المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: الرجل تكون عنده الشهادة للرجل هل يجب أن يخبره بها؟ وهل يقبله الحاكم على ذلك أم لا - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ١٤

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌ص: باب: رواية الشعر هل هي مكروهة أم لا

- ‌ص: باب: العاطس يشمت كيف ينبغي أن يرد على من يشمته

- ‌ص: باب: الرجل يكون به الداء هل يُجْتَنَب أم لا

- ‌ص: باب: التخيير بين الأنبياء عليهم السلام

- ‌ص: باب: إخصاء البهائم

- ‌ص: باب: كتابة العلم هل تصلح أم لا

- ‌ص: باب: الكي هل هو مكروه أم لا

- ‌ص: باب: نظر العبد إلى شعور الحرائر

- ‌ص: باب: التكني بأبي القاسم هل يصلح أم لا

- ‌ص: باب: السلام على أهل الكفر

- ‌ص: كتاب الصرف

- ‌ص: باب: الربا

- ‌ص: باب: القلادة تباع بذهب وفيها خرز وذهب

- ‌ص: كتاب الهبة والصدقة

- ‌ص: باب: الرجل ينحل بعض بنيه دون بعض

- ‌ص: باب: العمرى

- ‌ص: باب: الصدقات الموقوفات

- ‌ص: كتاب القضاء والشهادات

- ‌ص: باب: القضاء بين أهل الذمة

- ‌ص: باب: القضاء باليمين مع الشاهد

- ‌ص: باب: رد اليمين

- ‌ص: باب: الرجل تكون عنده الشهادة للرجل هل يجب أن يخبره بها؟ وهل يقبله الحاكم على ذلك أم لا

- ‌ص: باب: الحكم بالشيء فيكون في الحقيقة بخلافه في الظاهر

- ‌ص: باب: الحر يجب عليه دين ولا يكون له مال، كيف حكمه

- ‌ص: باب: الوالد هل يملك مال ولده

- ‌ص: باب: الوليد يدعيه رجلان كيف حكمه

- ‌ص: باب: الرجل يبتاع السلعة فيقبضها ثم يموت أو يفلس وثمنها عليه دين

- ‌ص: باب: شهادة البدوي هل تقبل على القروي

الفصل: ‌ص: باب: الرجل تكون عنده الشهادة للرجل هل يجب أن يخبره بها؟ وهل يقبله الحاكم على ذلك أم لا

‌ص: باب: الرجل تكون عنده الشهادة للرجل هل يجب أن يخبره بها؟ وهل يقبله الحاكم على ذلك أم لا

؟

ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي عنده شهادة لرجل في قضية من القضايا، هل له أن يخبره بتلك الشهادة؟ وهل يقبل الحاكم هذه الشهادة منه أم لا؟

ص: حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير قال: ثنا إسرائيل قال: ثنا عبد الملك بن عمير قال: ثنا جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "خطبنا عمر رضي الله عنه بالجابية فقال: قام فينا رسول الله عليه السلام مقامي فيكم اليوم فقال: أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة ولا يسألها، وحتى يحلف الرجل على اليمين ولا يستحلف".

حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش قال: ثنا عارم بن الفضل قال: ثنا جرير بن حازم قال: ثنا عبد الملك بن عمير. . . . فدكر بإسناده مثله غير أنه قال: "أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب".

ش: هذان طريقان صحيحان:

الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي. . . . إلى آخره.

وأخرجه النسائي (1) عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة نحوه.

الثاني: عن ابن خشيش -بالمعجمات وضم الأول- عن عارم -وهو محمَّد بن الفضل السدوسي إلى آخره.

[وأخرجه ابن ماجه: عن عبد الله بن الجراح، عن جرير، عن عبد الملك بن عمير. . . . إلى آخره نحوه.

(1)"سنن النسائي الكبرى"(5/ 387 رقم 9219).

ص: 466

قوله: "بالجابية" أي: في الجابية، وهي مدينة بالشام، وإليها ينسب باب الجابية بدمشق.

قوله: "يلونهم" من ولي يلي وليًا إذا تابعه، وأصل الولي القرب الدنو.

قوله: "ثم يفشو" من فشى الأمر إذا شاع وانتشر.

قوله: "ولا يسألها" على صيغة المجهور، وكذلك قوله:"ولا يستحلف".

ومن فوائد هذا الحديث:

ألا يتعرض أحدٌ إلى أحدٍ من الصحابة إلا بإحسان.

وفيه: معجزة للنبي عليه السلام حيث أخبر بشيءٍ قبل كونه.

وفيه: الإشارة إلى فضيلة الصحابة، ثم إلى فضيلة التابعين، وأتباع التابعين؛ لأن الذين يلون الصحابة هم التابعون، والذين يلونهم هم أتباع التابعين؛ فأبو حنيفة من التابعين، وأبو يوسف ومحمد من أتباع التابعين.

وفيه: الإشارة على أن زمن من بعد أتباع التابعين زمن شرٍّ وفساد حيث يظهر فيه الكذب، ويشهد الرجل قبل أن يستشهد، ويحلف قبل أن يستحلف.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا حماد بن يزيد، قال: ثنا معاوية بن قرة المزني، قال: سمعت كهمسًا يقول: سمعت عمر رضي الله عنه يقول، فذكر نحو حديث أبي بكر عن أبي أحمد.

