الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: السلام على أهل الكفر
ش: أي: هذا باب في بيان حكم السلام على أهل الكفر؛ هل يجوز أم لا؟
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عمر بن رومي، قال: ثنا محمَّد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد:"أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود والمشركين من عبدة الأوثان، فسلم عليهم".
ش: [محمد بن عمر بن عبد الله بن رومي روى عنه البخاري](1)، قال أبو زرعة: فيه لين. وقال أبو داود: ضعيف. ومحمد بن [ثور الصنعاني وثقه يحيى والنسائي](1) وابن حبان. ومعمر هو ابن راشد، والزهري هو محمَّد بن مسلم.
وأخرجه الترمذي (2): ثنا يحيى بن موسى، ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، أن أسامة بن زيد أخبره:"أن النبي عليه السلام مرَّ بمجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود، فسلم عليهم".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
قوله: "أخلاط"[جمع خلط بكسر الخاء، وأراد بها](1) أنواع الناس والجماعات المتفرقة من المسلمين وأهل الكفر.
قوله: "من عبدة الأوثان"[العبدة جمع عابد، والأوثان](1) جمع وثن، وهو الصنم، قاله الجوهري.
ويقال: الصنم ما يكون من الخشب أو [النحاس ونحوه من المعدنيات](1) والوثن ما يكون من اللبد ونحوه.
(1) طمس في "الأصل"، والمثبت من "ك".
(2)
"سنن الترمذي"(5/ 61 رقم 2702).
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أنه لا بأس أن يبتدأ أهل الكفر بالسلام، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عامرًا الشعبي وإبراهيم النخعي، وابن وهب، ومحمد بن كعب، ومحمد بن عجلان فإنهم قالوا: لا بأس بأن يبدأ المسلم أهل الكفر بالسلام، واحتجوا في ذلك بحديث أسامة بن زيد المذكور، وروي ذلك عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء وأبي أمامة وفضالة بن عبيد.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا إسماعيل بن عياش، عن محمَّد بن زياد الألهاني وشرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة:"أنه كان لا يمر بمسلم ولا يهودي ولا نصراني إلا بدأه بالسلام".
حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن عجلان:"أن عبد الله وأبا الدرداء وفضالة ابن عبيد كانوا يبدأون أهل الشرك بالسلام"(2).
حدثنا يحيى بن [هانئ] عن ابن عجلان، عن أبي عيسى قال: قال عبد الله: "إن من رأس التواضع أن تبدأ بالسلام من لقيت"(3).
حدثنا وكيع، عن [سفيان]، عن عمار الدهني، عن رجل عن ابن عباس:"أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: السلام عليك"(4).
ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ فكرهوا أن يبتدأوا بالسلام، وقالوا: لا بأس بأن يرد عليهم إذا سلموا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: عمر بن عبد العزيز، ومجاهدًا والحسن البصري، والثوري وأبا حنيفة، وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 249 رقم 25751).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 249 رقم 25752).
(3)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 249 رقم 25753).
(4)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 248 رقم 25748).
والشافعي وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: يكره أن يبتدئ المسلم أهل الكفر بالسلام، فإذا سلم عليه أحد من أهل الكفر يرد عليه ولا يزيد على قوله: وعليكم.
قال الحافظ المنذري: اختلف العلماء في رد السلام على أهل الذمة؛ فقالت طائفة: ردُّ السلام فريضة على المسلمين والكفار.
قالوا: وهذا تأويل قوله عز وجل: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} (1) قال ابن عباس وقتادة وغيرهم: هي عامة في ردِّ السلام على المسلمين والكفار.
قال: وقوله تعالى: {أَوْ رُدُّوهَا} يقول: وعليكم، للكفار، قال ابن عباس: ومن سلم عليك من خلق الله فاردد عليه ولو كان مجوسيًّا، وقالت طائفة أخرى: لا يرد السلام على أهل الذمة السلام المشروع وليرده عليهم بما جاء في الحديث: عليكم، وهذا قول أكثر العلماء. وقال ابن طاوس: يقول: علاك السلام أي ارتفع عنك، وفيما قاله نظر.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا شريك وأبو بكر -يعني ابن عياش- عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: "لا تبدءوهم بالسلام -يعني اليهود والنصارى".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن سهيل. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن سهيل. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرقَّام، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن
(1) سورة النساء، آية:[86].
