الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: كتاب الفرائض
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الفرائض، وهو جمع فريضة معني مفروضة، والمراد بها السهام المقدرة، وذكر هذا الكتاب عقيب كتاب الوصية رعاية لمناسبة لطيفة، وهي أن الوصية أخت الميراث؛ لأن كلاًّ منهما تمليك للمال بعد الموت، وإنما أخر الفرائض عن الوصية لأن علمها متعلق بأحكام الموت وهي متأخرة عن أحكام الأحياء.
* * *
ص: باب الرجل يموت ويترك ابنةً وأختًا وعصبةً سواها
ش: أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يموت ويترك ابنةً وأختًا وعصبةً، كيف يكون ميراثه؟
والعصبة في اللغة تشتمل على معنى الإحاطة يقال: عَصَبَ القوم بفلان: أحاطوا به، وعَصَبت رأسه بالعصابة وهي ما يعصب به الرأس، واعتصب فلان بالتاج والعمامة وبه سميت العَصَبة، وهم قرابة الإنسان لأبيه يحيطون به قربًا وحراسةً وديًّا، فالابن طرف، والأب طرف، والأخ جانب، والعم جانب.
وفي اصطلاح الفرضيين: العَصَبة: كل من يأخذ الباقي من الفريضة مع صاحب الفرض، ويحوز الجميع عند الانفراد، والعَصَبة الحقيقية: هو العَصَبة بنفسه، ويسمى من يشابهه: عصبةً مجازًا.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا المعلى بن أسد، قال: ثنا وهيب بن خالد، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عليه السلام: "ألحقوا المال بالفرائض، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أمية بن بسطام، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن النبي عليه السلام مثله. ولم يذكر ابن عباس.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان الثوري. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا معمر وسفيان، عن ابن طاوس. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه خمس طرق:
الأول: إسناده صحيح.
أخرجه البخاري (1): ثنا سليمان بن حرب، نا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام قال:"ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر".
وأخرجه الترمذي (2): ثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا وهيب، قال: نا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام قال:"ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر".
وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
الثاني: أيضًا صحيح.
عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أمية بن بسطام العيشي البصري شيخ
(1)"صحيح البخاري"(6/ 2478 رقم 6356).
(2)
"جامع الترمذي"(4/ 418 رقم 2098).
البخاري ومسلم، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم العنبري، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس.
وأخرجه مسلم (1): ثنا أمية بن بسطام العيشي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن رسول الله عليه السلام قال:"ألحقوا الفرائض بأهلها، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر".
وأخرجه أبو داود (2): ثنا أحمد بن صالح ومخلد بن خالد -وهذا حديث مخلد وهو أشبع- قالا: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله عليه السلام: "اقسم المال -يعني أهل الفرائض- على كتاب الله عز وجل، فما تركت الفرائض فَلأَولى ذكر".
الثالث: مرسل عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن النبي عليه السلام.
وأخرجه النسائي (3): نحوه مرسلا؛ عن أحمد بن سليمان، عن أبي داود، عن الثوري، عن ابن طاوس، عن أبيه عن النبي عليه السلام.
وقال النسائي: حديث الثوري أشبه بالصواب.
الرابع: أيضًا مرسل.
وأخرجه الترمذي (4) معلقًا قال: وقد رواه بعضهم عن ابن طاوس، عن أبيه، عن النبي عليه السلام مرسل.
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1233 رقم 1615).
(2)
"سنن أبي داود"(3/ 122 رقم 2898).
(3)
"السنن الكبرى"(4/ 71 رقم 6332).
(4)
"جامع الترمذي"(4/ 418 رقم 2098).
الخامس: أيضًا مرسل. عن علي بن زيد بن عبد الله الفرضي، عن عبدة بن سليمان المروزي صاحب ابن المبارك، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد وسفيان الثوري، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن النبي عليه السلام.
قوله: "ألحقوا المال بالفرائض"
هكذا وقع هذا اللفظ أيضًا في رواية الدارقطني (1): من حديث ربيعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، أن النبي عليه السلام قال:"ألحقوا المال بالفرائض فما تركت فلأولى ذكر" أي بأصحاب الفرائض والمضاف محذوف، ولا يستقيم المعنى إلا بذلك، والمعنى: أعطوا مال الميت لأصحاب الفرائض الذين بينهم الله عز وجل في كتابه العزيز، وهم الذين لهم سهام مقدرة وهم اثني عشرة نفرًا عشرة من النسب واثنان من السبب.
أما العشرة من النسب فثلاثة من الرجال وسبع من النساء. وأما الاثنان من السبب فالزوج والزوجة.
وأما الثلاثة من الرجال فهم الأب والجد الصحيح والأخ لأم.
وأما السبع من النساء فهن: البنت، وبنت الابن، والأم والجدة الصحيحة كأم الأم وأن علت، وأم الأب وإن علا، والأخوات لأب وأم، والأخوات لأب، والأخوات لأم، فهؤلاء أصحاب الفروض.
قوله: "فما أبقت الفرائض" أي: فما أبقت أصحاب الفرائض، والمضاف محذوف.
قوله: "فلأولى رجل ذكر" فيه حذف أيضًا أي: فهو لأولى رجل ذكر أي الباقي مما أحدثه أصحاب الفرائض المقدرة، لأولى رجل أي لأقرب رجل من الميت، والمعنى: أقرب العَصَبات إلى الميت يكون أحق بما أبقته أصحاب
(1)"سنن الدارقطني"(4/ 70 رقم 10).
