن حتى أفلس المشتري، كما استوى بقاؤهما جميعًا له عليه حتى كان الموت الذي أجمعوا فيه على ما ذكرنا؛ فثبت بالنظر ما ذكرنا من ذلك.
وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
ش: أراد بها وجهًا آخر في القياس الصحيح وهو أيضًا ظاهر.
قوله: "رأيناه" أي المباع.
قوله: "طائفة منه" أي من الثمن، وأراد بالطائفة بعض الثمن؛ لأن الطائفة من الشيء هي قطعة منه.
قوله: "بل هو وَهُمْ" أي الغرماء.
ص: وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم.
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن أشعث مولى آل حمران، عن الحسن قال:"هو أسوة الغرماء".
ش: هذان أثران ذكرهما شاهدًا لصحة القياس المذكور:
الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي، عن شعبة، عن المغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي.
الثاني: عن سليمان أيضًا، عن عبد الرحمن بن زياد، عن شعبة، عن أشعث بن عبد الملك الحمراني -وهو حمران مولى عثمان بن عفان، وثقه النسائي وغيره.
قوله: "هو أسوة الغرماء" أي صاحب السلعة أسوة لغرماء المشتري الذي أفلس أو مات وعليه دين، والأسوة بالكسر والضم لغتان، والمعنى هاهنا: مُساوٍ للغرماء، ومادته:(ألف، وسين، وياء) فافهم.