المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب الأشربة والمخدرات] - الفتاوى الفقهية الكبرى - جـ ٤

[ابن حجر الهيتمي]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ الْوَصِيَّةِ]

- ‌[بَابُ الْوَدِيعَةِ]

- ‌[بَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ]

- ‌[بَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ]

- ‌[بَابُ خَصَائِصِهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[كِتَابُ النِّكَاحِ]

- ‌[بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ]

- ‌[بَابُ خِيَارِ النِّكَاحِ]

- ‌[بَابٌ فِي الصَّدَاقِ]

- ‌[بَابُ الْوَلِيمَةِ]

- ‌[بَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزِ]

- ‌[بَابُ الْخُلْعِ]

- ‌[بَابُ الطَّلَاقِ]

- ‌[بَابُ الرَّجْعَةِ]

- ‌[بَابُ الظِّهَارِ]

- ‌[بَابُ الْعِدَدِ]

- ‌[بَابُ الْقَذْفِ وَاللِّعَانِ]

- ‌[بَابُ النَّفَقَةِ]

- ‌[بَابُ الْحَضَانَةِ]

- ‌[كِتَابُ الْجِرَاحِ]

- ‌[بَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ]

- ‌[بَابُ الْبُغَاةِ]

- ‌[بَابُ الْأَشْرِبَةِ وَالْمُخَدَّرَات]

- ‌[بَابُ التَّعَازِيرِ وَضَمَانِ الْوُلَاةِ]

- ‌[بَابُ الرِّدَّةِ]

- ‌[بَابُ الصِّيَالِ]

- ‌[بَابُ الزِّنَا]

- ‌[بَابُ السَّرِقَةِ]

- ‌[بَابُ السِّيَرِ]

- ‌[بَابُ الْهُدْنَةِ]

- ‌[بَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ]

- ‌[بَابُ الْأُضْحِيَّةِ]

- ‌[بَابُ الْعَقِيقَةِ]

- ‌[بَابُ الْأَطْعِمَةِ]

- ‌[بَابُ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ]

- ‌[بَابُ الْأَيْمَانِ]

- ‌[بَابُ النَّذْرِ]

- ‌[بَابُ الْقَضَاءِ]

- ‌[بَابُ إلْحَاقِ الْقَائِف]

- ‌[بَابُ الْقِسْمَةِ]

- ‌[بَابُ الشَّهَادَاتِ]

- ‌[بَاب الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ]

- ‌[بَابُ الْعِتْقِ]

- ‌[بَابُ التَّدْبِيرِ]

- ‌[بَابُ الْكِتَابَةِ]

- ‌[بَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ]

الفصل: ‌[باب الأشربة والمخدرات]

أَمَّرَهُ عَلَى جَيْشٍ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه إلَى الشَّامِ وَكَانَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُمْ - فِي ذَلِكَ السَّفَرِ يَدْعُونَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُ - يَدْعُوهُ بِذَلِكَ وَيَقُولُ لَهُ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنْتَ عَلَيَّ أَمِيرٌ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ عَمَّنْ هُوَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيَسْكُنُ فِي بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ الْحَرْبِيِّينَ وَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِمْ مَنْ يَكُونُ لَهُ التَّكَلُّمُ فِي الْبَلَدِ خَرَجُوا إلَيْهِ وَلَاقَوْهُ وَكَثَّرُوا سَوَادَهُ وَرَكِبُوا مَعَهُ وَزَادُوا فِي صُفُوفِهِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فَمَا يَلْزَمُهُمْ بِهَذِهِ الْفِعْلَةِ وَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟

(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ إنْ خَشَوْا ضَرَرًا عَلَى نَحْوِ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ مَالِهِمْ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ جَازَ لَهُمْ فِعْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَخْشَوْا شَيْئًا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ شَيْءٌ مِمَّا فِيهِ تَعْظِيمُ الْكَافِرِ فَيُعَزَّرُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ التَّعْزِيرِ الْبَلِيغِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَ الْحَرْبِيِّ الْمُشْرِكِ وَأَنْ يَقُومَ إلَيْهِ وَأَنْ يُصَافِحَهُ وَأَنْ يَتَخَضَّعَ إلَيْهِ وَكُلُّ ذَلِكَ لِيَنَالَهُ مِنْهُ مَالِيَّةٌ وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَمَاذَا يَلْزَمُهُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعَظِّمَ الْكَافِرَ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْظِيمِ سَوَاءٌ الْمَذْكُورَاتُ وَغَيْرُهَا وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ طَمَعًا فِي مَالِ الْكَافِرِ فَهُوَ آثِمٌ جَاهِلٌ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم «مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ لِأَجْلِ غِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ» فَإِذَا كَانَ التَّوَاضُعُ لِلْمُسْلِمِ الْغَنِيِّ يُذْهِبُ ثُلُثَيْ الدَّيْنِ فَمَا بَالُك بِالتَّوَاضُعِ لِلْكَافِرِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

[بَابُ الْأَشْرِبَةِ وَالْمُخَدَّرَات]

(سُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فِيهَا بِجَوَابٍ مُخْتَصَرٍ ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ بَعْضَ الْمُفْتِينَ أَفْتَى بِخِلَافِ ذَلِكَ فَصَنَّفَ فِيهَا تَصْنِيفًا سَمَّاهُ تَحْذِيرُ الثِّقَاتِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْقَاتِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْفَتَاوَى بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ وَذَلِكَ الْمُصَنِّفُ أَحْمَدُك اللَّهُمَّ أَنْ مَنَنْتَ عَلَى الْمُصْطَفِينَ مِنْ عِبَادِك بِمُجَانَبَةِ سُبُلِ الشُّبُهَاتِ وَحَبَوْتَهُمْ بِأَنْ يَذُودُوا النَّاسَ عَنْ أَنْ يَحُومُوا حَوْلَ حِمَى الْمُسْكِرَاتِ وَالْمُخَدِّرَات وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك شَهَادَةً أَنْجُو بِهَا مِنْ قَبِيحِ الْمُخَالَفَاتِ وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُك الَّذِي أَرْسَلْتَهُ مُكَمِّلًا لِسَائِرِ الْحَضَرَاتِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ حُمَاةِ الدِّينِ الْأَوْفَى وَكُمَاةِ فَتْحِ الْأَرْجَاءِ الَّذِينَ نَصَرُوا الْحَقَّ وَأَشَادُوا فَخْرَهُ وَدَمَغُوا الْبَاطِلَ وَأَهْلَهُ وَأَمَاتُوا ذِكْرَهُ مَا عَبَثَتْ بِخَوَامِدِ الْقَرَائِحِ أَرْوَاحَ الْقَبُولِ فَحَرَّكَتْهَا إلَى أَنْ ظَفَرَتْ بِبُلُوغِ الْمَأْمُولِ.

(أَمَّا بَعْدُ) فَهَذَا تَأْلِيفٌ شَرِيفٌ وَأُنْمُوذَجٌ لَطِيفٌ سَمَّيْتُهُ: (تَحْذِيرُ الثِّقَاتِ مِنْ أَكْلِ الْكُفْتَةِ وَالْقَاتِ) وَسَبَبُهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَيَّ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَمِنْ مَحْرُوسَتِي صَنْعَاءَ وَزَبِيدٍ أَدَامَ اللَّهُ تَعَالَى لِعُلَمَائِهِمَا غَايَاتِ التَّوْفِيقِ وَالتَّسْدِيدِ كُتُبٌ مُصَنَّفَةٌ وَآرَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ وَطَلَبَ مِنِّي التَّعْرِيضَ عَلَيْهَا وَالتَّقْرِيرَ لِمَا فِيهَا مِنْ حُكْمِ الْقَاتِ تَحْلِيلًا وَتَحْرِيمًا وَتَخْصِيصًا وَتَعْمِيمًا فَتَصَفَّحْتُهَا فَإِذَا هِيَ مُتَّسِعَةُ الْفِجَاجِ قَوِيَّةُ الْحِجَاجِ مُحْكَمَةُ الْإِطْنَابِ سَائِحَةُ الْإِطْنَابِ شَامِخَةُ الذُّرَى رَافِضَةُ الْمِرَى رَافِلَةٌ فِي حُلَلِ الْإِتْقَانِ وَاضِحَةُ الْأَدِلَّةِ وَالْبُرْهَانِ غَيْرُ مُتَبَايِنَةٍ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لِاتِّفَاقِهَا عَلَى الْحُكْمِ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الطَّرِيقِ كَمَا سَيَتَّضِحُ وَبِهِ الصَّدْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ سبحانه وتعالى يَنْشَرِحُ لَكِنَّهُ اخْتِلَافٌ اسْتَنَدَ كُلٌّ مِنْ طَرَفَيْهِ إلَى الْوَاقِعِ فِي التَّجْرِبَةِ وَالِاخْتِبَارِ وَالْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْإِخْبَارِ فَلِذَلِكَ أَظْلَمَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ الْقُلُوبَ وَحُقَّ لَنَا أَنْ نُفَوِّضَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِيهَا إلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ إذْ الْحُجَّةُ إمَّا عَقْلِيَّةٌ مَثَلًا أَوْ نَقْلِيَّةٌ مَثَلًا أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا وَالْعَقْلِيَّةُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا إنْ كَانَتْ مُقَدِّمَتُهَا يَقِينِيَّةٌ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تَنْتُجُ إلَّا قَطْعِيًّا حَقًّا وَلَازِمُ الْحَقِّ وَهِيَ مَا يَجْزِمُ بِهَا الْعَقْلُ بِمُجَرَّدِ تَصَوُّرِ طَرَفَيْهَا أَوْ بِوَاسِطَةٍ، أَوْ الْحِسِّ، أَوْ كِلَاهُمَا كَالْمُتَوَاتِرَاتِ وَالتَّجْرِيبِيَّاتِ وَالْحَدْسِيَّاتِ وَالنَّقْلِيَّةِ مَا صَحَّ نَقْلُهُ عَمَّنْ عُرِفَ صِدْقُهُ عَقْلًا وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَأَتَمُّ السَّلَامِ وَيُفِيدُ الْعِلْمَ وَكَذَا الظَّنَّ إنْ صَحِبَهَا تَوَاتُرٌ مَعَ انْتِفَاءِ الِاحْتِمَالَاتِ الْآتِيَةِ وَلَا يُفِيدُ غَيْرَ ذَلِكَ لَا غَيْرُهُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.

وَالْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ يُفِيدُ الْعِلْمَ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ

ص: 223

التَّوَاتُرِ بِمَعُونَةِ قَرِينَةٍ شُوهِدَتْ، أَوْ تَوَاتَرَتْ تُؤْذِنُ بِنَفْيِ الِاحْتِمَالَاتِ التِّسْعَةِ وَالْمُقَرَّرَةِ فِي مَحَلِّهَا وَهِيَ الْعِلْمُ بِعِصْمَةِ رُوَاةِ الْعَرَبِيَّةِ لُغَةً وَنَحْوًا وَصَرْفًا وَعَدَمِ النَّقْلِ وَعَدَمِ الْمَجَازِ وَعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ وَعَدَمِ الْإِضْمَارِ وَعَدَمِ النَّسْخِ وَعَدَمِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي لَوْ وُجِدَ لَقُدِّمَ عَلَى النَّقْلِيِّ قَطْعًا فَإِذَا وُجِدَتْ تِلْكَ الْقَرِينَةُ الْمُؤْذِنَةُ بِنَفْيِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ أَوْرَثَتْ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ النَّقْلِيِّ وَإِلَّا لَمْ تُفِدْ إلَّا الظَّنَّ.