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حماد بن يزيد -بالياء آخر الحروف قبل الزاي- ابن مسلم أبي يزيد البصري وثقه ابن حبان، وهذا يشتبه على كثيرٍ ممن ليس لهم يد في هذا الشأن بحماد بن زيد بن درهم البصري، وكلاهما بصريان، وكل منهما يسمى حمادًا، ولكن تميزهما باسم الأب.

ص: 467

وأخرجه البزار في "مسنده"(1): ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حماد بن يزيد البصري -روى عنه جماعة- قال: ثنا معاوية بن قرة، عن كهمس الهلالي، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: "خير الناس قرني الذين أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم ينشأ أقوامٌ يفشوا فيهم السمن، يشهدون ولا يستشهدون، ولهم لغط في أسواقهم".

ولا نعلم أسند كهمس الهلالي عن عمر إلا هذا الحديث، وكهمس قد روى عن النبي عليه السلام حديثًا واحدًا.

قلت: هو حديث في الصوم، وقد ذكرناه في ترجمته.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قومٌ إلى أن من شهد بالشهادة قبل أن يُسألها، أنه يكون مذمومًا، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: جماعة من أهل الحديث وطائفة من الظاهرية؛ فإنهم احتجوا بهذه الأحاديث التي رويت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقالوا: من شهد بالشهادة قبل أن يُسألها فهو مذموم.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ فقالوا: بل هو محمود مأجور على ما كان منه في ذلك.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا وآخرين؛ فإنهم قالوا: أداء الشهادة قبل أن يسألها محمود غير مذموم، وهو مأجور على ذلك؛ لأن فيه المبادرة إلى إحاء الحق، والاجتناب عن الدخول تحت الوعيد في قوله تعالى:{وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} (2).

(1)"مسند البزار"(1/ 370 رقم 248).

(2)

سورة البقرة، آية:[283].

ص: 468

ص: وكان من الحجة لهم في دفع ما احتج به عليهم أهل المقالة الأولى أن النبي عليه السلام قال: "ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة لا يسألها، وحتى يحلف على اليمين لا يستحلف". فمعنى ذلك أن يشهد كاذبًا أو يحلف كاذبًا؛ لأنه قال: حتى يفشو الكذب فيكون كذا وكذا؛ فلا يجوز أن يكون الذي يكون إذا فشى الكذب إلا كذبًا، وإلا فلا معنى لذكره فشو الكذب.

ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين. . . . إلى آخره.

وأراد بهذا الجواب عن استدلال أهل المقالة الأولى بالأحاديث المذكورة فيا حق من يشهد كاذبًا أو يحلف كاذبًا بقرينة قوله "ثم يفشو الكذب" ولو لم يكن المعنى كما ذكرنا، لم يكن لذكر فشو الكذب فائدة، والدليل على صحة هذا ما جاء في رواية كهمس التي أخرجها البزار (1)"ثم ينشأن أقوام يفشو فيهم السمن؛ فيشهدون ولا يستشهدون" فهذا خارجٌ في معرض الذم لهؤلاء؛ فلا يستحقون الذم إلا بارتكاب أمرٍ عظيم، وهو ظهور السمن فيهم الذي هو كناية عن أكلهم الحرام وشهادتهم الكاذبة؛ لأن معنى قوله "فيشهدون ولا يستشهدون" أن يشهدوا من غير أن يتحملوا الشهادة، وهي شهادة كذب وزور.

ص: واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم، بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أنا محمَّد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنه "أنه خطبهم بالجابية. فقال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: أكرموا أصحابي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد".

ش: أي احتج أهل المقالة الأولى أيضًا لما ذهبوا إليه بحديث عمر بن الخطاب.

أخرجه بإسنادٍ صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد المروزي الفارضي الأعور، عن عبد الله بن المبارك، عن محمَّد بن سوقة الغنوي الكوفي، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر.

(1) تقدم.

ص: 469

وأخرجه الترمذي (1): عن أحمد بن منيع، عن أبي المغيرة النضر بن إسماعيل، عن محمَّد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به.

وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

وأخرجه النسائي (2): عن محمَّد بن الوليد الفحام البغدادي عن النضر بن إسماعيل، عن محمَّد بن سوقة. . . . إلى آخره.

ص: حدثنا عبد الله بن محمَّد المصري، قال: ثنا عارم، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين الذين يلونهم -قال: والله أعلم أذكر الثالثة أم لا- ثم ينشأ أقوام يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يأتمنون، ويفشو فيهم السمن".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن ثابت البزار، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن زهدم بن مضرب الجرمي، أنه سمع عمران بن حصين يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيركم قرني"، ثم ذكر مثله.

ش: هذان طريقان صحيحان:

الأول: عن عبد الله بن محمَّد المصري، عن عارم وهو محمَّد بن الفضل السدوسي، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري. . . . إلى آخره.

وأخرجه مسلم (3): عن محمَّد بن المثنى وابن بشار، كلاهما عن معاذ بن هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين. . . . إلى آخره.

