الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضَامِنًا لَهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُوَكِّلِ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ لِتَحْصِيلِ ثَمَنِهِ، فَلَا يَرْضَى بِتَضْيِيعِهِ، وَلِهَذَا يُعَدُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُضَيِّعًا مُفَرِّطًا. وَإِنْ لَمْ تَدُلّ الْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ.
[فَصْلٌ وَكَّلَ فِي بَيْعِ شَيْءٍ أَوْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ أَوْ قَسَمَ شَيْءٍ]
(3755)
فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ، أَوْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ، أَوْ قَسْمِ شَيْءٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَمْلِكُ تَثْبِيتَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْقِسْمَةِ وَطَلَبِ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى مَا وَكَّلَهُ فِيهِ إلَّا بِالتَّثْبِيتِ. وَالثَّانِي، لَا يَمْلِكُهُ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَمْ يَتَضَمَّنْ الْإِذْنُ فِي أَحَدِهِمَا الْإِذْنَ فِي الْآخَرِ.
[فَصْلٌ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ]
(3756)
فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ، مَلَكَ تَسْلِيمَ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَتِمَّتِهِ وَحُقُوقِهِ، فَهُوَ كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ. فِي الْبَيْعِ. وَالْحُكْمُ فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ كَالْحُكْمِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ. فَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا، وَنَقَدَ ثَمَنَهُ، فَخَرَجَ الْعَبْدُ مُسْتَحَقًّا؛ فَهَلْ يَمْلِكُ أَنْ يُخَاصِمَ الْبَائِعَ فِي الثَّمَنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا، وَقَبَضَهُ، وَأَخَّرَ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ. وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، مِثْلُ أَنْ ذَهَبَ لِيَنْقُدَهُ فَهَلَكَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي إمْسَاكِهِ كَمَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ.
[فَصْلٌ وَكَّلَ فِي قَبْضِ دَيْنٍ مِنْ رَجُلٍ فَمَاتَ]
(3757)
فَصْلٌ: وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ دَيْنٍ مِنْ رَجُلٍ، فَمَاتَ؛ نَظَرْت فِي لَفْظِهِ؛ فَإِنْ قَالَ: اقْبِضْ حَقِّي مِنْ فُلَانٍ. لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ مِنْ وَارِثِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ. وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْ حَقِّي الَّذِي قِبَلَ فُلَانٍ. أَوْ عَلَى فُلَانٍ. فَلَهُ مُطَالَبَةُ وَارِثِهِ وَالْقَبْضُ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ مِنْ الْوَارِثِ قَبْضٌ لِلْحَقِّ الَّذِي عَلَى مَوْرُوثِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ قَالَ: اقْبِضْ حَقِّي مِنْ زَيْدٍ. فَوَكَّلَ زَيْدٌ إنْسَانًا فِي الدَّفْعِ إلَيْهِ، كَانَ لَهُ الْقَبْضُ مِنْهُ، وَالْوَارِثُ نَائِبُ الْمَوْرُوثِ، فَهُوَ كَوَكِيلِهِ.
قُلْنَا: إنَّ الْوَكِيلَ إذَا دَفَعَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ جَرَى مَجْرَى تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إلَى الْوَرَثَةِ فَاسْتَحَقَّتْ الْمُطَالَبَةُ عَلَيْهِمْ، لَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمَوْرُوثِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، حَنِثَ بِفِعْلِ وَكِيلِهِ لَهُ، وَلَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ وَارِثِهِ.
[مَسْأَلَةٌ بَاعَ الْوَكِيلُ ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرٍ تَعَدٍّ]
(3758)
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرٍ تَعَدٍّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. فَإِنْ اُتُّهِمَ، حَلَفَ)
إذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ، لَمْ يَخْلُ مِنْ سِتَّةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي التَّلَفِ، فَيَقُولَ الْوَكِيلُ تَلِفَ مَالُكَ فِي يَدِي، أَوْ الثَّمَنُ الَّذِي قَبَضْته ثَمَنَ مَتَاعِك تَلِفَ فِي يَدِي. فَيُكَذِّبُهُ الْمُوَكِّلُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَهَذَا مِمَّا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، فَلَا يُكَلَّفُ ذَلِكَ كَالْمُودِعِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ لِغَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْأَمَانَةِ، كَالْأَبِ، وَالْوَصِيِّ، وَأَمِينِ الْحَاكِمِ، وَالْمُودِعِ، وَالشَّرِيكِ، وَالْمُضَارِبِ، وَالْمُرْتَهِنِ، وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ ذَلِكَ مَعَ تَعَذُّرِهِ عَلَيْهِ، لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الْأَمَانَات مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، فَيَلْحَقُهُمْ الضَّرَرُ.