أبي عبد الرحمن الجهني قال: قال رسول الله عليه السلام: "أنا راكب غدًا إلى يهود، فلا تبدئوهم، فإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي قال: ثنا عبد الرحيم، عن محمَّد بن إسحاق. . . . فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال:"فلا تبدءوهم بالسلام".
حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن يزيد بن عبد الله اليزني، عن أبي بصرة الغفاري، عن رسول الله عليه السلام مثله، غير أنه لم يقل:"بالسلام".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، أنه سمع أبا بصرة الغفاري يقول: إنه سمع رسول الله عليه السلام يقول: "إني راكب إلى يهود؛ فإذا أتيتموهم فسلموا عليكم فقولوا: وعليكم".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: أخبرني يزيد بن أبي حبيب. . . . فذكر بإسناده مثله.
ففي هذه الآثار النهي عن ابتداء اليهود والنصارى بالسلام من قول رسول الله عليه السلام.
وفي الحديث الأول أن النبي عليه السلام سَلَّمَ عليهم من قول أسامة؛ فقد يجوز أن يكون النبي عليه السلام أراد بسلامِهِ مَن كان فيهم من المسلمين، ولم يُرِدْ اليهود والنصارى ولا عبدة الأوثان، حتى لا تتضاد هذه الآثار، وهذا الذي وصفنا جائز، فقد يجوز أن يسلم رجل على جماعة وهو يريد بعضهم، وقد يحتمل أن يكون النبي عليه السلام سلم عليهم وأراد جميعهم؛ لأن ذلك كان في وقت قد أمر فيه أن لا يجادلهم إلا بالتي هي أحسن، فكان السلام من ذلك، ثم أُمر بقتالهم ومنابذتهم، فنسخ ذلك ما كان تقدم من سلامه عليهم.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة وأبي عبد الرحمن الجهني وأبي بصرة الغفاري.
أما حديث أبي هريرة فأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، عن شريك بن عبد الله وأبي بكر بن عياش -بالياء آخر الحروف والشين المعجمة- كلاهما عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (1): ثنا قتيبة بن سعيد، نا عبد العزيز -يعني الدراوردي- عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله عليه السلام قال:"لا تبدئوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيفه".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن سهيل. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن وكيع، عن سفيان، عن سهيل. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه مسلم (2): عن محمد بن مثنى، عن محمد بن منصور، عن شعبة، عن سهيل. . . . إلى آخره نحوه.
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن وهب في "مسنده".
وأخرجه أبو داود [. .](3).
قال ابن سعد: أسلم وصحب النبي وروى عنه [. .](3)، وسكن مصر [وأخرجه] (3) من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن [. .](3) معمر بن الوليد القطان شيخ [. .](3).
(1)"صحيح مسلم"(4/ 1707 رقم 2167).
(2)
"صحيح مسلم"(4/ 1707 رقم 2167).
(3)
طمس في "الأصل، ك".
وأخرجه الطبراني: عن محمَّد بن عبد الله الحضرمي، عن يحيى الحماني، عن إسحاق بن عبد [. .](1)، عن مرثد بن عبد الله. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي [. .](1) عن عبد الرحيم [. .](1) عن محمَّد بن إسحاق. . . . إلى آخره.
وأخرجه [. .](1) رسول الله عليه السلام[. .](1) بصرة بالباء الموحدة وسكون الصاد المهملة [. .](1) وفتح الميم، وقيل: جميل بالجيم. والأول أصح.
وأخرجه من ثلاثة طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقّي، عن محمَّد بن إسحاق [. .](1) عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة، عن رسول الله عليه السلام قال:"أنا راكب إلى يهود [. .] (1) سلموا عليكم، فقولوا: وعليكم".
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة المصري فيه مقال، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني.
الثالث: إسناده صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الحميد الأنصاري، عن يزيد بن أبي حبيب. . . . إلى آخره.
قوله: "ففي هذه الآثار" أراد بها الأحاديث التي رواها عن هؤلاء الثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم.
قوله: "فقد يجوز أن يكون النبي عليه السلام. . . ." إلى آخره.
إشارة إلى بيان وجه التوفيق بين هذه الأحاديث وبين حديث أسامة بن زيد المذكور في أول الباب.
(1) طمس في "الأصل، ك".
وبين ذلك من وجهين:
الأول: يجوز أن يكون عليه السلام أراد بسلامه من كان المسلمين ولم يرد غيرهم من أهل الكفر.
