المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌[بَابُ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ] (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا يَقَعُ - الفتاوى الفقهية الكبرى - جـ ٤

[ابن حجر الهيتمي]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ الْوَصِيَّةِ]

- ‌[بَابُ الْوَدِيعَةِ]

- ‌[بَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ]

- ‌[بَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ]

- ‌[بَابُ خَصَائِصِهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[كِتَابُ النِّكَاحِ]

- ‌[بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ]

- ‌[بَابُ خِيَارِ النِّكَاحِ]

- ‌[بَابٌ فِي الصَّدَاقِ]

- ‌[بَابُ الْوَلِيمَةِ]

- ‌[بَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزِ]

- ‌[بَابُ الْخُلْعِ]

- ‌[بَابُ الطَّلَاقِ]

- ‌[بَابُ الرَّجْعَةِ]

- ‌[بَابُ الظِّهَارِ]

- ‌[بَابُ الْعِدَدِ]

- ‌[بَابُ الْقَذْفِ وَاللِّعَانِ]

- ‌[بَابُ النَّفَقَةِ]

- ‌[بَابُ الْحَضَانَةِ]

- ‌[كِتَابُ الْجِرَاحِ]

- ‌[بَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ]

- ‌[بَابُ الْبُغَاةِ]

- ‌[بَابُ الْأَشْرِبَةِ وَالْمُخَدَّرَات]

- ‌[بَابُ التَّعَازِيرِ وَضَمَانِ الْوُلَاةِ]

- ‌[بَابُ الرِّدَّةِ]

- ‌[بَابُ الصِّيَالِ]

- ‌[بَابُ الزِّنَا]

- ‌[بَابُ السَّرِقَةِ]

- ‌[بَابُ السِّيَرِ]

- ‌[بَابُ الْهُدْنَةِ]

- ‌[بَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ]

- ‌[بَابُ الْأُضْحِيَّةِ]

- ‌[بَابُ الْعَقِيقَةِ]

- ‌[بَابُ الْأَطْعِمَةِ]

- ‌[بَابُ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ]

- ‌[بَابُ الْأَيْمَانِ]

- ‌[بَابُ النَّذْرِ]

- ‌[بَابُ الْقَضَاءِ]

- ‌[بَابُ إلْحَاقِ الْقَائِف]

- ‌[بَابُ الْقِسْمَةِ]

- ‌[بَابُ الشَّهَادَاتِ]

- ‌[بَاب الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ]

- ‌[بَابُ الْعِتْقِ]

- ‌[بَابُ التَّدْبِيرِ]

- ‌[بَابُ الْكِتَابَةِ]

- ‌[بَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ]

الفصل: ‌ ‌[بَابُ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ] (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا يَقَعُ

[بَابُ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ]

(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا يَقَعُ بَيْنَ أَهْلِ مِلِيبَارَ مِنْ اللَّعِبِ بِنَحْوِ السُّيُوفِ الْمُحَدَّدَةِ وَالتَّضَارُبِ بِهَا اعْتِمَادًا عَلَى حِرَاسَتِهِمْ بِالتُّرْسِ وَالْغَالِبُ السَّلَامَةُ وَقَدْ يَقَعُ الْجُرْحُ وَقَدْ يَقَعُ الْهَلَاكُ فَهَلْ هُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ التَّمْرِينُ حَتَّى يَنْفَعَ فِي الْحَرْبِ أَوْ لَا لِدُخُولِهِ فِي الْإِشَارَةِ عَلَى مُسْلِمٍ بِالسِّلَاحِ وَحَمْلِهِ عَلَيْهِ وَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِذَلِكَ.

