الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: كتاب اللقطة والضالة
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام اللقطة والضالة.
"اللُّقَطة" بضم اللام وفتح القاف، اسم المال المأخوذ أي الموجود، والالتقاط أن تعثر على الشيء من غير قصد وطلب.
وقال بعضهم: اللقطة اسم كالضحلة والهمزة، وأما المال الملقوط فهو بسكون القاف والأول أكثر وأصح، والضالة بفتح اللام هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، يقال: ضل الشيء إذا ضاع، وضل عن الطريق إذا حاد، وهي في الأصل فاعلة، ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة، وتقع على الذكر والأنثى، والاثنين والجمع، وتجمع على ضوال، وقد تطلق الضالة على المعاني، كما في قوله عليه السلام:"الكلمة الحكمة ضالة المؤمن"(1)، وفي رواية:"ضالة كل حكيم"(2)، أي لا يزال يتطلبها كما يتطلب الرجل ضالته.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ضالة المسلم حَرَقُ النار".
حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن يزيد أخي مطرف، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود، عن النبي عليه السلام، مثله.
ش: هذان طريقان:
(1) رواه الترمذي في "جامعه"(5/ 51 رقم 2687)، وابن ماجه في "سننه"(2/ 1395 رقم 4169) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده إبراهيم بن الفضل المدني المخزومي، وهو متروك.
(2)
"مسند الشهاب"(1/ 65 رقم 52).
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبي مسلم الجذمي -بفتح الجيم والذال المعجمة- نسبة إلى جذيمة عبد القيس، لا يعرف اسمه، قال ابن حزم: هو مجهول.
يروي عن الجارود بن المعلى العبدي، واسمه بشر، والجارود لقب عليه، لُقِّبَ به لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل، فأصابهم وجردهم، وفد على رسول الله عليه السلام سنة عشر في وفد عبد القيس، فأسلم وكان نصرانيًّا، ففرح النبي عليه السلام بإسلامه، وأكرمه وقربه.
والحديث أخرجه النسائي (1): عن عمرو بن علي، عن أبي داود، عن المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود نحوه.
الثاني: عن محمد بن علي بن داود، عن عفان بن مسلم الصفار، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير أخي مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود.
وأخرجه الطبراني (2): نا علي بن عبد العزيز، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبان بن يزيد، عن قتادة، عن يزيد أخي مطرف، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود، عن النبي عليه السلام قال:"ضالة المسلم حَرَقُ النار".
وقد مر تفسير الضالة آنفًا، و"الحرق" بفتحتين، وقد تسكن الراء، وحرق النار لهيبها، والمعنى: أن ضالة المسلم إذا أخذها إنسان ليتملكها أدته إلى النار، وهذا تشبيه بليغ، وحرف التشبيه محذوف لأجل المبالغة، وهو من قسم تشبيه المحسوس بالمحسوس.
(1)"السنن الكبرى"(3/ 415 رقم 2114).
(2)
"المعجم الكبير"(2/ 265 رقم 11575).
ص: حدثنا محمد بن علي، قال: ثنا عفان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثني حميد، قال: ثنا الحسن، عن مطرف بن الشخير، عن أبيه أنه قال:"كنا قدمنا على رسول الله عليه السلام في نفر من بني عامر، فقال: ألا أحملكم؟ فقلت: إنا نجد في الطريق هوامي الإبل، فقال النبي عليه السلام: إن ضالة المسلم حرق النار".
ش: إسناده صحيح.
وحميد هو الطويل، والحسن هو البصري، ومطرف هو ابن عبد الله بن الشخير البصري روى له الجماعة، وأبوه عبد الله بن الشخير الجرشي البصري الصحابي.
وأخرجه النسائي (1): عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن حميد، عن الحسن، عن مطرف، عن أبيه نحوه.
وابن ماجه (2): عن ابن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن حميد الطويل، عن الحسن، عن مطرف، عن أبيه مختصرًا:"ضالة المسلم حَرَقُ النار".
قوله: "هوامي الإبل" أراد بالهوامي المهملة من الإبل التى لا راعي لها ولا حافظ، وقد هَمَتْ تَهْمِي فهي هامية: إذا ذهبت على وجهها، وكل ذاهب وجاءٍ من حيوان أو ماء فهو هام، ومنه همى المطر، ولعله مقلوب هام يَهِيم.
ص: فذهب قوم إلى أن الضوال حُرِّم أخذها على كل حال؛ لتعريف أو لغيره، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا ظبيان، والوليد بن سعد، وسعيد بن جبير، والربيع بن خثيم، وشريح بن الحارث القاضي، ومجاهدًا، وجابر بن زيد، وعطاء بن أبي رباح؛ فإنهم قالوا: يحرم أخذ الضوال مطلقًا. وروي ذلك عن ابن عمرو ابن عباس رضي الله عنهم.
(1)"السنن الكبرى"(3/ 414 رقم 5790).
(2)
"سنن ابن ماجه"(2/ 836 رقم 2502).
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لم يُرِد النبي عليه السلام بما قد ذكرنا من هذه الآثار تحريم أخذ الضالة للتعريف، وإنما أراد أخذها لغير ذلك، وقد بين ما ذهبوا إليه من ذلك: ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبي مسلم، عن الجارود أنه قال:"قد كنا أتينا رسول الله عليه السلام ونحن على إبل عجاف، فقلنا: يا رسول الله، إنا قد نمر بالجُرف فنجد إبلًا فنركبها، فقال: إن ضالة المسلم حَرَقُ النار".
فكان سؤالهم النبي عليه السلام عن أخذها لأن يركبوها، لا لأن يعرفوها، فأجابهم بأن قال: ضالة المسلم حرق النار، أي أن ضالة المسلم حكمها أن تحفظ على صاحبها حتى تؤدى إلى صاحبها، لا لأن ينتفع بها لركوب ولا لغير ذلك، فبان بذلك معنى هذا الحديث، وأن ذلك على ما قد ذكرنا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري، والنخعي، والثوري، وأبا حنيفة، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وأبا يوسف، ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: لا يحرم أخذ الضوال. وعن الشافعي في قول، وأحمد في رواية: ندب تركها، وعن الشافعي في قول: يجب رفعها.
وقال ابن حزم: قال أبو حنيفة ومالك: كلا الأمرين مباح، والأفضل أخذها. وقال الشافعي مرة: أخذها أفضل. ومرة قال: الورع تركها.
قوله: "فقالوا: لم يُرد النبي عليه السلام. . . ." إلى آخره، جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى بالأحاديث المذكورة؛ وهو ظاهر.
قوله: "وقد بين ما ذهبوا إليه من ذلك" أي وقد بين ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية من قولهم: لم يُرد النبي عليه السلام تحريم أخذ الضالة في الأحاديث المذكورة للتعريف، وإنما أراد أخذها لغير ذلك يعني للركوب ونحوه.
وقوله: "ما حدثنا إبراهيم" في محل الرفع على أنه فاعل لقوله: "وقد بَيَّن".
وأخرجه النسائي (1) أيضًا: عن أبي داود، عن سعيد بن عامر، عن شعبة، عن خالد الحذاء، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي مسلم، عن الجارود أنه قال:"أتينا النبي عليه السلام ونحن على إبل عجاف، فقلنا: نمر عل موضع قد سماه، ونجد إبلًا فنركبها، قال ضالة المؤمن حَرَقُ النار".
قوله: "إبل عجاف" أي مهزولة من كثرة الأسفار، وهو جميع عجيف.
قوله: "بالجُرف" بالضم وهو اسم موضع قريب من المدينة، وأصله ما تجرفه السيول من الأودية.
ص: وكان مما احتج به من حرّم أخذ الضالة أيضًا من ذلك: ما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعلى بن عبيد، قال: ثنا أبو حيان التيمي، عن الضحاك ابن منذر، عن المنذر أنه قال:"كنت بالبوازيج، فراحت البقر فرأى فيها جرير بقرة أنكرها، فقال للراعى: ما هذه البقرة؟ فقال: بقرة لحقت بالبقر لا أدري لمن هي، فأمر بها جرير فطردت حتى توارت، ثم قال: قد سمعت رسول الله عليه السلام يقول: لا يأوي الضالة إلا ضال".
قالوا: فهذا الحديث أيضًا يحرّم أخذ الضالة.
ش: أي وكان من الذي استدل به أهل المقالة الأولى الذين ذهبوا إلى تحريم أخذ الضالة مطلقًا: حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.
أخرجه عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يعلى بن عبيد الطنافسي وثقه يحيى، عن أبي حَيَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- واسمه يحيى بن سعيد بن حيان التيمي روى له الجماعة، عن الضحاك بن منذر بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي وثقه ابن حبان، وقال ابن أبي حاتم: قال بعضهم: الضحاك هذا خال المنذر بن جرير.
يروي عن المنذر بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي وثقه ابن حبان.
(1)"السنن الكبرى"(3/ 414 رقم 5794).
يروي عن أبيه جرير بن عبد الله رضي الله عنه.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا عمرو بن عون، قال: أنا خالد، عن أبي حيان التيمي، عن المنذر بن جرير قال:"كنت مع جرير بالبوازيج، فجاء الراعي بالبقر، وفيها بقرة ليست منها، فقال له جرير: ما هذه؟ قال: لحقت البقر، لا ندري لمن هي؟ فقال جرير: أخرجوها، سمعت رسول الله عليه السلام يقول: لا يأوي الضالة إلا ضال".
وأخرجه النسائي (2): عن حسين بن جعفر، عن إبراهيم بن عيينة، عن أبي حيان، عن أبي زرعة بن عمرو، عن المنذر، به.
وعن أبي قدامة (3): عن يحيى بن سعيد، عن أبي حيان، حدثني الضحاك خال المنذر بن جرير، عن المنذر، به.