وَبِالضَّرُورَةِ الْقَطْعِيَّةِ الْعِلْمُ بِحَقِيقَةِ هَذَا النَّبَاتِ مُتَعَسِّرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى الْعِلْمِ بِهَا إلَّا خَبَرُ الصَّادِقِ وَهُوَ مَا يَئِسَ مِنْهُ إلَى أَنْ يَنْزِلَ عِيسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ أَوْ التَّجْرِبَةُ وَهِيَ مُعْتَذِرَةٌ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَفَاضِلِ الْأَطِبَّاءِ فَإِنِّي لَمَّا سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا النَّبَاتِ قَالَ لِي إنَّهُ يُورِثُ مَضَارًّا مِنْهَا تَصْفِيرُ الْوَجْهِ وَتَقْلِيلُ شَهْوَةِ الطَّعَامِ وَتَفْتِيرُ الْبَاهِ وَإِدَامَةُ نُزُولِ الْوَدْيِ عَقِبَ الْبَوْلِ فَقُلْتُ مَا مُسْتَنَدُكَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَخْبَارُ الْمُسْتَعْمِلِينَ فَقُلْت لَهُ مَا يَكْفِي وَذَكَرْت لَهُ مَا يَأْتِي مِنْ التَّعَارُضِ ثُمَّ قُلْت لَهُ لَا بُدَّ أَنْ تَسْتَنِدَ إلَى حُجَّةٍ لَمْ يَقَعْ فِيهَا تَعَارُضٌ وَلَا نِزَاعٌ وَهِيَ التَّجْرِبَةُ فَقَالَ لَا يُمْكِنُنِي؛ لِأَنَّ التَّجْرِبَةَ تَسْتَدْعِي مِزَاجًا وَزَمَانًا وَمَكَانًا مُعْتَدِلَاتٍ وَعَدَالَةَ الْمُجَرِّبِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَمَّا يَجِدَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّبَاتِ فَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ حَتَّى يُقْبَلَ إخْبَارُهُ.

وَذَلِكَ كُلُّهُ مُتَعَذِّرٌ فِي هَذِهِ الْأَقَالِيمِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُعْتَدِلَةٍ وَأَيْضًا فَوُجُودُ عَدْلٍ يُقْدِمُ عَلَى هَذَا النَّبَاتِ الْمَجْهُولِ لِيُجَرِّبَهُ مُسْتَبْعَدٌ فَقُلْت لَهُ فَمَا الَّذِي تَظُنُّهُ فِي هَذَا النَّبَاتِ فَأَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا وَجَلَسَ عِنْدَهُ أَيَّامًا ثُمَّ قَالَ الَّذِي تَحَرَّرَ لِي أَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ اهـ.

فَنَتَجَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى الْعِلْمِ بِحَقِيقَتِهِ إلَّا مُجَرَّدُ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ مُتَعَاطِيهِ بِمَا يَجِدُونَهُ مِنْهُ وَلَمْ يَتِمَّ لِمَا عَلِمْت مِمَّا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ وَالِاخْتِلَافِ إذْ الْقَائِلُونَ بِالْحِلِّ نَاقِلُونَ عَنْ عَدَدٍ مُتَوَاتِرٍ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ وَالْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ نَاقِلُونَ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ أَنَّ فِيهِ آفَاتٍ وَمَفَاسِدَ مِنْهَا أَنَّهُ مُخَدِّرٌ وَمُغَيِّبٌ، أَوْ مُسْكِرٌ مُطْرِبٌ فَأَحَدُ الْخَبَرَيْنِ كَاذِبٌ قَطْعًا مَعَ رِعَايَةِ الْعُمُومِ سَلْبًا وَإِثْبَاتًا وَلَمَّا رَأَيْت هَذَا التَّعَارُضَ أَرَدْت أَنْ أَكْشِفَ بَعْضَ أَمْرِهِ بِالسُّؤَالِ مِمَّنْ تَعَاطَاهُ فَقَالَ لِي إمَامُ الشَّافِعِيَّةِ بِمَقَامِ خَلِيلِ اللَّهِ إبْرَاهِيمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ لَمَّا رَحَلَ إلَى زَبِيدٍ وَتَعِزْ مِنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ الْآنَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ ضَرَرًا يُوَجَّهُ لَا فِي رَطْبِهِ وَلَا فِي يَابِسِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ مُدَرِّسِي الشَّافِعِيَّةِ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ أَنَّهُ أَرَادَ فِي بِدَايَةِ أَمْرِهِ التَّجَرُّدَ فَأَرَادَ تَفْتِيرَ الشَّهْوَةِ فَوُصِفَ لَهُ يَابِسُهُ فَأَكَلَ مِنْهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ تَخْدِيرًا وَلَا غَيْبَةَ ذِهْنٍ بِوَجْهٍ وَقَالَ بَعْضُ مُدَرِّسِي الْحَنَفِيَّةِ زُرْت بَعْضَ مُتَصَوِّفَةِ الْيَمَنِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْمَكِّيِّ فَأَعْطَانِي قَلِيلًا مِنْهُ وَقَالَ لِي تَبَرَّكْ بِأَكْلِ هَذَا فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ فَأَكَلْت مِنْهُ فَوَجَدْت فِيهِ تَخْدِيرًا فَذَكَرْتُ لَهُ كَلَامَ ذَيْنِكَ فَقَالَ إنَّ عِنْدِي مَعْرِفَةً بِالطِّبِّ وَبَدَنِي مُعْتَدِلُ الْمِزَاجِ وَالطَّبْعِ فَاَلَّذِي أُدْرِكُهُ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ لَا يُدْرِكُهُ غَيْرِي وَقَدْ أَدْرَكْت مِنْهُ التَّخْدِيرَ وَدَوَرَانَ الرَّأْسِ وَلَا أَعُودُ لِأَكْلِهِ أَبَدًا وَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْأَشْرَافِ إنَّ فِيهِ غَيْبَةً عَنْ الْحَسَنِ وَأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ فَغَابَ مُدَّةً طَوِيلَةً لَا يَدْرِي السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا الطُّولَ مِنْ الْعَرْضِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ إنْ انْضَمَّ لِأَكْلِهِ دُسُومَةٌ لَمْ يُؤَثِّرْ وَإِلَّا أَثَّرَ وَبَعْضُهُمْ قَالَ لَا يُؤَثِّرُ مُطْلَقًا فَعِنْدَ وُقُوعِ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَافِي حَارَ الْفِكْرُ فِيهِ وَأَحْجَمَ الْعَقْلُ عَنْ أَنْ يَجْزِمَ فِيهِ بِتَحْلِيلٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ

وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ تَأْثِيرُهُ وَعَدَمُ تَأْثِيرِهِ بِاخْتِلَافِ الطِّبَاعِ بِغَلَبَةِ أَحَدِ الْأَخْلَاطِ وَالطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الْمُتَنَاقِضَةِ مَعَ عَدَالَةِ قَائِلِهَا وَبَعْدَ كَذِبِهِمْ إلَّا بِأَنْ يُفْرَضَ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي بَعْضِ الْأَبَدَانِ دُونَ بَعْضٍ وَإِذَا فُرِضَ صِدْقُ هَذَا الظَّنِّ وَأَنَّ هَذَا النَّبَاتَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ غَلَبَةِ بَعْضِ الْأَخْلَاطِ فَوَرَاءَ ذَلِكَ نَظَرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَا يَخْتَلِفُ كَذَلِكَ هَلْ النَّظَرُ فِيهِ إلَى عَوَارِضِهِ اللَّاحِقَةِ لَهُ فَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ ضَرَّهُ دُونَ مَنْ لَمْ يَضُرَّهُ، أَوْ إلَى ذَاتِهِ فَإِنْ كَانَ مُضِرًّا لِذَاتِهِ حَرُمَ مُطْلَقًا وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ مُطْلَقًا وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا فِي غَيْرِ هَذَا مِنْ النَّبَاتَاتِ الضَّارَّةِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ هُنَا وَفَارِقُ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِهِ

ص: 224

إسْكَارُهُ مَعَ نَجَاسَتِهِ فَإِذَا فُرِضَ انْتِفَاءُ إسْكَارِهِ حَرُمَ لِنَجَاسَتِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا لِهَذَا النَّبَاتِ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ وَلَا أَغْلَبِيٌّ وَمِنْ الضَّرَرِ، أَوْ عَدَمِهِ نُدِيرُ الْأَمْرَ عَلَيْهِ وَنَحْكُمُ بِقِيمَتِهِ وَإِنَّمَا الَّذِي تَحَصَّلْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا وَهُوَ أَنَّهُ يَتَعَذَّر الْجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الْأَخْبَارِ إذَا قُلْنَا بِاخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ الطِّبَاعِ وَلَيْسَ هَذَا أَمْرًا قَطْعِيًّا كَمَا عَلِمْت لِتَطَرُّقِ التُّهَمِ وَالْكَذِبِ إلَى بَعْضِ الْمُخْبِرِينَ عَنْهُ بِضَرَرٍ، أَوْ عَدَمِهِ وَتَوَاتُرُ الْخَبَرِ فِي جَانِبٍ مُعَارِضٍ بِتَوَاتُرِهِ فِي جَانِبٍ آخَرَ بِخِلَافِهِ فَسَقَطَ النَّظَرُ فِيهِ إلَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَوَجَبَ النَّظَرُ فِيهِ إلَى أَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ أَخْبَارٌ ظَنِّيَّةُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمَا قَدَّمْتُهُ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطِّبَاعِ إذْ الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ الْجَمْعُ لَا يُعْدَلُ إلَى التَّعَارُضِ وَعَلَى فَرْضِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِذَلِكَ لِمَا مَرَّ أَنَّ بَعْضَ الْمُخْبِرِينَ سَلَبَ الضَّرَرَ عَنْ هَذَا النَّبَاتِ سَلْبًا كُلِّيًّا وَبَعْضُهُمْ أَثْبَتَهُ لَهُ إثْبَاتًا كُلِّيًّا فَيَجِبُ الْإِمْعَانُ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُخْبِرِينَ بِدَلَائِلَ وَأَمَارَاتٍ بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِ الْمُسْتَدِلِّ وَتَضَلُّعِهِ مِنْ الْعُلُومِ السَّمْعِيَّةِ وَالنَّظَرِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ حَادِثَةٍ لَمْ يَسْبِقْ فِيهَا كَلَامُ الْمُتَقَدِّمِينَ كَهَذَا النَّبَاتِ فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ فِيهِ كَلَامًا بَعْدَ مَزِيدِ التَّفْتِيشِ وَالتَّنْقِيرِ فِي كُتُبِ الشَّرْعِ وَالطِّبِّ وَاللُّغَةِ لِغَيْرِ أَهْلِ عَصْرِنَا وَمَشَايِخِهِمْ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ كَمَا سَتَعْلَمُهُ

وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَبَبَ اخْتِلَافِهِمْ وَمَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ اخْتِلَافِ الْمُخْبِرِينَ وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ مُضِرٌّ بِالْبَدَنِ، أَوْ الْعَقْلِ حَرَّمَهُ وَمَنْ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُضِرٍّ لَمْ يُحَرِّمْهُ فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ إنْ تَحَقَّقَ فِيهِ ضَرَرٌ حَرُمَ وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ فَلَيْسُوا مُخْتَلِفِينَ فِي الْحُكْمِ بَلْ فِي سَبَبِهِ فَرَجَعَ اخْتِلَافُهُمْ إلَى الْوَاقِعِ وَحَيْثُ رَجَعَ الِاخْتِلَافُ إلَى ذَلِكَ خَفَّ الْأَمْرُ وَهَانَ الْخَطْبُ وَعُذِرَ مَنْ قَالَ بِالْحُرْمَةِ لِتَوَهُّمِهِ الضَّرَرَ وَمَنْ قَالَ بِالْحِلِّ لِتَوَهُّمِهِ عَدَمَهُ وَمِمَّا يَزِيدُ فِي الْعُذْرِ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ تَعَسُّرِ التَّجْرِبَةِ فَلَمْ يَبْقَ تَعْوِيلٌ إلَّا عَلَى مُجَرَّدِ أَخْبَارِ مُتَعَاطِيهِ وَقَدْ عَلِمْتُ تَبَايُنَهَا وَتَنَاقُضَهَا وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَنَاقُضُ آرَاءِ الْعُلَمَاءِ وَتَبَايُنِهَا فِيهِ لَكِنْ مَعَ مُلَاحَظَةِ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ لَا تَعَارُضَ وَلَا تَبَايُنَ كَمَا سَأُقَرِّرُهُ لَك لَكِنْ بَعْدَ ذِكْرِ حَاصِلِ الْآرَاءِ الْمُتَبَايِنَةِ فِيهِ وَحِجَجِهَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ ذِكْرِ مَا أَخْتَارُهُ فِيهِ وَأَمِيلُ إلَيْهِ فَأَقُولُ عَنْهُ وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَقَالَاتِهِمْ وَحُجَجِهَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ ذِكْرِ مَا نَخْتَارُهُ وَنَمِيلُ إلَيْهِ زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ وَمُبَالَغَةً فِي النُّصْحِ.