الفرائض كالأخ والعم؛ فالأخ أولى لأنه أقرب إلى الميت، وكالعم وابن العم؛ فالعم أولى لأنه أقرب من ابن العم.
وقال الخطابي: ومعنى أولى: أقرب من الوَلي وهو القرب، ولو كان معنى قوله: أولى بمعنى أحق لبقي الكلام منهما لا يستفاد منه بيان الحكم؛ إذ كان لا يدرى من الأحق ممن ليس بأحق فعلم أن معناه: قرب النسب.
واستفيد من هذا الحديث أحكام:
الأول: أن أصحاب الفرائض يقدمون على العَصَبَات وإن كانت العصوبة أقوى سببًا وذلك لأن المراد من قوله: فلأولى رجل ذكر: هو العصبة، والدليل عليه ما جاء في بعض الروايات:"فلأولى عصبة ذكر".
فإن قلت: ما فائدة توصيف الرجل بِذَكَر، وكذلك قوله: عصبة ذكر، والرجل لا يطلق إلا على الذكور؟
قلت: لأن الرجل ذكر من بني آدم جاوز حد الصغر، فوصفه بالذكورة ليدخل غير البالغين؛ لأن صفة الذكورة أعم من صفة الرجلية.
فإن قلت: إذا حلف لا يكلم رجلًا فكلم صبيًّا يحنث؟
قلت: مبنى اليمين على العرف.
فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً} (1) فإن اسم الرجل يصدق هاهنا على الصبي؟.
قلت: يجوز أن يطلق الرجل ويراد به الذكر ليعم الصبي والبالغ، أو تقول: إن التوصيف بالذكورة يكون من قبيل قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} (2) وقوله: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} (3) فافهم.
(1) سورة النساء، آية:[12].
(2)
سورة البقرة، آية:[196].
(3)
سورة الأنعام، آية:[38].
الثاني: احتجت به أصحابنا في المسألة التي تلقب مشركة وحمارية وهي: زوج وأم، وأخوان لأم، وأخوان لأب وأم. فللزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، ولا شيء للأخوين لأبوين؛ لأن ظاهر قوله عليه السلام:"فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر" يقتضي الحكم هكذا؛ وذلك لأن الله تعالى فرض للزوج النصف عند عدم الولد، وللأم السدس عند وجود الإخوة، وفرض لقوم الأم فرضًا مقدرًا وهو السدس حالة الانفراد، والثلث حالة الاجتماع، سواء اتسع المال أو لا فوجب أن لا ينقص عن فروضهم شيء في الحالين؛ عملًا بظاهر الحديث. فإذا أخذ الزوج النصف والأم السدس والأخوان لأم الثلث، لم يبق شيء حتى يأخذ الأخوان لأبوين.
الثالث: مسألة الكتاب على ما يجيء الآن.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن رجلًا لو مات وترك بنته، وأخاه لأبيه، وأمه، وأخته لأبيه، وأمه؛ كان لابنته النصف، وما بقي فلاخيه لأبيه وأمه دون أخته لأبيه وأمه.
واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا أيضًا: لو لم يكن مع البنت أخ وكانت معهما أخت وعَصَبة كان للابنة النصف، وما بقي فللعَصَبة وإن بعدوا.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: طاوس بن كيسان ومسروقًا وإسحاق بن راهويه، والظاهرية؛ فإنهم قالوا في الصورة المذكورة: إن الأخت لا ترث شيئًا، وإنما البنت تأخذ النصف بحق الفرض والأخ الشقيق يأخذ النصف الباقي بطريق التعصيب، ولا يبقى شيء للأخت الشقيقة، وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم. ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما روي عن ابن عباس، كما حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، قال: أنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس قال: أخبرني أبي، عن ابن عباس أنه قال: "قال الله عز وجل: {إِنِ امْرُؤٌ
هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} (1) قال ابن عباس: فقلتم أنتم: لها النصف؛ وإن كان له ولد".
ش: أي: واحتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه أيضًا بحديث ابن عباس.
أخرجه بإسناد صحيح عن علي بن زيد الفرائضي، عن عبدة بن سليمان المروزي، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن ابن عباس.
وأخرجه عبد الرزاق (2): عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف، قيل لابن عباس:"ترك ابنته، وأخته لأبيه وأمه، فقال ابن عباس: لابنته النصف، وليس لأخته شيء مما بقي، وهو لعصبته، فقال له السائل: إن عمر رضي الله عنه قضى بغير ذلك: جعل للابنة النصف وللأخت النصف، فقال ابن عباس: أأنتم أعلم أم الله؟! قال معمر: فذكرت ذلك لابن طاوس، فقال لي ابن طاوس: أخبرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول: قال الله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} (1) قال ابن عباس: فقلتم أنتم: لها النصف وإن كان له ولد".
فوجه استدلالهم بالحديث ظاهر، وهو أنه عليه السلام عيَّن ما أبقته أصحاب الفرائض لأولى رجل ذكر، وهاهنا البنت صاحبة الفرض وهو النصف، والباقي وهو النصف الآخر يكون للأخ الشقيق؛ لأنه أولى رجل ذكر -يعني أقرب إلى الميت- وبأثر ابن عباس ظاهر أيضًا؛ لأن الله تعالى أعطى للأخت النصف إذا لم يكن للميت ولد؛ فافهم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل للابنة النصف، وما بقي فبين
(1) سورة النساء، آية:[176].
(2)
"مصنف عبد الرزاق"(10/ 254 - 255 رقم 19023).