والثاني: يجوز أن يكون قد سلم عليهم وأراد الجمع لأنه كان في ذلك الوقت مأمورًا بأن لا يجادلهم إلا بالتي هي أحسن، فكان السلام عليهم من الحسن ثم إن الله تعالى أمره بقتالهم ومنابذتهم، فنسخ ذلك [. .](1) تقدم من سلامه عليهم، فيكون ما في حديث أسامة منسوخًا بالأحاديث المذكورة فافهم.
ص: فنظرنا في ذلك، فإذا ابن أبي داود قد حدثنا قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد أخبره: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب على حمار، عليه إكاف على قطيفة، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن خزرج قبل وقعة بدر، فسار حتى مرّ بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي بن سلول، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أبي بن سلول أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا. فسلم النبي عليه السلام، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله عز وجل وقرأ القرآن قال عبد الله بن أبي بن سلول أيها المرء لا أحسن مما تقول إن كان حقًّا فلا تؤذينا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمَن جاءك فاقصص عليه، قال عبد الله بن رواحة: بل يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا؛ فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي عليه السلام يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي عليه السلام دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي عليه السلام: يا سعد، ألم تسمع إلى ما يقول أبو حباب، يعني ابن سلول؟ قال: كذا وكذا، قال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالذي نَزَّل عليك الكتاب، لقد جاءك الله بالحق الذي أُنزل عليك.
(1) طمس في "الأصل، ك".
ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يُتوِّجوه فَيُعَصِّبوه بالعصابة، فلما رد الله عز وجل ذلك بالحق الذي أعطاك شَرِقَ بذلك فذلك فعل به ما رأيت، فعفى عنه النبي عليه السلام، وكان النبي عليه السلام وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى؛ قال الله عز وجل:{وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (1)، وقال الله عز وجل:{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ. . . .} الآية (2)، وكان النبي عليه السلام يتأول العفو كما أمره الله عز وجل به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا النبي عليه السلام بدرًا فقتل الله عز وجل به مَن قتل مِن صناديد كفار قريش، قال أبي بن أبي سلول ومَن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه فبايعوا رسول الله عليه السلام وأسلموا".
ففي هذا الحديث أن ما كان من تسليم النبي عليه السلام كان في الوقت الذي أمره الله بالعفو عنهم والصفح، وترك مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن، ثم نسخ الله عز وجل ذلك، وأمره بقتالهم، فنُسخ مع ذلك السلام عليهم، وثبت قوله:"لا تبتدئوا اليهود ولا النصارى بالسلام، ومَن سلم عليكم، منهم فقالوا: وعليكم، حتى تردوا عليه ما قال" ونُهوا أن يزيدوهم على ذلك.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا ابن عون، عن حميد بن زاذويه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"نُهينا أن نزيد أهل الكتاب على: وعليكم".
فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: أي نظرنا فيما ذكرنا من قولنا: ويحتمل أن يكون النبي عليه السلام سلم عليهم. . . . إلى آخره، وأراد بذلك أنه لما نظر في ذلك المعنى وجد حديث أسامة بن زيد قد
(1) سورة آل عمران، آية:[186].
(2)
سورة البقرة، آية:[109].
دل على أن ما كان من تسليمه عليه السلام كان في الوقت الذي أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين وترك مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن، ثم إن الله عز وجل نسخ ذلك وأمره بقتال أهل الكفر ونسخ معه السلام عليهم، وثبت الأمر على قوله:"لا تبدئوا اليهود ولا النصارى بالسلام، ومَن سلم عليكم منهم فقولوا: وعليكم، حتى تردوا عليه ما قال".
وأخرج حديث أسامة بن زيد بإسناد صحيح عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسامة بن زيد.
وأخرجه البخاري (1) في تفسير سورة آل عمران: ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد أخبره:"أن رسول الله عليه السلام ركب على حمار على قطيفة فدكيَّة وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن خزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مرَّ بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول -وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة. . . ." إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء.
وأخرجه البخاري أيضًا في الجهاد (2) وفي اللباس (3) عن قتيبة، عن أبي صفوان -وهو عبد الله بن سعيد الأموي- عن يونس.
وفي الأدب (4) عن أبي اليمان، عن شعيب.
وفي الطب (5) عن ابن بكير، عن الليث، عن عقيل.
(1)"صحيح البخاري"(4/ 1663 رقم 4290).
(2)
"صحيح البخاري"(3/ 1089 رقم 2825).
(3)
"صحيح البخاري"(5/ 2223 رقم 5619).