وعن يعقوب بن إبراهيم (4)، عن ابن علية، عن أبي حيان، عن الضحاك، عن ابن أخته المنذر، به مختصرًا.
وعن محمد بن بشار (4): عن غندر، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد التيمي، عن رجل، عن المنذر بن جرير، به.
وأخرجه ابن ماجه (5): عن ابن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، عن أبي حيان يحيى بن سعيد التيمى، عن الضحاك خال المنذر بن جرير، عن المنذر، به.
قوله: "كنت بالبوازيج" بفتح الباء الموحدة، وكسر الزاي المعجمة، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره جيم، وهي بوازيج الأنبار، فتحها جرير بن عبد الله
(1)"سنن أبي داود"(1/ 537 رقم 1720).
(2)
"السنن الكبرى"(3/ 415 رقم 5799).
(3)
"السنن الكبرى"(3/ 416 رقم 5800).
(4)
انظر "تحفة الأشراف"(2/ 432 رقم 3233).
(5)
"سنن ابن ماجه"(3/ 836 رقم 2503).
البجلي رضي الله عنه، وبوازيج أخرى تسمى بوازيج الملك بين تكريت وأربل مشهورة، ينسب إليها جماعة من أهل العلم.
قوله: "فراحت البقر" من الرواح وهو العود إلى البيوت آخر النهار.
قوله: "توارت" أي غابت.
قوله: "لا يأوي" من الإيواء.
ص: فكان من الحجة عليهم للآخرين في ذلك: أنه قد يحتمل أن يكون ذلك الإيواء الذي لا تعريف معه، وقد بَيَّن ذلك ما قد حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة قد أخبره، عن أبي سالم الجيشاني، عن زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آوى ضالة فهو ضال ما لم يُعَرِّفْهَا".
وحدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال: ثنا عمرو بن الحارث. . . . فذكر بإسناده مثله.
فَبَيَّن رسول الله عليه السلام في هذا الحديث من الذي يكون بإيوائه الضالة ضالًّا، وأنه الذي لا يعرفها، فعاد معنى هذا الحديث إلى معنى حديث الجارود، وعبد الله بن الشخير أيضًا.
ش: أي فكان من الدليل والبرهان على أهل المقالة الأولى للقوم الآخرين، وهم أهل المقالة الثانية، وأراد بها الجواب عما احتجوا به من حديث جرير بن عبد الله، وبيانه أن يقال: المراد من الإيواء المذكور في حديث جرير هو الإيواء الذي لا يقصد به التعريف، وقد بَيَّن ذلك حديث زيد بن خالد الجهني.
أخرجه من طريقين بإسناد مصري صحيح.
الأول: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن أبي الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب، عن بكر بن سوادة الجذامي المصري، عن أبي سالم سفيان بن هانئ الجيشاني
-بفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف، وبالشين المعجمة- نسبة إلى جيشان بن عيدان بن حجر بن ذي رعين الحميري، وثقه ابن حبان.
عن زيد بن خالد الجهني المدني الصحابي رضي الله عنه.
وأخرجه الطبراني (1): عن أحمد بن رشدين المصري، عن سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن عمرو بن الحارث. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن عمه عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (2): عن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي سالم به نحوه.
قوله: "من الذي" مفعول لقوله: "فَبَيَّن".
وقوله: "الضالة" مفعول المصدر المضاف إلى فاعله، أعني قوله:"بإيوائه".
وقوله: "حالا" خبر يكون في قوله: "من الذي يكون"؛ فافهم.
ص: وقد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحسين بن مهدي، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا ابن عيينة، عن وائل بن داود، عن الزهري، عن محمد بن سراقة، عن أبيه سراقة بن مالك:"أنه جاء إلى رسول الله عليه السلام فقال: يا رسول الله، أرأيت الضالة ترد على حوض إبلي ألي أجر إن سقيتها؟ فقال: وفي الكبد الحرى أجر".
وقد حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن مالك ابن جعشم، عن أبيه، أن أخاه سراقة بن مالك قال:"قلت: يا رسول الله. . . ." ثم ذكر مثله.
(1)"المعجم الكبير"(5/ 258 رقم 5281).
(2)
"السنن الكبرى"(3/ 417 رقم 5806).
قال أبو جعفر رحمه الله: وهو في حال سقيه إياها مؤوي لها، فلم ينهه النبي عليه السلام عن ذلك الإيواء؛ إذ كان إنما يريد به منفعة صاحبها وبقاءها على ربها، والثواب فيها؛ فثبت بذلك أن الإيواء المكروه في حديث جرير رضي الله عنه إنما هو الإيواء الذي يراد به خلاف حبسها على صاحبها وطلب الثواب فيها".
ش: ذكر حديث سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي الصحابي رضي الله عنه؛ لبيان معنى الإيواء المذكور في حديث جرير بن عبد الله، وأن المراد ليس الإيواء المطلق، وأنه الإيواء الذي لا تعريف معه، وقد بَيَّن ذلك بقوله: قال أبو جعفر: وهو في حاله سقيه. . . . إلى آخره.
وأخرج حديث سراقة من طريقين صحيحين:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن الحسين بن مهدي بن مالك البصري شيخ الترمذي وابن ماجه، عن عبد الرزاق، عن سفيان بن عيينة، عن وائل بن داود التيمي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن محمد بن سراقة بن مالك، عن أبيه سراقة.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1).
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن الحسن بن ربيع بن سليمان القسري شيخ الجماعة غير الترمذي، عن عبد الله بن إدريس الزعافري، عن محمد بن إسحاق المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، عن أبيه مالك بن مالك بن جعشم، عن أخيه سراقة بن مالك بن جعشم.
وأخرجه ابن ماجه (2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عبد الله بن نمير، ثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، عن أبيه، عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم، قال: "سألت رسول الله عليه السلام عن ضالة
(1)"مصنف عبد الرزاق"(10/ 457 رقم 19692).
(2)
"سنن ابن ماجه"(2/ 457 رقم 19692).
الإبل تغشى حياض قد لُطتَها لإبلي، فهل لي من أجر إن سقيتها؟ فقال: نعم في كل ذات كبد حرى أجر".
واعلم أن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم يروي عن أبيه، وأبوه يروي عن أخيه سراقة، وهو عم عبد الرحمن المذكور، ووقع في رواية الطحاوي سراقة بن مالك، وفي رواية ابن ماجه: سراقة بن جعشم، وليس بينهما خلاف؛ لأن في رواية ابن ماجه نُسب سراقة إلى جده لأنه سراقة بن مالك بن جعشم، ولما ذكر ابن حبان في كتاب "الثقات" ترجمة مالك أخي سراقة قال: مالك بن جعشم المدلجي أخو سراقة بن جعشم يروي عن أخيه، روى عنه ابنه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، فنسب كل واحد من مالك وسراقة إلى جده، ولم ينسبهما إلى أبويهما، وقد ذكرنا أن مالكًا أبا عبد الرحمن هو مالك بن مالك بن جعشم، وسراقة هو ابن مالك بن جعشم، فافهم.
قوله: "أرأيت" معناه: أَخْبِرْني.
قوله: "أَلِيَ أجر" الهمزة فيه للاستفهام، والمعنى: هل لي في ذلك ثواب.
قوله: "وفي الكبد الحرى" وزنه فعلى: من الحرّ، وهو تأنيث حران، وهما للمبالغة يريد أنها لشدة حرها قد عطشت ويبست من العطش، والمعنى: أن في سقي كل ذي كبد حرا أجر، وفي حديث آخر:"في كل كبد حرى رطبة أجرًا"، ومعنى رطبة: قيل: إن الكبد إذا طبخت ترطبت، وكذا إذا ألقيت على النار، وقيل: كنى بالرطوبة عن الحياة، فإن الميت يابس الكبد، وقيل: وصفها بما يئول أمرها إليه، والله أعلم.
ص: واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا بما قد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث ومالك وسفيان الثوري، أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن حدثهم، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى النبي عليه السلام وأنا معه، فسأله عن اللقطة،
فقال: اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها، قال: فضالة الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب قال: فضالة الإبل؟ قال: معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد الفهمي، قال: أنا سليمان بن بلال، قال: حدثني يحيى بن سعيد وربيعة عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، قال:"سئل رسول الله عليه السلام عن لقطة الذهب والوَرِق؟ فقال: اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفع بها، ولتكُنْ وديعة عندك، فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر، فأدها إليه. . . ." ثم ذكر في الحديث مثل ما في حديث يونس.
حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن يزيد مولى المنبعث، أنه سمع زيد بن خالد الجهني يحدث، عن رسول الله عليه السلام مثله، غير أنه قال: لم يقل: "ولتكن وديعة عندك".
حدثنا علي بن عبد الرحمن قال: ثنا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن يزيد مولى المنبعث أنه سمع زيد بن خالد يقول. . . . فذكر عن رسول الله عليه السلام مثله.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، عن النبي عليه السلام مثله، غير أنه لم يقل:"ولتكن وديعة عندك".
حدثنا فهد بن سليمان وعلي بن عبد الرحمن، قالا: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني محمد بن عجلان، قال: حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن رسول الله عليه السلام: "أنه سئل عن ضالة الغنم؟ فقال: لك أو لأخيك أو للذئب، وسئل عن ضالة الإبل؟ فقال: ما لك
وله؟ معه سقاؤه وحذاؤه، دعه حتى يجده ربه، قالوا: ففي هذا الحديث أنه نهاه عن أخذ ضالة الإبل، وأمره بتركها؛ فذلك أيضًا دليل على تحريم أخذ الضالة.