قَالَ الْقَاضِي: إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ التَّلَفَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ، كَالْحَرِيقِ وَالنَّهْبِ وَشِبْهِهِمَا، فَعَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى وُجُودِ هَذَا الْأَمْرِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، ثُمَّ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي تَلَفِهَا بِذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْأَمْرِ الظَّاهِرِ مِمَّا لَا يَخْفَى، فَلَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي تَعَدِّي الْوَكِيلِ أَوْ تَفْرِيطِهِ فِي الْحِفْظِ، وَمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ مُوَكِّلِهِ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّك حَمَلْت عَلَى الدَّابَّةِ فَوْقَ طَاقَتِهَا، أَوْ حَمَلْت عَلَيْهَا شَيْئًا لِنَفْسِك، أَوْ فَرَّطْت فِي حِفْظِهَا، أَوْ لَبِسْت الثَّوْبَ، أَوْ أَمَرْتُك بِرَدِّ الْمَالِ فَلَمْ تَفْعَلْ. وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَلِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَمَتَى ثَبَتَ التَّلَفُ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ، إمَّا لِقَبُولِ قَوْلِهِ، وَإِمَّا بِإِقْرَارِ مُوَكِّلِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ تَلِفَ الْمَتَاعُ الَّذِي أُمِرَ بِبَيْعِهِ، أَوْ بَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ فَتَلِفَ الثَّمَنُ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِجَعْلٍ أَوْ بِغَيْرِ جَعْلٍ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمَالِكِ فِي الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ، فَكَانَ الْهَلَاكُ فِي يَدِهِ كَالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمَالِكِ، وَجَرَى مَجْرَى الْمُودِعِ وَالْمُضَارِبِ وَشِبْهِهِمَا. وَإِنْ تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ، ضَمِنَ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأُمَنَاءِ. وَلَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ سِلْعَةً وَقَبَضَ ثَمَنَهَا، فَتَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، وَاسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَهُ، فَالرُّجُوعُ بِالْعُهْدَةِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ.
الْحَالُ الثَّالِثَةُ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي التَّصَرُّفِ، فَيَقُولَ الْوَكِيلُ: بِعْت الثَّوْبَ وَقَبَضْت الثَّمَنَ، فَتَلِفَ. فَيَقُولُ الْمُوَكِّلُ: لَمْ تَبِعْ وَلَمْ تَقْبِضْ. أَوْ يَقُولَ: بِعْت وَلَمْ تَقْبِضْ شَيْئًا. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالْقَبْضَ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِمَا، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ وَلِيِّ الْمَرْأَةِ الْمُجْبَرَةِ عَلَى النِّكَاحِ فِي تَزْوِيجِهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ.
وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ لَغَيْرِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ. وَإِنْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ، فَاشْتَرَاهُ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ، فَقَالَ: اشْتَرَيْته بِأَلْفِ. وَقَالَ: بَلْ اشْتَرَيْته بِخَمْسِمِائَةٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَيَّنَ لَهُ الشِّرَاءَ بِمَا ادَّعَاهُ، فَقَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفٍ.
فَادَّعَى الْوَكِيلُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ إذًا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَصْلِ شَيْءٍ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ الشِّرَاءُ فِي الذِّمَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ مُطَالَبٌ بِالثَّمَنِ. وَإِنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ؛ لِكَوْنِهِ الْغَارِمَ؛ فَإِنَّهُ يُطَالِبُهُ بِرَدِّ مَا زَادَ عَلَى خُمْسِ الْمِائَةِ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الشِّرَاءِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِ ثَمَنِ الْمُشْتَرَيْ، كَالْمُضَارِبِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ بِأَلْفٍ عِنْدَ الْقَاضِي.