(4)
"صحيح البخاري"(5/ 2292 رقم 5854).
(5)
"صحيح البخاري"(5/ 2143 رقم 5339).
وفي الأدب (1) عن إسماعيل، عن أخيه، عن سليمان، عن محمَّد بن عتيق.
وفي الاستئذان (2) عن إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن معمر، كلهم عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بهذا.
وأخرجه مسلم (3) في المغازي: عن إسحاق بن راهويه، ومحمد بن رافع وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر.
وعن (4) محمَّد بن رافع، عن حجين بن المثنى، عن الليث، عن عقيل، كلهم عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بهذا.
قوله: "على حمار على إكاف على قطيفة". "الإكاف" بكسر الهمزة ما يشد على الحمار تحت الراكب، وكذلك الوكاف، ويجمع على آكف، يقال: أكفت الحمار وأوكفته إن شددت عليه الإكاف. و"القطيفة": كساء له خمل.
فإن قلت: ما موقع "على إكاف" وموقع "على قطيفة"؟.
قلت: الجملتان وقعتا حالين من الضمير الذي في "ركب" ولا يجوز أن يكون قوله: "على قطيفة" في محل الجر على أنها صفة لقوله: "إكاف"، والتقدير: على إكاف كائنة على قطيفة، لأن القطيفة فوق الإكاف.
فإن قيل: لم لا يجوز أن تكون على قطيفة بدلًا من قوله: على إكاف؛ لأن الإكاف هي القطيفة؟ والدليل عليه ما في رواية البخاري: "ركب على حمار على قطيفة فدكية".
قلت: قد جاء في رواية لأحمد (5): "ركب حمارًا على إكاف عليه قطيفة فركية". فدل هذا على أنه كان على الحمار إكاف وفوقها قطيفة، وعلى أن في رواية البخاري اختصارًا. فافهم.
(1)"صحيح البخاري"(5/ 2292 رقم 5854).
(2)
"صحيح البخاري"(5: 2307 رقم 5899).
(3)
"صحيح مسلم"(1422: 3 رقم 1798).
(4)
"صحيح مسلم"(3/ 1424 رقم 1798).
(5)
"مسند أحمد"(5/ 203 رقم 21817).
قوله: "يعود" جملة حالية.
قوله: "أخلاط" أي جماعات من المسلمين وغيرهم.
قوله: "فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة" أي: فلما غلبت المجلس غبار الدابة، مِن غشي غشيانًا، والعجاج: الغبار والدخان أيضًا، والعجاج أخص منه.
قوله: "خمَّر" أي غطى. يقال: خمرت الإناء إذا غطيتها من التخمير وهو التغطية، ومنه اشتق الخمار والخَمْر.
قوله: "فاغشنا" أي أقرب إلينا، مِن غَشِيَه: إذا جاءه.
قوله: "يتثاورون" أي [يتوثبون](1)، من المثاورة وهي [المثواثبة](2) وأصله من ثار الغبار يثور ثورًا وثورانًا إذا سطع، وأثاره غيره.
قوله: "أبو حباب" بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة كنية عبد الله بن أبي بن سلول، وكان حُبَاب اسم ابنه عبد الله بن عبد الله بن أُبي، وكان أبوه يكنى به، فلما أسلم حباب سماه رسول الله عليه السلام عبد الله وكان من خيار الصحابة وفضلائهم، وكان أبوه عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وهو الذي قال في غزوة بني المصطلق:{لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} (3).
قوله: "أهل هذه البحيرة" البحيرة مدينة الرسول عليه السلام، وهي تصغير البحرة، وقد جاء في رواية مُكَبَّرًا، والبَحْرة: البلدة، والعرب تسمي المدن والقرى: البحار.
قوله: "على أن يُتَوِّجُوه" من تَوَّجْتُه إذا ألبسته التاج، وأراد أنهم كانوا أرادوا أن يُوَلُّوه ملكًا عليهم، ويلبسونه تاج المملكة.
قوله: "فَيُعَصِّبوه" أي فيسودوه ويملكوه، وكانوا يسمون السيد المطاع معصبًا؛ لأنه يُعَصَّب بالتاج، أو يُعَصَّب أمور الناس: أي ترد عليه وتدار به.
(1) في "الأصل": "يتثاوبون"، وهو سبق قلم، والمثبت من "لسان العرب" (مادة: ثور).
(2)
في "الأصل": "المثاوبة"، وهو أيضًا سبق قلم والمثبت من المصدر السابق.