ش: أي احتج أهل المقالة الأولى أيضًا لما ذهبوا إليه من تحريم أخذ الضالة بحديث زيد بن خالد الجهني وأبي هريرة رضي الله عنهما، وجه استدلالهم به: أنه عليه السلام نهى ذلك الرجل عن أخذ ضالة الإبل وأمره بتركها؛ فهذا يدل عل تحريم أخذ الضالة.
أما حديث زيد بن خالد فأخرجه من خمس طرق صحاح:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، وأخرجه الجماعة:
فالبخاري (1): عن إسماعيل، عن مالك.
وعن عبد الله بن يوسف (2)، عن مالك.
وعن عمرو بن العباس (3)، عن ابن مهدي، عن سفيان.
وعن الفريابي (4) عن سفيان.
وعن قتيبة (5)، عن إسماعيل بن جعفر.
وعن محمد (6)، عن إسماعيل بن جعفر.
كلهم عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد، عن خالد.
ومسلم (7): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
(1)"صحيح البخاري"(2/ 836 رقم 2243).
(2)
"صحيح البخاري"(2/ 856 رقم 2297).
(3)
"صحيح البخاري"(2/ 855 رقم 2295).
(4)
"صحيح البخاري"(2/ 859 رقم 2306).
(5)
"صحيح البخاري"(2/ 858 رقم 2304).
(6)
"صحيح البخاري"(5/ 2265 رقم 5761).
(7)
"صحيح مسلم"(3/ 1346 رقم 1722).
وعن أبي الطاهر (1)، عن ابن وهب، عن مالك والثوري وعمرو بن الحارث وغيرهم، عن ربيعة، عن يزيد، بهذا.
وعن يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر (1)، عن إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة.
وأبو داود (2): عن ابن السرح، عن ابن وهب، عن مالك، عن ربيعة.
وعن قتيبة (3): عن إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة، عن يزيد، عن زيد، به.
والترمذي (4): عن قتيبة، عن إسماعيل، عن ربيعة. . . . إلى آخره.
وقال: حديث حسن صحيح.
والنسائي (5): عن قتيبة، عن إسماعيل به نحوه.
وعن (6) محمد بن سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك عن ربيعة. . . . إلى آخره، وأخرجه من طرق أخرى.
وابن ماجه (7): عن إسحاق بن إسماعيل بن العلاء، عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن ربيعة، عن يزيد، عن زيد بن خالد نحوه.
الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن عبد الله بن محمد بن إسحاق الفهمي المصري، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي، كلاهما عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد.
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1346 رقم 1722).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 533 رقم 1705).
(3)
"سنن أبي داود"(1/ 533 رقم 1704).
(4)
"جامع الترمذي"(3/ 655 رقم 1372).
(5)
انظر "تحفة الأشراف"(3/ 242 رقم 3763).
(6)
"السنن الكبرى"(3/ 419 رقم 5814).
(7)
"سنن ابن ماجه"(2/ 836 رقم 2504).
وأخرجه مسلم (1): عن أحمد بن عثمان، عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد، عن زيد. . . . نحوه.
الثالث: عن علي بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن عبد الرحمن. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد (2). . . . نحوه.
الرابع: عن علي بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن يزيد، عن زيد بن خالد.
وأخرجه مسلم (3): عن عبد الله بن مسلمة، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد. . . . إلى آخره نحوه.
الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (4): ثنا عبد الله بن محمد، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا سليمان بن بلال المديني، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي، عن يزيد مولى المنبعث المدني، عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه:"أن النبي عليه السلام سأله رجل عن اللقطة، فقال: اعرف وكاءها -أو قال: وعاءها- وعفاصها، ثم عرفها سنة، ثم استمتع بها، فإن جاء ربها فأدها إليه، قال: فضالة الإبل؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه، أو قال: احمر وجهه، فقال: ما لك ولها؟! معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها، قال: فضالة الغنم؟ قال: "لك أو لأخيك أو للذئب".
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1348 رقم 1722).
(2)
"مسند أحمد"(4/ 116 رقم 17091).
(3)
"صحيح مسلم"(3/ 1349 رقم 1722).
(4)
"صحيح البخاري"(1/ 46 رقم 91).
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فأخرجه بإسناد صحيح.
عن فهد بن سليمان وعلي بن عبد الرحمن كلاهما عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن محمد بن عجلان المدني، عن القعقاع بن حكيم الكناني المدني، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن مسكين، نا سعيد بن أبي مريم، نا يحيى بن أيوب. . . . إلى آخره نحوه.
وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى من حديث القعقاع عن أبي صالح إلا من حديث يحيى بن أيوب.
قوله: "اعرف" أمر من عَرَفَ يَعْرِفُ، كضَرَبَ من ضَرَبَ يَضْرِبُ، و"العفاص": بكسر العين المهملة وبالفاء وفي آخره صاد مهملة، وهو الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد أو خرقة وغير ذلك، من العفص وهو الثني والعطف، وبه سمي الجلد الذي يجعل على رأس القارورة: عفاصًا.
وقال الخطابي: أصل العفاص الجلد الذي يلبس رأس القارورة.
و"الوكاء" بكسر الواو وبالمد: الذي يشد به رأس القربة، يقال: أوكأت القربة أوكئه إيكاء فهو موكى؛ أي شددت رأسها بالوكاء.
قوله: "ثم عرفها سنة" من عرف الضالة إذا ذكرها وطلب من يعرفها، وهو أن ينادي في الأسواق والشوارع والمساجد: من ضاع له شيء فليطلبه عندي.
قوله: "وإلا فشأنك بها" أي وإن لم يجيء صاحبها فانتفع بها، وشأنكَ منصوب بإضمار فعل، والتقدير: اصنع شأنك، أو افعل أو نحو ذلك، والشأن بمعنى الأمر والحال، ويجوز رفعه على الابتداء، أي: وإلا فشأنك بها جائز أو مباح أو نحو ذلك.
قوله: "لك أو لأخيك أو للذئب" اللام في لك للتمليك كما في قوله: "أو للذئب" فإن الذئب لا يملك شيئًا، وكذلك الملتقط لا يملك اللقطة، وإنما المعنى لك أن تأخذها فتكون في يدك لتردها إلى صاحبها أو يجدها ربها فيأخذها، أو تخليها فيذهب الذئب فيأكلها.
قوله: "سقاؤها" بكسر السين؛ وهو الدلو، شبهها بمن كان معه حذاء وسقاء، وهو الدلو في سفره، والحذاء بالمد: النعل، أراد أنها تقوى على المشي وقطع الأرض وعلى قصد المياه وورودها، ورعي الأشجار والامتناع عن السباع المفترسة.
قوله: "ربها" أي صاحبها، والرب يطلق على غير الله بالتقيد.
ويستنبط منه أحكام:
الأول: فيه أن عفاص اللقطة ووكاءها إحدى علامات اللقطة وأدلها عليه.
وقال ابن حزم: تدفع اللقطة إلى من عرف العفاص والوكاء والعدد والوعاء، وبه قال مالك وأبو سليمان، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يدفعها إليه بذلك، فإن فعل ضمنها؛ لأنه قد يسمع غير صاحبها بصفتها فيعرفها صفتها.
قلت: مذهب أبي حنيفة رحمه الله أن رب اللقطة إذا جاء وأقام البينة أنها ملكه؛ أخذها وإن لم يقم بينة ولكنه ذكر العلامة بأن وصف عفاصها ووكاءها ووزنها وعددها يحل للملتقط أن يدفعها إليه، وإن شاء أخذ منه كفيلا؛ لأن الدفع بالعلامة مما ورد به الشرع في الجملة، إلا أنه هناك يجبر على الدفع وهاهنا يجبر الدفع بمجرد الدعوى بالإجماع، فجاز ألا يجبر على الدفع بالعلامة ولكن يحل له الدفع، وله أن يأخذ كفيلا لجواز أن يجيء آخر فيدعيها ويقيم البينة.
وقال أبو عمر: قال مالك: يستحق من جاء بالعلامة أن يأخذها، ولا يحتاج إلى بينة، فإن جاء مستحق فاستحقها ببينة، لم يضمن الملتقط شيئًا.
قال مالك: وكذا اللصوص إذا وجد معهم أمتعة فجاء قوم وادعوها وليست لهم بينة يتلوم السلطان في ذلك، فإن لم يأت غيرهم، دفعها إليهم، وكذلك الآبق.
وهو قول الليث والحسن بن حي: أنها تدفع لمن جاء بالعلامة.
فإن قلت: ما جواب الحنفية والشافعية عن قوله عليه السلام: "اعرف عفاصها ووكاءها"؟
قلت: معناه عندهم يعرف عفاصها ووكاءها حتى يؤديها مع اللقطة، وليعلم أيضًا إذا وضعها في ماله أنها لقطة.
الثاني: أن اللقطة إذا لم تكن تافهًا يسيرًا أو شيئًا لا بقاء له؛ فإنه يعرفها حولًا كاملا، واختلفوا في التافه اليسير، هل يعرف حولًا أَم لا؟
فقال مالك: إن كان تافهًا يسيرًا تصدق به قبل الحول. قال ابن حبيب: كدرهم ونحوه.
وذكر ابن وهب عن مالك أنه قال في اللقطة مثل المحلاة والحبل والدلو وأشباه ذلك: أنه إن كان في طريق؛ وضعه في أقرب الأماكن إليه ليعرف، وإن كان في مدينة؛ انتفع به وعرفه، وإن تصدق به كان أحب إلي، فإن جاء صاحبه كان عليه حقه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: ما كان عشرة دراهم فصاعدًا عرفها حولًا، وما كان دون ذلك عرفها على قدر ما يرى.
وقال الحسن بن حي نحوه؛ إلا أنه قال: ما دون عشرة دراهم عرفه ثلاثة أيام.