فَأَقُولُ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْحِلِّ بِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّ الْإِمَامَ الصَّفِيَّ الْمُزَجَّدَ كَانَ يَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ حُكِيَ عَنْهُ ثُمَّ أَنَّهُ اخْتَبَرَهُ بِأَكْلِهِ شَيْئًا مِنْهُ فَلَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ أَفْتَى بِحِلِّهِ فَقَالَ وَأَمَّا الْقَاتُّ وَالْكُفْتَةُ فَمَا أَظُنُّهُ يُغَيِّرُ الْعَقْلَ وَلَا يَصْدُرُ عَنْ الطَّاعَةِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِهِ نَشَاطٌ وَرَوْحَنَةٌ وَطِيبُ خَاطِرٍ لَا يَنْشَأُ عَنْهُ ضَرَرٌ بَلْ رُبَّمَا كَانَ مَعُونَةً عَلَى زِيَادَةِ الْعَمَلِ فَيَتَّجِهُ أَنَّ حُكْمَهُ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ طَاعَةً فَتَنَاوُلُهُ طَاعَةٌ، أَوْ مُبَاحًا فَتَنَاوُلُهُ مُبَاحٌ فَإِنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمَ الْمَقَاصِدِ اهـ.

وَكَذَلِكَ أَفْتَى بِحِلِّهِ الْفَقِيهُ الشِّهَابُ الْبَكْرِيُّ الطَّنْبَدَاوِيُّ وَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ فَقَالَ وَأَمَّا الْقَاتُّ وَالْكُفْتَةُ فَلَيْسَا بِمُغَيِّبَيْنِ لِلْعَقْلِ وَلَا مُخَدِّرَيْنِ لِلْبَدَنِ وَإِنَّمَا فِيهِمَا نَشْأَةٌ وَتَقْوِيَةٌ وَطِيبُ وَقْتٍ فَإِنْ قَصَدَ بِهِمَا التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ فَهُمَا مُسْتَحَبَّانِ لِأَنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا وَكَذَلِكَ أَفْتَى بِحِلِّهِ الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ كَبَّنَ الطَّبَرِيُّ وَلَهُ فِي مَدْحِهِ أَبْيَاتٌ

وَمِنْهَا أَنَّ الْمُشَاهَدَةَ مِنْ أَحْوَالِ آكِلِيهِ أَنَّهُ يُحْدِثُ لَهُمْ رَوْحَنَةً وَطِيبَ وَقْتٍ وَتَقْوِيَةً عَلَى الْأَعْمَالِ وَلَا يُحْدِثُ لَهُمْ إسْكَارًا وَلَا تَخْبِيلًا وَلَا تَخْدِيرًا.

وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ بِأُمُورٍ مِنْهَا قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي الْحَرَازِيِّ الشَّافِعِيِّ فِي مُؤَلَّفِهِ فِي تَحْرِيمِ الْقَاتِ كُنْت آكُلُهَا فِي سِنِّ الشَّبَابِ ثُمَّ اعْتَقَدْتُهَا مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم «مَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» .

ثُمَّ إنِّي رَأَيْت مِنْ أَكْلِهَا الضَّرَرَ فِي بَدَنِي وَدِينِي فَتَرَكْت أَكْلَهَا فَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُمْ أَنَّ الْمُضَارَّاتِ مِنْ أَشْهَرِ الْمُحَرَّمَاتِ فَمِنْ ضَرَرِهَا أَنَّ آكِلَهَا يَرْتَاحُ وَيَطْرَبُ وَتَطِيبُ نَفْسُهُ وَيَذْهَبُ حُزْنُهُ ثُمَّ يَعْتَرِيهِ قَدْرَ سَاعَتَيْنِ مِنْ أَكْلِهِ هُمُومٌ مُتَرَاكِمَةٌ وَغُمُومٌ مُتَزَاحِمَةٌ وَسُوءُ أَخْلَاقٍ وَكُنْت فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إذَا قَرَأَ عَلَيَّ أَحَدٌ يَشُقُّ

ص: 225

عَلَيَّ مُرَاجَعَتُهُ وَأَرَى مُرَاجَعَتَهُ جَبَلًا وَأَرَى لِذَلِكَ مَشَقَّةً عَظِيمَةً وَمَلَلًا وَأَنَّهُ يُذْهِبُ بِشَهْوَةِ الطَّعَامِ وَلَذَّتِهِ وَيَطْرُدُ النَّوْمَ وَنِعْمَتَهُ وَمِنْ ضَرَرِهِ فِي الْبَدَنِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَكْلِهِ بَعْدَ الْبَوْلِ شَيْءٌ كَالْوَدْيِ وَلَا يَنْقَطِعُ إلَّا بَعْدَ حِينٍ وَطَالَمَا كُنْت أَتَوَضَّأُ فَأُحِسُّ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَأُعِيدُ الْوُضُوءَ وَتَّارَةً أُحِسُّ بِهِ فِي الصَّلَاةِ فَأَقْطَعُهَا أَوْ عَقِبَ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ أَتَحَقَّقُ خُرُوجَهُ فِيهَا فَأُعِيدُهَا وَسَأَلْتُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَأْكُلُهَا فَذَكَرُوا ذَلِكَ عَنْهَا وَهَذِهِ مُصِيبَةٌ فِي الدِّينِ وَبَلِيَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْمُقْرِي عَنْ الْعَلَّامَةِ يُوسُفَ بْنِ يُونُسَ الْمُقْرِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ظَهَرَ الْقَاتُّ فِي زَمَنِ فُقَهَاءَ وَلَا يَجْسُرُونَ عَلَى تَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ وَلَوْ ظَهَرَ فِي زَمَنِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَحَرَّمُوهُ وَدَخَلَ عِرَاقِيٌّ الْيَمَنَ وَكَانَ يُسَمَّى الْفَقِيهُ إبْرَاهِيمُ وَكَانَ يَجْهَرُ بِتَحْرِيمِ الْقَاتِ وَيُنْكِرُ عَلَى آكِلِيهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا حَرَّمَهُ عَلَى مَا وُصِفَ لَهُ مِنْ أَحْوَالِ مُسْتَعْمِلِيهِ

ثُمَّ أَنَّهُ أَكَلَهُ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا لِاخْتِبَارِهِ قَالَ فَجَزَمْت بِتَحْرِيمِهِ لِضَرَرِهِ وَإِسْكَارِهِ وَكَانَ يَقُولُ مَا يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ بِسَبَبِهِ مَنِيٌّ ثُمَّ اجْتَمَعْتُ بِهِ فَقُلْتُ لَهُ نَسْمَعُ عَنْك أَنَّك تُحَرِّمُ الْقَاتَّ قَالَ نَعَمْ فَقُلْت لَهُ وَمَا الدَّلِيلُ فَقَالَ ضَرَرُهُ وَإِسْكَارُهُ فَضَرَرُهُ ظَاهِرٌ وَأَمَّا إسْكَارُهُ فَهَلْ هُوَ مُطْرِبٌ فَقُلْت نَعَمْ فَقَدْ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ فِي الرَّدِّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فِي إبَاحَتِهِمْ مَا لَمْ يُسْكِرْ مِنْ النَّبِيذِ: النَّبِيذُ حَرَامٌ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ فَقُلْت لَهُ يَرْوُونَ عَنْك أَنَّك تَقُولُ مَا يَخْرُجُ عَنْهُ مَنْيٌ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَوَاصِّ الْمَنِيِّ فَقَالَ إنَّهُ يَخْرُجُ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهِ وَكَانَ عَمِّي أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي وَكَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالطِّبِّ وَغَيْرِهِ يُصَرِّحُ بِتَحْرِيمِهِ وَيَقُولُ إنَّهُ مُسْكِرٌ وَقَدْ رَأَيْت مَنْ أَكْثَرَ مِنْ أَكْلِهِ فَجُنَّ هَذَا كُلُّهُ مُلَخَّصُ كَلَامِ الْحَرَازِيِّ وَهَذَا الرَّجُلُ الْعِرَاقِيُّ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ وَنَقَلَ عَنْهُ حُرْمَةَ الْقَاتِ أَخْبَرَنِي بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ أَنَّهُ جَاءَ إلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَدَرَسَ بِهَا كَثِيرًا وَأَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ وَزَادَ فِي مَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ.

وَيُوَافِقُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِحُرْمَةِ الْقَاتِ قَوْلَ الْفَقِيهِ الْعَلَّامَةِ حَمْزَةَ النَّاشِرِيِّ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ نَقْلًا وَإِفْتَاءً كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْجَمَتُهُ الْمَذْكُورَةُ فِي تَارِيخِ خَاتِمَةِ الْحُفَّاظِ وَالْمُحَدِّثِينَ الشَّمْسُ السَّخَاوِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ الْمَشْهُورَةِ وَقَدْ أَخْبَرَنِي مُحَدِّثُ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَرَأَهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا حَمْزَةَ الْمَذْكُورِ وَأَجَازَهُ بِهَا

وَلَا تَأْكُلَنَّ الْقَاتَّ رَطْبًا وَيَابِسًا

فَذَاكَ مُضِرٌّ دَاؤُهُ فِيهِ أَعْضَلَا

فَقَدْ قَالَ أَعْلَامٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ

إنَّ هَذَا حَرَامٌ لِلتَّضَرُّرِ مَأْكَلًا

وَهَذَا الْفَقِيهُ إلَخْ وَمِنْهَا أَنَّهُ نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ مَا مَعْنَاهُ إنَّ الْمُفَتِّرَ مَا يَكُونُ مِنْهُ حَرَارَةٌ فِي الْجَسَدِ وَانْكِسَارٌ.

