الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب ما يفعله المصلي بعد رفعه من السجدة الثانية من الركعة الأولى
ش: أي هذا باب في بيان ما يفعله المصلي بعد رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى هل يقعد مطمئنًا أو ينهض قائمًا؟.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو الربيع الزهراني، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، أنه كان يقول لأصحابه:"ألا أريكم كيف كانت صلاة رسول الله عليه السلام؟ وان ذلك لفي غير حين الصلاة، فقام فأمكن القيام ثم ركع فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه وانتصب قائمًا هنيهة ثم سجد، ثم رفع رأسه فتمكن في الجلوس، ثم انتظر هنيهة ثم سجد، فقال أبو قلابة: فصلى كصلاة شيخنا هذا -يعني عمرو بن سلمة- قال: فرأيته يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى والثالثة التي لا يقعد فيها، استوى قاعدًا ثم قام".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا خالد، عن أبي قلابة قال: أنا مالك بن الحويرث: "أنه رأى النبي عليه السلام إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا".
ش: هذان طريقان صحيحان.
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي الربيع سليمان بن داود الزهراني الأزدي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام، عن مالك بن حويرث بن خشيش الليثي الصحابي رضي الله عنه.
وأخرج البخاري (1): عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن أبي قلابة قال: "جاءنا مالك فقال: إني لأصلي بكم ولا أريد الصلاة، ولكني أريد أن
(1)"صحيح البخاري"(1/ 283 رقم 790).
أريكم صلاة رسول الله عليه السلام، فقلت لأبي قلابة: كيف كانت صلاته؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا -يعني عمرو بن سلمة-. . . ." الحديث.
وعمرو بن سلمة -بفتح السين وكسر اللام-[أبو بريدة](1) الجرمي الصحابي رضي الله عنه.
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد، عن مالك بن الحويرث.
وأخرجه البخاري (2): عن محمد بن الصباح، عن هشيم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث أنه قال:"رأيت النبي عليه السلام يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا".
وأخرجه أبو داود (3): عن مسدد، عن هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة. . . . إلى آخره نحوه.
والترمذي (4): عن علي بن حجر، عن هشيم به، وقال: حسن صحيح.
والنسائي (5): عن علي بن حجر. . . . نحوه.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله فذهب قوم إلى أن الرجل إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى والثالثة قعد حتى يطمئن قاعدًا، ثم يقوم بعد ذلك، واحتجوا على ذلك بهذا الحديث.
(1) كذا في "الأصل، ك" وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الإصابة"(4/ 643): يكنى أبا يزيد، واختلف في ضبطه، فقيل: بموحدة ومهملة -يعني بريد- وقيل: بتحتانية وزاي، وزن عظيم.
(2)
"صحيح البخاري"(1/ 283 رقم 789).
(3)
"سنن أبي داود"(1/ 223 رقم 844).
(4)
"جامع الترمذي"(2/ 79 رقم 287).
(5)
"المجتبى"(2/ 234 رقم 1152).
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء والحسن البصري، وأبا قلابة والشافعي؛ فإنهم قالوا: إذا رفع المصلي رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى والثالثة قعد حتى يطمئن قاعدًا؛ ثم يقوم بعد ذلك، وعند الظاهرية هذا فرض، حتى لو تركه تفسد صلاته.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يقوم منها ولا ينتظر أن يستوي قاعدًا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي، والثوري، والأوزاعي، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، ومالكًا، وأحمد، وإسحاق؛ فإنهم قالوا: بل يقوم من السجدة ولا ينتظر أن يستوي قاعدًا.
قال أبو عمر: روي ذلك أيضًا عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم.
وقال النعمان بن أبي عياش: "أدركت غير واحد من أصحاب النبي عليه السلام يفعل ذلك".
وقال أبو الزناد: "ذلك السنة" وقال أحمد: وأكثر الأحاديث على هذا، قال الأثرم: ورأيت أحمد ينهض بعد السجود على صدور قدميه، ولا يجلس قبل أن ينهض.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثني به غير واحد من أصحابنا، منهم: علي بن سعيد بن بشير، عن أبي همام الوليد بن شجاع السكوني، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبو خيثمة، قال: ثنا الحسن بن حر، قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، حدثني مالك، عن عباس -أو عياش- بن سهل الساعدي رضي الله عنه وكان في مجلس فيه أبوه، وكان من أصحاب رسول الله عليه السلام، وفي المجلس أبو هريرة، وأبو أسيد، وأبو حميد الساعدي والأنصار: "أنهم تذاكروا الصلاة، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله عليه السلام، اتبعت ذلك من رسول الله عليه السلام، قالوا: فأرنا، فقام يصلي وهم ينظرون فكبر ورفع
يديه في أول التكبير. . . ." ثم ذكر حديثًا طويلًا ذكر فيه أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى قام ولم يتورك.