وقال الثوري في الذي يجد الدراهم: يعرفه أربعة أيام، رواه عنه أبو نعيم.
وقال الشافعي: يعرف القليل والكثير حولًا كاملًا، ولا تنطلق يده على شيء منه إلا بعد الحول؛ فإذا عرفه حولًا أكله بعد ذلك، أو تصدق به؛ فإن جاء صاحبه كان غريمًا في الموت والحياة، قال: إن كان طعامًا لا يبقى، فله أن يأكله ويغرمه لربه.
قال ابن حزم: قد روينا عن عمر رضي الله عنه: التعريف ثلاثة أيام على باب المسجد، ثم سنة، وبه يقول الليث بن سعد، ويحتج لهذا القول بما روينا من طريق أحمد بن شعيب: أنا يزيد بن محمد، عن عبد الصمد: ثنا علي بن عياش: حدثني
الليث بن سعد: حدثني من أرضى، عن إسماعيل بن أمية، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن يزيد مولى المنبعث، عن رجل من أصحاب رسول الله عليه السلام، عن النبي عليه السلام أنه قد قال وقد سئل عن الضالة:"اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها ثلاثة أيام على باب المسجد، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإن لم يأت فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها".
قال ابن حزم (1): هذا حديث هالك؛ لأن الليث لم يسم من أخذ عنه، وقد يرضى الفاضل من لا يُرضي، هذا سفيان الثوري يقول: لم أر أصدق من جابر الجعفي. وجابر مشهور بالكذب.
ثم هو خطأ؛ لأنه قال فيه: عن عبد الله بن يزيد، وإنما هو: عن يزيد لا عن عبد الله بن يزيد، وقال أيضًا: روينا عن مالك، والشافعي، وأبي سليمان، والأوزاعي: تعريف اللقطة سنة، وهو القول الظاهر عن أبي حنيفة، وقد روي عنه خلافه، ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضًا تعريف اللقطة ثلاثة أشهر، وروي عنه أربعة أشهر، وقال الحسن بن حي وأبو حنيفة -في رواية هشام بن عبيد الله الرازي، عن محمد بن الحسن عنه- في عشرة دراهم فصاعدًا فإنه يعرف سنة، واختلفا فيما كان أقل، فقال الحسن بن حيّ: يعرف ثلاثة أيام، وقال أبو حنيفة: يعرف على قدر ما يرى الملتقط.
الثالث: أن صاحب اللقطة إذا جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت أنه صاحبها.
الرابع: أن الملتقط إذا أكلها بعد الحول، وأراد صاحبها أن يضمنه كان ذلك له، وإن كان قد تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن يترك على أجرها.
وقال ابن حزم (2): وقد صح ذلك عن عمر وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وعن ابن عمر رضي الله عنهما:"أنه رأى تمرة مطروحة في السكة فأخذها وأكلها". وعن
(1)"المحلى"(8/ 262).
(2)
"المحلى"(8/ 266).
علي رضي الله عنه: "أنه التقط حب رمان فأكله". وعن ابن عباس: "من وجد لقطة من سقط المتاع -سوطًا أو نعلين أو عصا- أو يسيرًا من المتاع فليستمتع به ولينشده، وإن كان ودكًا فليأتدم به ولينشده، وإن كان زادًا فليأكله ولينشده، فإن جاء صاحبه فليغرم له". وهو قول يروى أيضًا عن طاوس وابن المسيب وجابر بن زيد وعطاء في آخر قوليه والشافعي وأبي سليمان وغيرهم.
وقالت طائفة: يتصدق بها، فإن عرفت خُيِّر صاحبها بين الأجر والضمان، روينا ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر، وعن طاوس أيضًا وعكرمة وهو قول أبي حنيفة والحسن بن حي وسفيان الثوري.
الخامس: قال أبو عمر (1): أجمعوا أن أخذ ضالة الغنم في المواضع المخوف عليها له أكلها، واختلفوا في سائر ذلك، فمن ذلك أن في حديث زيد بن خالد دليلًا عل إباحة اللقطة وأخذ الضالة ما لم تكن إبلًا، وقال مالك في ضالة الغنم: ما قرب من القرى فلا يأكلها، ويضمها إلى أقرب القرى ويعرف فيها، ولا يأكلها واجدها ولا من تركت عنده حتى تمر بها سنة كاملة.
وقال ابن وهب (2): فإن كان لها لبن أو صوف فليبعه وليدفع ثمنه لصاحب الشاة إن جاء.
وقال مالك: ولا أرى بأسًا أن يصيب من نسلها ولبنها بنحو قيامه عليها، وإن كان تيسًا فلا بأس أن يتركه ينزو على غنمه ما لم يفسده ذلك، وأما ما كان في الفلوات والمهامة (3) فإنه يأخذها ويأكلها ولا يعرفها، فإن جاء صاحبها فليس له شيء؛ لأنه عليه السلام قال:"هي لك أو لأخيك أو للذئب"، قال: والبقر بمنزلة الغنم إذا خيف عليها السباع، وإن لم يخف عليها السباع فبمنزلة الإبل.
(1)"التمهيد لابن عبد البر"(3/ 108).
(2)
"التمهيد"(3/ 124).
(3)
"التمهيد"(3/ 123).
وقال في الإبل: إذا وجدها في فلاة فلا يعرض لها، فإن أخذها فعرفها فلم يجيء صاحبها خَلَّاها في الموضع الذي وجدها فيه، قال: والخيل والبغال والحمير يعرفها ثم يبيعها فيتصدق بثمنها؛ لأنها لا تؤكل، وقال مالك: لا تباع ضوال الإبل، ولكن يردها إلى موضعها الذي أصيبت فيه، وكذلك فعل عمر بن الخطاب.
واتفق مالك وأصحابه أن الإِمام إذا كان غير عدل ولا مأمون لم تؤخذ ضوال الإبل وتركت مكانها؛ فإن كان الإِمام عدلًا كان له أخذها وتعريفها، فإن جاء صاحبها وإلا ردها إلى المكان، هذه رواية ابن القاسم وابن وهب عن مالك.
وقال أشهب: لا يردها ويبيعها ويمسك ثمنها؛ على ما روي عن عثمان رضي الله عنه.
وقال الشافعي: تؤخذ الشاة ويعرفها آخذها، فإن لم يجيء صاحبها أكلها ثم ضمنها إن جاء صاحبها، قال: ولا يتعرض للإبل والبقر، فإن أخذ الإبل ثم أرسلها ضمن.
قلت: وأما عند أبي حنيفة وأصحابه فيجوز الالتقاط سواء كان شاة أو بقرًا أو إبلًا أو فرسًا، وسيجيء الدليل عل ذلك، والجواب عما احتج به المانعون إن شاء الله تعالى.
السادس: في قوله: "اعرف عفاصه ووكاءها" دليل بَيِّن على إبطال قول كل من ادعى علم الغيب في الأشياء كلها من الكهنة وأهل التنجيم وغيرهم؛ لأنه عليه السلام لو علم أنه يوصل إلى علم ذلك من هذه الوجوه لم يكن لقوله في معرفة علاماتها وجه.
ص: قيل لهم: ما في ذلك دليل على ما ذكرتم، ولكن فيه أمر النبي عليه السلام إياه بترك ضالة الإبل؛ لأن من شأنها طلب الماء حتى تقدر عليه، ولا يخاف عليها الضياع لذلك؛ لأنها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها، فتركها أفضل من أخذها وليس من أخذها ليحفظها على صاحبها بمأثوم، وقد سئل النبي عليه السلام في هذا الحديث أيضًا عن ضالة الغنم؟ فقال:"لك أو لأخيك أو للذئب" أي: لك
أن تأخذها لنفسك فتكون في يدك لأخيك، أو تخليها فيأخذ الذئب فيأكلها، أو يجدها ربها فيأخذها، ففي ذلك إباحته لأخذها.
ش: أي قيل لأهل المقالة الأولى في جواب احتجاجهم بالأحاديث المذكورة، وهو جواب بطريق المنع ووجهه ظاهر.
قوله: "الضَّياع" بفتح الضاد.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن عبد الله بن عمرو عن النبي عليه السلام: ما حدثنا يونس، قال: أنا عبد الله بن وهب، قال: أنا عمرو بن الحارث وهشام بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص:"أن رجلًا من مزينة أتى رسول الله عليه السلام فسأله كيف ترى في ضالة الغنم؟ فقال: طعام مأكول، لك أو لأخيك أو للذئب، احبس على أخيك ضالته، قال: يا رسول الله، فكيف ترى في ضالة الإبل؟ فقال: "ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ولا يخاف عليها الذئب، تأكل الكلأ، وترد الماء، دعها حتى يأتي طالبها".
ففي هذا الحديث إباحة أخذ الضالة التي يخاف عليها الضياع وحبسها لربها، فدل ذلك أن معنى قوله عليه السلام:"ضالة المسلم حرق النار"، وقوله عليه السلام:"لا يؤوي الضالة إلا ضال" إنما أراد بذلك الإيواء والأخذ اللذين هما ضد الحبس على صاحب الضالة حتى يتفق معنى هذا الحديث، ومعنى ذينك الحديثين ولا تتضاد.
فيما بَيَّن عليه السلام في الإبل بقوله: "ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ولا يخاف عليه الذئب" دليل على أنه لم يطلق له أخذها؛ لعدم الخوف عليها، وفي إباحته أخذ الشاة لخوفه عليها من الذئب دليل على أن الناقة كذلك إذا خيف عليها من غير الذئب أنَّ أخذها لصاحبها وحفظها عليه أولى من تركها وذهابها.
ش: أي قد روي فيما ذكرنا من أن أخذ ضالة الإبل للحفظ على صاحبها ليس بمأثوم، ومن إباحة ضالة الغنم وأن أخذها أولى من تركها عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
وأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره.