الأخ والأخت، للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن لم يكن مع البنت غير الأخت كان للابنة النصف وللأخت ما بقي.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم شريحًا القاضي، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وأبا حنيفة وأبا يوسف، ومحمدًا، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء من التابعين ومَن بعدهم، فإنهم قالوا: للابنة النصف، وما بقي فبين الأخ والأخت أثلاثًا وإن كان الميت خلف ابنةً وأختًا فقط كان للبنت النصف وللأخت النصف.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن حديث ابن عباس الذي ذكروا على ما قد ذكرناه في أول هذا الباب ليس معناه عندنا على ما حملوه عليه، ولكن معناه عندنا -والله أعلم- على ما أبقت الفرائض بعد السهام فلأولى رجل ذكر كعمٍّ وعمة فالباقي للعم دون العمة؛ لأنهما في درجة واحدة متساويان في النسب، وفضل العمُّ على العمَّة في ذلك بأن كان ذكرًا، فهذا معنى قوله:"فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر" وليس الأخت مع أخيها داخلين في ذلك، والدليل على ما ذكرنا من ذلك أنهم قد أجمعوا في بنت وبنت ابن، وابن ابن. أن للابنة النصف، وما بقي فبين ابن الابن وابنة الابن للذكر مثل حظ الأنثيين، ولم يجعلوا ما بقي بعد نصيب الابنة لابن الابن خاصةً دون ابنة الابن، ولم يكن معنى قول رسول الله عليه السلام:"فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر" على ذلك إنما هو على غيره.
فلما ثبت أن هذا خارج منه باتفاقهم، وثبت أن العم والعمة داخلان في ذلك باتفاقهم، إذ جعلوا ما بقي بعد نصيب البنت للعم دون العمة.
ثم اختلفوا في الأخت مع الأخ، فقال قوم: هما كالعمة والعم.
وقال آخرون: هما كابن الابن وابنة الابن؛ فنظرنا في ذلك لنعطف ما اختلفوا فيه منه على ما أجمعوا عليه؛ فرأينا الأصل المتفق عليه أن ابن الابن وبنت
الابن لو لم يكن غيرهما كان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. فإذا كانت معهما ابنة، كان لها النصف، وكان ما بقي بعد ذلك النصف بين ابن الابن وابنة الابن على مثل ما يكون لهما من جميع المال لو لم يكن معهما ابنة، وكان العم والعمة لو لم يكن معهما ابنة كان المال باتفاقهم للعم دون العمة، فإذا كانت هناك ابنة كان لها النصف وما بقي بعد ذلك فهو للعم دون العمة، فكان ما بقي بعد نصيب البنت للذي كان يكون له جميع المال لو لم تكن بنت.
فلما كان ذلك كذلك وكان الأخ والأخت لو لم يكن معهما ابنة كان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، فالنظر على ذلك أن يكونا كذلك إذا كانت معهما ابنة، فوجب لها نصف المال لحق فرض الله عز وجل لها، وأن يكون ما بقي بعد ذلك النصف بين الأخ والأخت كما كان يكون لهما جميع المال لو لم تكن بنت؛ قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا من ذلك.
ش: أي: وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه. وأراد بها الجواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس المذكور في أول الباب، وهو ظاهر.
قوله: "ثم اختلفوا" أي الفريقان المذكوران فيما إذا خَلَّف الميت أخاه وأخته مع بنته، فقال قوم، وهم أهل المقالة الأولى: هما كالعم والعمة، يعني الأخ يأخذ ما بقي بعد نصيب البنت ولا تأخذ الأخت شيئًا، كما إذا خلف بنته وعمه وعمته فإن العم يأخذ ما بقي بعد نصيب البنت ولا تأخذ العمة شيئًا.
وقال آخرون -أي قوم آخرون- وهم أهل المقالة الثانية: هما كابن الابن وابنة الابن -يعني الأخت مع الأخ كابن الابن مع بنت الابن مثلًا- إذا خلف بنتًا وابن ابنة وبنت ابنة، فالبنت لها النصف، والباقي بين ابن الابن وبنت الابن؛ للذكر مثل حظ الأنثيين. وباقي الكلام ظاهر.
ص: وقد روي عن رسول الله عليه السلام أيضًا ما قد دل على ما ذكرنا.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، وعبيد الله بن موسى العبسي. وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن يوسف الفريابي، قالوا: أنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل:"أُتي سليمان بن ربيعة وأبو موسى الأشعري في ابنة، وابنة ابن، وأخت، فقالا: للابنة النصف، وللأخت النصف، ثم قالا: ائت عبد الله بن مسعود فإنه سيتابعنا، فأتاه فقال عبد الله: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين ولكن سأقضي فيها بما قضي به رسول الله عليه السلام؛ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي قيس، عن هزيل مثله.
ففي هذا الحديث أن رسول الله عليه السلام جعل الأخوات من قبل الأب مع الابنة عصبة، فصرن مع البنات في حكم الذكور مع الإخوة من قِبَل الأب، فصار قول رسول الله عليه السلام "فما أبقت الفرائض فلأولى ذكر رجل" لأنه عَصَبَة ولا عَصَبَة أقرب منه، فإذا كانت هناك عَصَبة هي أقرب من ذلك الرجل فالمآل لها، وعلى هذا ينبغي أن يحمل هذا الحديث حتى لا يخالف حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا ولا يضاده، وسبيل الآثار أن تحمل على الاتفاق ما وجد السبيل إلى ذلك، ولا تحمل على التنافي والتضاد، ولو كان حديث ابن عباس على ما حمله عليه المخالف لنا لما وجب -على مذهبه- أن يضاد به حديث ابن مسعود؛ لأن حديث ابن مسعود هذا مستقيم الإسناد صحيح المجيء، وحديث ابن عباس مضطرب الإسناد؛ لأنه قطعه من ليس بدون مَن قد رفعه على ما قد ذكرنا في أول هذا الباب.