قوله: "قرني" القرن: هم أهل كل زمان، وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان، مأخوذ من الأقران، فكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في

(1)"جامع الترمذي"(4/ 465 رقم 2165).

(2)

"السنن الكبرى"(5/ 388 رقم 9225).

(3)

"صحيح مسلم"(4/ 1964 رقم 2535).

ص: 470

أعمارهم وأحوالهم، وقيل: القرن أربعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة، وقيل: هو مطلق من الزمان، وهو مصدر قرن يقرن.

قوله: "ثم الذين يلونهم" هم التابعون، والذين يلونهم من أتباع التابعين.

والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن ثابت البصري البزار، عن شعبة، عن أبي جمرة بالجيم والراء نصر بن عمران الضبعي، عن زهدم بن مضرب الجرمي البصري، عن عمران.

وأخرجه مسلم أيضًا (1): عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن مثنى ومحمد بن بشار، جميعًا عن غندر محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي جمرة، عن زهدم بن مضرب، قال: سمعت عمران بن حصين يحدث، أن رسول الله عليه السلام قال:"إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم -قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثة- ثم يكون بعدهم قومٌ يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يأتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمن".

ص: قالوا: فقد ذم النبي عليه السلام في هذا الحديث الذي يشهد ولا يستشهد، قيل لهم: هذا الذي لا يستشهد في بدء الأمر فيكون في شهادته عند الحكم شاهدًا بما لم يشهد عليه ولا يعلمه، فعاد معنى هذا الحديث إلى معنى الحديث الأول.

ش: أي قال أهل المقالة الأولى؛ وأراد به بيان وجه استدلالهم بالحديث المذكور.

قوله: "قيل لهم" جواب عن استدلالهم بذلك، حاصله: أنه عليه السلام أراد] (2) في هذا الحديث الشاهد الذي يشهد بغير تحمل الشهادة والعلم بالقضية فيكون بذلك شاهد الزور.

ص: وذكروا في ذلك أيضًا ما حدثنا حسين بن نصر قال: ثنا ابن أبي مريم قال: ثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سليم، عن مصعب بن عبد الله بن أبي أمية قال:

(1)"صحيح مسلم"(4/ 1964 رقم 2535).

(2)

طمس في "الأصل"، والمثبت من "ك".

ص: 471

حدثتني أم سلمة أنها سمعت رسول الله عليه السلام يقول: "يأتي على الناس زمان يكذب فيه الصادق، ويُصدَّق فيه الكاذب، ويُخوَّن فيه الأمين، ويؤتمن فيه الخائن، ويشهد فيه المرء وإن لم يستشهد، ويحلف المرء وإن لم يستحلف".

ش: أي ذكر أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه حديث أم سلمة زوج النبي عليه السلام.

أخرجه عن حسين بن نصر بن المبارك، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يحيى سليم بن زيد مولى رسول الله عليه السلام-ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه- عن مصعب بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي أمية المخزومي، عن أم سلمة هند رضي الله عنها.

ص: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا عفان قال: ثنا حماد (ح).

وحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا هشام بن عبد الملك قال: ثنا أبو عوانة قالا جميعًا: عن أبي بشر، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه السلام: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم لا أدري أذكر الثالث أم لا؟، ثم تخلف بعدهم خلوف تعجبهم السمانة فيشهدون ولا يستشهدون".

ش: هذان إسنادان صحيحان:

الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم -شيخ أحمد- عن حماد ابن سلمة، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة.

وأخرجه مسلم (1): عن إسماعيل بن سالم، عن هشيم، عن أبي بشر، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير أمتي قرني الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، -والله أعلم أذكر الثالث أم لا-؟ قال: ثم يخلف قوم يحبون السمانة يشهدون قبل أن يستشهدوا".

(1)"صحيح مسلم"(4/ 1963 رقم 2534).

ص: 472

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن أبي بشر. . . . إلى آخره.

وأخرجه مسلم (1) أيضًا: عن حجاج بن الشاعر، عن أبي الوليد، عن أبي عوانة. . . . إلى آخره نحوه.

قوله: "خُلُوف" بضم الخاء جمع خَلْف بفتح الخاء وسكون اللام، والخَلَف بالتحريك والسكون كل من يجيء بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر يقال: خَلَف صدقٍ وخَلْف سوءٍ، ومعناهما جميعًا: القرن من الناس.

ص: حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أبو مسهر قال: ثنا صدقة بن خالد قال: حدثني عمرو بن شراحيل، عن بلال بن سعد، عن أبيه قال:"قلنا: يا رسول الله، أي أمتك خير؟ قال: أنا وقرني. قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثاني. قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثالث. قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون ويحلفون ولا يستحلفون ويؤتمنون ولا يؤدون".

ش: إسناده صحيح.

وأبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي، شيخ البخاري في غير الصحيح، روى له الجماعة.

وصدقة بن خالد القرشي الأموي وثقه أحمد وأبو زرعة، وعمرو بن شراحيل أبو المغيرة الشامي، وثقه ابن حبان.

وبلال بن سعد السكوني الأشعري العابد القاص، وثقه ابن حبان (2).