وقد تقدم الكلام غير مرة في حديث عمرو بن شعيب أنه صحيح ورجال الإسناد إليه من الثقات.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا يعلى، نا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال:"سمعت رجلًا من مزينة يسأل رسول الله عليه السلام، قال: يا رسول الله، جئت أسألك عن الضالة من الإبل؟ قال: معها حذاؤها وسقاؤها، تأكل الشجر وترد الماء، فَدَعْها حتى يأتيها باغيها. قال: الضالة من الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب. . . ." الحديث بطوله، وبقية الكلام ظاهر.
ص: وقد جاء عن النبي عليه السلام ما يدل على أن حكم الضالة حكم اللقطة:
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي العلاء، عن عياض بن حماد:"أن النبي عليه السلام سئل عن الضالة، فقال: عرفها، فإن وجدت صاحبها، وإلا فهي مال الله عز وجل".
ففي هذا الحديث أن تعريفها واجب، ومعرفها في حال تعريفه إياها ممسك بها لصاحبها، ولم يؤمر بترك ذلك، فدل هذا أن الإمساك المنهي عنه في غير هذا الحديث إنما هو الإمساك الذي يفعله الممسك لنفسه لا لرب الضالة، فهذا ما في الضوال من الأحكام عن النبي عليه السلام.
ش: إسناد حديث عياض صحيح، وأخرجه من وجهين:
الوجه الأول: هذا عن إبراهيم بن مرزوق، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي التميمي رضي الله عنه.
(1)"مسند أحمد"(2/ 203 رقم 6891).
وأخرجه الطبراني (1): ثنا علي بن عبد العزيز، نا حجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، أنا خالد الحذاء، عن أبي العلاء، عن مطرف بن عبد الله، عن عياض بن حمار:"أنه سأل النبي عليه السلام عن اللقطة، فقال: تعرف ولا تغيب ولا تكتم، فإن جاء صاحبها، وإلا فمال الله يؤتيه من يشاء".
وهذا كما رأيت بَيْن أبي العلاء وبين عياض مطرف بن عبد الله، وليس هذا في رواية الطحاوي، وكل منهما قد روى عن عياض.
وفي هذا الحديث حجة لأصحابنا في قولهم: يجوز الالتقاط في كل شيء سواء كان من الصوامت والنواطق؛ لأن اللقطة أعَمُّ من الضالة وغيرها.
فإن قلت: كان أبو عبيد القاسم بن سلام يفرق بين اللقطة والضالة، فقال: الضالة لا تكون إلا في الحيوان، واللقطة في غير الحيوان، وقال أبو عبيد: إنما الضوال ما ضل بنفسه، وكان يقول: لا ينبغي لأحد أن يدع اللقطة، ولا يجوز لأحد أخذ الضالة.
قلت: قد قال جمهور أهل العلم: إن اللقطة والضالة سواء في المعنى، والحكم فيهما سواء، وكان الطحاوي يذهب إلى هذا أيضًا، وأنكر على أبي عبيد في قوله:"الضالة ما ضل بنفسه". وقال: هذا غلط؛ لأنه قد روي في حديث الإفك قوله للمسلمين: "إن أمكم ضلت قلادتها" فأطلق ذلك على القلادة، وأجاب أصحابنا عن الأحاديث المتقدمة التي ظاهرها المنع عن التقاط الإبل بأن ذلك فيما إذا كان صاحبه قريبًا منه، ألا ترى أنه قال:"حتى يلقاها ربها"، وإنما يقال ذلك إذا كان قريبا أو كان رجاء اللقاء ثابتًا ونحن نقول به، ولا كلام فيه، والدليل عليه: أنه لما سئل عن ضالة الغنم فقال: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" ندبه إلى الأخذ، ونبه على المعنى، وهو خوف الضيعة، وأنه موجود في الإبل، فالنص الوارد فيها يكون واردًا في الإبل وسائر البهائم دلالة، إلا أنه عليه السلام فصل بينهما في الجواب من حيث
(1)"المعجم الكبير"(17/ 358 رقم 985).
الصورة؛ لهجوم الذئب على الغنم إذا لم يلقاها ربها عادة بعيدًا كان أو قريبًا، ولا كذلك الإبل؛ لأنها تذب عن نفسها عادة.
ص: وقد روي في اللقطة عن النبي عليه السلام أنه قد أمر بالإشهاد عليها وترك كتمانها، فمما قد روي في ذلك:
ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا المعلى بن أسد، قال: ثنا عبد العزيز بن المختار، عن خالد الحذاء، عن يزيد بن الشخير، عن مطرف بن الشخير عن عياض بن حمار المجاشعي عن النبي عليه السلام قال:"من التقط لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغير، فإن جاء ربها فهو أحق بها، وإلا مال الله يؤتيه من يشاء". فلما كان أخذ اللقطة على هذا الوجه مباحًا؛ كان كذلك أخذ الضالة، وإنما يكره أخذهما جميعًا إذا كان يراد ضد ذلك.
ش: هذا هو الوجه الثاني من حديث عياض، أخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود (1): عن مسدد، عن خالد الطحان.
وعن موسى، عن وهيب، جميعًا عن خالد الحذاء، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله، عن مطرف بن عبد الله، عن عياض به.
وأخرجه النسائي (2): عن ابن بشار، عن عبد الأعلى، عن خالد، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عياض.
وقد احتج أبو حنيفة ومحمد بهذا الحديث أن الإشهاد في اللقطة شرط، حتى إذا لم يشهد عليها ثم هلكت ضمنها، وبه يقول زفر، وقال أبو يوسف: الإشهاد ليس بشرط، وبه قال مالك والشافعي وعبد الله بن شبرمة، والحديث حجة عليهم.
(1)"سنن أبي داود"(2/ 136 رقم 1709).
(2)
"السنن الكبرى"(3/ 418 رقم 5809) من طريق آخر عن أبي العلاء به.
ص: ولقد استحب أُبي بن كعب رضي الله عنه أخذ اللقطة وأن لا تترك للسباع؛ فحدثنا علي بن شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة قال:"خرجت حاجًّا فأصبت سوطًا فأخذته، فقال زيد بن صوحان: دعه، فقلت: لا أدعه للسباع، لآخذنه فلأستنفعن به، فلقيت أبي بن كعب فذكرت ذلك له، فقال: أحسنت، وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله عليه السلام فأخذتها، فذكرتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عرفها حولًا، فإن وجدت من يعرفها فادفعها إليه، وإلا فاستنفع بها".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت سويد بن غفلة. . . . فذكر نحو حديث علي بن شيبة، وزاد:"قال أبي رضي الله عنه: فأتيت النبي عليه السلام فذكرت ذلك، فقال: عرفها حولًا، قال: فعرفتها حولًا فلم أجد من يعرفها، قال: فأتيت النبي عليه السلام فقال: عرفها حولا، فعرفتها حولًا، فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته الثالثة، فقال: عرفها حولًا، فعرفتها حولًا فلم أجد من يعرفها، فقال: احفظ عددها ووعاءها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستنفع بها" ثم قال شعبة: ثم إن سلمة شك فلا يدري أثلاثة أعوام أم عامًا واحدًا؟ قال سلمة: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لأبي صادق ذلك، فقال شعبة: من أبي بن كعب كما سمعته من سويد.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر المنقري، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال:"التقطت على عهد رسول الله عليه السلام مائة دينار، فأتيت بها النبي عليه السلام فذكرت ذلك له، فقال: عرفها سنة، فعرفتها سنة فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقلت: قد عرفتها سنة فلم أجد من يعرفها، فقال: عرفها سنة، فعرفتها سنة فلم أجد أحدًا يعرفها، فأتيته فقلت: قد عرفتها سنة فلم أجد من يعرفها، فقال: اعلم عددها ووكاءها، ثم استمتع بها".
ش: أخرج حديث أبي بن كعب رضي الله عنه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي الكوفي، أدرك الجاهلية وروي عنه أنه قال: أنا لدة رسول الله عليه السلام، ولدت عام الفيل. قَدِمَ المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرجه الترمذي (1): ثنا الحسن بن علي الخلال، قال: ثنا عبد الله بن نمير ويزيد بن هارون، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة قال:"خرجت مع زيد بن صوحان وسليمان بن ربيعة فوجدت سوطًا -قال ابن نمير في حديثه: فالتقطت سوطًا- فأخذته، قالا: دعه، فقلت: لا أدعه لا يأكله السباع، لآخذنه فلأستمتعن به، فقدمت على أبي بن كعب فسألته عن ذلك، وحدثته الحديث، فقال: أحسنت، وجدت على عهد النبي عليه السلام صرة فيها مائة دينار، قال: فأتيته بها، فقال لي: عرفها حولًا، فعرفتها، ثم أتيته فقال: عرفها حولًا آخر، فعرفتها، ثم أتيته فقال: عرفها حولًا آخر، فقال: احص عددها ووكاءها ووعاءها، فإذا جاء طالبها فأخبرك بعدتها ووعاءها ووكاءها فادفعها إليه، وإلا فاستمتع بها".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي عن شعبة بن الحجاج، عن سلمة بن كهيل. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (2): ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، نا شعبة. ح
وثنا أبو بكر بن نافع -واللفظ له- قال: ثنا غندر، قال: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت سويد بن غفلة قال: "خرجت أنا وزيد بن صوحان وسليمان بن ربيعة غازين، فوجدت سوطًا فأخذته، وقالا لي: دعه، فقلت: لا، ولكني أعرفه، فإن جاء صاحبه وإلا استمتعت به، قال: فأبيت عليهما، فلما رجعنا من غزاتنا قضي لي أني حججت فأتيت المدينة، فلقيت أبي بن
(1)"جامع الترمذي"(3/ 658 رقم 1374).
