المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب الرجل يوصي بثلث ماله لقرابته أو لقرابة فلان، من هم - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ١٦

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌ص: باب: الإقرار بالسرقة التى توجب القطع

- ‌ص: باب الرجل يستعير الحلي ولا يرده هل يجب عليه في ذلك قطع أم لا

- ‌ص: باب سرقة الثمر والكَثَر

- ‌ص: كتاب الأشربة

- ‌ص: باب الخمر المحرمة ما هي

- ‌ص: باب ما يحرم من النبيذ

- ‌ص: باب الانتباذ في الدباء والحنتم والنقير والمزفت

- ‌ص: كتاب الوصايا

- ‌ص: باب ما يجوز فيه الوصايا من الأموال، وما يفعله المريض في مرضه الذي يموت فيه من الهبات والصدقات والعتاق

- ‌ص: باب الرجل يوصي بثلث ماله لقرابته أو لقرابة فلان، مَنْ هم

- ‌ص: كتاب الفرائض

- ‌ص: باب الرجل يموت ويترك ابنةً وأختًا وعصبةً سواها

- ‌ص: باب مواريث ذوي الأرحام

- ‌ص: كتاب المزارعة

- ‌ص: باب الرجل يزرع في أرض القوم بغير إذنهم، كيف حكمهم في ذلك؟ وما يروى عن رسول الله عليه السلام في ذلك

- ‌ص: كتاب الإجارات

- ‌ص: باب الاستئجار على تعليم القرآن هل يجوز أم لا

- ‌ص: باب الجعل على الحجامة هل يجوز ذلك أم لا

- ‌ص: كتاب اللقطة والضالة

- ‌ص: كتاب الزيادات من شرح معاني الآثار

- ‌ص: باب صلاة العيدين كيف التكبير فيهما

- ‌ص: باب حكم المرأة في مالها

- ‌ص: باب ما يفعله المصلي بعد رفعه من السجدة الثانية من الركعة الأولى

- ‌ص: باب ما يجب للمملوك على مولاه من الكسوة والطعام

- ‌ص: باب إنشاد الشعر في المساجد

- ‌ص: باب شراء الشيء الغائب

- ‌ص: باب تزويج الأب ابنته البكر هل يحتاج في ذلك إلى استئمارها

- ‌ص: باب المقدار الذي يحرم على مالكيه أخذ الصدقة

- ‌ص: باب فرض الزكاة في الإبل السائمة فيما زاد على عشرين ومائة

الفصل: ‌ص: باب الرجل يوصي بثلث ماله لقرابته أو لقرابة فلان، من هم

‌ص: باب الرجل يوصي بثلث ماله لقرابته أو لقرابة فلان، مَنْ هم

؟

ش: أي هذا باب في بيان حكم الوصية للقرابة، وبيان أن القرابة مَن هم؛ حتى يصرف إليهم ما يوصي به لهم.

القرابة في الأصل مصدر، سميت الأقارب بها، كالصحابة فإنها في الأصل مصدر، وسميت أصحاب رسول الله عليه السلام بها.

قال الجوهري: القرابة: القربى في الرحم، وهو في الأصل مصدر، تقول: بيني وبينه قَرَابة وقُرْبٌ وقُرْبَى ومَقْرُبة وقُرْبة وقُرُبة بضم الراء، وهو قَرِيبي وذو قَرَابتي، وهم أَقْرِبائي وأَقَارِبي، والعامة تقول: هم قرابتي، وهم قراباتي.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: اختلف الناس في الرجل يوصي بثلث ماله لقرابة فلان، مَن القرابة الذين يستحقون تلك الوصية؟.

فقال أبو حنيفة رضي الله عنه: هم كل ذي رحم محرم من فلان من قِبَل أبيه أو من قِبَل أمه، غير أنه يبدأ في ذلك مَن كانت قرابته من قِبَل أبيه على مَن كانت قرابته من قِبَل أمه.

وتفسير ذلك أن يكون الموصي لقرابته عمٌ وخال فقرابة عمه من قبل أبيه كقرابة خاله منه من قبل أمه فيبدأ في ذلك عمه على خاله فتجعل الوصية له.

ش: إذا أوصى رجل بثلث ماله لقرابة فلان فمن هم قرابته الذين يستحقون ذلك الثلث الموصى به؟ فقد اختلفت العلماء فيه على أقوال:

الأول: قول أبي حنيفة رضي الله عنه وهو أن الوصية تكون للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم من فلان، ولا يدخل الوالدان والولد.