وأبوه سعد بن تميم السكوني الصحابي، إمام جامع دمشق.

(1)"صحيح مسلم"(4/ 1964 رقم 2534).

(2)

وكذا وثقه ابن سعد والعجلي، انظر "تهذيب الكمال"(4/ 293).

ص: 473

وأخرجه الطبراني (1): ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمر الدمشقي، وحدثنا أحمد ابن المعلى الدمشقي، قالا: ثنا هشام بن عمار الدمشقي، ثنا صدقة ابن خالد، نا عمرو بن شراحيل العنسي، عن بلال بن سعد، عن أبيه قال:"قلت: يا رسول الله، أي أمتك خير. . . ." إلى آخره نحوه.

ص: فالكلام في تأويل هذا هو الكلام الذي ذكرنا في تأويل الآثار التي في الفصل الذي قبل هذا الفصل.

ش: أراد به ما قاله من قوله: "قيل لهم: هذا الذي لا يستشهد في بدء الأمر. . . ." إلى آخره.

ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شعبة، عن منصور وسليمان، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله عليه السلام: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم [الذين] (2) يلونهم، ثم يخلف قوم تسبق شهادتهم أيمانهم، وأيمانهم شهادتهم".

حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا أحمد بن إشكاب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.

ش: أي احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن مسعود.

أخرجه من طريقين صحيحين:

الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر وسليمان الأعمش، كلاهما عن إبراهيم النخعي، عن عَبِيدة -بفتح العين وكسر الباء الموحدة- بن عمرو السلماني، عن عبد الله بن مسعود.

(1)"المعجم الكبير"(6/ 44 رقم 5460).

(2)

تكررت في "الأصل".

ص: 474

وأخرجه مسلم (1): ثنا قتيبة بن سعيد وهناد بن السري، قالا: ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن عَبيدة السلماني، عن عبد الله قال: قال رسول الله عليه السلام: "خير أمتي القرن الذين يلوني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" -لم يذكر هناد "القرن" في حديثه، وقال قتيبة:"ثم يجيء أقوام".

الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن أحمد بن إشكاب الحضرمي شيخ البخاري، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن عبيدة السلماني، عن عبد الله بن مسعود.

وأخرجه الترمذي (2): عن هناد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبيدة. . . . به، وقال: حسن صحيح.

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن عبد الله بن موله القشيري قال:"كنت أسير مع بريدة الأسلمي وهو يقول: اللهم ألحقني بقرني الذي أنا منه وأنا معه، فقلت: وأنا، فدعى لي، ثم قال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول: خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم تسبق شهاداتهم أيمانهم، وأيمانهم شهاداتهم".

ش: رجاله ثقات.

والجُريري -بضم الجيم، وفتح الراء الأولى- هو سعيد بن إياس، روى له الجماعة.

وأبو نضرة -بالنون والضاد المعجمة- المنذر بن مالك العبدي العوفي، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا.

وعبد الله بن مَوَلَة القشيري، وثقه ابن حبان.

(1)"صحيح مسلم"(4/ 1962 رقم 2533).

(2)

"جامع الترمذي"(5/ 659 رقم 3859).

ص: 475

وبُريدة -بضم الباء الموحدة- بن الخُصَيب الأسلمي الصحابي.

والحديث أخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا إبراهيم بن الحجاج الشامي، نا حماد بن سلمة، عن سعيد الجُرَيْرِي، عن أبي نضرة، عن عبد الله بن مَوَلَة، عن بريدة الأسلمي، أن رسول الله عليه السلام قال:"يكفي أحدكم من الدنيا خادم ومركب"، قال: وقال بريدة: "اللهم ألحقني بقرني الذي أنا منه، قال: فقلت: وأنا معك، فقال: نعم، قال: قال رسول الله عليه السلام: خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم".

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا حسين بن على الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن خيثمة، عن النعمان بن بشير، عن النبي عليه السلام قال:"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يخلف قوم تسبق شهاداتهم أيمانهم وأيمانهم شهاداتهم".

حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم. . . . فذكر بإسناده مثله، وزاد:"ثم الذين يلونهم -مرة أخرى- ثم يأتي قوم".

ش: هذان طريقان صحيحان:

الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة محمَّد شيخ الشيخين، عن حسين بن علي الجعفي الكوفي، روي له الجماعة، عن زائدة بن قدامة، روي له الجماعة، عن عاصم بن بهدلة المقرئ، ثقة، عن خيثمة بن عبد الرحمن الكوفي، روي له الجماعة.

وأخرجه الطبراني: ثنا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا أحمد بن يونس، ثنا زائدة، عن عاصم، عن خيثمة، عن النعمان بن بشير. . . . إلى آخره نحوه.

الثاني: عن فهد أيضًا عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن أبي بكر بن عياش -بالياء آخر الحروف وبالشين المعجمة- المقرئ، وقد اختلف في اسمه جدًّا، والصحيح أن اسمه كنيته، قال أحمد: صدوق صاحب قرآن. وعنه: ثقة روي له الجماعة؛ مسلم في مقدمة كتابه.