وَذَلِكَ مَعْلُومٌ وَمُشَاهَدٌ فِي الْقَاتِ وَمُسْتَعْمِلِيهِ كَسَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهَا تَوَهُّمُ نَشَاطٍ، أَوْ تَحَقُّقِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا فَضَلَ مِنْ الِانْتِشَاءِ وَالسُّكْرِ الْحَاصِلِ مِنْ التَّخْدِيرِ لِلْجَسَدِ وَكَذَلِكَ يَحْصُلُ مِنْ الْإِكْثَارِ وَالْإِدْمَانِ عَلَى الْمُسْكِرِ حَتَّى الْخَمْرِ خَدَّرَ يَخْرُجُ إلَى الرَّعْشَةِ وَالْفَالِجِ وَيُبْسِ الدِّمَاغِ وَدَوَامِ التَّغَيُّرِ لِلْعَقْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَضَارِّ لَكِنَّ الْقَاتَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الطَّبْعِ إلَّا مَا هُوَ مَضَرَّةٌ دِينِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ طَبْعَهُ الْيُبْسُ وَالْبَرْدُ فَلَا يَصْحَبُهُ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ غَيْرِهِ وَمِنْ الْمُسْكِرَاتِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الشَّارِعُ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْمُسْكِرَاتِ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْحَرَارَةِ وَاللِّينِ فَلَا يَظْهَرُ الضَّرَرُ فِيهَا إلَّا مَعَ الْإِدْمَانِ عَلَيْهَا وَهَذَا مُحَصَّلٌ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْأَغْلَبِ مَا فِي الْأَفْيُونِ مِنْ مَسْخِ الْخِلْقَةِ وَتَغَيُّرِ الْحَالِ الْمُعْتَدِلَةِ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ وَهُوَ يَزِيدُ فِي الضَّرَرِ عَلَى الْأَفْيُونِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ يُعْلَمُ قَطُّ وَإِنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ وَفِيهِ كَثْرَةُ يُبْسِ الدِّمَاغِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الطَّبْعِ وَتَقْلِيلُ شَهْوَةِ الْغِذَاءِ وَالْبَاهِ وَيُبْسُ الْأَمْعَاءِ وَالْمَعِدَةِ وَبَرْدُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ جَمِيعَ الْخِصَالِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي الْحَشِيشَةِ مَوْجُودَةٌ فِي الْقَاتِ مَعَ زِيَادَةِ حُصُولِ الضَّرَرِ فِيمَا بِهِ قِوَامُ الصِّحَّةِ وَصَلَاحُ الْجَسَدِ مِنْ إفْسَادِ شَهْوَةِ الْغِذَاءِ وَالْبَاهِ وَالنَّسْلِ وَزِيَادَةِ التَّهَالُكِ عَلَيْهِ الْمُوجِبِ لِإِتْلَافِ الْمَالِ الْكَثِيرِ وَالْمُوجِبِ لِلسَّرَفِ وَمِنْهَا أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ فِيهِ نَفْعًا فَهُوَ لَا يُقَابِلُ ضَرَرَهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ شَارَكَ كُلَّ الْمُسْكِرَاتِ فِي حَقِيقَةِ الْإِسْكَارِ وَسَبَبِهِ وَمِنْ التَّخْدِيرِ وَإِظْهَارِ الدَّمِ

ص: 226

وَتَرْقِيقِهِ طَاهِرُ الْبَشَرَةِ مَعَ نَبْذِ الدَّسُوسَةِ مِنْ الدِّمَاغِ وَالْجَسَدِ إلَى الظَّاهِرِ وَلَيْسَ فِيهِ حَرَارَةٌ وَلِينٌ يُبَدِّلَانِ مَا نَبَذَهُ مِنْ الْحَرَارَةِ وَاللِّينِ إلَى ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْخَمْرِ وَالْحَشِيشِ فَلِهَذَا كَثُرَ ضَرَرُهُ هَذَا حَاصِلُ تِلْكَ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ الَّتِي وَرَدَتْ عَلَيْنَا فِي الْقَاتِ وَقَدْ عَلِمْت مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ حُجَجُهُمْ مِنْ التَّنَاقُضِ فِي الْأَخْبَارِ عَنْ أَحْوَالِ آكِلِيهِ وَسَبَبُهُ تَنَاقُضُ أَخْبَارِ مُسْتَعْمِلِيهِ كَمَا قَدَّمْتُهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَلِمَا مَرَّ عَنْ الطَّنْبَدَاوِيِّ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ وَوَجَدَ فِيهِ غَايَةَ الضَّرَرِ وَإِنَّمَا لَمْ أُعَوِّلُ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْمُزَجَّدِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ لِأَنَّ فِي كَلَامِهِ السَّابِقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ

فَإِنَّهُ قَالَ مَا أَظُنُّهُ يُغَيِّرُ الْعَقْلَ فَتَعْبِيرُهُ بِمَا أَظُنُّهُ قَاضٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ إذْ لَوْ اسْتَعْمَلَهُ لَمْ يُعَبِّرْ بِذَلِكَ بَلْ كَانَ يَجْزِمُ بِأَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ الْعَقْلَ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْوِجْدَانِيَّةَ مِنْ حَيِّزِ الضَّرُورِيَّاتِ وَإِذَا وَقَعَ هَذَا التَّنَاقُضُ فِيهِ فَلَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ فِيهِ بِتَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا الْمُخَلِّصُ فِي ذَلِكَ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الطِّبَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الْأَخْبَارِ الْمُتَنَاقِضَةِ مَعَ عَدَالَةِ قَائِلِهَا إلَّا بِذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ كَمَا مَرَّ وَإِذَا كَانَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا فَمَنْ عَلِمَ مِنْ طَبْعِهِ أَنَّهُ يَضُرُّهُ حَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُ الْمُضِرِّ مِنْهُ وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فَإِنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مُصَرِّحَةٌ بِتَحْرِيمِهِ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ خَبَرَانِ أَحَدُهُمَا مُثْبِتٌ لِلضَّرَرِ وَالْآخَرُ نَافٍ لَهُ وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ؛ لِأَنَّ مَعَ الْمُثْبِتِ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَكَذَلِكَ الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الضَّرَرِ فَالْمُخْبِرُ بِالْعَدَمِ مُسْتَنِدٌ لِلْأَصْلِ وَالْمُخْبِرُ بِوُجُودِهِ مُخْرِجٌ لَهُ عَنْ الْأَصْلِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْمُسْتَصْحِبَةِ لَهُ وَأَيْضًا فَقَدْ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ عَلَى أَنَّ فِيهِ نَشَاطًا وَرَوْحَنَةً كَمَا مَرَّ عَنْ الْمُزَجَّدِ وَنَشْأَةً كَمَا مَرَّ عَنْ الطَّنْبَدَاوِيِّ وَطِيبَ وَقْتٍ كَمَا مَرَّ عَنْهُمَا ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا النَّشَاطُ الَّذِي فِيهِ يُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ وَالْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ قَالُوا يُؤَدِّي إلَيْهِ وَمَا قَالُوهُ أَقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاقِعِ فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ النَّشَاطِ وَالنَّشْأَةِ الذَّاتِيَّيْنِ لِمَطْعُومٍ وَمَشْرُوبٍ دُونَ الْعَارِضِينَ لَهُ بِوَاسِطَةِ إلْفٍ، أَوْ نَحْوِهِ أَنَّهُمَا يُؤَدِّيَانِ إلَى الضَّرَرِ حَالًا، أَوْ مَآلًا فَالْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِلضَّرَرِ مَعَهُ قَرِينَةٌ أَيُّ قَرِينَةٍ فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ فِيهِ نَشْأَةً وَنَشَاطًا احْتَاجَ مَنْ سَلَبَ الضَّرَرَ عَنْهُ إلَى حُجَّةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا حُجَّةَ لَهُ إلَّا مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ مُشَاهَدَةِ آكِلِيهِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ عَارَضَهُ أَخْبَارُ غَيْرِهِمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنْ احْتَجَّ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ قُلْنَا عَارَضَك أَيْضًا مَنْ اسْتَعْمَلَهُ

وَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ يَحْصُلُ عَنْهُ التَّخْدِيرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الضَّرَرِ فَثَبَتَ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ فِيهِ نَشَاطًا وَنَشْأَةً وَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِمَا بِقَيْدِهِمَا السَّابِقِ تَوَلَّدَ الضَّرَرُ عَنْهُمَا مَعَ مَا مَرَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي فَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ التَّحْرِيمَ وَمُوَضِّحٌ لِأَدِلَّةِ مَنْ قَالَ بِهِ فَلِمَ لَمْ تَقُلْ بِهِ وَمَا الَّذِي أَوْجَبَ لَك الْعُدُولَ عَنْهُ مَعَ ظُهُورِ أَدِلَّتِهِ هَذِهِ الَّتِي قَرَّرْتُهَا وَمُوَافَقَتُهَا لِلْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ قُلْت مَحَلُّ الْقَاعِدَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُثْبِتِ وَالْمُخَالِفِ لِلْأَصْلِ مَا إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنِ فَحِينَئِذٍ يُقَدَّمُ الْمُثْبِتُ وَالْمُخَالِفُ لِلْأَصْلِ لِقُوَّتِهِمَا عَلَى مُقَابِلِهِمَا وَأَمَّا مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ بِحَمْلِ كُلٍّ مِنْ الْمُتَعَارِضَيْنِ عَلَى حَالِهِ فَلَا تَقْدِيمَ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ أَحَدِهِمَا يَسْتَدْعِي بُطْلَانَ الْآخَرِ وَالْجَمْعُ يَسْتَدْعِي الْعَمَلَ بِكُلٍّ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْإِلْغَاءَ كَالنَّسْخِ وَهُوَ لَا يَعْدِلُ إلَيْهِ مَتَى أَمْكَنَ غَيْرُهُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ الْعُدُولَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الْأَخْبَارِ وَعَدَمِ إلْغَاءِ بَعْضِهَا لِتَوَفُّرِ عَدَالَتِهِمْ وَعَدَمِ ظُهُورِ تُهْمَتِهِمْ وَأَمَّا النَّشَاطُ وَالنَّشْأَةُ فَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي أَنَّهُمَا وَصْفَانِ ذَاتِيَّانِ لِهَذَا النَّبَاتِ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا عَارِضَانِ لَهُ بِوَاسِطَةِ إلْفٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلَمْ يَسَعْنِي مَعَ ذَلِكَ الْجَزْمُ بِالتَّحْرِيمِ فَإِنْ قَالَ الْمُحَرِّمُونَ ثَبَتَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا وَصْفَانِ ذَاتِيَّانِ لَهُ قُلْنَا إذَا اسْتَنَدْتُمْ فِي ذَلِكَ لِلْأَخْبَارِ فَقَدْ مَرَّ تَنَاقُضُهَا وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا مَعَ فَرْضِ صِدْقِهَا فَلَا يَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ الِاسْتِنَادُ إلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ وَإِنْ قَالُوا اسْتَنَدْنَا إلَى التَّجْرِبَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ قُلْنَا لَكُمْ ذَلِكَ إنْ وُجِدَتْ شُرُوطُ التَّجْرِبَةِ الَّتِي قَالَهَا الْأَطِبَّاءُ مِنْ تَكَرُّرِ ذَلِكَ تَكَرُّرًا كَثِيرًا بِحَيْثُ يُؤَدِّي عَادَةً إلَى الْقَطْعِ بِإِفَادَتِهِ الْعِلْمَ مَعَ عَدَالَةِ الْمُجَرِّبِ وَاعْتِدَالِ الْمِزَاجِ وَالزَّمَنِ وَالْمَكَانِ وَيَبْعُدُ وُجُودُ

ص: 227

ذَلِكَ وَتَوَفُّرِهِ كُلِّهِ فِي قُطْرِ الْيَمَنِ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَدِلٍ.