أما اعتبار الأقرب فلأن الوصية أخت الميراث وفيه يعتبر الأقرب فالأقرب، حتى لو كان لفلان عمان وخالان فالوصية للعمين، ولو كان له عم وخالان فللعم النصف وللخالين النصف، ولو كان له عم واحد فله نصف الثلث، ولو

ص: 196

كان له عم وعمة وخال فالوصية للعم والعمة سواء لاستوائهما في القرابة وهي أقوى من الخولة والعمة، وإن لم يكن وارثه يستحق الوصية بلفظة القرابة كما لو كان القريب عبدًا أو كافرًا، وأما عدم دخول الوالدين والولد؛ فلأن الله تعالى عطف الأقربين على الوالدين، والمعطوف يُغاير المعطوف عليه، ولأن الوالد والولد لا يسميان قرابتين عرفًا وحقيقة أيضًا؛ لأن الأب أصل والولد فرعه وجزءه، والقريب من يقرب من غيره لا من نفسه، فلا يتناوله اسم القريب.

فإن قلت: إذا لم يدخل الوالد والولد في هذه الوصية فهل يدخل فيها الجد وولد الولد؟

قلت: ذكرنا في الزيادات أنهما يدخلان، ولم نذكر فيه خلافًا.

وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنهما لا يدخلان. وهكذا روي عن أبي يوسف وهو الصحيح؛ لأن الجد بمنزلة الأب وولد الولد بمنزلة الولد.

ص: وقال زفر رحمه الله: الوصية لكل من قرب منه من قِبَل أبيه أو من قِبَل أمه دون من كان أبعد منهم، وسواء في ذلك بين مَن كان منهم ذا رحم محرم وبين من كان ذا رحم غير محرم.

ش: هذا هو القول الثاني، وهو قول زفر بن الهذيل رحمه الله، وهو أن الوصية تكون لكل من قرب من فلان من قِبَل أبيه أو من قِبَل أمه دون مَن كان أبعد من فلان منهم، وسواء كان من ذوي الرحم المحرم أو كان من ذوي الرحم غير المحرم، حتى لو كان لفلان عمان وخالان فالوصية بينهم أرباعًا، ولو كان له عم وخالان فالوصية بينهم أثلاثًا وعلى هذا. . . .

ص: وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهما الله-: الوصية في ذلك لكل من جمعه وفلانًا أب واحد، منذ كانت الهجرة من قبل أبيه أو من قبل أمهن، وسَوَّيَا في ذلك بين مَن بعد منهم ويبن من يقرب، وبين من كانت رحمه محرمة وبين مَن كانت رحمه غير محرمة، ولم يفصلا في ذلك مَن كانت رحمه من قبل الأب على مَن كانت رحمه من قبل الأم.

ص: 197

ش: هذا هو القول الثالث. وهو قول أبي يوسف ومحمد وهو أن الوصية تكون لكل من جمع بين الفلان وبين رحمه أبٌ واحد، سواء كان أقصى أب له في الإسلام وهو أول أب أسلم أو أول أب أدرك الإسلام وإن لم يسلم على حسب ما اختلف فيه المشايخ، حتى لو أوصى للعلوية والعباسية بصرف الثلث إلى من اتصل بعلي وعباس رضي الله عنهما لا إلى مَن فوفهما من الآباء وهما يقولان: إن القريب مشتق من القرب فيتناول الرحم المحرم وغيره، والقريب والبعيد، وصار كما لو أوصى لإخوة فلان أنه يدخل الإخوة لأب وأم، والإخوة لأب والإخوة لأم فدلَّ على أن الاسم يتناول كل قريب إلا أنه لا يمكن العمل بعمومه لتعذر إدخال أولاد آدم عليه السلام فيه فيعتبر النسبة إلى أقصى أب في الإسلام؛ لأنه لما ورد الإسلام صارت المعرفة بالإسلام والشرف به، فصار الجد المسلم هو النسب فشرفوا به، فلا يعتبر من كان قبله.

ص: وقال آخرون: الوصية في ذلك لكل من جمعه وفلانًا أبوه الرابع إلى ما هو أسفل من ذلك.

ش: أي قال قوم آخرون. وهو القول الرابع من الأقوال المذكورة وهو أن الوصية تكون لكل من جمعه وفلانًا أبوه الرابع، إلى ما هو أسفل من ذلك، وهو قول طائفة من أهل الحديث وجماعة من الظاهرية.

ص: وقال آخرون: الوصية في ذلك لكل من جمعه وفلانًا أبٌ واحد في الإسلام أو في الجاهلية ممن يرجع بآبائه أو بأمهاته إليه أبا عن أب أو أمًّا عن أم إلى أب يلقاه بما تثبت به المواريث وتقوم به الشهادات.

ش: أي وقال قوم آخرون وهو القول الخامس، وهو قول مالك والشافعي وأحمد: إن الوصية في ذلك لكل من جمعه وفلانًا أبٌ واحد في الإسلام أو في الجاهلية.

وتحقيق مذهب الشافعي ما ذكره في الروضة: إذا أوصى لأقارب زيد، دخل فيه الذكر والأنثى، والفقير والغني، والوارث وغيره، والمحرم وغيره، والقريب والبعيد، والمسلم والكافر، لشمول الاسم.