(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ سبحانه وتعالى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا حَيْثُ قَالُوا يَجُوزُ وَلَوْ بِعِوَضِ الْمُسَابَقَةِ عَلَى التَّرَدُّدِ بِالسُّيُوفِ وَإِدَارَتِهَا وَالرِّمَاحِ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ وَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ وَحِذْقٍ وَيَجُوزُ بِلَا عِوَضٍ الْمُرَامَاةُ بِأَنْ يَرْمِيَ كُلُّ وَاحِدٍ الْحَجَرَ أَوْ السَّهْمَ إلَى الْآخَرِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ بِعِوَضٍ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ. اهـ. فَعُلِمَ مِنْهُ مَا قُلْنَاهُ وَلِأَنَّ التَّرَدُّدَ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ، وَمُرَامَاةِ الْأَحْجَارِ وَالسِّهَامِ قَدْ يَقَعُ فِيهَا جُرْحٌ وَهَلَاكٌ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْظُرُوا إلَيْهِ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ وَكَوْنُهُ نَافِعًا فِي الْحَرْبِ لَيْسَ هُوَ الْعِلَّةَ فِي التَّجْوِيزِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا هُوَ عِلَّةٌ فِي التَّجْوِيزِ بِعِوَضٍ أَلَا تَرَى إلَى تَجْوِيزِهِمْ الْمُرَامَاةَ بِالسِّهَامِ وَالْأَحْجَارِ بِلَا عِوَضٍ مَعَ عَدَمِ نَفْعِهَا فِي الْحَرْبِ.

وَلَيْسَ عِلَّةُ ذَلِكَ إلَّا غَلَبَةَ السَّلَامَةِ فِيهَا فَكَذَا مَا فِي السُّؤَالِ يَجُوزُ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ فِيهِ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ غَيْرُ نَافِعٍ فِي الْحَرْبِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْإِشَارَةِ عَلَى مُسْلِمٍ بِالسِّلَاحِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لِأَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ فِي إشَارَةٍ مُخِيفَةٍ أَوْ يَتَوَلَّدُ عَنْهَا الْهَلَاكُ قَرِيبًا غَيْرُ نَادِرٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.

(سُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَيْفَ عَدَّ الْأَصْحَابُ الرَّمْيَ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ سُنَّةٌ مَعَ قَوْله تَعَالَى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالْقُوَّةُ مُفَسَّرَةٌ فِي الْأَحَادِيثِ بِالرَّمْيِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ اسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ إمَّا لِقَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ: الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ وَإِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بَقِيَ الْجَوَازُ الشَّامِلُ لِلنَّدْبِ الدَّالِّ عَلَيْهِ كَثْرَةُ الْأَحَادِيثِ فِي كَثْرَةِ ثَوَابِ الرَّمْيِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ وَإِمَّا احْتِمَالُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِرْشَادِ وَلَا تَرِدُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْإِرْشَادِيَّ لَا ثَوَابَ فِيهِ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ وَإِمَّا بِالنَّظَرِ لِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ.

فَقَدْ يَعْظُمُ ثَوَابُهُ بِخِلَافِ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ فَإِنَّ الثَّوَابَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ يَقْتَرِنُ بِهِ وَهَذَا الْفَرْقُ وَإِنْ لَمْ أَرَهُ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُومِئُ إلَيْهِ بَعْضُ الْفُرُوقِ مِنْ الْكَرَاهَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْإِرْشَادِيَّة وَإِمَّا أَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى عُمُومِ مَا الْمُفَسَّرَةِ بِقُوَّةٍ وَذَلِكَ شَامِلٌ لِلرَّمْيِ وَغَيْرِهِ كَالسَّيْفِ وَالسِّلَاحِ وَالْحُصُونِ وَذُكُورِ الْخَيْلِ كَمَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَفْظُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ هِيَ الْقَوْسُ إلَى السَّهْمِ فَمَا دُونَهُ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» فَهُوَ مِنْ بَابِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» كَمَا قَالَهُ مَكْحُولٌ.