وَالْحَاصِلُ إنِّي وَإِنْ لَمْ أَجْزِمْ بِتَحْرِيمِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِمَا عَلِمْت مِمَّا قَرَّرْتُهُ وَوَضَّحْتُهُ وَبَيَّنْتُهُ وَبَرْهَنْت عَلَيْهِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ لَكِنِّي أَرَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِذِي مُرُوءَةٍ أَوْ دِينٍ، أَوْ وَرَعٍ، أَوْ زُهْدٍ، أَوْ تَطَلُّعٍ إلَى كَمَالٍ مِنْ الْكَمَالَاتِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ لِاحْتِمَالِهِ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ عَلَى السَّوَاءِ، أَوْ مَعَ قَرِينَةٍ، أَوْ قَرَائِنَ تَدُلُّ لِأَحَدِهِمَا وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُشْتَبِهٌ أَيَّ اشْتِبَاهٍ فَيَكُونُ مِنْ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يَتَأَكَّدُ اجْتِنَابُهَا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «وَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ دَرَجَةَ الْيَقِينِ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ مَخَافَةَ مَا بِهِ بَأْسٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لَا تَأْكُلْهُ فَلَعَلَّهُ قَتَلَهُ غَيْرُ كَلْبِك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ أَيْضًا فِي كَلْبِهِ الْمُعَلَّمِ «وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «أَرِقَ لَيْلَةً فَقَالَ لَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ أَرِقْت يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَجَلْ وَجَدْتُ تَمْرَةً فَأَكَلْتُهَا فَخَشِيت أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ» وَرَوَى الشَّيْخَانِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «كَانَ إذَا أَتَى بِشَيْءٍ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَدَقَةٌ، أَوْ هِبَةٌ سَأَلَ عَنْهُ» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ» الْحَدِيثَ

وَإِذَا تَقَرَّرَتْ لَك هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَعَلِمْت أَنَّ غَايَةَ أَمْرِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ أَنَّهَا مِنْ الْمُشْتَبِهَاتِ تَعَيَّنَ عَلَيْك إنْ كُنْت مِنْ الثِّقَاتِ وَالْمُتَّقِينَ أَنْ تَجْتَنِبَهَا كُلَّهَا وَأَنْ تَكُفَّ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَاطَى الْمُشْتَبِهَاتِ إلَّا مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ بِحَقِيقَةِ التَّقْوَى وَلَا تَمَسَّكَ مِنْ الْكَمَالَاتِ بِالنَّصِيبِ الْأَقْوَى وَزَعَمَ أَنَّهَا تُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ إنَّ فَرْضَ صِدْقِهِ غَيْرُ دَافِعٍ لِلْوُقُوعِ فِي وَرْطَةِ الْإِثْمِ عَلَى تَقْدِيرِ صِدْقِ الْمُخْبِرِينَ بِوُجُودِ الضَّرَرِ وَالتَّخْدِيرِ فِيهَا فَلِذَلِكَ لَا أُوَافِقُ مَنْ قَالَ إنَّهَا قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةً لِطَاعَةٍ فَتَكُونُ مُسْتَحَبَّةً لِأَنَّ مَحَلَّ إعْطَاءِ الْوَسَائِلِ حُكْمَ الْمَقَاصِدِ إنَّمَا هُوَ فِي وَسَائِلَ تَمَحَّضَتْ لِذَلِكَ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ وَسَائِلَ لِشَيْءٍ آخَرَ وَخَلَتْ عَنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا وَصْفٌ يَقْتَضِي تَأَكُّدَ تَجَنُّبِهَا وَأَكْلُ هَذِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَامَ بِهَا مَا يَقْتَضِي التَّجَنُّبَ مِمَّا أَوْضَحْنَاهُ وَقَرَرْنَاهُ فَالصَّوَابُ تَرْكُ أَكْلِهَا دَائِمًا وَلَا حَاجَةَ بِالْمُوَفَّقِ إلَى أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى طَاعَتِهِ بِمَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِحُرْمَتِهِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ حَمْزَةُ النَّاشِرِيُّ وَغَيْرُهُ كَيْفَ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ كَمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَئِمَّتُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ تَنْحَصِرْ الْإِعَانَةُ عَلَى الطَّاعَةِ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ بَلْ لَهَا طُرُقٌ أَيْسَرُهَا وَأَوْلَاهَا مَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَدْحِهِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَهُوَ تَقْلِيلُ الْغِذَاءِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ كَمَا فِي خَبَرِ «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ» وَقَدْ نَقَلَ إمَامُ الْعَارِفِينَ وَالْفُقَهَاءِ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى النَّوَوِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ تبارك وتعالى رُوحَهُ إنَّهُ لَمَّا رَأَى الْأَقْسِمَاءَ وَهِيَ مَاءُ الزَّبِيبِ تُبَاعُ فِي الشَّامِ سَأَلَ مَا حِكْمَةُ اصْطِنَاعِ النَّاسِ هَذِهِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهَا تَهْضِمُ الْأَكْلَ فَقَالَ وَلِمَ يَشْبَعُ النَّاسُ حَتَّى يَحْتَاجُوا إلَى هَضْمٍ فَانْظُرْ إلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ اللَّطِيفَةِ عَلَى أَنَّ فِي دَعْوَى إنَّهَا تُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ نَظَرًا لِأَنَّ إعَانَتَهَا إنْ كَانَتْ لِكَوْنِهَا تَهْضِمُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهَا كَثِيفَةٌ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ تُصَفِّرُ اللَّوْنَ وَتُقَلِّلُ شَهْوَةَ الطَّعَامِ وَالْجِمَاعِ وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ

لِأَنَّ فِيهَا مَفْسَدَةً وَهَذَا يُسَاعِدُ مَنْ يَقُولُ أَنَّ فِيهَا ضَرَرًا فَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا مَعَ ذَلِكَ فِيهَا نَظَرٌ أَيَّ نَظَرٍ أَلَا تَرَى إلَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً وَإِنَّ فُلَانَةَ قَالَتْ إنَّهَا أَرْضَعَتْنِي أَنَا وَإِيَّاهَا فَأَمَرَهُ صلى الله عليه وسلم بِفِرَاقِهَا» وَقَالَ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ وَفِيهِ وَفِي غَيْرِهِ أَيْضًا أَنَّهُ «لَمَّا تَنَازَعَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُمَا - فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ أَلْحَقَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِزَمْعَةَ لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ لَمَّا رَأَى صلى الله عليه وسلم مَا بِهِ مِنْ

ص: 228

الشَّبَهِ الْبَيِّنِ لِعُتْبَةَ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» فَانْظُرْ إلَى أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم بِالْفِرَاقِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَبِالِاحْتِجَابِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَرَعًا وَخَشْيَةً مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ عَلَى تَقْدِيرٍ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ وَإِنْ أَلْغَاهُ الشَّرْعُ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِهِ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِيمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ اجْتِنَابُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى لِأَنَّ مَا يَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ فِيهَا أَوْلَى مِمَّا يَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ فِي تَيْنِك لِأَنَّ مَا يَحْتَمِلُهَا فِيهِمَا مُلْغًى شَرْعًا وَمَا يَحْتَمِلُهَا فِي مَسْأَلَتِنَا غَيْرُ مُلْغًى شَرْعًا وَانْظُرْ أَيْضًا إلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَفْصِلْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَقَاءُ فِي الْأُولَى وَعَدَمُ الِاحْتِجَابِ فِي الثَّانِيَةِ وَسِيلَةً لِطَاعَةٍ كَعِفَّةِ الزَّوْجِ بِهَا مَعَ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى غَيْرِهَا وَكَجَبْرِ خَاطِرِ الْوَلَدِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَعَدَمِ تَأَذِّيهِ بِالِاحْتِجَابِ عَنْهُ وَإِنْ لَا وَمِثْلُ هَذَا لَهُ حُكْمُ الْعَامِّ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ قَوْلِيَّةٌ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ نَزَّلَهَا مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ وَلَا يُعَارِضُهُ قَاعِدَتُهُ الْأُخْرَى إنَّهُ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال لِأَنَّ هَذِهِ فِي الْوَقَائِعِ الْفِعْلِيَّةِ وَتِلْكَ فِي الْوَقَائِعِ الْقَوْلِيَّةِ كَمَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ

فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْوَرَعُ فِي تَرْكِ شَيْءٍ كَانَ الْأَوْلَى وَالْمُتَأَكَّدُ تَرْكُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ وَسِيلَةً لِطَاعَةٍ أَمْ لَا وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نُلْحِقَهَا بِالْحَشِيشَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَأْتِي إلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ مُنْذُ قُرُونٍ لَمَّا حَدَثَتْ الْحَشِيشَةُ فِي زَمَانِهِمْ بَالَغُوا فِي اخْتِبَارِ أَحْوَالِ آكِلِيهَا حَتَّى اتَّفَقَتْ أَقْوَالُهُمْ عَلَى أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ، أَوْ مُخَدِّرَةٌ وَكَانَ فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ الْعَارِفُونَ بِعِلْمِ الطِّبِّ وَالنَّبَاتَاتِ فَحَكَمُوا فِيهَا بِمَا اقْتَضَتْهُ الْقَوَاعِدُ الطِّبِّيَّةُ وَالتَّجْرِيبِيَّة فَلِذَا سَاغَ لَهُمْ الْجَزْمُ فِيهَا بِالتَّحْرِيمِ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَمْ نَتَحَصَّلْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِتَبَايُنِ الْأَقْوَالِ وَاخْتِلَافِهَا فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَمُسْتَعْمِلُوهَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْأَخْبَار عَنْ حَقِيقَتِهَا وَهَذَا هُوَ مَنْشَأُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِيهَا مَعَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ فِي الْحَقِيقَةِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ لِأَنَّهُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ فِيهَا تَخْدِيرًا، أَوْ إسْكَارًا فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الْوَاقِعِ فَالْقَائِلُونَ بِالْحِلِّ اعْتَمَدُوا الْمُخْبِرِينَ بِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهَا بِوَجْهٍ وَالْقَائِلُونَ بِالْحُرْمَةِ اعْتَمَدُوا الْمُخْبِرِينَ بِأَنَّ فِيهَا ضَرَرًا وَأَنْتَ إذَا رَاعَيْت الْقَوَاعِدَ لَمْ يَجُزْ لَك أَنْ تَعْتَمِدَ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ وَتُعْرِضَ عَنْ الْآخَرِ إلَّا إذَا ثَبَتَ عِنْدَك مُرَجِّحٌ آخَرُ مِنْ نَحْوِ وُجُوهِ التَّجْرِبَةِ وَشُرُوطِهَا السَّابِقَةِ أَوْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ وَلَمْ نَظْفَرْ بِذَلِكَ فَلِذَا وَجَبَ عَلَيْنَا التَّوَقُّفُ فِي حَقِيقَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَأَنْ نَقُولَ مَتَى أَنْ ثَبَتَ أَنَّ فِيهَا وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِ جَوْزَةِ الطِّيبِ، أَوْ الْحَشِيشَةِ الْمَعْرُوفَةِ حُرِّمَتْ وَإِلَّا فَلَا.

وَهَذَا يَسْتَدْعِي ذِكْرُ أَوْصَافِهِمَا لِتُقَاسَ بِهِمَا تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَأَقُولُ أَمَّا جَوْزَةُ الطِّيبِ فَقَدْ اسْتَفْتَيْت عَنْهَا قَدِيمًا وَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَظَفِرْتُ فِيهَا بِمَا لَمْ يَظْفَرُوا بِهِ فَإِنَّ جَمْعًا مِنْ مَشَايِخِنَا وَغَيْرِهِمْ اخْتَلَفُوا فِيهَا وَكُلٌّ لَمْ يُبْدِ مَا قَالَهُ فِيهَا إلَّا عَلَى جِهَةِ الْبَحْثِ لَا النَّقْلِ وَلَمَّا عُرِضَ عَلَيَّ السُّؤَالُ أَجَبْت فِيهَا بِالنَّقْلِ وَأَيَّدْتُهُ وَتَعَرَّضْت فِيهِ لِلرَّدِّ عَلَى بَعْضِ الْأَكَابِرِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَصُورَةُ السُّؤَالِ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، أَوْ مُقَلِّدِيهِمْ بِتَحْرِيمِ أَكْلِ جَوْزَةِ الطِّيبِ، أَوْ لَا وَهَلْ يَجُوزُ لِبَعْضِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ الْأَخْذُ بِتَحْرِيمِ أَكْلِهَا وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى نَقْلٍ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَهَلْ يَجِبُ الِانْقِيَادُ وَالِامْتِثَالُ لِفُتْيَاهُ أَمْ لَا فَأَجَبْت بِقَوْلِي الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّهَا مُسْكِرَةٌ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَاعْتَمَدُوهُ وَنَاهِيك بِذَلِكَ بَلْ بَالَغَ ابْنُ الْعِمَادِ فَجَعَلَ الْحَشِيشَةَ مَقِيسَةً عَلَى الْجَوْزَةِ الْمَذْكُورَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا حَكَى عَنْ الْقَرَافِيِّ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ عَصْرِهِ أَنَّهُ فَرَّقَ فِي إنْكَارِهِ الْحَشِيشَةَ بَيْنَ كَوْنِهَا وَرَقًا أَخْضَرَ فَلَا إسْكَارَ فِيهَا بِخِلَافِهَا بَعْدَ التَّحْمِيصِ فَإِنَّهَا تُسْكِرُ.