ص: 476

وأخرجه الطبراني: عن أبي حصين القاضي، عن يحيى الحماني، عن أبي بكر بن عياش. . . . إلى آخره.

ص: فكان من حجتنا على الذين احتجوا بهذه الآثار لأهل المقالة الأولى: أن هذه لم يرد بها الشهادة على الحقوق، وإنما أريد بها الشهادة في الأيمان، وقد روي ما يدل على ذلك عن إبراهيم النخعي.

حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال:"قلنا يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينَه ويمينُه شهادتَه، قال إبراهيم: كان أصحابنا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد".

فدل هذا من قول إبراهيم أن الشهادة التي ذم النبي عليه السلام صاحبها هو قول الرجل: أشهد بالله بما كان كذا، على معنى الحلف، فكره ذلك كما يكره الحلف، فإنه مكروه للرجل الإكثار منه وإن كان صادقًا، فنهي عن الشهادة التي هي حلف كما نهى عن اليمين إلا أن يُستخلف بها، فيكون حينئذٍ معذورًا، ولعله أن يكون أراد بالشهادة التي ذكرنا الحلف بها على ما لم يكن، لقوله:"ثم يفشوا الكذب" فتكون تلك الشهادة شهادة كذب.

ش: أي فكان من دليلنا وبرهاننا على القوم [الذين](1) احتجوا بالأحاديث المذكورة التي رويت عن عمر بن الخطاب وعمران بن الحصين وأم سلمة وأبي هريرة وسعد بن تميم وعبد الله بن مسعود وبريدة الأسلمي والنعمان بن بشير رضي الله عنهم. وأشار بذلك إلى الجواب عما قاله أهل المقالة الثانية من الاستدلال بالأحاديث المذكورة فيما ذهبوا إليه، وبيانه أن يقال: استدلالكم بهذه الأحاديث غير تام ولا مطابق لمدَّعاكم؛ لأن المراد من هذه الشهادة هي الشهادة في الأيمان لا الشهادة في الحقوق، والدليل على ذلك: قول إبراهيم النخعي: "كان أصحابنا ينهوننا ونحن

(1) ليست في "الأصل، ك".

ص: 477

غلمان أن نحلف بالشهادة"، وهو أن يقول الرجل: أشهد بالله ما كان كذا أو كان كذا على قصد اليمين، فكره هذا كما يكره اليمين، فإنه لا شك أنه يكره للرجل الإكثار من اليمين وإن كان صادقًا؛ لأن فيه استخفافًا باسم الله تعالى، فدل ذلك أن المراد هي الشهادة التي هي حلف فنهى عن ذلك كما نهى عن اليمين اللهم إلا إذا اسْتُحْلف الرجل بالشهادة؛ فإن ذلك لا يدخل في هذا الباب لأنه معذور في ذلك.

ثم إسناد حديث إبراهيم صحيح.

وشيبان هو ابن عبد الرحمن التميمي النحوي البصري، روى له الجماعة.

ومنصور هو ابن المعتمر.

وعبيدة -بفتح العين- وقد مَرَّ ذكره آنفًا.

وأخرجه الطبراني (1) عن أبي مسلم الكشي، عن عبد الله بن رجاء عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي، عن منصور. . . . إلى آخره.

ص: وقد روي عن النبي عليه السلام في تفضيل الشاهد المبتدئ بالشهادة: ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها، أو يخبر بشهادته قبل أن يُسأل عنها" قال مالك: الذي يخبر بشهادته ولا يعلم بها الذي هي له، أو يأتي بها الإمام.

فهذا رسول الله عليه السلام قد مدح الذي يخبر بشهادته من هي له، أو يأتي الإِمام فيشهد بها عنده، وجعله خير الشهداء، فأولى بنا أن نحمل الآثار الأول على المعاني التي ذكرنا، ويكون هذا الأثر الآخر على تفضيل المبتدئ بالشهادة من هي له، أو المخبر بها الإِمام.

ش: هذه إشارة إلى بيان حجة ظاهرة تشهد لما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، وهي حديث زيد بن خالد الجهني.

(1)"المعجم الكبير"(10/ 165 رقم 10338).

ص: 478

أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني -يقال: اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمَّد، ويقال اسمه وكنيته واحد.

عن عبد الله بن عمرو بن عثمان القرشي الأموي، عن أبي عمرة الأنصاري الصحابي، اختلف في اسمه، فقيل: يسير، وقيل: ثعلبة بن عمرو، ويقال: أسيد ابن مالك، قتل يوم صفين مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وأخرجه مسلم (1): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. . . . إلى آخره، وفي روايته:"عن ابن أبي عمرة".

وأبو داود (2): عن أحمد بن سعيد الهمداني وابن السرح، عن ابن وهب، عن مالك. . . . إلى آخره، وفي روايته: أن عبد الرحمن بن أبي عمرة.

والترمذي (3): عن أحمد بن الحسن، عن القعنبي، عن مالك.

وعن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد نحوه، وقال: أكثر الناس يقولون: ابن أبي عمرة، واختلف على مالك فيه، فروى بعضهم عن ابن أبي عمرة، وابن أبي عمرة أصح عندنا؛ لأنه قد روي في غير حديث:

مالك عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن زيد، وقد روي عن أبي عمرة، عن زيد بن خالد غير هذا الحديث، وهو صحيح أيضًا.