ش: أشار بهذا إلى صحة ما قاله من وجه النظر في توريث الأخت مع البنت في الصورة المتنازع فيها، وتأكيد ذلك بالآثار الصحيحة، فمن ذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه فإنه صريح في أنه عليه السلام قد جعل الأخوات مع البنات عصبةً.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي وعبيد الله ابن موسى العَبْسي -بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة، وبالسين المهملة شيخ البخاري، كلاهما عن سفيان الثوري، عن أبي قيس عبد الرحمن ابن ثروان الأودي الكوفي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي الكوفي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل قال:"جاء رجل إلى أبي موسى وسليمان بن ربيعة، فسألهما عن ابنة، وابنة ابن، وأخت لأب، وأم، فقال: للابنة النصف، وما بقي للأخت، وائت ابن مسعود فإنه سيتابعنا. قال: فأتى الرجل ابن مسعود فسأله، وأخبره بما قالا، قال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، ولكن سأقضي بما قضى به رسول الله عليه السلام؛ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس. . . . إلى آخره.
وأخرجه الترمذي (2): ثنا الحسن بن عرفة، ثنا يزيد بن هارون، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل قال:"جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة. . . . إلى آخره".
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه (3): ثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي قيس الأودي. . . . إلى آخره نحوه.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 8 رقم 29051).
(2)
"جامع الترمذي"(4/ 415 رقم 2093).
(3)
"سنن ابن ماجه"(2/ 909 رقم 2721).
وأخرجه أبو داود (1): ثنا عبد الله بن عامر بن زرارة، قال: حدثني علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي قال:"جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة. . . ." إلى آخره نحوه.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي قيس، عن هزيل. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري (2): ثنا آدم، ثنا شعبة، ثنا أبو قيس، سمعت هزيل بن شرحبيل قال:"سئل أبو موسى عن ابنة، وابنة ابن، وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود رضي الله عنه وأُخْبِر بقول أبي موسى رضي الله عنه فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي عليه السلام؛ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأتيا أبا موسى فأخبراه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم".
قوله: "لقد ضللت إذًا" أراد به الإنكار على أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة فإنهما أفتيا بخلاف ما حكم به رسول الله عليه السلام، ولهذا قال ابن مسعود: لقد ضللت إذًا. يعني إذا أفتيت بخلاف ما حكم به رسول الله عليه السلام كنت من الضالين، ثم يبين لهم حكم رسول الله عليه السلام وبيَّن أن الأخوات يصرن عصبة مع البنات ويرثن معهن. وهو قول جماعة الصحابة والتابعين والفقهاء إلا ابن عباس؛ فإنه خالف عامة الصحابة في ذلك وكان يقول في رجل، وأخته لأبيه، وأمه: النصف للابنة، وليس للأخت شيء. وذهبت إليه طائفة شاذة كما قدمناه.
قوله: "فصار قول رسول الله عليه السلام: فما أبقت الفرائض. . . . إلى آخره". إشارة إلى وجه التوفيق بين حديث ابن عباس هذا وبين حديث ابن مسعود، وقد أشار
(1)"سنن أبي داود"(3/ 120 رقم 2890).
(2)
"صحيح البخاري"(6/ 2477 رقم 6355).
إليه بقوله: وعل هذا المعنى ينبغي أن يحمل هذا. . . . الحديث، يعني حديث ابن عباس المذكور في أول الباب.
قوله: "ما وجد السبيل" أي ما دام السبيل موجودة.
قوله: "لأنه قطعه". أي لأن حديث ابن عباس قطعه مَنْ ليس بدون من رفعه أي من ليس أدنى حالًا من الذي وصله، وذلك أن سفيان الثوري قد رواه عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن النبي عليه السلام، وهو مقطوع وإنما وصله وهيب ابن خالد عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام.
وكذلك وصله روح بن القاسم ومعمر بن راشد، وسفيان ليس بدون هؤلاء بل هو أجل مرتبة منهم وأضبط، ولهذا قال النسائي: حديث الثوري أشبه بالصواب.
ص: وأما ما احتجوا به من قول الله عز وجل {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} (1)، فقالوا: فإنما ورث الله عز وجل الأخت إذا لم يكن له ولد، فالحجة عليهم في ذلك أن الله عز وجل قد قال أيضًا:{وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} (1)، وقد أجمعوا على أنها لو تركت بنتها وأخاها لأبيها كان للابنة النصف، وما بقي فللأخ؛ فإن معنى قوله عز وجل:{إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} (1) إنما هو على ولد يحوز كل الميراث لا على الولد الذي لا يحوز كل الميراث، فالنظر على ذلك أيضًا أن يكون قوله تعالى:{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} (1) هو على الولد الذي يحوز جميع الميراث لا على الولد الذي لا يحوز جميع الميراث.
ش: هذا جواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من قوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} (1)، بيان احتجاجهم بهذه الآية الكريمة أن الله تعالى ورث الأخت إذا لم يكن للهالك
(1) سورة النساء، آية:[176].