ص: 198

ولو أوصى لأقارب نفسه ففي دخول ورثته وجهان:

أحدهما: المنع؛ لأن الوارث لا يوصى له، فعلى هذا يختص بالباقين. وبهذا قطع المتولي ورجحه الغزالي، وهو محكي عن الصيدلاني.

والثاني: الدخول؛ لوقوع الاسم ثم يبطل نصيبهم ويصح الباقي لغير الورثة. وهل يدخل في الوصية لأقارب زيد أصوله وفروعه؟ فيه أوجه: أصحها عند الأكثرين: لا يدخل الوالدان والأولاد، ويدخل الأجداد والأحفاد.

والثاني: لا يدخل أحد من الأصول والفروع.

والثالث: يدخل الجميع. وبه قطع المتولي، ولو أوصى لأقارب حُسَنِيُّ أو أوصى حُسَنيٌ لأقارب نفسه لم يدخل الحُسَنِيون، وكذلك وصية المأموني لأقاربه، والوصية لأقارب المأمون لا يدخل فيها أولاد المعتصم وسائر العباسية، والوصية لأقارب الشافعي في زمانه تصرف إلى أولاد شافع ولا يدخل فيها أولاد علي والعباس رضي الله عنهما وإن كان شافع وعلي والعباس كلهم أولاد السائب بن عبيد، انتهى.

وفي "الجواهر" للمالكية: ولو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث والمحرم وغير المحرم، ويدخل فيه كل قريب من جهة الأب والأم، ويؤثر ذو الحاجة، ولا يؤثر الأقرب على الأبعد، بل يؤثر الأحوج على غيره.

ص: وإنما جوَّز أهل هذه المقالات الوصية للقرابة على ما ذكرنا من قول كل واحد منهم إذا كانت تلك القرابة قرابة تحصى وتعرف، فإن كانت لا تحصى ولا تعرف فإن الوصية لها باطلة في قولهم جميعًا، إلا أن يوصي بها لفقرائهم فتكون جائرةً لمن رأى الوصي دفعها إليه منهم، وأقل من يجوز له أن يجعلها له منهم اثنان فصاعدًا في قول محمد بن الحسن رحمه الله.

وقد قال أبو يوسف: إن دفعها إلى واحد منهما أجزأه ذلك.

ش: أراد بأهل هذه المقالات: المقالات الخمس المذكورة مفصلة، والمعنى أن أصحاب هذه المقالات على اختلاف أقوالهم إنما جوزوا الوصية للقرابة إذا كانوا

ص: 199

يُحْصَون ويعرفون، وإلا تكون الوصية باطلةً لجهالة الموصى إليهم، اللهم إلا إذا عينها للفقراء منهم فتصح حينئذٍ كما في الوصية إلى فقراء المسلمين، فالوصي حينئذٍ يدفعها إلى مَن شاء منهم، وأقل من يجوز أن يجعلها له منهم اثنان فصاعدًا عند محمد؛ لأن الفقراء اسم جمع وأقل الجمع الصحيح ثلاثة، إلا أنه قام الدليل على أن الاثنين في باب الوصية يقومان مقام الثلاث؛ لأن الوصية أخت الميراث، والله تعالى أقام البنتين من البنات مقام الثلاث منهن في استحقاق الثلثين، وكذا الاثنان من الإخوة والأخوات يقومان مقام الثلاث في نقص حق الأم من الثلث إلى السدس.

ومذهب أبي يوسف أنه إذا دفعها إلى واحد منهم أجزأه ذلك؛ لأن هذا النوع من الوصية وصية بالصدقة وهي إلزام المال حقًّا لله تعالى وجنس الفقراء مصرف ما يجب لله تعالى من الحقوق المالية فكان ذكر الفقراء لبيان المصرف لا لإيجاب الحق لهم فيجب الحق لله ثم يصرف إلى ما ظهر رضا الله تعالى بصرف حقه المالي إليه، وقد جعل يصرفه إلى فقير واحد ولهذا جاز صرف ما وجب من الصدقات الواجبة بإيجاب الله تعالى إلى فقير واحد، وإن كان المذكور بلفظ الجماعة فقوله تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} (1).

ص: فلما اختلفوا في القرابة مَن هم؟ هذا الاختلاف، وجب أن ننظر في ذلك لنستخرج من أقاويلهم هذه قولًا صحيحًا، فنظرنا في ذلك، فكان من حجة الذين ذهبوا إلى أن القرابة هم الذين يلتقون هم ومن يقاربونه عند أبيه الرابع فأسفل من ذلك إنما قالوا ذلك فيما ذكروا، لأن رسول الله عليه السلام لما قسم سهم ذوي القربى؛ أعطى بني هاشم وبني المطلب وإنما يلتقي هو وبنو المطلب عند أبيه الرابع لأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، والآخرون بنو المطلب بن هاشم بن عبد مناف يلتقون هم وهو عند عبد مناف وهو أبوه الرابع.

(1) سورة التوبة، آية:[60].