(2)
"صحيح مسلم"(3/ 1350 رقم 1723).
كعب فأخبرته بشأن السوط وبقولهما، فقال: إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله عليه السلام، فأتيت بها رسول الله عليه السلام، فقال: عرفها حولًا، قال: فعرفتها حولًا فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: عرفها حولًا، فعرَّفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: عرفها حولًا، فعرَّفتها فلم أجد من يعرفها، فقال: احفظ عددها ووعاءها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها، فاستمتعت بها فلقيته بعد ذلك بمكة فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدًا".
وأخرجه أبو داود (1) أيضًا: عن محمد بن كثير، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، قال:"حججت مع زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة، فوجدت سوطًا. . . ." الحديث.
وأخرجه بقية الجماعة (2).
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو ابن أبي الحجاج المنقري البصري المقعد شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة الأودي، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة. . . . إلى آخره.
وأخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده"(3): حدثني أحمد بن أيوب بن راشد البصري، ثنا عبد الوارث، نا محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن أبي بن كعب قال:"التقطت على عهد رسول الله عليه السلام مائة دينار، فأتيت بها رسول الله عليه السلام، فقال: عرفها سنة، فعرفتها سنة ثم أتيته، فقلت: قد عرفتها سنة، قال: عرفها سنة أخرى، قال: فعرفتها سنة أخرى، ثم أتيته في الثالثة فقال: احص عددها ووكاءها واستمتع بها".
(1)"سنن أبي داود"(2/ 134 رقم 1701).
(2)
البخاري (2/ 859 رقم 2305)، ومسلم (3/ 1350 رقم 1723)، والترمذي (3/ 658 رقم 1374)، والنسائي في "السنن الكبرى"(3/ 422 رقم 5822)، وابن ماجه (2/ 837 رقم 2506).
(3)
"مسند أحمد"(5/ 127 رقم 21207).
قوله: "فقال زيد بن صُوحان" بضم الصاد، هو زيد بن صوحان بن حجر ابن الحارث الربعي العبدي عده جماعة من الصحابة، وذكره ابن حبان في التابعين الثقات.
قوله: "دعه" أي اتركه.
قوله: "فقلت لأبي صادق" اسمه: مسلم بن يزيد، ويقال عبد الله بن ناجذ الأزدي الكوفي، قال أبو حاتم: صدوق مستقيم الحديث.
ثم في هذا الحديث من الفقه: أن أخذ اللقطة جائز، وأنه عليه السلام لم ينكر أخذها على أبي رضي الله عنه.
وفيه: أن اللقطة إذا كانت مما لا يسرع إليه الفساد فيتلف قبل مضي السنة، فإنها تعرف سنة كاملة، وقد اختلفت الرواية في تحديد المدة فقال فيها:"لا ندري ثلاثة أعوام أم عامًا واحدًا"، وفي خبر زيد بن خالد:"عرفها حولًا واحدًا" من غير شك، وهو مذهب عامة الفقهاء.
ص: وقد روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: ما قد حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، قال: أنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير أنه قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن عمرو وعاصم ابني سفيان بن عبد الله بن ربيعة، أن أباهما سفيان بن عبد الله وجد عَيْبَةَ فأتى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: عرفها سنة، فإن عرفت فذاك، وإلا فهي لك، قال: فعرفتها سنة فلم تعرف، فأتى عمر رضي الله عنه العام القابل في الموسم فأخبره بذلك، فقال: هي لك، وقال: إن رسول الله عليه السلام أمرنا بذلك، فأبى سفيان أن يأخذها فأخذها منه عمر رضي الله عنه فجعلها في بيت مال المسلمين".
ش: إسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات، وأبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد الكوفي، وعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمرو وعاصم ابنا سفيان بن عبد الله بن ربيعة ثقتان، وسفيان بن عبد الله الثقفي الطائفي الصحابي رضي الله عنه.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، حدثني عمرو بن شعيب، عن عمرو وعاصم ابني سفيان بن عبد الله بن ربيعة، أن أباهما وجد عَيْبَة فأتى بها عمر رضي الله عنه، فقال: عرفها سنة، فإن عرفت فذاك، وإلا فهي لك، فلم تعرف، فلقيه بها القابل في الموسم، فذكرها له، فقال عمر رضي الله عنه: هي لك، فإن رسول الله عليه السلام أمرنا بذلك، قال: لا حاجة لي فيها، فجعلها في بيت المال".
وأخرجه النسائي (2): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الوليد بن كثير -قال عيسى: وكان ثقة- عن عمرو بن شعيب، عن عاصم وعمرو ابني سفيان بن عبد الله. . . . فذكره بطوله عمرو.
قوله: "عَيْبَة" بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة، وهي ما يجعل فيه الثياب، وهي بالفارسية حامه دان.
ص: وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن الحسين اللهبي، قال: ثنا ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني:"أن رسول الله عليه السلام سئل عن اللقطة فقال: عرفها سنة، فإن جاء باغيها فأدها إليه، وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدها إليه".
ش: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن الحسين اللهبي المدني من ولد أبي لهب بن عبد المطلب الهاشمي الثقة المأمون، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك دينار المدني، عن الضحاك بن عثمان بن عبد الله الأسدي الحزامي المدني الكبير، عن أبي النضر -بالنون والضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية المدني، عن بُسْر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- ابن سعيد المدني العابد، عن زيد بن خالد الجهني.
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 187 رقم 11839).
(2)
"السنن الكبرى"(3/ 421 رقم 5819).
وأخرجه مسلم (1): حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح قال: أخبرني عبد الله بن وهب، قال: حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني، قال:"سئل رسول الله عليه السلام عن اللقطة فقال: عرفها سنة، فإن لم تعرف فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه".
وأبو داود (2): عن محمد بن رافع وهارون بن عبد الله، عن ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، به.
والترمذي (3): عن ابن بشار، عن أبي بكر الحنفي، عن الضحاك بن عثمان، حدثني سالم أبو النضر، عن بسر بمعناه.
وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
والنسائي (4): عن هارون بن عبد الله، عن ابن أبي فديك وأبي بكر الحنفي، عن الضحاك، عن أبي النضر، عن بسر به.
وعن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن الضحاك بن عثمان نحوه.
وابن ماجه (5): عن ابن بشار، عن أبي بكر الحنفي، وعن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، جميعًا عن الضحاك، به.
قوله: "فإن جاء باغيها" أي طالبها، من بَغَى ضالته إذا طلبها، والبُغية: الحاجة.
ص: أفلا ترى أن النبي عليه السلام لم يعنف أبيًّا في أخذه الدنانير حين أخذها، وقد صوب أبي رضي الله عنه سويدًا في أخذه السوط ليحفظ على صاحبه، ولا يدعه للسباع،
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1349 رقم 1722).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 135 رقم 1706).
(3)
"جامع الترمذي"(3/ 656 رقم 1373).
(4)
"السنن الكبرى"(3/ 419 رقم 5811) من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن الضحاك، به. وانظر "تحفة الأشراف"(3/ 230 رقم 3748).
(5)
"سنن ابن ماجه"(2/ 838 رقم 2507).
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث سفيان بن عبد الله: "هي لك، أمرنا رسول الله عليه السلام بذلك، فلما أبى سفيان ذلك جعلها عمر رضي الله عنه في بيت المال". فقد أجاز رسول الله عليه السلام أخذ اللقطة والضالة؛ لأن يحفظها على صاحبها.
ش: هذا توضيح للمعاني التي تتضمنها أحاديث أُبي وعمر وزيد بن خالد رضي الله عنهم الدالة على جواز الالتقاط للحفظ على صاحبها، وعلى إباحة استعمالها للملتقط بعد التعريف المحدود، وعلى وضعها في بيت المال إن لم يستمتع بها الملتقط لأنها مال ضائع ومحله بيت مال المسلمين، كسائر الأموال التي لا أصحاب لها.
ص: وقد روي عن أصحاب رسول الله عليه السلام في ذلك أيضًا ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار: "أن ثابت بن الضحاك وجد بعيرًا، فقال له عمر رضي الله عنه: عرفه، فعرفه ثلاث مرار، ثم جاء إلى عمر رضي الله عنه فقال: قد شغلني عن ضيعتي، فقال عمر رضي الله عنه: انزع خطامه ثم أرسله حيث وجدته.
وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد. . . . فذكر مثله، وزاد:"أن ثابت بن الضحاك حدثه أنه وجد بعيرًا على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه".
حدثنا يونس، قال: أنا أنس، قال: ثنا يحيى، قال: سمعت سليمان بن يسار، فذكر بإسناده مثله.
فهذا عمر رضي الله عنه قد حكم للضالة بحكم اللقطة.
ش: أخرج ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ الشيخين وأبي داود، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان بن يسار الهلالي المدني، أن ثابت بن الضحاك بن أمية الأنصاري الصحابي. . . . إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه"(1).
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب. . . . إلى آخره.
وأخرجه مالك (1): عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن ثابت بن الضحاك الأنصاري أخبره:"أنه وجد بالحرة بعيرًا فعقله، ثم ذكره لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأمره عمر بن الخطاب أن يعرفه ثلاث مرات، فقال له ثابت: إنه قد شغلني عن ضيعتي، فقال له عمر: أرسله حيث وجدته".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن أنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): من حديث يزيد بن هارون، أنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن ثابت بن الضحاك:"أنه وجد بعيرًا، فأتى به عمر رضي الله عنه، فأمره أن يعرفه، ثم إنه رجع إلى عمر رضي الله عنه فقال: إنه قد شغلني عن عملي، فقال له: اذهب فأرسله من حيث أخذت".