(3)
سورة المنافقون، آية:[8].
و"العمائم": تيجان العرب، وتسمى العصائب، واحدتها عصابة.
قوله: "شرقِ" بكسر الراء، أي غُص وشرق بريقه أو شرق، وهو مجاز عما ناله من أمر رسول الله عليه السلام وحل به حتى كأنه شيء لم يقدر على إساغته وابتلاعه فغص به.
قوله: "وكان النبي عليه السلام يتأول العفو" يعني يأخذه من قول الله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} (1) قوله: "من صناديد" جمع صنديد القوم، وهو سيدهم وكبيرهم.
ويستفاد منه أحكام:
فيه: الحث على التواضع والمسكنة؛ لأن ركوبه عليه السلام الحمار من غاية تواضعه.
وفيه: جواز الارتداف على الدابة.
وفيه: عيادة المريض سُنَّة.
وفيه: جواز السلام على جماعة من المسلمين والكفار مختلطين، ولكن ينوي به المسلمين.
وفيه: أن الإِمام إذا رأى جماعة في موقع قاعدين يقف عندهم ويعظ لهم ويعلمهم ما يحتاجون لأمور دينهم.
وفيه: أنه إذا رآهم قد شرعوا في الضراب والنزل يُخَفِّضهم، ويصلح بينهم.
وفيه: الإشارة إلى استحباب العفو والصفح عن مَن ظلمه وآذاه.
وفيه: الدلالة على جواز اجتماع المسلمين مع أهل الكفر في موضع.
وفيه: أن الذي يأتي إلى قوم يسلم عليهم: فالراكب على الماشي والقائم على القاعد.
(1) سورة المائدة، آية:[13].
وفيه: جواز بث ما فعله الظالم من فعله وقوله عند غيره في غيبته.
قوله: "ونهوا أن يزيدوهم على ذلك" أي: نُهى المسلمون أن يزيدوا أهل الكفر على قولهم: "وعليك" في رد السلام عليهم.
قوله: "حدثنا علي بن شيبة. . . ." إلى آخره بيان لقوله: ونهوا أن يزيدوهم على ذلك.
وإسناده صحيح.
وابن عون هو عبد الله بن عون المزني البصري، روى له الجماعة.
وحميد بن زاذويه -ويقال: ابن أبي زاذويه- مولى خزاعة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، التابعين وليس هذا بحميد الطويل.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع وأبو أسامة، عن ابن عون، عن حميد بن زاذويه، عن أنس قال:"نهينا أو أمرنا أن لا نزيد (على) (2) أهل الكتاب على (وعليكم) ".
وروي أيضًا في هذا الباب عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
أخرجه مسلم (3): حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام:"أن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم، فقولوا: وعليكم".
وأخرجه أبو داود (4) أيضًا. وقال أبو داود: وكذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار قال فيه:"وعليكم".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 250 رقم 25763).
(2)
كذا في "الأصل"، وليست في "المصنف".
(3)
"صحيح مسلم"(4/ 1706 رقم 2164).
(4)
"سنن أبي داود"(4/ 353 رقم 5206).
وأخرجه الترمذي (1) والنسائي (2) أيضًا، وفي لفظ الترمذي ولفظ لمسلم والنسائي:"فقل: عليك" بغير واوٍ، قال الخطابي: هكذا يرويه عامة المحدثين: وعليكم بالواو، وكان سفيان بن عيينة يرويه: عليكم بحذف الواو وهو الصواب، وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودًا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه؛ لأن الواو حرف العطف والاجتماع بين الشيئين.
قلت: قد أخرجه مسلم (3) والترمذي (4) والنسائي (2) من حديث إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار بغير واو أيضًا.
وقال بعضهم: أما من فسر السام بالموت فلا يبعد الواو، ومن فسره بالسآمة وهي الملالة أي يسأمون دينكم، فإسقاط الواو هو الوجه.
واختار بعضهم أن يُرَدُّ عليهم "السِّلام" -بكسر السين- وهي الحجارة ويقال: الأول أولى؛ لأن السنن وردت بما ذكرناه؛ ولأن الرد إنما يكون بجنس المردود لا بغيره. والله أعلم.
(1)"جامع الترمذي"(4/ 155 رقم 1603).
(2)
"السنن الكبرى"(6/ 102 رقم 10210).
(3)
"صحيح مسلم"(4/ 1706 رقم 2164).
(4)
"جامع الترمذي"(4/ 155 رقم 1603).