ص: 200

ش: أي فلما اختلف أصحاب هذه المقالات الخمس المذكورة في القرابة مَنْ هُم؟ هذا الاختلاف، وجب أن ينظر في ذلك إلى دليل كل واحد منهم الذي يعتمد عليه فيما ذهب إليه ليعرف أي قول أصح من بين هذه الأقوال، فذكر الطحاوي أولًا حجة أهل المقالة الرابعة وهم الذين قالوا: إن مَن أوصى إلى قرابة فلان تكون الوصية لكل من جمعه وفلانًا أبوه الرابع، وبيَّن حجتهم بقوله، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذوي القربى. . . . إلى آخره، وهو ظاهر.

ص: فمن الحجة عليهم في ذلك للآخرين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أعطى بني هاشم وبني المطلب قد حرم بني أمية وبني نوفل، وقرابتهم منه كقرابة بني المطلب، فلم يحرمهم لأنهم ليسوا قرابةً، ولكن لمعنى غير القرابة، فكذلك مَن فوقهم لم يحرمهم لأنهم ليسوا قرابة ولكن لمعنى غير القرابة.

ش: أي فمن الدليل والبرهان على أهل المقالة الرابعة فيما ذهبوا إليه للآخرين أي لأصحاب المقالات الأربع.

وأراد بذلك منع استدلالهم بقسمة رسول الله عليه السلام سهم ذوي القربى.

بيانه: أنه عليه السلام لما أعطى بني هاشم وبني المطلب حرم بني أمية وبني نوفل ولم يعط لهم شيئًا، والحال أن قرابتهم منه عليه السلام كقرابة بني المطلب، وليست العلة في عدم صرفه عليه السلام إليهم عدم كونهم قرابة، بل هم قرابته ولكن حرمهم لمعنى آخر، وهو معنى قوله: فلم يحرمهم؛ لأنهم ليسوا قرابةً، يعني فلم يحرم النبي عليه السلام بني أمية وبني نوفل لكونهم غير قرابة وإنما حرمهم لمعنى غير ذلك.

قوله: "فكذلك مَن فوقهم" أبي من فوق بني أمية وبني نوفل.

ص: ثم قد روي عن رسول الله عليه السلام في القرابة من غير هذا الوجه ما قد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: "لما نزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا

ص: 201

تُحِبُّونَ} (1) قال: أو قال: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} (2) جاء أبو طلحة رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، حائطي الذي مكان كذا وكذا له تعالى، ولو استطعت أن أسره لم أعلنه فقال: اجعله في فقراء قرابتك أو فقراء أهلك".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثني أبي، عن ثمامة، قال: قال أنس رضي الله عنه: "كانت لأبي طلحة أرض، فجعلها لله عز وجل فأتى النبي عليه السلام فقال له: اجعلها في فقراء قرابتك، فجعلها لحسان وأُبَيٍّ رضي الله عنهما". قال أبي، عن ثمامة، عن أنس قال:"وكانا أقرب إليه مني".

فهذا أبو طلحة رضي الله عنه قد جعلها لأُبيّ وحسان، وإنما يلتقي هو وأبي عند أبيه السابع؛ لأن أبا طلحة اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار.

وأُبي بن كعب بن قيس بن عتيك بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فلم ينكر رسول الله عليه السلام على أبي طلحة ما فعل من ذلك، فدل ما ذكرنا على أن مَن كان يلقى الرجل إلى أبيه الخامس أو السادس أو إلى مَن فوق ذلك من الآباء المعروفين؛ قرابة له، كما أن من يلقاه إلى أب دونهم قرابة أيضًا.

ش: أي روي عن النبي عليه السلام في معنى القرابة غير ما ذكر من الوجه المذكور، وأراد بذلك منع ما قال مَن قال: القرابة هم الذين يلتقون هم ومن يقاربونه عند أبيه الرابع فأسفل من ذلك.

وجه المنع: أن حديث أنس هذا يدل على أن من كان يلقى الرجل إلى أبيه الخامس أو السادس أو إلى مَن فوق ذلك من الآباء المعروفين؛ قرابة له.

وأخرجه من طريقين صحيحين:

(1) سورة آل عمران، آية:[92].

(2)

سورة البقرة، آية:[245]، سورة الحديد، آية:[11].

ص: 202

الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله ابن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضيها، عن حميد الطويل، عن أنس.

وأخرجه الترمذي (1): ثنا إسحاق بن منصور، قال: أنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا حميد، عن أنس قال:"لما نزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (2) قال: أو قال: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} (3) قال أبو طلحة: وكان له حائط فقال: يا رسول الله، حائطي لله، ولو استطعت أن أسره لم أعلنه، فقال: اجعله في قرابتك أو أقربتك".

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

وأخرجه ابن أبي شيبة (4): عن حفص، عن حميد، عن أنس نحوه.