قَالَ وَالصَّوَابُ إنَّهُ لَا فَرْقَ؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِجَوْزَةِ الطِّيبِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْعَنْبَرِ وَالْأَفْيُونِ وَالشَّيْكَرَانِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْبَنْجُ وَهُوَ مِنْ الْمُخَدِّرَاتِ الْمُسْكِرَاتِ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَسْطَلَّانِيِّ فِي تَكْرِيمِ الْمَعِيشَةِ اهـ.

فَتَأَمَّلْ تَعْبِيرَهُ وَالصَّوَابُ جَعْلُهُ الْحَشِيشَةَ الَّتِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهَا لِإِسْكَارِهَا وَتَخْدِيرِهَا مَقِيسَةً عَلَى الْجَوْزَةِ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مِرْيَةَ فِي تَحْرِيمِ الْجَوْزَةِ لِإِسْكَارِهَا

ص: 229

أَوْ تَخْدِيرِهَا وَقَدْ وَافَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى إسْكَارِهَا الْحَنَابِلَةَ بِنَصِّ إمَامِ مُتَأَخِّرِيهِمْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَتَبِعُوهُ عَلَى أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ فَفِي فَتَاوَى الْمَرْغِينَانِيِّ مِنْهُمْ الْمُسْكِرُ مِنْ الْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ أَيْ أَنَاثِيِّ الْخَيْلِ حَرَامٌ وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو حَفْصٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ اهـ.

وَقَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْجَوْزَةَ كَالْبَنْجِ فَإِذَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِإِسْكَارِهِ لَزِمَهُمْ الْقَوْلُ بِإِسْكَارِ الْجَوْزَةِ فَثَبَتَ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا حَرَامٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِالنَّصِّ وَالْحَنَفِيَّةُ بِالِاقْتِضَاءِ أَنَّهَا إمَّا مُسْكِرَةٌ أَوْ مُخَدِّرَةٌ.

وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي الْحَشِيشَةِ الْمَقِيسَةِ عَلَى الْجَوْزَةِ عَلَى مَا مَرَّ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ التَّذْكِرَةِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّهَا مُسْكِرَةٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَا نَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَنَا وَقَدْ يَدْخُلُ فِي حَدِّهِمْ السَّكْرَانُ بِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَلَطَ كَلَامُهُ الْمَنْظُومُ وَانْكَشَفَ سِرُّهُ الْمَكْتُومُ، أَوْ الَّذِي لَا يَعْرِفُ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا الطُّولَ مِنْ الْعَرْضِ.

ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْعِرَاقِيِّ أَنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ فَنَفَى عَنْهَا الْإِسْكَارَ وَأَثْبَتَ لَهَا الْإِفْسَادَ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ وَأَطَالَ فِي تَخْطِئَتِهِ وَتَغْلِيظِهِ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى إسْكَارِهَا أَيْضًا الْعُلَمَاءُ بِالنَّبَاتِ مِنْ الْأَطِبَّاءِ وَإِلَيْهِمْ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَتَبِعَهُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ مُتَأَخِّرِي مَذْهَبِهِ وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ خِلَافُ الْإِطْلَاقَيْنِ الْإِسْكَارِ إطْلَاقِ وَإِطْلَاقِ الْإِفْسَادِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِسْكَارَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ تَغْطِيَةِ الْعَقْلِ وَهَذَا إطْلَاقٌ أَعَمُّ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ تَغْطِيَةُ الْعَقْلِ مَعَ نَشْأَةٍ وَطَرَبٍ وَهَذَا إطْلَاقٌ أَخَصُّ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْإِسْكَارِ حَيْثُ أُطْلِقَ فَعَلَى الْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَالْمُخَدِّرِ عُمُومُ مُطْلَقٍ إذْ كُلُّ مُخَدِّرٍ مُسْكِرٍ وَلَيْسَ كُلُّ مُسْكِرٍ مُخَدِّرًا فَإِطْلَاقُ الْإِسْكَارِ عَلَى الْحَشِيشَةِ وَالْجَوْزَةِ وَنَحْوِهِمَا الْمُرَادُ مِنْهُ التَّخْدِيرُ وَمَنْ نَفَاهُ عَنْ ذَلِكَ أَرَادَ بِهِ مَعْنَاهُ الْأَخَصَّ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ مِنْ شَأْنِ السُّكْرِ بِنَحْوِ الْخَمْرِ أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ النَّشْأَةُ وَالطَّرَبُ وَالْعَرْبَدَةُ وَالْغَضَبُ وَالْحَمِيَّةُ وَمِنْ شَأْنِ السُّكْرِ بِنَحْوِ الْحَشِيشَةِ وَالْجَوْزَةِ أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ أَضْدَادُ ذَلِكَ مِنْ تَخْدِيرِ الْبَدَنِ وَفُتُورِهِ وَمِنْ طُولِ السُّكُوتِ وَالنَّوْمِ وَعَدَمِ الْحَمِيَّةِ.

وَبِقَوْلِي مِنْ شَأْنٍ فِيهِمَا يُعْلَمُ رَدُّ مَا أَوْرَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَلَى الْقَرَافِيِّ مِنْ أَنَّ بَعْضَ شَرَبَةِ الْخَمْرِ يُوجَدُ فِيهِ مَا ذُكِرَ فِي نَحْوِ الْحَشِيشَةِ وَبَعْضُ أَكَلَةِ نَحْوِ الْحَشِيشَةِ يُوجَدُ فِيهِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْخَمْرِ وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّ مَا نِيطَ بِالْمَظِنَّةِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ خُرُوجُ بَعْضِ الْأَفْرَادِ كَمَا أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ لَمَّا نِيطَ بِمَظِنَّةِ الْمَشَقَّةِ جَازَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْمَشَقَّةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ فَاتَّضَحَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ عَبَّرَ فِي نَحْوِ الْحَشِيشَةِ بِالْإِسْكَارِ وَمَنْ عَبَّرَ بِالتَّخْدِيرِ وَالْإِفْسَادِ وَالْمُرَادُ بِهِ إفْسَادٌ خَاصٌّ هُوَ مَا سَبَقَ.

فَانْدَفَعَ بِهِ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ يَشْمَلُ الْجُنُونَ وَالْإِغْمَاءَ لِأَنَّهُمَا مُفْسِدَانِ لِلْعَقْلِ أَيْضًا فَظَهَرَ بِمَا تَقَرَّرَ صِحَّةُ قَوْلِ الْفَقِيهِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ إنَّهَا مُخَدِّرَةٌ وَبُطْلَانُ قَوْلِ مِنْ نَازَعَهُ فِي ذَلِكَ لَكِنْ إنْ كَانَ لِجَهْلِهِ عُذِّرَ وَبَعْدَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ مَتَى زَعَمَ حِلَّهَا، أَوْ عَدَمَ تَخْدِيرِهَا وَإِسْكَارِهَا يُعَزَّرُ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ الزَّاجِرَ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ بَلْ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَأَقَرَّهُ أَهْلُ مَذْهَبِهِ مَنْ زَعَمَ حِلَّ الْحَشِيشَةِ كَفَرَ فَلْيَحْذَرْ الْإِنْسَانُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ عِنْدَ أَئِمَّةِ هَذَا الْمَذْهَبِ الْمُعَظَّمِ وَعَجِيبٌ مِمَّنْ خَاطَرَ بِاسْتِعْمَالِ الْجَوْزَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِيهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ وَالْإِثْمِ لِأَغْرَاضِهِ الْفَاسِدَةِ عَلَى تِلْكَ الْأَغْرَاضِ الَّتِي يَحْصُلُ جَمِيعُهَا بِغَيْرِهَا.

فَقَدْ صَرَّحَ رَئِيسُ الْأَطِبَّاءِ ابْنُ سِينَا فِي قَانُونِهِ بِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهَا وَزْنُهَا وَنِصْفُ وَزْنِهَا مِنْ السُّنْبُلِ فَمَنْ كَانَ يَسْتَعْمِلُ مِنْهَا قَدْرًا مَا ثُمَّ اسْتَعْمَلَ وَزْنَهُ وَنِصْفَ وَزْنِهِ مِنْ السُّنْبُلِ حَصَلَتْ لَهُ جَمِيعُ أَغْرَاضِهِ مَعَ السَّلَامَةِ عَنْ الْإِثْمِ وَالتَّعَرُّضِ لِعِقَابِ اللَّهِ سبحانه وتعالى عَلَى أَنَّ فِيهَا بَعْضَ مَضَارَّ بِالرِّئَةِ ذَكَرَهَا بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ وَقَدْ خَلَى السُّنْبُلُ عَنْ تِلْكَ الْمَضَارِّ وَقَدْ حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُهَا وَزَادَ عَلَيْهَا بِالسَّلَامَةِ مِنْ مَضَارِّهَا الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ اهـ.

جَوَابِي فِي الْجَوْزَةِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى نَفَائِسَ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْكِتَابِ بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي حُرْمَةِ الْقَاتِ لِأَنَّ النَّاس مُخْتَلِفُونَ فِي تَأْثِيرِ الْجَوْزَةِ أَيْضًا فَبَعْضُ آكِلِيهَا يُثْبِتُ لَهَا تَخْدِيرًا وَبَعْضُهُمْ لَا يُثْبِتُ لَهَا ذَلِكَ فَإِذَا حَرَّمَهَا الْأَئِمَّةُ مَعَ اخْتِلَافِ

ص: 230

آكِلِيهَا فِي تَأْثِيرِهَا فَلْيُحَرِّمُوا الْقَاتَّ وَلَا نَظَرَ لِلِاخْتِلَافِ فِي تَأْثِيرِهَا لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجَوْزَةَ نَظَرَ فِيهَا وَحَرَّمَهَا مَنْ يُعْتَدُّ بِنَظَرِهِمْ وَبِتَجْرِبَتِهِمْ حَتَّى عَلِمُوا أَنَّ التَّخْدِيرَ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لَهَا فَلِهَذَا حَكَمُوا بِأَنَّهَا مُخَدِّرَةٌ لِذَاتِهَا وَأَعْرَضُوا عَمَّنْ لَمْ يَرَ مِنْهَا تَخْدِيرًا وَلَوْ تَمَّ ذَلِكَ فِي الْقَاتِ لَأَلْحَقْنَاهُ بِهَا لَكِنَّهُ لَمْ يَتِمَّ كَمَا قَدَّمْتُهُ.