ولد، وفيما نحن فيه الهالك له بنت، فلا ترث أخته لوجود البنت، وإنما ترث عَصَبته، وشرط توريث الأخت فقدان الولد، والولد يشمل الذكور والإناث.
وبيان الجواب أن يقال: إن المراد من قوله: {لَيسَ لَهُ وَلَدٌ} أي ليس له أبناء، فإن المراد بالولد الذكور دون الإناث.
وقال الخطابي: وجه ما ذهب إليه الصحابة من الكتاب مع بيان السنة التي رواها ابن مسعود رضي الله عنه: أن الولد المذكور في الآية إنما هو الذكور من الأولاد دون الإناث، وهو الذي يسبق إلى الأفهام ويقع في المعارف عندما يقرع السمع، فقيل: ولد فلان، وإن كان الإناث أيضًا في الحقيقة كالذكور، يدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى حكاية عن بعض الكفار:{لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} (1)، وقوله:{لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ} (2) و {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} (3) فكان معلومًا أن المراد بالولد في هذه الآي كلها الذكور دون الإناث، إذ كان مشهورًا من مذاهب القوم أنهم لا يكترثون بالبنات ولا يرون فيهم موضع نفع وعز، وكان من مذاهبهم وَأْدهن ودفنهن أحياء والتعفية لآثارهن، وجرى التخصيص في هذا الاسم كما يجري ذلك في اسم المال إذا أطلق الكلام فإنما يختص عرفًا بالإبل دون سائر أنواع المال، ومشهور في كلامهم أن يقال غدا مال فلان وراح، يريدون سارحة الإبل والمواشي دون ما سواها من أصناف الأموال. وإذا ثبت أن المراد بالولد الذكور في قوله سبحانه:{لَيسَ لَهُ وَلَدٌ} (4) الذكور من الأولاد دون الإناث، لم يمنع الأخوات الميراث مع البنات؟
(1) سورة مريم، آية:[77].
(2)
سورة الممتحنة، آية:[3].
(3)
سورة التغابن، آية:[15].
(4)
سورة النساء، آية:[176].
فإن قيل: قد قال ابن حزم: والعجب من تجاهر بعض القائلين هاهنا: إنه إنما عنى ولدًا ذكرًا، وهذا إقدام على الله بالباطل وقولٌ عليه بما لا يعلم، بل ما يعلم أنه باطل، وليت شعري أي فرق بين قوله تعالى:{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} (1) وبين قوله تعالى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} (2)، وقوله:{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} (2)، وقوله تعالى:{فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} (3). فلم يختلفوا في جميع هذه الآيات في أن الولد سواء كان ذكرًا أو أنثى، أو ولد الولد كذلك، فالحكم واحد، ثم بدا لهم في ميراث الأخت أن الولد إنما أريد به الذكر.
قلت: ابن حزم قد حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء ولم يقل أحد أن الولد لا يطلق إلا على الذكور خاصة، وإنما يطلق على الذكور والإناث كما في الآيات التي ذكرها ابن حزم، ولكن قد يخص ويقيد في بعض المواضع بالذكور، بدليل يقوم عليه كما في الآية المذكورة وهي قوله تعالى:{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} (1) وقد قام الدليل هاهنا أن المراد بالولد هاهنا الذكور خاصة، وهو شيئان:
الأول: نسق التلاوة في قوله تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَآ} (1) يعني الأخ يرث الأخت إن لم يكن لها ولد، ومعناه ولدٌ ذكر عند الجميع إذ لا خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم أنها إذا تركت ولدًا أنثى وأخًا أن للبنت النصف والباقي للأخ، والولد المذكور هاهنا هو المذكور بذا في أول الآية، وأيضًا قال الله تعالى:{وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} (3) معناه عند الجميع ولد ذكر؛ لأنه لا خلاف بين الصحابة ومن بعدهم من الفقهاء أنه لو
(1) سورة النساء، آية:[176].
(2)
سورة النساء، آية:[12].
(3)
سورة النساء، آية:[11].
ترك ابنةً من أبوين أن للبنت النصف وللأبوين السدسان والباقي للأب؛ فيأخذ الأب في هذه الحال مع الولد الأنثى أكثر من السدس فدل قوله: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} (1) على أنه ولد ذكر، وكذلك لو ترك أبا وابنةً كان للبنت النصف، وللأب النصف، فقد أخذ في هاتين المسألتين أكثر من السدس مع الولد.
الثاني: حديث ابن مسعود رضي الله عنه فإنه بين أن المراد من الولد في قوله: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} (2) أي ولد ذكر، وليس هذا من قبيل البيان؛ لأن الآية ليست مجملة، بل هو من قبيل التخصيص والتقييد.
فإن قلت: تقييد الكتاب بخبر الواحد نسخ وذا لا يجوز.
قلت: هذا خبر قد تلقته الأمة بالقبول فلحق بالمشهور، فافهم.
فإن قيل: الوجه الأول فيه نظر؛ لأن الذكور في الموضعين شرطان كل واحد منهما ذكر في حادثة على حدة، فبقيام الدليل على أن المراد من أحدهما الذكر لا يتبين أن المراد من الثاني الذكر.