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن محمد بن عبد الله الأنصاري المذكور، عن أبيه عبد الله بن المثنى، عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك البصري قاضيها، عن جده أنس بن مالك.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(5): من حديث أبي حاتم، ثنا محمد بن عبد الله، حدثني أبي، عن عمه ثمامة، عن أنس قال:"لما نزلت: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ. . . .} الآية و {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} (3) قال أبو طلحة: يا رسول الله، حائطي بكذا وكذا وهو لله، وإن استطعت أن أسره لم أعلنه. قال: اجعله في فقراء أهلك، فجعله في حَسَّان وأُبَي رضي الله عنهما".

(1)"جامع الترمذي"(5/ 224 رقم 2997).

(2)

سورة آل عمران، آية:[92].

(3)

سورة البقرة، آية:[245]، سورة الحديد، آية:[11].

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 214 رقم 30786).

(5)

"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 280 رقم 12427).

ص: 203

قوله: "حائطي"، الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه جدار، ويجمع على حوائط.

قوله: "مكان كذا وكذا" قد سماه ذلك في رواية البخاري ومسلم والنسائي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس:"كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بئرًا تسمى بيرحاء كانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله عليه السلام يدخلها ويشرب من ماء كان فيها طيب، فلما نزلت {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (1). . . ." الحديث.

وأخرجه أبو داود (2): عن موسى، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس قال:"لما نزلت: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قال أبو طلحة: يا رسول الله أرى ربنا سألنا من أموالنا، فإني أشهدك أني جعلت أرضي بأريحاء له، فقال رسول الله عليه السلام اجعلها في قرابتك، فقسمها بين حسان بن ثابت وأُبي بن كعب".

وأخرجه مسلم (3) والنسائي (4) أيضًا نحوه.

قوله: "بأريحاء" بفتح الباء الموحدة، بعدها ألف ساكنة، وبراء مكسورة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة، وبحاء مهملة ممدودة، والمشهور بيرحاء، وقد اختلفوا في ضبطها اختلافًا شديدًا، فقال القاضي: هو حائط يسمى بهذا الاسم وليس اسم بئر، وكان بقرب المسجد، ويقال: هذا موضع يعرف بقعر بني جديلة قبل المسجد.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين وأن القرابة يراعى حقها في صلة الأرحام وإن لم يجتمعوا إلا في أب

(1) سورة آل عمران، آية:[92].

(2)

"سنن أبي داود"(2/ 131 رقم 1689).

(3)

"صحيح مسلم"(2/ 694 رقم 998).

(4)

"المجتبى"(6/ 231 رقم 3602).

ص: 204

بعيد؛ لأنه عليه السلام أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين، فجعلها في أُبي بن كعب وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع.

ص: وقد أمر الله نبيه عليه السلام أن ينذر عشيرته الأقربين، فروي عنه في ذلك ما حدثنا محمد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني، قال: ثنا عباد بن يعقوب، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله: قال: قال علي رضي الله عنه: "لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (1) قال لي رسول الله عليه السلام: يا علي اجمع لي بني هاشم وهم أربعون رجلًا أو أربعون إلا رجلًا. . . ." ثم ذكر الحديث.

ش: أراد بهذا الحديث وما بعده أن ما كان يلقى الرجل إلى أبيه الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع وإلى ما فوق ذلك من الآباء المعروفين؛ قرابة. ففي هذا الحديث قصد بني أبيه الثالث.

أخرجه عن محمد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني، عن عباد بن يعقوب الأسدي الكوفي شيخ البخاري والترمذي وابن ماجه، عن عبد الله بن عبد القدوس التميمي السعدي، فيه مقال كثير، فقال أحمد: ليس بشيء رافضي خبيث. وعن أبي داود: ضعيف الحديث. وعن النسائي: ليس بثقة. وقال البخاري: هو في الأصل صدوق إلا أنه يروي عن أقوام ضعفاء. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: ربما أغرب. وهو يروي عن سليمان الأعمش، عن المنهال بن عمرو الأسدي الكوفي عن عباد بن عبد الله الأسدي الكوفي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن شريك، عن الأعمش عن المنهال، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي رضي الله عنه نحوه.

ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا محمد بن عبد الله بن مخلد، قال: ثنا محمد بن حميد الرازي، قال: ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق،

(1) سورة الشعراء، آية:[214].

ص: 205

عن عبد الغفار بن قاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي رضي الله عنهم، عن النبي عليه السلام مثله. غير أنه قال:"اجمع لي بني عبد المطلب، قال: وهم أربعون رجلًا يزيدون رجلًا أو ينقصونه". ففي هذا الحديث أنه قصد بني أبيه الثاني.

ش: أي وقد روي عن النبي عليه السلام أيضًا فيما ذكرنا من معنى القرابة في الأب الثاني.

وأخرجه عن محمد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني، عن محمد بن حميد بن حيان الرازي شيخ الترمذي وابن ماجه، عن سلمة بن الفضل الأبرش الأزرق الرازي قاضي الري، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن قاسم بن قيس الأنصاري، فيه مقال كثير حتى نسب إلى الوضع.