ثُمَّ هَذَا الْجَوَابُ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَيَانِ حُكْمِ الْحَشِيشَةِ وَعَلَى تَنْقِيحِ الْخِلَافِ فِي أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ، أَوْ مُخَدِّرَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِإِعَادَتِهِ مَعَ كَلَامِ النَّاسِ فِيهَا عَلَى حِدَّتِهِ لِتَتِمَّ فَائِدَتُهُ وَتَعُمَّ عَائِدَتُهُ فَنَقُولُ ذَكَرَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ أَنَّ الشَّيْطَانَ حِين خَرَجَ مِنْ السَّفِينَةِ سَرَقَ مَعَهُ شَجَرَةَ الْكَرْمِ فَزَرَعَهَا ثُمَّ ذَبَحَ خِنْزِيرًا فَسَقَاهَا بِدَمِهِ ثُمَّ ذَبَحَ كَلْبًا فَسَقَاهَا بِدَمِهِ ثُمَّ ذَبَحَ قِرْدًا فَسَقَاهَا بِدَمِهِ فَحَصَلَتْ لَهَا النَّجَاسَةُ مِنْ دَمِ الْخِنْزِيرِ وَحَصَلَ لِشَارِيهَا الْعَرْبَدَةُ مِنْ دَمِ الْقِرْدِ وَالْحَمِيَّةُ وَالْغَضَبُ مِنْ دَمِ الْكَلْبِ فَمِنْ ثَمَّ تَرَى السَّكْرَانَ تَأْخُذُهُ الْحَمِيَّةُ وَيَغْضَبُ بِخِلَافِ السَّكْرَانِ بِالْبَنْجِ وَالْحَشِيشِ وَالشَّيْكَرَانِ وَجَوْزَةِ الطِّيبِ وَالْأَفْيُونِ.

فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُسْكِرَةٌ وَلَا يَحْصُلُ لِلْبَدَنِ مَعَهَا نَشَاطٌ وَلَا عَرْبَدَةٌ بَلْ يُعْتَبَرُ بِهِ تَخْدِيرٌ وَفُتُورٌ فَكُلُّ مُخَدِّرٍ مُسْكِرٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَالْخَمْرُ مُسْكِرَةٌ وَلَيْسَتْ مُخَدِّرَةً وَالْبَنْجُ وَنَحْوُهُ مُسْكِرٌ وَمُخَدِّرٌ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْحَشِيشَةَ وَنَحْوَهَا مُسْكِرٌ النَّوَوِيُّ فِي شَرْح الْمُهَذَّبِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ التَّذْكِرَةِ فِي الْخِلَافِ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَبَيَّنْت فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا مُخَدِّرَةٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْكَارِ فِي كَلَامِهِمْ مُجَرَّدُ التَّغْطِيَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَيْدِهِ الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ وَهُوَ التَّغْطِيَةُ مَعَ نَشَاطٍ وَعَرْبَدَةٍ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ الْبَيْطَارِ أَنَّ الْحَشِيشَ يُسْكِرُ جِدًّا وَهُوَ حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ عَلَّامَةَ زَمَنِهِ فِي مَعْرِفَةِ الْأَعْشَابِ وَالنَّبَاتِ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ مُحَقِّقُو الْأَطِبَّاءِ.

وَقَدْ امْتَحَنَهُ بَعْضُ مُعَاصِرِيهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَجَاءَ إلَى السُّلْطَانِ بِنَبَاتٍ وَقَالَ لَهُ إذَا طَلَعَ إلَيْك فَأَعْطِهِ هَذَا يَشُمُّهُ مِنْ هَذَا الْمَحَلِّ فَتَبَيَّنَ لَك مَعْرِفَتُهُ، أَوْ جَهْلُهُ فَلَمَّا طَلَعَ إلَيْهِ أَعَطَاهُ لَهُ وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَشُمَّهُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ فَشَمَّهُ مِنْهُ فَرَعَفَ لِوَقْتِهِ رُعَافًا شَدِيدًا فَقَلَبَهُ وَشَمَّهُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَسَكَنَ رُعَافُهُ لِوَقْتِهِ ثُمَّ قَالَ لِلسُّلْطَانِ مُرْ مَنْ أَعْطَاهُ لَك يَشُمَّهُ مِنْ الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ فَإِنْ عَرَفَ أَنَّ فِيهِ الْفَائِدَةَ الْأُخْرَى فَهُوَ طَبِيبٌ وَإِلَّا فَهُوَ مُتَشَبِّعٌ بِمَا لَمْ يُعْطَ فَلَمَّا طَلَعَ لِلسُّلْطَانِ أَمَرَهُ بِشَمِّهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَرَعَفَ فَقَالَ لَهُ اقْطَعْهُ فَحَارَ وَكَادَتْ نَفْسُهُ تُفْتَلَتُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْلِبَهُ وَيَشُمَّهُ فَفَعَلَ فَانْقَطَعَ رُعَافُهُ فَمِنْ ثَمَّ زَادَتْ مَكَانَةُ ابْنِ الْبَيْطَارِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَانْقَطَعَتْ أَعْدَاؤُهُ وَحُسَّادُهُ.

وَغَلِطَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ فِي شَرْحِهِ لِلْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ: أَنَّ الْحَشِيشَةَ نَجِسَةٌ إنْ ثَبُتَ أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ مَعَ أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مَا مَرَّ فَإِنَّ السُّكْرَ مَعْنَاهُ تَغْطِيَةُ الْعَقْلِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تبارك وتعالى {إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} [الحجر: 15] قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْمُخَدِّرَ لَا يَكُونُ مُسْكِرًا وَهُوَ خَطَأٌ وَهَذَا الْخَطَأُ حَصَلَ أَيْضًا لِلْقَرَافِيِّ فِي الْقَوَاعِدِ الثَّانِي أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهَا نَجِسَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مُسْكِرَةٌ وَهَذَا شَيْءٌ لَا تَحِلُّ حِكَايَتُهُ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِهِ لِفُرُوعِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ نَجِسَةً.

وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ فِي نَظِيرِ الْحَشِيشِ فَقَالَ تَنْفَرِدُ الْمُسْكِرَاتُ عَنْ الْمُرَقِّدَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ الْحَدِّ وَالتَّنْحِيسِ وَتَحْرِيمِ الْقَلِيلِ فَالْمُرَقِّدَاتُ وَالْمُفْسِدَاتُ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا نَجَاسَةَ فَمَنْ صَلَّى بِالْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا وَيَجُوزُ تَنَاوُلُ الْيَسِيرِ مِنْهَا فَمَنْ تَنَاوَلَ حَبَّةً مِنْ الْأَفْيُونِ، أَوْ الْبَنْجِ جَازَ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَدْرًا يَصِلُ إلَى التَّأْثِيرِ فِي الْعَقْلِ وَالْحَوَاسِّ أَمَّا دُونَ ذَلِكَ فَجَائِزٌ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ وَقَعَ بِهَا بَيْنَ الْمُسْكِرَاتِ وَالْآخَرَيْنِ اهـ وَفِي كِتَابِ السِّيَاسَةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ أَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ فِي الْحَشِيشَةِ قَالَ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ جَامِدَةً وَلَيْسَتْ شَرَابًا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي نَجَاسَتِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَقِيلَ نَجِسَةٌ وَهُوَ صَحِيحٌ اهـ.

وَمَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ مِنْ حِلِّ تَنَاوُلِ يَسِيرِهَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْمُتَوَلَّيْ فِي جَوَازِ تَنَاوُلِ الْيَسِيرِ مِنْ

ص: 231

الْحَشِيشِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ التَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِ وَكُلُّ طَاهِرٍ لَا ضَرَرَ فِي أَكْلِهِ يَجُوزُ أَكْلُهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ وَإِقْرَارُهُ يُجَوِّزُ أَكْلَ السُّمِّ لِمَنْ لَا يَضُرُّهُ وَيَجُوزُ بَلْ يَجِبُ أَكْلُهَا عِنْدَ الْإِضْرَارِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا وَفَارَقَتْ الْخَمْرُ بِأَنَّ شُرْبَهَا يَزِيدُ فِي الْعَطَشِ وَأَكْلُ الْحَشِيشَةِ لَا يَزِيدُ فِي الْجُوعِ وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا فِيهَا إنَّهَا تُغَطِّي الْعَقْلَ وَتَغْطِيَتُهُ جَائِزَةٌ لِدَوَاءٍ، أَوْ نَحْوِ قَطْعِ عُضْوٍ مُتَآكِلٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيَحْرُمُ إطْعَامُهَا لِلْحَيَوَانِ لِأَجْلِ إسْكَارِهِ وَبَيْعُهَا جَائِزٌ قَطْعًا لِأَنَّهَا قَدْ تَنْفَعُ لِبَعْضِ الْأَمْرَاضِ كَمَا يَأْتِي وَمَحَلُّهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا يَتَعَيَّنُ لِلتَّدَاوِي بِهِ وَفِيمَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ مِنْ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَضُرُّ وَمَا عَدَا هَذَيْنِ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ نَظَرٌ وَقَضِيَّةُ قَوْلِ ابْنِ النَّقِيبِ لَا ضَمَانَ عَلَى مُتْلِفِهَا كَالْخَمْرِ عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِ ذَلِكَ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.

وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْقُطْبِ الْقَسْطَلَّانِيُّ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الشَّامِ فِيهَا إنَّهَا حَارَّةٌ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ يَابِسَةٌ فِي الْأُولَى تُصَدِّعُ الرَّأْسِ وَتُظْلِمُ الْبَصَرَ وَتُعَقِّدُ الْبَطْنَ وَتُجَفِّفُ الْمَنِيَّ وَذَكَرَ فِيهَا مَنَافِعَ مِنْ نَحْوِ طَرْدِ الرِّيَاحِ وَتَحْلِيلِ النَّفْخِ وَتَنْقِيَةِ الْأَبْرِئَةِ مِنْ الرَّأْسِ عِنْدَ غَسْلِهِ بِهَا وَالْأَبْرِئَةُ مَرَضٌ يَحْدُثُ بِسَطْحِ الرَّأْسِ وَهُوَ قُشُورٌ بِيضٌ وَالْعِلَّةُ فِي فِعْلِهَا لِذَلِكَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْحَرَارَةِ وَالْيُبْسِ فَإِذًا تَرْجِعُ إلَى كَوْنِهَا دَوَاءً مِنْ جُمْلَةِ الْأَدْوِيَةِ وَتُسْتَعْمَلُ حَيْثُ تُسْتَعْمَلُ الْأَدْوِيَةِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا مِنْ الْأَمْرَاضِ بِمِقْدَارِ مَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ قَالَ وَلَا يَسْتَعْمِلُهَا الْأَصِحَّاءُ بِحَيْثُ يَنْشَأُ عَنْ أَكْلِهَا السُّبَاتُ وَالْخَدَرُ وَالْإِسَاءَةُ وَالْهَدَرُ فَإِنَّ مَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ يَتَعَيَّنُ اجْتِنَابُهُ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَضَارِّ الَّتِي هِيَ مَبَادِئُ مَدَاعِي الْهَلَاكِ وَرُبَّمَا نَشَأَ مِنْ تَجْفِيفِ الْمَنِيِّ وَصُدَاعِ الرَّأْسِ وَغَيْرِهِمَا مَفَاسِدُ وَمَضَارُّ تَفْتَقِرُ إلَى عِلَاجٍ قَالَ.

وَقَدْ ذَكَرَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَالِقِيُّ الْعَشَّابُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَيْطَارِ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعُ لِقَوِيِّ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ فَقَالَ.