وأبو عمرة هو مولى زيد بن خالد الجهني، وله حديث الغلول.

وأخرجه النسائي (4): عن محمَّد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن أبي القاسم، عن مالك. . . . إلى آخره، وفي روايته: عن أبي عمرة.

(1)"صحيح مسلم"(3/ 1344 رقم 1719).

(2)

"سنن أبي داود"(3/ 304 رقم 3596).

(3)

"جامع الترمذي"(4/ 544 رقم 2296).

(4)

"السنن الكبرى"(3/ 494 رقم 6029).

ص: 479

وأخرجه ابن ماجه (1): عن علي بن محمَّد، ومحمد بن عبد الرحمن الجعفي، عن زيد بن الحباب، عن أبي بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة بمعناه.

وقال أبو عمر: اختلف رواة "الموطأ" في إسناد هذا الحديث عن مالك، وهكذا روى يحيى بن يحيى هذا الحديث عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد، وكذا رواه عن مالك ابن القاسم وأبو مصعب الزهري ومصعب الزبيري.

ورواه القعنبي ومعن بن عيسى وسعيد بن عفير ويحيى بن عبد الله بن بكير كلهم عن مالك، وقالوا: عن ابن أبي عمرة. وكذلك قال ابن وهب وعبد الرزاق، إلا أنهما سمياه فقالا: عبد الرحمن بن أبي عمرة.

قوله: "قال مالك: الذي يخبر بشهادته. . . ." إلى آخره.

تفسير عن مالك لمعنى هذا الحديث، وفسره يحيى بن سعيد نحوه. وقال ابن وهب: بلغني عن يحيى بن سعيد أنه قال: من دعي بشهادة عنده فعليه أن يجيب إذا علم أنه ينتفع بها الذي يشهد له بها، وعليه أن يؤديها.

ومن كانت عنده شهادة لا يعلم بها صاحبها فليؤدها قبل أن يُسأل عنها فإنه كان يقال: "من أفضل الشهادات شهادة لا يعلم بها صاحبها قبل أن يُسألها".

وقال أبو عمر: تفسير مالك ويحيى بن سعيد لهذا الحديث أولى ما قيل فيه، فمن سمع شيئًا أو علمه جاز له أن يشهد به قبل أن يُسألها؛ لأن صاحبها لا يعلم بها، قال الله تعالى:{إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (2)، وقال تعالى:{وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} (3)، وقال:{وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} (4).

(1)"سنن ابن ماجه"(2/ 792 رقم 2364).

(2)

سورة الزخرف، آية:[86].

(3)

سورة الطلاق، آية:[2].

(4)

سورة المعارج، آية:[33].

ص: 480

وقال: الترمذي، ومعنى هذا الحديث: هو أن الرجل إذا شُهِّد على شيء لا يمتنع من شهادته، ومعنى حديث ابن مسعود وعمران بن حصين وأمثالهما أن يشهد بالزور، وقد بَيَّنَ ذلك ابن عمر في حديثه عن عمر بن الخطاب عن النبي عليه السلام قال:"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد، ويحلف الرجل ولا يستحلف".

ص: وقد فعل ذلك أصحاب رسول الله عليه السلام فأتوا الإمام فشهدوا ابتداءً، منهم: أبو بكرة ومن كان معه حين شهدوا على المغيرة بن شعبة فرأوا ذلك لأنفسهم لازمًا، ولم يعنفهم عمر رضي الله عنه على ابتدائهم إياه بذلك، بل سمع شهاداتهم، ولو كانوا في ذلك مذمومين لَذَمَّهم وقال: من سألكم عن هذا؟ ألا قعدتم حتى تُسْألوا؟ فلما سمع منهم ولم ينكر ذلك عليهم عمر رضي الله عنه ولا أحد ممن كان بحضرته من أصحاب النبي عليه السلام؛ دل ذلك أن فرضهم كذلك، وأن من فعل ذلك ابتداءً لا عن مسألة محمود.

ش: أي وقد فعل ابتداء الشهادة قبل السؤال أصحاب رسول الله عليه السلام، فأتوا الإِمام فشهدوا عنده ابتداء من غير أن يسألوا.

قوله: "منهم" أي من أصحاب رسول الله عليه السلام الذين فعلوا ذلك ابتداء: أبو بكرة نفيع بن الحارث الصحابي ومن كان معه، وهم: شبل بن معبد ونافع بن الحارث الثقفي أخو أبي بكرة لأمه أمهما سمية، وزياد بن أبي سفيان على ما يأتي، والباقي ظاهر.

ص: فمما روي في ذلك: ما حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عفان وسعيد ابن أبي مريم، قالا: ثنا السري بن يحيى، قال: حدثني عبد الكريم، عن أبي عثمان النهدي قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد على المغيرة بن شعبة، فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد فتغير لون عمر رضي الله عنه حتى عرفنا ذلك فيه، وجاء آخر يحرك بيديه، فقال: ما عندك يا سلح العقاب؟ وصاح أبو عثمان صيحة يشبه بها صيحة عمر رضي الله عنه حتى كدت أن يغشى

ص: 481

عليَّ، قال: رأيت أمرًا قبيحًا، فقال عمر رضي الله عنه: الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم، فأمر بأولئك النفر فجلدوا".