وقال البيهقي: ليس فيه ما يدل على سقوط الضمان عنه إذا أرسلها فهلكت.
وقال الذهبي في "مختصر السنن": هو دال على إرسال البعير الذي ليس له أن يلتقط؛ لأنه معه سقاؤه وحذاؤه حتى يلقاه صاحبه.
قلت: في كلا القولين نظر؛ أما قول البيهقي فإنه أطلق القول في ذلك وهو على التفصيل، وهو أنه إذا أخذ اللقطة ولم يبرح عن ذلك المكان حتى وضعها في موضعها أو كانت ضالة فأرسلها في موضعها، لا ضمان عليه إذا هلكت، وأما إذا ذهب بها عن ذلك المكان ثم عاد ووضعها أو أرسلها فإنه يضمن.
فإن قلت: كلام البيهقي مبني على مذهب إمامه، فإن إمامه قال: يضمن مطلقا سواء ذهب عن ذلك المكان أو لم يذهب؛ لأنه لما أخذها عن مكانها فقد التزم حفظها
(1)"موطأ مالك"(2/ 759 رقم 1447).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 191 رقم 11859).
بمنزلة قبول الوديعة، فإذا ردها إلى مكانها فقد ضيعها بترك الحفظ الملتزم.
قلت: حديث عمر رضي الله عنه حجة عليه في هذا الإطلاق، والصحيح التفصيل، وذلك لأنه إذا لم يذهب بها لم يكن متعديًا فلا ضمان عليه إذا هلكت؛ لأنه كان متبرعًا في أخذها ليحفظها، فإذا ردها إلى مكانها فقد فسخ التبرع من الأصل، فصار كأنه لم يأخذها أصلًا، بخلاف ما إذا ذهب بها ثم ردها لأنه حينئذ يصير متعديًا، فيجب عليه الضمان.
وأما قول الذهبي فغير صحيح؛ لأنه لو كان الإرسال واجبًا عليه لعدم جواز التقاط الضالة لكان عمر رضي الله عنه أمره بالإرسال في الأول، ولم يأمره بالتعريف، فحيث أمره بالتعريف دل على جواز التقاط الضالة، ودل أيضًا أن حكم الضالة كحكم اللقطة، وأنهما سواء.
ص: وكذلك روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في ذلك أيضًا: ما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا العوام بن حوشب، قال: حدثني العلاء بن سهيل: "أنه سمع عبد الله بن عمر سئل عن الضالة من القدح والشيء يجده الإنسان، فقال: اتق خيرها بشرها، وشرها بخيرها، ولا تضمها؛ فإن الضالة لا يضمها إلا ضال".
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود وبشر بن عمر، قالا: ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت قال:"سمعت رجلًا سأل ابن عمر عن الضالة، فقال: ادفعها إلى السلطان".
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا همام، عن نافع وأنس بن سيرين:"أن رجلًا سأل ابن عمر رضي الله عنه فقال له: إني أصبت ناقة، فقال: عرفها، فقال: قد عرفتها فلم تعرف، فقال: ادفعها إلى الوالي".
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، قال:"سمعت ابن عمر وسئل عن الضالة، فقال: ادفعها إلى السلطان أو إلى الأمير".
ش: هذه أربع طرق جياد حسان:
الأول: عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن العوام بن حوشب العتباني الواسطي، عن العلاء بن سهيل بن عمرو، عن عبد الله بن عمر.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان الطيالسي وبشر بن عمر بن الحكم الزهراني، كلاهما عن شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، عن ابن عمر.
وأخرجه ابن أبي شيبة (1): عن وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، نحوه.
الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن همام بن يحيى، عن نافع مولى ابن عمر وأنس بن سيرين، كلاهما عن ابن عمر.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2) نحوه: ثنا أبو الأحوص، عن زيد بن جبير قال:"كنت قاعدًا عند ابن عمر، فأتاه رجل فقال: ضالة وجدتها، فقال: أصلح إليها وانشد. . . .".
الرابع: عن سليمان بن شعيب أيضًا، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي، عن شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(3): من حديث الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، "سمع ابن عمر وسئل عن اللقطة، قال: ادفعها إلى الأمير".
قوله: "من القدح" يجوز أن يكون بفتح القاف والدال وهو الذي يؤكل فيه، ويجوز أن يكون بكسر القاف وسكون الدال وهو الذي يرمى به عن القوس، يقال للسهم أول ما يقطع: قِطْعٌ، ثم يُنْحَتُ ويُبْرَى فيسمى بَريًّا ثم يقوم فيسمى قِدْحًا، ثم يُراش ويُرَكَّب نصله فيسمى سَهْمًا.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(4/ 414 رقم 21633).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 12 رقم 23239).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 189 رقم 11844).
فإن قلت: أثر ابن عمر رضي الله عنه يدل على أن التقاط الضالة لا يجوز، كما ذهب إليه أهل المقالة الأولى، فما وجه إيراده هنا؟.
قلت: وجه إيراده هاهنا أنه يدل على أن حكم الضالة كحكم اللقطة، وأن الضالة واللقطة تطلق كل واحدة منهما على الأخرى، ألا ترى كيف قال: سئل عن الضالة من القدح والشيء يجده الإنسان، وأما قوله فإن الضالة لا يضمها إلا ضال فمحمول على من يلتقط الضالة لنفسه لا لأجل حفظها ليردها إلى صاحبها؛ فافهم.
ص: وقد روي عن عائشة رضي الله عنها في ذلك أيضًا: ما قد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة العدوية:"أن امرأة سألت عائشة رضي الله عنها فقالت: إني أصبت ضالة في الحرم، وإني عرفتها فلم أجد أحدًا يعرفها، فقالت: استنفعي بها".
ش: إسناده صحيح، والرِّشْك -بكسر الراء وسكون الشين المعجمة، وفي آخره كاف- ومعناه القسام يلقب به يزيد بن أبي يزيد الضبعي البصري.
وفيه: دلالة على جواز التقاط الحرم؛ خلافًا لمن منعه، وأن حكمه بمثل حكم الالتقاط من الحل.
وقال الشافعي وأحمد: يجب التعريف في لقطة الحرم إلى أن يجيء صاحبها.
ص: وقد روي عن عبد الله بن مسعود في ذلك أيضًا: ما قد حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، قال:"اشترى عبد الله رضي الله عنه خادمًا بسبعمائة درهم، فطلب صاحبها فلم يجده، فعرفها حولًا فلم يجد صاحبها، فجمع المساكين فجعل يعطيهم ويقول: اللهم عن صاحبها، فإن أبى ذلك فَعَنِّي وعليّ الثمن، ثم قال: هكذا يفعل بالضال".
ش: إسناده صحيح عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله، عن عامر بن شقيق بن جمرة -بالجيم والراء- الأسدي الكوفي، عن أبي وائل شقيق بن سلمة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال:"اشترى عبد الله جارية بسبعمائة درهم، فغاب صاحبها، فأنشده حولًا -أو قال: سنة- ثم خرج إلى المسجد، فجعل يتصدق ويقول: اللهم فله، فإن أبى فعليّ، ثم قال: هكذا افعلوا باللقطة أو بالضالة".
واعلم أن هذا وقع في رواية الشافعي: عن عامر، عن أبيه، عن عبد الله:"أنه اشترى جارية فذهب صاحبها، فتصدق بثمنها، وقال: اللهم عن صاحبها فإن كره فلي وعلي الغرم".
وأخرجه البيهقي (2): وهذا قد التبس على الراوي وقال: عن عامر عن أبيه، وليس كذلك، فإن عامرًا هذا هو ابن شقيق بن جمرة كما ذكرنا، وأبو وائل هو شقيق بن سلمة، فلما توافق اسم أبي وائل واسم أبي عامر في شقيق، ظنَّ من قال: عن عامر عن أبيه أن أبا وائل هو أبوه، وليس الأمر كذلك.
صِ: فقد روينا عن رسول الله عليه السلام، وعمن روينا عنه من أصحابه ممن ذكرنا في هذا الباب التسوية بين حكم اللقطة والضالة جميعًا، فدل أن ما جاء في هذه الآثار مما فيه ذكر أحدها فهو فيها وفي الأخرى، وأن حكمهما حكم واحد في جميع ذلك.
ش: أراد أن الأحاديث التي رواها عن النبي عليه السلام، والآثار التي رواها عن الصحابة رضي الله عنهم كلها تقتضي التسوية بين حكم اللقطة والضالة، وهذه حجة على من يفرق بين حكميهما.
ص: فإن قال قائل: إن الضال ما ضل بنفسه، واللقطة ما سوى ذلك من الأمتعة وما أشبهها.
قيل له: وما دليلك على ما ذكرت؟ بل قد رأينا اللغة قد أباحت أن نسمي ما
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(4/ 335 رقم 20776).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 187 رقم 11841).
لا نفس له ضالًّا، وقد قال رسول الله عليه السلام في حديث الإفك:"إن أمكم ضلت قلادتها".
ش: تقرير السؤال أن يقال: لا نسلم التسوية بين اللقطة والضالة؛ فإن الضال ما ضل بنفسه، واللقطة ما سوى ذلك من الأمتعة، يعني الضال يكون من الحيوان فقط، واللقطة أعم من ذلك، وهذا الفرق منقول عن أبي عبيد القاسم بن سلام الفقيه البغدادي صاحب التصانيف المشهورة.
وقد رد عليه الطحاوي بقوله: "قيل له. . . . إلى آخره" ووجهه ظاهر؛ لأنه عليه السلام أطلق اسم الضالة على قلادة عائشة وهي مما لا نفس له، وقد مر الكلام فيه فيما مضى.