قلت: بل هما شرط واحد، بيانه أنه ذكر أولًا كون الأخ هو الميت فجعل للأخت النصف، ثم قلب القضية فجعل الأخت ميتة والأخ هو الوارث فجعل له جميع المال، فتبين أن الشرط واحد وهو عدم الولد، ثم إن المراد في أحد الموضوعين الذكر دون الأنثى، فكذا في الموضع الآخر، ولئن سلمنا أن المراد مطلق الولد ولكن عدم الولد شرط أخذ الأخت النصف والأختين الثلثين فرضًا، وبه نقول؛ لأنا لا نورثهن مع البنت فرضًا، بل تعصيبًا، حتى لو لم يبق لهن شيء بعد فرض دون الفروض لم يكن لهن شيء، كما إذا تركت زوجًا، وأمًّا، وبنتين، وأختًا لأب، وأم، أو لأب؛ لأن المسألة عالت إلى ثلاثة عشر؛ فافهم.
(1) سورة النساء، آية:[11].
(2)
سورة النساء، آية:[176].
ص: وأما ما احتجوا به من مذهب ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك، فإنه قد خالفه فيه سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سواه، فمما روي عنهم في ذلك:
ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عقيل، أنه سمع ابن شهاب يخبر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زيد بن ثابت:"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم الميراث بين الابنة والأخت نصفين".
حدثنا علي بن زيد الفرائضي، قال: ثنا عَبْدة بن سليمان، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: أنا يزيد بن أبي حبيب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن:"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم المال شطرين بين الابنة والأخت".
حدثنا علي، قال: ثنا عَبْدة، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا إسرائيل، عن جابر، عن الشعبي، عن علي وعبد الله رضي الله عنه: "في ابنة وأخت: للابنة النصف وللأخت النصف. وقال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مثل ذلك إلا ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون وأبو نعيم، قالا: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله:"في ابنة وأخت وجد، قال: من أربعة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، قال: سمعت الأسود بن يزيد يقول: "قضى فينا معاذ رضي الله عنه باليمن في رجل ترك ابنته وأخته، فأعطى الابنة النصف، وأعطى الأخت النصف" قال شعبة: وأخبرني الأعمش، قال: سمعت إبراهيم يحدث، عن الأسود قال:"قضى فينا معاذ باليمن ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيٌّ. . . ." فذكر مثله.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد قال: "قضى ابن الزبير رضي الله عنهما في ابنة وأخت، فأعطى الابنة النصف وأعطى العَصَبة سائر المال، فقلت له: إن معاذ رضي الله عنه قضى فينا باليمن، فأعطى الابنة النصف وأعطى الأخت النصف، فقال عبد الله
ابن الزبير: فأنت رسول إلى عبد الله بن عتبة فتحدثه بهذا الحديث، وكان قاضي أهل الكوفة".
فهذا عبد الله بن الزبير قد رجع عن قوله الذي وافق فيه ابن عباس رضي الله عنهم في هذا إلى قول الآخرين.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن صروح بن الفرج، قالا: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد قال:"قدم معاذ رضي الله عنه إلى اليمن، فسئل عن ابنة وأخت، فأعطى الابنة النصف، والأخت النصف".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان الثوري، عن معبد بن خالد، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها في ابنتين وبنات ابن وبني ابن، وفي أختين لأب وأم، وإخوة وأخوات لأب، أنها أشركت بين بنات الابن وبني الابن، وبين الأخوة والأخوات من الأب فيما بقي.
قال: وكان عبد الله لا يشرك بينهم".
ش: هذا جواب ما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من مذهب ابن عباس، بيانه أن يقال إن ابن عباس رضي الله عنهما وإن كان روى غير ما احتجوا به، فقد خالفه سائر أصحاب رسول الله عليه السلام، ذكر منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعبد الله بن الزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم.
أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخرج عنه من طريقين.
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن خالد الحراني شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة المصري، عن عُقَيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن زيد بن ثابت الأنصاري الصحابي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.
الثاني: عن علي بن زيد الفرائضي نزيل طرسوس، عن عبدة بن سليمان المروزي نزيل المصيصة، عن عبد الله بن المبارك المروزي، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا زيد بن حباب، قال: حدثني يحيى ابن أيوب المصري، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن أبي سلمة:"أن عمر رضي الله عنه جعل المال بين الابنة والأخت نصفين".
فإن قيل: الطريق الأول معلول بابن لهيعة، والطريق الثاني منقطع؛ لأن أبا سلمة لم يدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قلت: كل واحدة من الطريقين تأيدت بالأخرى، والأولى بَيَّنَت أن بين أبي سلمة وعمر بن الخطاب زيد بن ثابت الأنصاري، وأبو سلمة سمع منه، على أن هذا من التوابع للروايات الأخرى.
وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأخرج عنه، عن علي بن زيد الفرائضي أيضًا، عن عبدة بن سليمان، عن عبد الله بن المبارك، عن إسرائيل بن يونس، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن علي بن أبي طالب.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال:"كان علي وابن مسعود ومعاذ رضي الله عنهم يقولون في ابنة وأخت: النصف والنصف، وهو قول أصحاب محمد عليه السلام إلا ابن الزبير وابن عباس رضي الله عنهم".
وأما عبد الله بن مسعود فأخرج عنه بطريق صحيح، عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، وأبي نعيم الفضل بن دُكين شيخ البخاري، كلاهما عن سفيان
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 242 رقم 31072).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 243 رقم 31075).
الثوري، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرج ابن أبي شيبة (1): عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله:"في أخت وجدٍّ: النصف والنصف".
وأخرج أيضًا (2): عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله:"أنه قال في ابنة وأخت وجدٍّ: أعطى الابنة النصف، وجعل ما بقي بين الجد والأخت له نصف، ولها نصف".