الْحَالُ الرَّابِعَةُ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الرَّدِّ، فَيَدَّعِيَهُ الْوَكِيلُ، فَيُنْكِرَهُ الْمُوَكِّلُ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ جَعْلٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ مَالِكِهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَالْمُودِعِ، وَإِنْ كَانَ بِجَعْلٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَالْأَوَّلِ. وَالثَّانِي، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ كَالْمُسْتَعِيرِ وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي رَدِّ الْعَيْنِ، أَوْ رَدِّ ثَمَنِهَا. وَجُمْلَةُ الْأُمَنَاءِ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، مَنْ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ مَالِكِهِ لَا غَيْرُ، كَالْمُودَعِ وَالْوَكِيلِ بِغَيْرِ جَعْلٍ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ هَذِهِ الْأَمَانَاتِ، فَيَلْحَقُ النَّاسَ الضَّرَرُ. الثَّانِي، مَنْ يَنْتَفِعُ بِقَبْضِ الْأَمَانَةِ، كَالْوَكِيلِ بِجَعْلٍ، وَالْمُضَارِبِ، وَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَالْمُرْتَهِنِ، فَفِيهِمْ وَجْهَانِ. ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُضَارِبِ فِي الرَّدِّ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُضَارِبِ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَلِأَنَّ مَنْ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ. وَلَوْ أَنْكَرَ الْوَكِيلُ قَبْضَ الْمَالِ، ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ اعْتِرَافٍ، فَادَّعَى الرَّدَّ أَوْ التَّلَفَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ خِيَانَتَهُ قَدْ ثَبَتَتْ بِجَحْدِهِ. فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ الرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ، فَهَلْ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا بِجَحْدِهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: مَا قَبَضْت. يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا.
وَالثَّانِي: تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الرَّدَّ وَالتَّلَفَ قَبْلَ وُجُودِ خِيَانَتِهِ. وَإِنْ كَانَ جُحُودُهُ أَنَّك لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا، أَوْ مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، سُمِعَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ جَوَابَهُ لَا يُكَذِّبُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ قَدْ تَلِفَ
أَوْ رُدَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ. فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ رَدَّهُ أَوْ تَلِفَ بَعْدَ قَوْلِهِ: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ. فَلَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ أَيْضًا؛ لِثُبُوتِ كَذِبِهِ وَخِيَانَتِهِ.
الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ، إذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْوَكَالَةِ، فَقَالَ: وَكَّلْتنِي. فَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوَكَالَةِ، فَلَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ أَمِينُهُ لِيُقْبَلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك، وَدَفَعْت إلَيْك مَالًا. فَأَنْكَرَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، أَوْ اعْتَرَفَ بِالتَّوْكِيلِ، وَأَنْكَرَ دَفْعَ الْمَالِ إلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: وَكَّلْتنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ لَك فُلَانَةَ، بِصَدَاقِ كَذَا، فَفَعَلْت. وَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، فَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ عَقْدُ النِّكَاحِ. قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا يُسْتَحْلَفُ.
قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَدَّعِي حَقًّا لِغَيْرِهِ. فَأَمَّا إنْ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحْلَفَ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي الصَّدَاقَ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ الصَّدَاقُ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْوَكِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمَرْأَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ. وَنَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْوَكِيلَ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي الشِّرَاءِ ضَامِنٌ لِلثَّمَنِ، وَلِلْبَائِعِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ، كَذَا هَاهُنَا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَيُفَارِقُ الشِّرَاءَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَقْصُودُ الْبَائِعِ، وَالْعَادَةُ تَعْجِيلُهُ وَأَخْذُهُ مِنْ الْمُتَوَلِّي لِلشِّرَاءِ، وَالنِّكَاحُ يُخَالِفُهُ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ الْوَكِيلُ ضَمِنَ الْمَهْرَ، فَلَهَا الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهُ عَنْ الْمُوَكِّلِ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَلْزَمُ الْوَكِيلَ جَمِيعُ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِإِنْكَارِهِ، فَيَكُونُ ثَابِتًا فِي الْبَاطِنِ، فَيَجِبُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ. وَلَنَا، أَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ، فَإِذَا أَنْكَرَ فَقَدْ أَقَرَّ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ إيقَاعِهِ لَهَا تَحْرُمُ بِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا تَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةُ حَتَّى يُطَلِّقَ، لَعَلَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا فِي إنْكَارِهِ. وَظَاهِرُ هَذَا تَحْرِيمُ نِكَاحِهَا قَبْلَ طَلَاقِهَا؛ لِأَنَّهَا مُعْتَرِفَةٌ بِأَنَّهَا زَوْجَةٌ لَهُ، فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهَا، وَإِنْكَارُهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ.