فلما جاء هذا الحديث على ما ذكرنا، وخالف الحديث الأول احتمل أن يكون ما فعله رسول الله عليه السلام في الحديث الأول لعلة كانت به فقعد من أجلها، لا لأن ذلك من سنة الصلاة كما قد كان ابن عمر رضي الله عنهما يتربع في الصلاة، فلما سئل عن ذلك قال: إن رجلي لا تحملني فكذلك يحتمل أن يكون ما فعله رسول الله عليه السلام من ذلك القعود كان لعلة أصابته حتى لا يضاد ذلك ما روي عنه في الحديث الآخر ولا يخالفه، وهذا أولى بنا من حمل ما روي عنه على التضاد والتنافي، وفي حديث أبي حميد أيضًا: فيه حكاية أبي حميد ما حكى بحضرة جماعة من أصحاب رسول الله عليه السلام فلم ينكر ذلك عليه أحد منهم، فدل ذلك أن ما عندهم في ذلك غير مخالف لما حكاه لهم.
وفي حديث مالك بن الحويرث من كلام أيوب أن ما كان عمرو بن سلمة يفعل من ذلك لم يكن يرى الناس يفعلونه، وهو فقد رأى جماعة من أجلة التابعين، فذلك حجة في دفع ما روي عن أبي قلابة، عن مالك أن يكون سنة.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عباس بن سهل الساعدي.
أخرجه عن جماعة منهم: علي بن سعيد بن بشر بن مهران الرازي نزيل مصر، عن أبي همام الوليد بن شجاع اليشكري الكندي شيخ مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه، أبيه أبي بدر شجاع بن الوليد، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية بن حديج، عن الحسن بن حُرّ بن الحكم النخعي الكوفي، عن عيسى بن عبد الله بن مالك الدار مولى عمر بن الخطاب، عن محمد بن عمرو بن عطاء بن عياش بن علقمة المدني، عن عباس -بالباء الموحدة والسين المهملة، أو عياش بالياء آخر الحروف والشين المعجمة- بن سهل الساعدي المدني، وأبوه سهل بن سعد الساعدي الصحابي.
وهؤلاء كلهم ثقات.
وأخرجه أبو داود (1): بهذا الإسناد، ثنا علي بن الحسين بن إبراهيم، نا أبو بدر، نا زهير أبو خيثمة، نا الحسن بن حُرّ، قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، حدثني مالك، عن عباس -أو عياش- بن سهل الساعدي:"أنه كان في مجلس فيه أبوه وكان من أصحاب رسول الله عليه السلام، وفي المجلس أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي. ." بهذا الخبر يزيد وينقص، قال فيه:"ثم رفع رأسه -يعني من الركوع- فقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ورفع يديه، ثم قال: الله أكبر، فسجد فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه وهو ساجد، ثم كبر فجلس فتورك ونصب قدمه الأخرى، ثم كبر فسجد، ثم كبر فقام ولم يتورك. . . ." ثم ساق الحديث، قال:"جلس بعد الركعتين حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام قام بتكبيرة، ثم ركع ركعتين أخريين. . . ." ولم يذكر التورك في التشهد.
وأخرجه أبو داود أيضًا من طرق أخرى بوجوه مختلفة، وكذلك الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقد استوفينا الكلام فيه في هذا الحديث بوجوهه المختلفة في كتاب الصلاة (2)، فالطحاوي أخرجه هناك بطرق أخرى.
قوله: "أبو أسيد" بضم الهمزة وفتح السين، اسمه مالك بن ربيعة الساعدي.
و"أبو حميد" بضم الحاء وفتح الميم، الساعدي، قيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن سعد.
قوله: "فلما جاء هذا الحديث على ما ذكرنا وخالف الحديث الأول. . . . إلى آخره" إشارة إلى بيان وجه التوفيق بين الحديثين وبَيَّنَ ذلك بوجهين:
الأول: هو قوله: احتمل أن يكون ما فعله رسول الله عليه السلام.
(1)"سنن أبي داود"(1/ 195 رقم 733).
(2)
سبق تخريجه هناك.
والثاني: هو قوله: وفي حديث أبي حميد أيضًا. . . . إلى آخره، وكل ذلك ظاهر.
ص: ثم النظر من بعد هذا يوافق ما روى أبو حميد، وذلك أنا رأينا الرجل إذا خرج من صلاته من حال إلى حل استأنف ذكرًا.
من ذلك أنا رأيناه إذا أراد الركوع كبر وخر راكعًا، وإذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، وإذا خر من القيام إلى السجود قال: الله أكبر، وإذا رفع رأسه من السجود قال: الله أكبر، وإذا عاد إلى السجود فعل ذلك أيضًا، وإذا رفع رأسه لم يكبر من بعد رفع رأسه إلى أن يستوي قائمًا غير تكبيرة واحدة، فدل ذلك أنه ليس بين سجوده وقيامه جلوس ولو كان بينهما جلوس لاحتاج أن تكون تكبيرة بعد رفع رأسه من السجود للدخول في ذلك الجلوس، ولاحتاج إلى تكبير آخر إذا نهض للقيام، فلما لم يؤمر بذلك ثبت أن لا قعود بعد الرفع من السجدة الأخيرة والقيام إلى الركعة التي بعدها؛ ليكون ذلك حكم سائر الصلاة مؤتلفًا غير مختلف، فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: أي ثم وجه النظر والقياس من بعد ذلك يوافق ما روى أبو حميد، وبَيَّنَ ذلك بقوله:"وذلك أنا رأينا الرجل. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر، والله أعلم.