ص: وقد روي عن عائشة رضي الله عنها في الضالة أيضًا أن حكمها مثل حكم اللقطة.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن العالية قالت:"كنت عند عائشة، فأتتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين، إني وجدت ضالة فكيف تأمريني أن أصنع بها؟ قالت: عرفيها واعلفي واحتلبي، قالت: ثم عادت فسألتها، فقالت عائشة: تريدين أن آمرك أن تبيعيها أو تذبحيها؟ ليس ذلك لك".
فقد ثبت بما ذكرنا التسوية بين حكم الضوال واللقطة، وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله.
ش: إسناده صحيح، وأبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي، وأبو إسحاق عمر بن عبد الله السبيعي، يروي عن امرأته العالية بنت أيفع، وثقها ابن حبان.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن العالية قالت:"كنت جالسة عند عائشة رضي الله عنها، فأتتها امرأة فقالت: وجدت شاة، فكيف تأمريني أن أصنع بها؟ فقالت: عرفي واحتلبي واعلفي، ثم عادت، فقالت عائشة: تأمريني أن آمرك أن تذبحيها أو تبيعيها؟! فليس لك ذلك".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 11 رقم 23238)، (4/ 416 رقم 21658).
وأخرجه عبد الرزاق (1): عن معمر، عن الثوري، عن أبي إسحاق معناه.
واستفيد من هذا: أن حكم الضالة مثل حكم اللقطة حيث أمرت عائشة تلك المرأة التي وجدت الشاة أن تعرفها فهذا حكم اللقطة.
وأن الملتقط ينبغي أن ينفق على اللقطة ولكن ينبغي أن يكون بإذن الإِمام حتى لو أنفقها بغير إذنه يكون متطوعًا، وله أن يحبس اللقطة بالنفقة كما يحبس المبيع بالثمن، وإن أبى أن يؤدي النفقة باعها القاضي ودفع إليه قدر ما أنفق، هذا إذا لم يحصل شيء من اللقطة، فإن كان لها لبن أو صوف، ينفق عليها من ثمنها، أو كانت مما يؤجر يؤجرها وينفق عليها من أجرتها.
وفيه أن اللقطة لا يجوز بيعها ولا ذبحها إلا إذا مضت مدة التعريف؛ فإن كان فقيرًا يصرفها إلى نفسه، وإن كان غنيًا يصرفها للفقراء، والله أعلم.
ص: وقد روي عن النبي عليه السلام في لقطة مكة -شرفها الله تعالى- ما حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا الدراوردي، قال: ثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه:"أن رسول الله عليه السلام قال في وصف مكة: لا تلتقط ضالتها إلا لمنشد".
وحدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام: مثله.
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، قال: ثنا يحيى، فذكر بإسناده، مثله.
قال أبو جعفر رحمه الله: وكان النضر بن شُمَيْل فيما بلغني عنه يقول: معنى ذلك أنه لا ينبغي أن تلتقط ضالة في الحرم؛ إلا أن يسمع رجل يطلبها وينشدها فيرفعها إليه ليراها، ثم يردها من حيث أخذها.
(1)"مصنف عبد الرزاق"(10/ 139 رقم 18634).
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن علي بن عبد الرحمن، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم -شيخ البخاري- عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.
وأخرجه البزار في "مسنده" بأتم منه: ثنا محمد بن بشار: ثنا عبد الوهاب: نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:"أن رسول الله عليه السلام وقف عام الفتح بالحجون فقال: والله إنك لآخر أرض الله، وأحب أرض الله إلي الله تعالى، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام ساعتي هذه، لا يعضد شجرها، ولا يحتش كلؤها، ولا تلتقط ضالتها إلا لمنشد، قال: فقال رجل -زعم أنه عباس: يا رسول الله إلا الإذخر؛ فإنه لبيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله عليه السلام: إلا الإذخر".
الثاني: عن محمد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة.
وأخرجه البخاري مطولًا (1): عن أبي نعيم، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:"أن خزاعة قتلوا رجلًا. . . . الحديث"، وفيه:"لا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد".
وأخرجه البخاري أيضًا (2): عن يحيى بن موسى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، نحو رواية الطحاوي.
(1)"صحيح البخاري"(1/ 53 رقم 112).
(2)
"صحيح البخاري"(2/ 857 رقم 2302).
وأخرجه مسلم (1): عن زهير وعبد الله بن سعيد، عن الوليد، عن الأوزاعي.
وعن إسحاق بن منصور، عن عبد الله بن موسى عن شيبان، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وأخرجه أبو داود (2): عن أحمد بن حنبل، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وأخرجه النسائي (3): عن العباس بن الوليد، عن أبيه.
وعن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي مسهر جميعًا، عن الأوزاعي، نحوه.
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حرب بن شداد، عن يحيى، عن أبي سلمة.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده".
ص: وقد روي هذا الحديث عن رسول الله عليه السلام بغير هذا اللفظ.
حدثنا أبو داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا أبو يوسف، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عليه السلام في مكة: "ولا ترفع لقطتها إلا لمنشدها".
ش: أشار إلى حديث أبي هريرة المذكور، يعني: روى عن عبد الله بن عباس هذا الحديث بغير اللفظ المذكور.
أخرجه عن: إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون الواسطي البزاز، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي فيه مقال، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا يوسف بن موسى، نا جرير عن يزيد بن
(1)"صحيح مسلم"(2/ 988 رقم 1355).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 616 رقم 2017).
(3)
"السنن الكبرى"(3/ 434 رقم 5855).
أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مكة حرام حرمها الله يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم عادت، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها ولا يخاف صيدها ولا ترفع لقطتها إلا لمنشد، فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله؛ فإنه لا غنى بأهل مكة عنه؟ قال: إلا الإذخر".
قال البزار: وهذا الحديث قد روي عن ابن عباس من غير وجه، وعن غير ابن عباس بألفاظ مختلفة ومعانيها قريبة.
وفي هذا الحديث ألفاظ ليس في حديث غيره، قد ذكرناه من أجل ذلك، ويزيد بن أبي زياد قد ذكرناه في غير هذا الحديث بأنه ليس بالقوي، ولا نعلم أحدًا ترك حديثه من المحدثين لا شعبة ولا الثوري ولا أحد من أهل العلم، وإنما كان يؤتى لأنه كان في حفظه سوء.
ص: وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن منهال، وأبو سلمة موسى بن إسماعيل، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله عليه السلام أنه قال في مكة:"ولا ترفع لقطتها إلا المنشد بها".
ش: هذا طريق آخر من حديث أبي هريرة هو أيضًا صحيح، وهو مثل حديث ابن عباس رضي الله عنهما فلذلك فَصَلَ بينه وبين الطرق الثلاثة المذكورة بحديث ابن عباس رضي الله عنهما.
ص: فهذا الحديث يمنع من أخذها إلا للإنشاد بها، فقد أباح هذا الحديث أخذ لقطة الحرم لمُعَرِّف، فاحتمل أن يكون يراد به أن تنشد ثم ترد في مكانها، واحتمل أن تنشد كما تنشد اللقطة الموجودة في سائر الأماكن، فوجدنا عن عائشة رضي الله عنها ما قد رويناه عنها في هذا الباب، أنها سئلت عن ضالة الحرم، وأن التي سألتها أخبرتها أنها قد عرفتها فلم تجد من يعرفها، فقالت لها:"استنفعي بها". فدل ذلك أن حكم اللقطة في الحرم كحكمها في غير الحرم.
ش: أشار به إلى حديث أبي هريرة هذا، وأنه يدل على شيئين:
أحدهما: منع أخذ اللقطة إلا لمنشدها.
والثاني: إباحة أخذ لقطة الحرم لمعرف.
ولكن لما كان لا يحتمل معنيين، والمعنى الثاني هو المرجح بدلالة حديث عائشة، بين ذلك بقوله "فاحتمل أن يكون. . . . إلى آخره" تنبيهًا في ذلك على تسوية حكم اللقطة في الحرم والحلِّ جميعًا، فافهم.
ص: وقد روي عن رسول الله عليه السلام في لقطة الحاج أيضًا: ما قد حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو مصعب الزهري، قال: ثنا ابن أبي حازم، عن أسامة بن زيد، عن بكير بن عبد الله، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الرحمن بن عثمان قال: نهى رسول الله عليه السلام عن لقطة الحاج، فمعنى هذا عندنا -والله أعلم- على اللقطة التى لا تنشد ولا يعرف بها؛ لأن لقطة الحرم لما أبيحت للإنشاد، وقد تكون للحاج وغير الحاج، كانت لقطة الحاج فى غير الحرم أحرى أن تكون كذلك، والله أعلم.
ش: لما كان هذا الحديث يخبر بالنهي عن لقطة الحاج، وأنه خالف الأحاديث المتقدمة، ذكره هاهنا ليجيب عنه بقوله:"فمعنى هذا عندنا. . . . إلى آخره" وهو ظاهر.
وإسناده صحيح.
عن روح بن الفرج، عن أبي المصعب أحمد بن أبي بكر بن الحارث الزهري الفقيه المدني قاضيها شيخ الجماعة سوى النسائي، عن عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المدني، عن أسامة بن زيد الليثي المدني، عن بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، عن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله القرشي التيمي الصحابي، أسلم يوم الحديبية، وقتل يوم الفتح، وكان يقال له: شارب الذهب.
وأخرجه مسلم (1): حدثني أبو الطاهر، أنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن يحيى بن عبد الرحمن ابن حاطب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي:"أن رسول الله عليه السلام نهى عن لقطة الحاج".
وأخرجه أبو داود (2): عن يزيد بن خالد بن موهب وأحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن عمرو، عن بكير، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الرحمن بن عثمان، به.
وأخرجه النسائي (3): عن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، بإسناده مثله.
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1351 رقم 1724).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 139 رقم 1719).
(3)
"السنن الكبرى"(3/ 417 رقم 5805).