وَمِنْ الْقِنَّبِ الْهِنْدِيِّ نَوْعٌ ثَالِثٌ يُقَالُ لَهُ الْقِنَّبُ وَلَمْ أَرَهُ بِغَيْرِ مِصْرَ وَيُزْرَعُ فِي الْبَسَاتِينِ وَيُسَمَّى بِالْحَشِيشَةِ أَيْضًا وَهُوَ مُسْكِرٌ جِدًّا إذَا تَنَاوَلَ مِنْهُ الْإِنْسَانُ يَسِيرًا قَدْرَ دِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ حَتَّى أَنَّ مَنْ أَكَلَ مِنْهُ أَخْرَجَهُ إلَى حَدِّ الرُّعُونَةِ وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ قَوْمٌ فَاخْتَطَفَتْ عُقُولَهُمْ وَأَدَّى بِهِمْ الْحَالُ إلَى الْجُنُونِ وَرُبَّمَا قَتَلَتْ وَمِمَّا يَنْفَعُ فِي مُدَاوَاتِهَا الْقَيْءَ بِسَمْنٍ وَمَاءٍ سُخِّنَ حَتَّى تُنَقَّى الْمَعِدَةُ وَشَرَابُ الْحُمَاضِ لَهُ غَايَةٌ فِي النَّفْعِ قَالَ وَهِيَ كَمَا زَعَمَ مَنْ تَعَاطَاهَا مُدَّةً ثُمَّ انْقَشَعَ عَنْ عَيْنِهِ سَحَابُ الْعَمَى عَنْ الْهُدَى خَبِيثَةُ الطَّعْمِ كَرِيهَةُ الرَّائِحَةِ وَلِأَجْلِ هَذَا يَتَخَيَّلُ بَعْضُ مَنْ يَتَعَاطَاهَا عَلَى تَطْيِيبِهَا بِمَا يُسَوِّغُ تَنَاوُلَهَا مِنْ السِّمْسِمِ الْمَقْشُورِ أَوْ السُّكَّرِ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ تَكْرَهُهُ لَا مَحَالَةَ كَمَا تَكْرَهُ الْأَدْوِيَةَ.

وَإِنْ كَانَتْ تُؤَمِّلُ فِي تَنَاوُلِهَا حُصُولُ الْأَشْفِيَةِ وَأَيْضًا فَالْمَأْكُولُ مُنْحَصِرٌ فِي الْغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ وَلَيْسَتْ بِغِذَاءٍ لِأَنَّهَا لَا تُلَائِمُ الْجَسَدِ فَهِيَ دَوَاءٌ وَالدَّوَاءُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ حَيْثُ تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ فَلَا يَسْتَعْمِلُهُ الصَّحِيحُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُلَائِمَةٍ لِلطِّبَاعِ بَلْ مُنَافِرَةٌ لِمَا عَلَيْهِ الْمِزَاجُ مِنْ الْأَوْضَاعِ قَالَ وَقَدْ نُقِلَ لَنَا أَنَّ الْبَهَائِمَ لَا تَتَنَاوَلُهَا فَمَا قَدْرُ مَأْكُولٍ تَنْفِرُ الْبَهَائِمُ عَنْ تَنَاوُلِهِ وَهِيَ مِمَّا يُحِيلُ الْأَبْدَانَ وَيُحَلِّلُ قُوَاهَا وَيَحْرِقُ دِمَاءَهَا وَيُجَفِّفُ رُطُوبَتَهَا وَيُصَفِّرُ الْأَلْوَانَ وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا إمَامُ وَقْتِهِ فِي الطِّبّ أَنَّهَا تُوَلِّدُ أَفْكَارًا كَثِيرَةً وَإِنَّهَا تُجَفِّفُ الْمَنِيَّ وَتَجْفِيفُهُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ قِلَّةِ الرُّطُوبَةِ فِي الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسَةِ.

وَمِمَّا أَنْشَدَ فِيهَا

قُلْ لِمَنْ يَأْكُلُ الْحَشِيشَةَ جَهْلًا

يَا خَسِيسًا قَدْ عِشْت شَرَّ مَعِيشَةٍ

دِيَةُ الْعَقْلِ بِدُرَّةٍ فَلِمَاذَا

يَا سَفِيهًا قَدْ بِعْتهَا بِحَشِيشَةٍ

قَالَ وَقَدْ بَلَغَنَا مِنْ جَمْعٍ يَفُوقُ حَدَّ الْحَصْرِ إنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ عَانَاهَا مَاتَ بِهَا فَجْأَةً وَآخَرِينَ اخْتَلَّتْ عُقُولُهُمْ وَابْتُلُوا بِأَمْرَاضٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ الدَّقِّ وَالسُّلِّ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَإِنَّهَا تَسْتُرُ الْعَقْلَ وَتَغْمُرُهُ وَمِمَّا أُنْشِدَ فِيهَا أَيْضًا

يَا مَنْ غَدَا أَكْلُ الْحَشِيشِ شِعَارُهُ

وَعَدَا فَلَاحُ عَوَارِهِ وَخِمَارُهُ

أَعْرَضْت عَنْ سُنَنِ الْهُدَى بِزَخَارِفَ

لَمَّا اعْتَرَضْت لِمَا أُشِيعَ ضِرَارُهُ

الْعَقْلُ يَنْهَى أَنْ يَمِيلَ إلَى الْهَوَى

وَالشَّرْعُ يَأْمُرُ أَنْ تُعَدِّدَ دَارَهْ

ص: 232

فَمَنْ ارْتَدَى بِرِدَاءِ شَهْوَةِ زَهْرَةٍ

فِيهَا بَدَا لَلنَّاظِرِينَ عِثَارُهُ

وَلِبَعْضِ الْفَسَقَةِ أَبِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ فِي مَدْحِهَا حَذَفْتهَا لَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ السَّفَهِ وَالْإِطْرَاءِ وَالْحَثِّ عَلَيْهَا.

وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ فَقَالَ

لَا تُصْغِيَنَّ لِمَادِحٍ شُرْبَ الْحَشِيشِ

فَإِنَّهُ فِي الْقَوْلِ غَيْرُ مُسَدَّدِ

وَانْهَضْ بِعَزْمَةِ مَاجِدٍ فِي رَدِّهِ

فِي قَصْدِهِ بِالسَّوْطِ جَنْبًا وَالْيَدِ

السُّكْرُ شَرٌّ كَيْفَ كَانَ فَلَا تَمِلْ

فِي مَدْحِهِ لِمَنْ اعْتَدَى لَمْ يَهْتَدِ

مَنْ كَانَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا فَلْيَلْتَزِمْ

أَنْ لَا يَحِيدَ عَنْ السَّبِيلِ الْأَرْشَدِ

وَلَقَدْ تَرَاهُ ضَاحِكًا أَوْ بَاكِيًا

أَوْ نَاطِقًا بِقَبَائِحَ لَمْ تُشْهَدْ

هَيْهَاتَ أَنْ يَأْتِيَ بِفِعْلٍ صَالِحٍ

مَنْ ضَلَّ عَنْ سُنَنِ الرَّشَادِ الْأَمْجَدِ

قَدْ ضَلَّ مَنْ أَفْتَى بِحِلِّ شِرَائِهَا

فِيمَا عَزَا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ

فِيهَا الْإِهَانَةُ بِالنِّعَالِ وَبِالْعَصَا

لِلرَّاعِدِ الْمَهْبُولِ وَالْمُتَعَبِّدِ

مَنْ كَفَّ كَفَّ الْهَمُّ عَنْهُ بِكَفِّهَا

أَمَسَى عَلَى كَفٍّ يَرُوحُ وَيَغْتَدِي

مِنْ حَاكِمٍ أَوْ عَالِمٍ أَوْ نَاظِرٍ

أَوْ نَاصِحٍ فِي فِعْلِهِ مُتَزَهِّدِ

مَنْ كَانَ يَطْلُبُ أَنْ يَفُوزَ فَحَقُّهُ

أَنْ لَا يَجُوزَ عَنْ اهْتِدَاءِ الْمُهْتَدِي

وَلْيَطَّرِحْ قَوْلَ الْمُبِيحِ لِأَكْلِهَا

وَلْيَقْتَرِحْ يَوْمَ السُّرُورِ إلَى غَدِ

وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ» قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُفَتِّرُ كُلُّ مَا يُورِثُ الْفُتُورَ وَالْخَدَرَ فِي الْأَطْرَافِ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَشِيشِ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّهَا تُسْكِرُ وَتُخَدِّرُ وَتُفَتِّرُ وَلِذَلِكَ يَكْثُرُ النَّوْمُ لِمُتَعَاطِيهَا وَحَكَى الْقَرَافِيُّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِهَا قَالَ وَمَنْ اسْتَحَلَّهَا فَقَدْ كَفَرَ قَالَ وَإِنَّمَا لَمْ تَتَكَلَّمْ فِيهَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُمْ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِهِمْ وَإِنَّمَا ظَهَرَتْ فِي آخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ وَأَوَّلِ الْمِائَةِ السَّابِعَةِ حِينَ ظَهَرَتْ دَوْلَةُ التَّتَارِ قَالَ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَطْعِمَةِ وَفِي بَحْرِ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّبَاتَ الَّذِي يُسْكِرُ وَلَيْسَ فِيهِ شِدَّةٌ يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَلَا حَدَّ عَلَى آكِلِهِ وَلَا نَعْرِفُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عِنْدَنَا.

وَقَالَ فِي بَابِ الشُّرْبِ وَمَا يُزِيلُ الْعَقْلَ مِنْ غَيْرِ الْأَشْرِبَةِ كَالْبَنْجِ لَا حَدَّ فِي تَنَاوُلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَلَذُّ وَلَا يَطْرَبُ وَلَا يَدْعُو قَلِيلُهُ إلَى كَثِيرِهِ اهـ.

وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ النَّبَاتُ الَّذِي فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ ضَعِيفٌ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ وَلَا يُقَاسُ بِالْخَمْرِ فِي الْحَدِّ لِأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ فِي الْحُدُودِ الْمُسَاوَاةُ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا تُشْبِهُ الْخَمْرَ فِي تَعَاطِيهَا لِأَنَّهَا لَا تُورِثُ عَرْبَدَةً وَغَضَبًا وَحَمِيَّةً وَالشَّيْكَرَانُ يُزِيدُهُ شِدَّةً وَعَرْبَدَةً بِالسُّكْرِ بِخِلَافِ أَكْلِ الْمُخَدِّرَاتِ فَإِنَّهُ وَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ يَسْكُنُ شَرُّهُ لِفُتُورِ بَدَنِهِ وَتَخْدِيرِهِ وَكَثْرَةِ نَوْمِهِ وَأَيْضًا الْحَشِيشُ وَنَحْوُهَا طَاهِرَةٌ وَالْخَمْرُ نَجِسَةٌ فَنَاسَبَ تَأْكِيدَ الزَّجْرِ عَنْهَا بِإِيجَابِ الْحَدِّ وَأَيْضًا الْخَمْرُ يَحْرُمُ تَعَاطِي قَلِيلِهَا لِلنَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْحَشِيشِ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ أَنْ يَتَعَاطَى مِنْهَا مَا لَا يُسْكِرُ فَبَطَلَ الْقِيَاسُ.

وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ عَصْرِهِ أَنَّهَا بَعْدَ التَّحْمِيصِ وَالْغَلْيِ نَجِسَةٌ لِأَنَّهَا تُغَيِّبُ الْعَقْلَ حِينَئِذٍ قَالَ وَسَأَلْت جَمَاعَةً مِمَّنْ يُعَانِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ تُؤَثِّرُ مُطْلَقًا اهـ.

قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ وَالصَّوَابُ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا فِي ذَلِكَ مُلْحَقَةٌ بِجَوْزِ الطِّيبِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْعَنْبَرِ وَالْأَفْيُونِ وَالشَّيْكَرَانِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْبَنْجُ وَهُوَ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ الْمُخَدِّرَاتِ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ ابْنُ الْقُطْبِ الْقَسْطَلَّانِيُّ اهـ.

قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِي أَكْلِ الْحَشِيشِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مَضَرَّةً دِينِيَّةً وَدُنْيَوِيَّةً مِنْهَا أَنَّهَا تُورِثُ الْفِكْرَةَ وَتُجَفِّفُ الرُّطُوبَاتِ وَتُعَرِّضُ الْبَدَنَ لِحُدُوثِ الْأَمْرَاضِ وَتُورِثُ النِّسْيَانَ وَتُصَدِّعُ الرَّأْسَ وَتَقْطَعُ النَّسْلَ وَالْمَنِيَّ وَتُجَفِّفُهُ وَتُورِثُ مَوْتَ الْفَجْأَةِ وَاخْتِلَالَ الْعَقْلِ

ص: 233