قلت: هذا تفسير لما في رواية الطحاوي من قوله: "من أربعة" وهو أن الصورة المذكورة يقسم الميراث بها من أربعة أسهم سهمان وهو النصف للبنت، والباقي -وهو سهمان- بين الأخت والجدِّ، لكل واحد منهما سهم.
وأما معاذ بن جبل رضي الله عنه فأخرج عنه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء سليم المحاربي الكوفي، عن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(3): من حديث أبي داود، عن شعبة، عن الأشعث ابن أبي الشعثاء، سمعت الأسود بن يزيد يقول:"قضى فينا معاذ رضي الله عنه باليمن في رجل ترك ابنته وأخته، فأعطى الابنة النصف، والأخت النصف".
قال أبو داود: قال شعبة: وأخبرني الأعمش، سمعت إبراهيم يحدث، عن الأسود قال:"قضى فينا معاذ رضي الله عنه باليمن ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيٌّ في رجل ترك ابنته وأخته، فأعطى الابنة النصف والأخت النصف".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 261 رقم 31231).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 264 رقم 31248).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 233 رقم 12111).
قال والأول أصح وهو رواية غندر.
وأخرجه البخاري (1): من حديث شيبان، عن أشعث موقوفا.
الثاني: عن ابن مرزوق، عن أبي داود سليمان الطيالسي، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن معاذ رضي الله عنه.
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن وروح بن الفرج القطان المصري، كلاهما عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سُليم الكوفي، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا وكيع، عن سفيان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد قال:"قضى معاذ رضي الله عنه باليمن في ابنة، وأخت لأب وأم: للأخت النصف، وللابنة النصف".
وأما عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فأخرج عنه من طريق صحيح، عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، عن سفيان الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد قال:"قضى عبد الله بن الزبير. . . .".
وأخرجه البيهقي في "سننه"(3): من حديث الثوري، عن أشعث. . . . إلى آخره نحوه، وفي آخره:"وكان قاضيًا على الكوفة".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(4): ثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن الأسود قال:"كان ابن الزبير رضي الله عنهما لا يعطي للأخت مع الابنة شيئًا، حتى حدثته أن معاذًا رضي الله عنه قضى باليمن في ابنة وأخت لأب وأم: للابنة النصف وللأخت النصف، فقال: أنت رسولي إلى ابن عتبة، فَمُرْهُ بذلك".
(1)"صحيح البخاري"(6/ 2477 رقم 6353).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 242 رقم 31068).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 233 رقم 12112).
(4)
"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 242 رقم 31070).
وهذا يدل على أن ابن الزبير رضي الله عنهما قد رجع عن قوله الذي يوافق قول ابن عباس في منع الأخت من الميراث مع البنت إلى أقوال سائر الصحابة رضي الله عنهم.
وأشار إليه بقوله: "فهذا عبد الله بن الزبير قد رجع عن قوله الذي وافق فيه ابن عباس رضي الله عنه في هذا إلى قول الآخرين" أي إلى قول الجماعة الآخرين من الصحابة رضي الله عنهم.
وعبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي هو ابن أخي عبد الله بن مسعود، أدرك زمان النبي عليه السلام، وهو والد عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان قاضيًا على الكوفة لابن الزبير رضي الله عنهم.
وأما عائشة رضي الله عنها فأخرج عنها من طريق صحيح، عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن سفيان الثوري، عن معبد بن خالد الجدلي القيسي، عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن معبد بن خالد، عن مسروق، عن ابن مسعود:"أنه كان يجعل للأخوات والبنات الثلثين، وجعل ما بقي للذكور دون الإناث، وأن عائشة رضي الله عنها أشركت بينهم، فجعلت ما بقي بعد الثلثين للذكر مثل حظ الأنثيين".
وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): من حديث الثوري، عن معبد بن خالد، عن مسروق، عن عائشة:"في ابنتين، وبنات ابن، وبني ابن، وأختين لأبوين، وإخوة وأخوات لأب: أنها أشركت بين بنات الابن وبني الابن، وبين الإخوة والأخوات لأب فيما بقي -يعني للذكر مثل حظ الأنثيين- قال: وكان عبد الله لا يشرك بينهم، يجعل ما بقي للذكور".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 243 رقم 31079).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 230 رقم 12094).
ص: وقد قال قوم في بنت وعَصَبَة: إن للابنة جميع المال، ولا شيء للعصبة، فكفى بهم جهلًا في تركهم قول كل الفقهاء إلى قول لم نعلم أن أحدًا قال به قبلهم من أصحاب رسول الله عليه السلام ولا مِن تابعيهم، مع أن ما ذهبوا إليه من ذلك يدفعه نص القرآن؛ لأن الله عز وجل قال:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} (1). فبين الله عز وجل لنا بذلك كيف حكم الأولاد في المواريث إذا كانوا ذكورًا وإناثًا.
ثم قال عز وجل: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} (1) فبين لنا تبارك وتعاك حكم الأولاد إذا كانوا نساء.
ثم قال عز وجل: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} (1) فبين لنا ميراث الابنة الواحدة.
فلما بيَّن لنا مواريث الأولاد على هذه الجهات؛ علمنا بذلك أن حكم ميراث الواحدة لا يخرج عن هذه الجهات الثلاث، واستحال أن يسمي الله عز وجل للابنة النصف وللبنات الثلثين ولهن أكثر من ذلك إلا لمعنى آخر بينه في كتابه أو على لسان رسوله عليه السلام، كما أبان في مواريث ذوي الأرحام. ولو كانت الابنة ترث المال كله دون العصبة لما كان لذكر الله عز وجل النصف معنى، ولأهمل أمرها كما أهمل أمر الابن، فلما بيَّن لها ما ذكرنا كان توقيفًا منه عز وجل إيانا على أن ما سمى لها من ذلك هو سهمها كما كان ما سمى للأخوات من قبل الأم بقوله تعالى:{وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} (2).