ش: أي فمن الذي روي في ابتداء الشهادة قبل السؤال: ما حدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة المصري المعروف، بعلَّان، عن عفان بن مسلم الصفار شيخ أحمد، وسعيد بن أبي مريم شيخ البخاري كلاهما عن السري بن يحيى ابن إياس الشيباني البصري، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن ملّ النهدي.

وهذا إسناد صحيح.

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا ابن علية، عن التيمي، عن أبي عثمان قال:"لما شهد أبو بكرة وصاحباه على المغيرة؛ جاء زياد، فقال له عمر رضي الله عنه: رجل لن يشهد -إن شاء الله- إلا بحق، قال: رأيت انبهارًا ومجلسًا سيئًا، فقال عمر رضي الله عنه: هل رأيت المرود دخل المكحلة؟ قال: لا، قال: فأمر بهم فجلدوا".

قوله: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. . . ." إلى آخره.

فهؤلاء الأربعة هم الذين ذكرناهم وهم: أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحارث وزياد بن أبي سفيان.

وأصل هذه القضية أن المغيرة بن شعبة كان عمر رضي الله عنه قد ولاه البصرة، وكان في قبالة العلية التي فيها المغيرة علية فيها هؤلاء الأربعة، فرفعت الريح الكوة عن العلية، فنظروا إلى المغيرة وهو على أم جبل بنت الأرقم بن عامر بن صعصعة، وكانت تغشى المغيرة، فكتبوا ذلك إلى عمر رضي الله عنه فعزل المغيرة واستقدمه مع الشهود، وولى البصرة أبا موسى الأشعري، فلما قدم إلى عمر شهد أبو بكرة ونافع وشبل على المغيرة بالزنا، وأما زياد بن أبي سفيان فلم يفصح بشهادة الزنا، وكان عمر رضي الله عنه قد قال قبل ذلك: أرى رجلًا أرجو أن لا يفضح الله به رجلًا من

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 544 رقم 28822).

ص: 482

أصحاب رسول الله عليه السلام، فقال زياد: رأيته جالسًا بين رجلي امرأة ورأيت رجلين مرفوعتين كَأُذني حمار ونَفَسًا يعلو [واستًا ينبو عن ذكر، ولا أعرف ما وراء ذلك، فقال عمر: رأيت كالهيل](1) في المكحلة؟ قال: لا. فقال: هل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن أشبهها. فأمر عمر [بالثلاثة الذين شهدوا بالزنا أن يُحَدُّوا](2) حد القذف، فجلدوا".

وحدثت هذه القضية في سنة سبع عشرة من الهجرة.

قوله: "يا سلح العقاب"[السلح من](2) سَلَح سلحًا إذا خرى مائعًا، والسُلاح بالضم النجو. قال الجوهري:[والعقاب طائر معروف؛ فشبه عمر رضي الله عنه زيادًا](2) بسلح العقاب وهو نجوه المائع الذي [يذرقه؛ تحقيرًا له وتهديدًا عليه في شهادته؛ لأنه لو شهد مثل شهادة رفيقيه](2)، لكان ترتب الرجم على المغيرة، فلما لم يفصح في شهادته استثناه عن الرجم [وجلد الثلاثة حد القذف](2)، وفرح عمر رضي الله عنه عنه على ذلك وقال: الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأصحاب محمَّد عليه السلام.

[ثم اعلم أن أبا بكرة نفيع](2) بن الحارث من خيار الصحابة.

وشبل بن معبد بن عبيد [بن الحارث بن عمرو بن علي بن أسلم بن أحمث بن الغوث بن أنمار البجلي](2) الصحابي رضي الله عنه.

وأبو عبد الله نافع بن الحارث [صحابي أيضًا، وأما زياد بن أبي سفيان، ويقال له](2) زياد بن أبيه، وزياد بن سميّة، وهي أمه، وهو الذي [استحلقه معاوية بن أبي سفيان، وليست له صحبة ولا رواية](2).

ص: حدثنا فهد قال: ثنا ابن أبي مريم قال: أنا محمَّد بن مسلم الطائفي قال: حدثني إبراهيم بن ميسرة، عن سعيد بن المسيب قال: "شهد على المغيرة أربعة، فنكل زياد بن أبي سفيان، فجلد عمر رضي الله عنه الثلاثة واستتابهم، فتاب اثنان، وأبى

(1) طمس بالأصل، والمثبت من "ك".

(2)

طمس بالأصل.

ص: 483

أبو بكرة أن يتوب، فكان يقبل شهادتهما حين تابا، وكان أبو بكرة لا تقبل شهادته لأنه أبى أن يتوب، وكان مثل النضو من العبادة".

ش: إسناده صحيح.

وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري.