وَعَلَى هَذَا فَالْأَمْرُ فِي الْآيَةِ لِلْوُجُوبِ لِأَنَّ التَّهَيُّؤَ لِجِهَادِ الْعَدُوِّ وَالِاسْتِعْدَادَ لِمُلَاقَاتِهِ بِدُخُولِ جَيْشِنَا إلَى دَارِهِ كُلَّ سَنَةٍ أَوْ بِعِمَارَةِ الثُّغُورِ وَنَحْوِهَا حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ سَبِيلٌ إلَى دُخُولِ دَارِنَا وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَحِينَئِذٍ إذَا نَظَرْنَا لِلرَّمْيِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ قُلْنَا إنَّهُ سُنَّةٌ أَوْ مِنْ حَيْثُ دُخُولُهُ تَحْتَ الْأَمْرِ الْمَوْضُوعِ حَقِيقَةً لِلْوُجُوبِ قُلْنَا هُوَ مِنْ بَعْضِ جُزْئِيَّاتِ الْمَفْرُوضِ وَنَظِيرُهُ الْعِتْقُ مَثَلًا فِي الْكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرَةِ فَهُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَفْضَلُهَا مَنْدُوبٌ وَمِنْ حَيْثُ تَأَدِّي الْوَاجِبِ بِهِ وَاجِبٌ وَلَعَلَّ هَذَا التَّقْرِيرَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الرَّمْيِ أَخْذًا مِنْ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَاجِبٌ لَعَيْنِهِ بَلْ إنَّهُ مِنْ بَابِ إيجَابِ شَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ كَمَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِي خَائِفِ الْعَنَتِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعَفُّفُ وَلَا يُقَالُ إنَّ النِّكَاحَ فِي حَقِّهِ وَاجِبٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَاجِبٌ لَعَيْنِهِ بَلْ عَلَى مَعْنَى أَنَّ السَّعْيَ فِي الْإِعْفَافِ وَاجِبٌ إمَّا بِالنِّكَاحِ وَإِمَّا بِالتَّسَرِّي فَإِيجَابُ النِّكَاحِ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ إيجَابِ شَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ قِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ وَكَذَلِكَ هُنَا الْوَاجِبُ إعْدَادُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْقِتَالِ وَيُدْفَعُ بِهِ الْعَدُوُّ أَمَّا الرَّمْيُ أَوْ غَيْرُهُ وَإِذَا حُكِمَ عَلَى الرَّمْيِ بِعَيْنِهِ قِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[بَابُ الْأَيْمَانِ]

(وَسُئِلَ) رحمه الله عَنْ رَجُلَيْنِ مَرَّ بِهِمَا رَجُلٌ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا وَلَدُ فُلَانٍ وَحَلَفَ الْآخَرُ أَنَّهُ وَلَدُ فُلَانٍ غَيْرِ الذِّمِّيِّ الَّذِي يَعْنِيهِ صَاحِبُهُ وَهُمَا جَمِيعًا يَظُنَّانِ أَنَّهُمَا عَلَى الصَّوَابِ فَهَلْ يَحْنَثَانِ أَوْ لَا وَهَلْ إذَا

ص: 262

حَلَفَا يَمِينًا بِالطَّلَاقِ يَحْنَثَانِ أَوْ لَا كَمَا إذَا حَلَفَ ظَانًّا أَنَّهُ صَادِقٌ فَبَانَ خِلَافُهُ؟

(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ حَلَفَ لَا يُرَاجِعُ زَوْجَتَهُ فَوَكَّلَ هَلْ يَحْنَثُ؟

(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَحْنَثُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ حَنِثَ بِعَقْدِ وَكِيلِهِ وَالرَّجْعَةُ وَإِنْ كَانَتْ اسْتِدَامَةً فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ إلَّا أَنَّهُمْ نَزَّلُوا فِعْلَ الْوَكِيلِ فِي بَابِ النِّكَاحِ كَفِعْلِ الْمُوَكِّلِ.