وهو يروي عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث البصري نسيب محمد ابن سيرين وختنه على أخته عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.

وأخرجه البزار في "مسنده"(1) بأتم منه: ثنا علي بن حرب الكندي، ثنا إسحاق بن إبراهيم ختن سلمة بن الفضل، عن سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي رضي الله عنهم قال: "لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (2) قال رسول الله عليه السلام: يا علي، اصنع رِجْل شاة بصاع من طعام، واجمع لي بني هاشم -وهم يومئذٍ أربعون رجلًا أو أربعين غير رجل- قال: فدعى رسول الله عليه السلام بالطعام فوضعه بينهم، فأكلوا حتى شبعوا -وإن منهم مَن يأكل الجذعة بإدامها- ثم تناول القدح فشربوا منه حتى رووا -يعني من اللبن- فقال بعضهم: ما رأينا كالسحر.

(1)"مسند البزار"(2/ 104 رقم 455).

(2)

سورة الشعراء، آية:[214].

ص: 206

يرون أنه أبو لهب الذي قاله -فقال: يا علي اصنع رجل شاة بصاع من طعام واعدد قعبًا من لبن. قال: ففعلت، قال: يا علي اجمع لي بني هاشم فجمعتهم، فأكلوا وشربوا، فبدرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم يقضي عني ديني؟ قال: فسكت وسكت القوم، فأعاد رسول الله عليه السلام المنطق، فقلت: أنا يا رسول الله، قال: أنت يا علي أنت يا علي".

ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو، قالا:"لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (1) انطلق رسول الله عليه السلام إلى رضمة من جبل فعلا أعلاها، ثم قال: يا بني عبد مناف إني نذير".

ففي هذا أنه قصد بني أبيه الرابع.

ش: أي: وقد روي عن النبي عليه السلام أيضًا في معنى القرابة في الأب الرابع.

وأخرجه بإسناد صحيح، عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري، عن يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان عبد الرحمن ابن مل النهدي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي الصحابي وزهير بن عمرو الهلالي الصحابي رضي الله عنهما.

وأخرجه مسلم (2): ثنا أبو كامل، ثنا يزيد بن زريع، عن سليمان بن طرخان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن قبيصة وزهير قالا:"لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (1) انطلق نبي الله عليه السلام إلى رضمة من جبل، فعلا أعلاها، ثم قال: يا بني عبد مناف، إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف: يا صباحاه".

(1) سورة الشعراء، آية:[214].

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 193 رقم 207).

ص: 207

قوله: "إلى رضمة" الرضمة واحدة الرضم والرضام وهي دون الهضاب، وقيل: صخور بعضها على بعض.

ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود وحيان بن غالب، قالا: ثنا ضمام، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن رسول الله عليه السلام أنه قال:"يا بني هاشم، يا بني قصي، يا بني عبد مناف، أنا النذير، والموت المغير، والساعة الموعود".

ففي هذا الحديث أنه دعا بني أبيه الخامس.

ش: أي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا في معنى القرابة في الأب الخامس.

وأخرجه عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار المرادي، وحسان بن غالب بن نجيح المصري ضعيف ومتروك، كلاهما عن ضمام -بكسر الضاد المعجمة- بن إسماعيل البصري الثقة، عن موسى بن وردان القرشي المصري القاضي، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وهذا الحديث عند المصريين.

ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد وعفان، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة قال:"لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (1) قام نبي الله عليه السلام فنادى: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها".

ففي هذا الحديث أنه دعى معهم بني أبيه السابع لأب، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي.

(1) سورة الشعراء، آية:[214].

ص: 208

ش: أي: قد روي عن النبي عليه السلام أيضًا في معنى القرابة في الأب السابع.

أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، وعفان بن مسلم الصفار، شيخ أحمد، كلاهما عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى ابن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني، عن أبي هريرة.

وأخرجه مسلم (1): نا قتيبة وزهير بن حرب، قالا: ثنا جرير، عن عبد الملك ابن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة قال:"لما نزلت هذه الآية {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (2) دعى رسول الله عليه السلام قريشًا فاجتمعوا، فَعَمَّ وخَصَّ، فقال: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها".

وأخرجه أيضًا (1): عن القواريري، عن أبي عوانة. . . . إلى آخره نحو رواية الطحاوي.

وأخرجه الترمذي (3) والنسائي (4) أيضًا.

قوله: "أنقذوا" من الإنقاذ وهو التخليص والإنجاء، يقال: أنقذه من فلان واستنقذه منه وينقذه بمعنى، أي نجَّاه وخلَّصه.

(1)"صحيح مسلم"(1/ 192 رقم 204).

(2)

سورة الشعراء، آية:[214].

(3)

"جامع الترمذي"(5/ 338 رقم 3185).

(4)

"المجتبى"(6/ 248 رقم 3644).