وَهَلْ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ طَلَاقُهَا؟ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِ نِكَاحٌ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يُكَلِّفْ الطَّلَاقَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَلَّفَهُ، لِإِزَالَةِ الِاحْتِمَالِ، وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهَا بِمَا لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ. فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ. وَلَوْ ادَّعَى أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَهُ فِي تَزَوُّجِ امْرَأَةٍ، فَتَزَوَّجَهَا لَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْغَائِبُ، لَمْ تَرِثْهُ الْمَرْأَةُ، إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْوَرَثَةُ، أَوْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ. وَإِنْ أَقَرَّ الْمُوَكِّلُ بِالتَّوْكِيلِ فِي التَّزْوِيجِ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ تَزَوَّجَ لَهُ، فَهَاهُنَا الِاخْتِلَافُ فِي تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ فِيهِ، فَيَثْبُتُ التَّزْوِيجُ هَاهُنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَثْبُتُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا. وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ. وَأَشَارَ إلَى نَصَّهُ فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ مِنْ أَصْلِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي فِعْلِ الْوَكِيلِ مَا أُمِرَ بِهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ ثَوْبٍ فَادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ، أَوْ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ، فَلَيْسَ بِنَصِّ هَاهُنَا؛ لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِ الصُّورَتَيْنِ وَتَبَايُنِهِمَا، فَلَا يَكُونُ النَّصُّ فِي إحْدَاهُمَا نَصًّا فِي الْأُخْرَى. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى لَا أَصْلَ لَهُ، فَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ. وَلَوْ غَابَ رَجُلٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ إلَى امْرَأَتِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَأَبَانَهَا، وَوَكَّلَهُ فِي تَجْدِيدِ نِكَاحِهَا بِأَلْفِ. فَأَذِنَتْ لَهُ فِي نِكَاحِهَا، فَعَقَدَ عَلَيْهَا، وَضَمِنَ الْوَكِيلُ الْأَلْفَ، ثُمَّ جَاءَ زَوْجُهَا فَأَنْكَرَ هَذَا كُلَّهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَالنِّكَاحُ الْأَوَّلُ بِحَالِهِ.
وَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إنْ صَدَّقَتْ الْوَكِيلَ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ، إلَّا أَنْ يُبِينَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَزُفَرَ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمَضْمُونَ عَنْهُ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ فَرْعُهُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْوَكِيلَ مُقِرٌّ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ ضَامِنٌ عَنْهُ، فَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ أَلْفًا عَلَى أَجْنَبِيٍّ، فَأَقَرَّ الضَّامِنُ بِالضَّمَانِ وَصِحَّتِهِ وَثُبُوتِ الْحَقِّ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَكَمَا لَوْ ادَّعَى شُفْعَةً عَلَى إنْسَانٍ فِي شِقْصٍ اشْتَرَاهُ، فَأَقَرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيْعِ، وَأَنْكَرَهُ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ الْمَرْأَةُ صِحَّةَ مَا ذَكَرَهُ الْوَكِيلُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ أَسْقَطَ عَنْهُ الضَّمَانَ أَسْقَطَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَمَنْ أَوْجَبَهُ أَوْجَبَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى، فَلَا يَكُونُ فِيهَا اخْتِلَافٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَالُ السَّادِسَةُ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي صِفَةِ الْوَكَالَةِ، فَيَقُولَ: وَكَّلْتُك فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ. قَالَ: بَلْ وَكَّلْتنِي فِي بَيْعِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ. قَالَ: بَلْ بِأَلْفٍ. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي بَيْعِهِ نَقْدًا. قَالَ بَلْ نَسِيئَةً. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي شِرَاءِ عَبْدٍ. قَالَ: بَلْ فِي شِرَاءِ أَمَةٍ. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ. قَالَ: بَلْ بِعَشْرَةٍ. فَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا قَالَ: أَذِنْت لَك فِي الْبَيْعِ نَقْدًا، فِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ. قَالَ: بَلْ أَذِنْت لِي فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً، وَفِي الشِّرَاءِ بِعَشْرَةٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ، كَالْخَيَّاطِ إذَا قَالَ: أَذِنْت لِي فِي تَفْصِيلِهِ قَبَاءً. قَالَ: بَلْ قَمِيصًا.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِك، إنْ أَدْرَكَتْ السِّلْعَةَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ فَاتَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهَا إذَا فَاتَتْ لَزِمَ الْوَكِيلَ الضَّمَانُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي التَّوْكِيلِ الَّذِي يَدَّعِيه الْوَكِيلُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيه، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمُوَكِّلُ بِتَوْكِيلِهِ فِي غَيْرِهِ