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا أبو أسامة، عن عوف، عن قسامة بن زهير قال:"لما كان من شأن أبي بكرة والمغيرة بن شعبة الذي كان قال أبو بكرة تنح عن صلاتنا فإنا لا نصلي خلفك. قال: فكتب إلى عمر رضي الله عنه في شأنه. قال: فكتب على المغيرة: أما بعد، فإنه قد رقى إليّ من حديثك حديثًا فإن يكن مصدوقا عليك فلأن تكون مت قبل اليوم خير لك قال: فكتب إليه وإلى الشهود أن يقبلوا إليه. فلما انتهوا إليه دعا الشهود فشهد أبو بكرة وشبل وأبو عبد الله بن نافع، فقال عمر حين شهد هؤلاء الثلاثة: أودى المغيرة أربعة. وشق على عمر شأنه جدًّا، فلما قام زياد قال: إن تشهد إن شاء الله إلا بحق ثم شهد، فقال: أما الزنا فلا أشهد به، ولكني قد رأيت أمرًا قبيحًا. قال عمر: الله أكبر، حدوهم. فجلدوهم، فلما فرغ من جَلْد أبي بكرة قام فقال: أشهد أنه زان. فذهب عمر رضي الله عنه يعيد عليه الحد، فقال علي رضي الله عنه: إن جلدته فارجم صاحبك. فتركه فلم يجلد قذف مرتين بعد".

قوله: "مثل النضو" بكسر النون وسكون الضاد المعجمة البعير المهزول، والناقة نضوة وقد أنضتها الأسفار فهي منضاة.

واستفيد من هذا أربعة:

الأول: ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية.

الثاني: أن حد الزنا لا يثبت إلا بأربعة شهداء.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 545 رقم 28824).

ص: 484

[الثالث: أنهم إذا](1) فإن نقصوا عن الأربعة يحدُّون حد القذف.

الرابع: أن الزاني إذا حُدَّ وتاب [عن ذلك تقبل توبته.

الخامس: أن مبني الحدُّ على] (1) الستر، ألا ترى أن عمر رضي الله عنه كيف صعب عليه أمر المغيرة لما شهد الثلاثة المذكورون ولم يفصح الرابع وأسقط الحد وفرح على ذلك.

ص: حدثثا فهدٌ قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا الوليد بن عبد الله بن جميع قال: حدثني أبو الطفيل قال: "أقبل وهي معهم امرأة، حتى نزلوا فتفرقوا في حوائجهم، فتخلف رجل مع أمرأة، فرجعوا وهو بين رجليها، فشهد ثلاثة منهم أنهم رأه يهب كما يهب المرود في المكحلة وقال الرابع: أحمي سمعي وبصري، لم أره يهب فيها، رأيت سخنتيه -يعني خصيتيه- يضربان أستها ورجليها مثل أذني الحمار، وعلى مكة يومئذ نافع بن عبد الحارث الخزاعي، فكتب إلى عمر رضي الله عنه، فكتب إليه عمر: إن شهد الرابع مثل ما شهد الثلاثة فقدمهما فاجلدهما وإن كانا محصنين فارجمهما، وإن لم يشهد إلا بما كتبت به إليَّ فاجلد الثلاثة، وخل سبيل الرجل والمرأة، قال: فجلد الثلاثة، وخلى سبيل الرجل والمرأة.

ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم الفضل بن دكين الملائي شيخ البخاري.

والوليد بن عبد الله بن جميع الزهري الكوفي، وقد ينسب إلى جده، وثقه يحيى والعجلي، وروى له مسلم ومن الأربعة غير ابن ماجه.

وأبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي.

ونافع بن عبد الحارث بن حبالة الخزاعي الصحابي، كان من فضلاء الصحابة وكبارهم، قيل: أسلم يوم الفتح، وأنكر الواقدي أن تكون له صحبة.

قوله: "رأوه يَهِبُّ" بالتشديد من الهِبَّة -بكسر الهاء- وهو هياج الفحل تقول: هب التيس يَهِبُّ -بالكسر- هبيبًا وهبابًا إذا هَبَّ للسفاد، أي صاح.

(1) طمس بالأصل.

ص: 485

قوله: "رأيت سُخْنتيه" تثنية سخنة -بضم السين المهملة وسكون الخاء المعجمة بعدها نون- وهي الخصية.

ص: فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد بعضهم ابتداءً وقبلها بعضهم، وحضر ذلك أكثرهم فلم ينكره.

فدل ذلك على اتفاقهم جميعًا على هذا المعنى، وثبت أن معاني الآثار الأُوَل على ما ذكرنا من معانيها التي وصفناها في مواضعها.

وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله.

ش: قد مَرَّ أن من جملة من شهد من الصحابة ابتداء قبل السؤال: أبو بكرة، وشبل بن معبد، وأبو عبد الله نافع بن الحارث.

ومن جملة من قَبِلَ هذه الشهادة: عمر بن الخطاب، ونافع بن عبد الحارث الخزاعي.

قوله: "وحضر ذلك أكثرهم" أي حضر على ما ذكر من الشهادة ابتداء والعمل بها أكثر الصحابة رضي الله عنهم.

قوله: "على هذا المعنى" أراد به المعنى الذي ذكره من الشهادة ابتداء، والعمل به، وقبول الصحابة ذلك.

وأراد بـ "الآثار الأول" الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه.

ص: 486