فكان ما بقي بعد ما سمى لهن للعَصَبَة وكذلك ما سمي للزوج والمرأة فما بقي
(1) سورة النساء، آية:[11].
(2)
سورة النساء، آية:[12].
بعد الذي سمى لهما للعَصَبَة فكذلك البنت ما بقي بعد الذي سمى لها للعَصَبَة.
هذا دليل قائم صحيح في هذه الآية، ثم رجعنا إلى قوله تعالى:{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} (1) فلم يبين لنا هاهنا مَن ذلك الولد؟ فدلنا ما تقدم من قوله في الآية التي ذكرنا التي وقفنا فيها على أنصباء الأولاد؛ أن ذلك الولد هو بخلاف الولد الذي سمي له الفرض في الآية الأخرى.
ثم قد روي عن رسول الله عليه السلام فيما ذكرنا أيضًا ما حدثنا يونس بن عبد الأعلى وبحر بن نصر، قالا: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني داود بن قيس، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله:"أن امرأة سعد بن الربيع أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن سعدًا قُتل معك وترك ابنتيه وأخاه فأخذ أخوه ماله، وإنما تتزوج النساء لما لهن، فدعاه رسول الله عليه السلام فقال: أعط امرأته الثُمن، وابنتيه الثلثين، ولك ما بقي".
حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، عن النبي عليه السلام مثله.
فقد وافق هذا أيضًا ما ذكرنا، وبهذا كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمدٌ رحمهم الله يقولون به، وبه يقول أيضًا أكثر الفقهاء.
ش: أراد بالقوم هؤلاء [. .](2) فإنهم قالوا: إذا مات رجل وخلف بنته وعَصَبَة، المال كله للبنت دون العصبة. وهذا مذهب فاسد، وقد بيَّن فساده بقوله: يكفي بهم جهلًا. . . . إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "ثم رجعنا إلى قوله عز وجل: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ} (1). . . . إلى آخره". أشار بهذا الكلام إلى بيان الفرق بين الولد المذكور في قوله تعالى:
(1) سورة النساء، آية:[176].
(2)
بيض له المؤلف رحمه الله.
{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} وبين الولد المذكور في قوله عز وجل: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} (1)؛ وذلك لأن توقيف الله تعالى إيانا في هذه الآية على أنصباء الأولاد يدل على أن الولد المذكور في قوله: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} هو الولد الذكور خاصةً دون الإناث؛ لأنه بيَّن في تلك الآية أنصباء الأولاد الذكور والإناث بقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} (1). ثم إذا قلنا: إن المراد من الولد في الآية الأخرى الذكور والإناث جميعًا؛ للزم أن تكون أنصباء الأولاد الذكور والإناث قد بينت على نوعين مختلفين وليس كذلك.
فدل أن المراد من الولد في قوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} (2) الذكور دون الإناث؛ فافهم. والله أعلم.
قوله: "ثم قد روي عن رسول الله عليه السلام فيما ذكرنا .. إلى آخره". ذكره تأكيدًا لصحة ما بينه من بطلان المذهب المذكور، ولصحة ما ذهب إليه الجمهور من توريث العصبة مع البنت.
ثم إنه أخرج حديث جابر رضي الله عنه من طريقين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري وبحر بن نصر بن سابق الخولاني، كلاهما عن عبد الله بن وهب، عن داود بن قيس الفراء الدباغ، عن عبد الله بن محمد عقيل بن أبي طالب القرشي -فيه مقال- عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه أبو داود (3): ثنا ابن السرح، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني داود بن قيس وغيره من أهل العلم، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:"أن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله، إن سعدًا هلك وترك ابنتين. . . . الحديث" نحوه.
(1) سورة النساء، آية:[11].
(2)
سورة النساء، آية:[176].
(3)
"سنن أبي داود"(3/ 121 رقم 2892).
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن علي بن معبد بن شداد الرقي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر.
وأخرجه الترمذي (1): ثنا عبد بن حميد، قال: أخبرني زكرياء بن عدي، أنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال:"جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله عليه السلام فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أُحُد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية المواريث، فبعث رسول الله عليه السلام إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك". قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل. وقد رواه شريك أيضًا عن عبد الله بن محمد بن عقيل".
قوله: "إن امرأة سعد". هو سعد بن الربيع بن عمرو الأنصاري قتل يوم أحد شهيدًا، وامرأته النوار بنت مالك بن مخرمة من بني عدي بن النجار، وهي أم زيد بن ثابت الأنصاري، وذكر في بعض كتب الفرائض وشروحها:"أن امرأة سعد بن الربيع لما استشهد يوم بدر، وفي شرح جواهر زاده: "يوم أحد" وهو الأصح على ما نصَّ عليه الترمذي في روايته. وقيل: كان هذا أول ميراث قسم في الإسلام.
قوله: "وبهذا كان أبو حنيفة". أي بما ذكرنا من قول أهل المقالة الثانية أخذ أبو حنيفة. . . . إلى آخره. وهو قول جماهير العلماء من التابعين ومَن بعدهم والله أعلم.
(1)"جامع الترمذي"(4/ 414 رقم 2092).