ص: 209

قوله: "سأبلها ببلالها" أي أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئًا. والبلال جمع بلل، وقيل: هو كل ما بلَّ الحلق من ماء أو لبن أو غيره.

قال عياض في "شرح مسلم": رويناه بكسر الباء. قال أبو عمر: يقال: بللت رحمي بلًّا وبلالًا وبللًا. قال الأصمعي: وصلتها ونديتها بالصلة، وقال الخطابي: بِبَلالها بالفتح كالمِلَال، وقال الهروي: البلال جمع بَلَل كجمل وجمال.

ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لما أنزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (1) صعد رسول الله عليه السلام على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني فلان، لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر. وجاء أبو لهب وقريش فاجتمعوا، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".

ففي هذا الحديث أنه دعى بطون قريش كلها.

ش: أي: وقد روي عن رسول الله عليه السلام أيضًا في معنى القرابة في الآباء القريبة والبعيدة كلهم.

أخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص شيخ البخاري، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن عمرو بن مرة. . . . إلى آخره.

وأخرجه مسلم (2): ثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما

(1) سورة الشعراء، آية:[214].

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 193 رقم 208).

ص: 210

نزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (1) ورهطك منهم المخلصين" خرج رسول الله عليه السلام حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال: فقال أبو لهب: تبًّا لك أما جمعتنا إلا لهذا؟! ثم قام، فنزلت هذه السورة "تبت يدا أبي لهب وقد تب" (2) كذا قراءة الأعمش .. إلى آخر السورة".

ص: وقد روي مثل ذلك أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه.

حدثنا يونس، قال: ثنا سلامة بن روح، قال: ثنا عقيل، حدثني الزهري قال: قال سعيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله عليه السلام حين نزل عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (1): يا معشر قريش استبرءوا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف استبرءوا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا".

حدثثا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد وأبو سلمة، أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه السلام. . . . ثم ذكر مثله، غير أنه قال:"يا صفية، يا فاطمة".

ففي هذا الحديث أيضًا أن رسول الله عليه السلام لما أمره الله عز وجل أن ينذر عشيرته الأقربين دعى عشائر قريش، وفيهم من يلقاه عند أبيه الثاني، وفيهم من يلقاه

(1) سورة الشعراء، آية:[214].

(2)

سورة المسد، آية:[1].

ص: 211

عند أبيه الثالث، وفيهم من يلقاه عند أبيه الرابع، وفيهم من يلقاه عند أبيه الخامس، وفيهم من يلقاه عند أبيه السادس، وفيهم من يلقاه عند أبائه الذين فوق ذلك إلا أنه ممن جمعته وآبائه قريش، فبطل بذلك قول أهل هذه المقالة، وثبتت إحدى المقالات الأخرى.

ش: أي: وقد روي مثل ما روي عن ابن عباس عن أبي هريرة.

وأخرجه من طريقين صحيحين:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن سلامة بن روح بن خالد الأيلي، عن عمه عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، كلاهما عن أبي هريرة.

وأخرجه النسائي (1): عن محمد بن خالد، عن بشر بن شعيب، عن أبيه، عن الزهري، عنهما نحوه.

الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم الزهري. . . . إلى آخره.

وأخرجه مسلم (2): عن حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال:"قال رسول الله عليه السلام حين أنزل الله عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (3): يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئتِ لا أغني عنك من الله شيئًا".

(1)"المجتبى"(6/ 249 رقم 3647).

(2)

"صحيح مسلم"(1/ 192 رقم 206).

(3)

سورة الشعراء، آية:[214].

ص: 212

قوله: "اشتروا أنفسكم من الله" قد تكون بمعنى بيعوا؛ قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} (1) وقد يكون على وجه: أن أنقذوها من عذابه.

ص: فنظرنا في قول من بدأ منهم مَن قرب رحمه على مَن هو أبعد رحمًا منه؛ فوجدنا رسول الله عليه السلام لما قسم سهم ذوي القربى عمَّ به بني هاشم وبني المطلب، وبعض بني هاشم أقرب إليه من بعض، وبعض بني المطلب أيضًا أقرب إليه من بعض، وبنو هاشم أقرب إليه من بني المطلب، فلما لم يقدم رسول الله عليه السلام في ذلك مَنْ قَربت رحمه منه على مَن هو أبعد إليه رحمًا منه، وجعلهم كلهم قرابة له يستحقون ما جعل الله عز وجل لقرابته فكذلك من قربت رحمه في الوصية لقرابة فلان لا يستحق بقرب رحمه منه شيئًا مما جعل الله لقرابته إلا كما يستحق سائر قرابته ممن رحمه منه أبعد من رحمه؛ فهذه حجة.