(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ حَلَفَ لَا يَخَافُ فُلَانًا فَهَلْ يَحْنَثُ مُطْلَقًا أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ نَفَعَنَا اللَّهُ سبحانه وتعالى بِعُلُومِهِ وَبِقَوْلِهِ الْخَوْفُ مِنْ الْأُمُورِ الْقَلْبِيَّةِ الَّتِي لَا اطِّلَاعَ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِمَا عِنْدَهُ فَإِنْ خَافَهُ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ دَلَّتْ الْقَرَائِنُ عَلَى خَوْفِهِ مِنْهُ إذْ لَا عِبْرَةَ هُنَا بِالْقَرَائِنِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ فَرْطُ هُجُومٍ وَإِقْدَامٍ فَلَا يَخَافُ مَنْ قَوِيَتْ شَوْكَتُهُ وَنَفَذَتْ كَلِمَتُهُ وَظَهَرَتْ دَوْلَتُهُ وَهَذَا يُشَاهَدُ كَثِيرًا أَعْنِي أَنَّ بَعْضَ مَنْ لَهُمْ قُوَّةُ جَرَاءَةٍ قَدْ يُقْدِمُونَ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْمَهُولَةِ جِدًّا الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْقَتْلِ فَوْرًا عَادَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ خَوْفٌ مِنْهَا وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ الشُّجَاعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الْمُوَرِّثَةُ لِعَظِيمِ الْإِقْدَامِ أَوْ خَوْضِ الْمَهَالِكِ نِسْيَانَ الْعَوَاقِبِ فَمَنْ نَسِيَ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي كُلِّ مَهْلَكَةٍ وَمَخُوفَةٍ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ خَوْفٍ وَلَا فَزَعٍ وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي هَذَا رَدًّا لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ لَوْ قَالَ لَا أَخَافُ وَدَلَّ الْحَالُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ إمَّا بِقُوَّةِ شَوْكَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ شِدَّةِ بَأْسِهِ أَوْ فَرْطِ هُجُومِهِ فَالظَّاهِرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ ظَاهِرَهُ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ قَالَ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ أَفْضَلُ الصِّيَغِ لِلْحَمْدِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هَلْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ؟

(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ أَفْضَلَ صِيغَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ وَلِي فِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى وَدَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَنَّ أَفْضَلَهَا يَا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِك وَعَظِيمِ سُلْطَانِك وَمَا قَالَهُ اخْتِيَارٌ لَهُ بِأَنَّهَا أَوَّلُ كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ وَآخِرُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَلَوْ ضُمَّ إلَيْهَا مَا ذَكَرْتُهُ لِيَصِيرَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ لَزَادَ اتِّضَاحُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ وَلَدِهِ عَلَمِ الدِّينِ يَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَ مَا قَالَهُ وَمَا قَالُوهُ لِيَصِيرَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ وَعَلَى كُلٍّ فَيَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَ مَا قُلْته وَمَا قَالَهُ وَمَا قَالُوهُ وَهُوَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ.

(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ شَخْصٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يُؤَجِّرُ وَلَا يُسَكِّنُ فُلَانًا دَارِهِ فَأَجَّرَهُ الدَّارَ جَاهِلًا الْحَلِفَ أَوْ عَامِدًا فَهَلْ يَحْنَثُ أَوْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ لَا فَهَلْ الْحِيلَةُ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ أَنْ يُرْفَعَ إلَى حَاكِمٍ يَأْمُرُهُ بِالْإِسْكَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِجَارَةِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟

(فَأَجَابَ) رحمه الله بِقَوْلِهِ إذَا أَجَّرَهُ نَاسِيًا الْحَلِفَ لَمْ يَحْنَثْ أَوْ ذَاكِرًا لَهُ حَنِثَ وَجَهْلُ الْحُكْمِ لَيْسَ بِعُذْرٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ وَإِذَا لَمْ يَحْنَثْ وَصَحَّ إيجَارُهُ فَرَفَعَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِحَاكِمٍ فَأَلْزَمَهُ بِتَمْكِينِهِ مِنْ السَّكَنِ فَسَكَنَ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ الشَّرْعِيَّ كَالْإِكْرَاهِ الْحِسِّيِّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.

(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ لَا يَضْرِبُ زَوْجَتَهُ فَكَالَمَتْهُ ثُمَّ حَذَفَتْهُ بِنَعْلِهَا فَحَذَفَهَا بِنَعْلِهِ فَأَصَابَهَا فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ أَمْ لَا كَمَا مَالَ إلَيْهِ بَعْضُ مَشَايِخِ الْعَصْرِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الضَّرْبِ غَيْرُ حَقِيقَةِ الْحَذْفِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللُّغَوِيِّينَ وَاسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْعُرْفِ قَالَ فَكَانَ حَقِيقَةُ الضَّرْبِ صَدْمَ الْمَضْرُوبِ بِالْآلَةِ مَعَ اتِّصَالِهَا بِالضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ وَفِي الْحَذْفِ يَحْصُلُ الصَّدْمُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ عَنْ الْحَاذِفِ فَافْتَرَقَا وَأَوْرَدَ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا الْوَكْزَ بِالضَّرْبِ.