ش: لما أبطل الطحاوي رحمه الله: المقالة الرابعة بقوله: فبطل بذلك قول أهل هذه المقالة. وأشار إلى ثبوت إحدى المقالات الأخر بقوله: وثبت إحدى المقالات الأخر وهي المقالة الأولى والثانية والثالثة والخامسة؛ بيَّن هاهنا تلك المقالة الصحيحة التي كان نص عليها مجملًا؛ وذلك بطريق الاستنباط من الأحاديث المذكورة فنص أن المقالة الصحيحة من تلك المقالات الخمس هي المقالة الخامسة وهي التي ذهب إليها مالك والشافعي وأحمد، وأوضح بطلان بقية المقالات التي ذهب إليها أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وغيرهم، وهذا الذي سلكه هو طريق المجتهدين المستنبطين للأحكام من الكتاب والسنة، ألا ترى أن اجتهاده لما أدى إلى ما نص عليه بطريق الاستنباط الصحيح من الأحاديث المذكورة ترك تقليده لأبي حنيفة وصاحبيه.

وأيضًا فهذا يدل على أنه لا يقلد أحدًا إلا فيما وافق اجتهاد ذلك المقلَّد اجتهاده، حتى إذا كان اجتهاد ذلك المقلَّد خلاف ما أدى إليه اجتهاده ترك ذلك

(1) سورة التوبة، آية:[111].

ص: 213

وصار الاجتهاد بنفسه فهذه هي غاية درجات المجتهدين ممن يقتدى بهم في الدين، رضي الله عنهم أجمعين.

ص: وحجة أخرى: أن أبا طلحة رضي الله عنه لما أمره رسول الله عليه السلام أن يجعل أرضه في فقراء قرابته جعلها لحسان وأُبي، وإنما يلتقي هو وأُبي عند أبيه السابع، ويلتقي هو وحسان عند أبيه الثالث؛ لأن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، وأبا طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، فلم يقدِّم أبو طلحة في ذلك حسانًا لقرب رحمه منه على أُبي رضي الله عنه لبعد رحمه منه، ولم يرَ واحدًا منهما مستحقًا بقرابته منه في ذلك إلا لما يستحق منه الآخر فثبت بذلك أيضًا فساد هذا القول.

ش: أي: ودليل آخر في بطلان قول أهل المقالة الرابعة: أن أبا طلحة زيد بن سهل رضي الله عنه. . . . إلى آخره. وهو ظاهر.

وأشار بقوله: "فساد هذا القول" إلى القول المنسوب لأهل المقالة الرابعة.

ص: ثم رجعنا إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة رضي الله عنه فرأينا رسول الله عليه السلام لما قسم سهم ذوي القربى أعطى بني هاشم جميعًا، وفيهم من رحمه منه رحم محرمة، وفيهم من رحمه منه رحم غير محرمة، وأعطى بني المطلب معهم، وأرحامهم جميعًا منه غير محرمة.

وكذلك أبو طلحة أعطى أبيًّا وحسانًا ما أعطاهما على أنهما قرابة ولم يخرجهما من قرابته ارتفاع الحرمة من رحمهما منه، فبطل بذلك أيضًا ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله.

ش: بطلان ما ذهب إليه أبو حنيفة في هذا الباب ظاهر؛ لأن قسمة النبي عليه السلام سهم ذوي القربى، وإعطاء أبي طلحة أُبيًّا وحسانًا على الوجه المذكور يفسدان ما ذهب إليه من أن القرابة هم كل ذي رحم محرم من فلان، من قبل أبيه أو من قبل أمه، غير أنه يبدأ في ذلك من كانت قرابته منه من قبل أبيه على مَن كانت قرابته من قبل أمه.

ص: 214

ص: ثم رجعنا إلى ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد، فرأينا رسول الله عليه السلام أعطى سهم ذوي القربى بني هاشم وبني المطلب، ولا يجتمع هو وواحد منهم إلى أب منذ كانت الهجرة، إنما يجتمع هو وهم عند أباء كانوا في الجاهلية، وكذلك أبو طلحة وأُبَي وحسان لا يجتمعون عند أب إسلامي إنما يجتمعون عند أب كان في الجاهلية، ولم يمنعهم ذلك أن يكونوا له قرابة فيستحقون ما جعل للقرابة، فكذلك قرابة الموصي لقرابته لا يمنعهم من تلك الوصية أن لا يجمعهم واياه أب منذ كانت الهجرة، فبطل بذلك قول أبي يوسف ومحمد، وثبت القول الآخر، فثبت أن الوصية في ذلك لكل مَن توقف على نسبه أبا عن أب، أو أمًّا عن أم، حتى يلتقي هو والموصي لقرابته إلى جد واحد في الجاهلية أو في الإسلام، بعد أن يكون أولئك الآباء آباء قد يستحق بالقرابة لهم المواريث في حال، وتقوم بالإنسان منهم الشهادات على سياقه ما بين الموصي لقرابته وبينهم من الآباء أو من الأمهات.

فهذا القول عندنا هو أصح ما وجدناه في هذا الباب.

ش: بطلان ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد أيضًا ظاهر على ما لا يخفى، فافهم.

ص: 215