وَالْوَكْزُ فِي الْقَامُوسِ هُوَ الدَّفْعُ وَالطَّعْنُ وَالضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْوَكْزِ بِمَعْنَى الدَّفْعِ وَالدَّفْعُ لَيْسَ فِيهِ الِاتِّصَالُ الَّذِي شُرِطَ فِي الضَّرْبِ فَلْيَكُنْ الْحَذْفُ مِثْلَهُ أَوْ هُوَ نَوْعٌ مِنْ الدَّفْعِ قُلْت إنَّمَا وَقَعَ الْحِنْثُ بِالْوَكْزِ الَّذِي هُوَ الضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الضَّرْبِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الدَّفْعِ أَنْ يَقَعَ الْحِنْثُ بِالدَّفْعِ وَقَدْ اقْتَصَرَ الْإِسْنَوِيُّ

ص: 263

عَلَى تَفْسِيرِ الْوَكْزِ بِالضَّرْبِ بِجَمْعِ الْكَفِّ وَلَمْ نَجِدْ تَفْسِيرَهُ بِالدَّفْعِ فِيمَا يَقَعُ بِهِ حِنْثُ الْحَالِفِ عَلَى الضَّرْبِ إلَّا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ زَكَرِيَّا.

وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْرَادِ الضَّرْبِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الدَّفْعِ إذَا سَلَّمْنَا وُقُوعَ الْحِنْثِ بِهِ فِي الصَّدْمِ الْمُعْتَبَرِ فِي حَقِيقَةِ الضَّرْبِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِيمَا يَظْهَرُ فَلَوْ دَفَعَ الشَّخْصُ إنْسَانًا فَأَمَالَهُ وَلَمْ يَصْدِمْ شَيْئًا صَحَّ أَنْ يُقَالَ وَكَزَهُ وَلَا يَقَعُ بِهِ حِنْثٌ أَصْلًا فَظَهَرَ أَنَّ الْوَكْزَ بِهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُرَادٍ فِيمَا يَقَعُ بِهِ الْحِنْثُ. اهـ. كَلَامُهُ فَهَلْ تُوَافِقُونَهُ عَلَى جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ تُخَالِفُونَهُ فَمَا سَنَدُ الْمُخَالَفَةِ حَقِّقُوا ذَلِكَ وَابْسُطُوا لَنَا الْقَوْلَ فِيهِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ وَاقِعَةٌ حَالًا وَالسَّائِلُ يَنْتَظِرُ الْجَوَابَ فِيهَا أَثَابَكُمْ اللَّهُ سبحانه وتعالى الْجَنَّةَ؟

(فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ سبحانه وتعالى بِبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ عُرِضَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَأَنَا مَشْغُولٌ بِبَعْضِ الْمُهِمَّاتِ فَتَوَقَّفْتُ فِيهَا وَلَمْ أَجْزِمْ فِيهَا بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَ مَيْلِي إلَى الْحِنْثِ إذَا أَصَابَهَا الْمَحْذُوفُ بِهِ إصَابَةً لَهَا وَقْعٌ مَعَ إيلَامٍ أَوْ عَدَمِهِ بِنَاءً عَلَى التَّنَاقُضِ الشَّهِيرِ فِي التَّعْلِيقِ بِالضَّرْبِ ثُمَّ تَجَاذَبْت الْبَحْثَ فِيهَا مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَشَايِخِ فَلَمْ يَمِيلُوا إلَّا إلَى عَدَمِ الْحِنْثِ لِنَحْوِ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ وَلَمْ يَنْقَدِحْ عِنْدِي غَيْرُ الْحِنْثِ وَاسْتَمَرَّيْت عَلَى ذَلِكَ مَعَ التَّرَدُّدِ فِيهِ أَيَّامًا إلَى أَنْ رَأَيْت مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَاللُّغَوِيِّينَ مَا اقْتَضَى الْجَزْمَ بِالْحِنْثِ وَبَيَانُ ذَلِكَ بِأُمُورٍ وَقَبْلَهَا لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مُقَدِّمَةٍ هِيَ أَنَّ الْأَصْحَابَ إلَّا الْإِمَامَ وَالْغَزَالِيَّ يُقَدِّمُونَ الْوَضْعَ اللُّغَوِيَّ عَلَى الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ وَفِي ذَلِكَ كَلَامٌ وَتَقْيِيدَاتٌ مَبْسُوطَةٌ فِي مَحَلِّهَا وَقَدْ بَيَّنْت حَاصِلَهَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُشَكُّ أَنَّهُ مِنْ أَكَابِرِ الْعَرَبِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِكَلَامِهِمْ وَتَثْبُتُ اللُّغَةُ بِقَوْلِهِ وَيُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَرْتَبَتِهِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ سَمَّى الْحَذْفَ ضَرْبًا فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ رَجْمِ مَاعِزٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ مَا لَفْظُهُ فَأُخْرِجَ إلَى الْحَرَّة فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ فَرَّ يَشْتَدُّ حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لِحَيِّ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ بِهِ وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ وَاَلَّذِي وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَمِنْ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ الرَّجْمُ كَمَا صَحَّ عَنْ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَلَفْظُهُ فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ فَهَذَا جَابِرٌ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُمْ بَعْد الْإِدْرَاكِ هُوَ الرَّجْمُ الْمُوَافِقُ لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ سَمَّى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ذَلِكَ الرَّجْمَ ضَرْبًا فَهُوَ صَرِيحٌ أَيْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الرَّجْمَ الَّذِي هُوَ الْحَذْفُ يُسَمَّى ضَرْبًا وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَضَرَبَهُ بِهِ وَضَرَبَهُ النَّاسُ فَإِنْ قُلْت يُحْتَمَلُ أَنَّ الصَّادِرَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ إنَّمَا هُوَ الضَّرْبُ وَأَنَّ جَابِرًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هُوَ الَّذِي تَجَوَّزَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالرَّجْمِ مَجَازًا وَأَنَّ بَعْضَهُمْ ضَرَبَهُ وَبَعْضَهُمْ رَجَمَهُ قُلْت كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ حُجَّةٌ لَنَا عَلَى التَّقْرِيرِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا هُوَ الرَّجْمُ فَانْتِقَالُهُمْ جَمِيعُهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ عَنْهُ إلَى الضَّرْبِ تَصْرِيحٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ الرَّجْمَ يَصْدُقُ عَلَى الضَّرْبِ وَإِلَّا لَمْ يَفْهَمُوهُ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْمَجَازِ لَا يُعْدَلُ إلَيْهِ لِاسْتِدْعَائِهِ إلَى قَرِينَةٍ تَصْرِفُهُ عَنْ الْحَقِيقَةِ وَلَا قَرِينَةَ هُنَا فَوَجَبَ إبْقَاءُ كُلٍّ مِنْ لَفْظِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَلَى حَقِيقَتِهِمَا وَظَهَرَ بِذَلِكَ ظُهُورًا لَا يَشُكُّ فِيهِ مُنْصِفٌ أَنَّ الرَّجْمَ الَّذِي هُوَ الْحَذْفُ يُسَمَّى ضَرْبًا وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَذْفَ يُسَمَّى ضَرْبًا لُغَةً كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الَّذِي هُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ أَهْلِ اللِّسَانِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِمْ فِيهِ فَلْيَحْنَثْ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى عَدَمِ الضَّرْبِ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُسَمَّى ضَرْبًا وَحِينَئِذٍ انْدَفَعَ مَا فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّ حَقِيقَةَ الدَّفْعِ غَيْرُ حَقِيقَةِ الضَّرْبِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللُّغَوِيِّينَ

وَانْدَفَعَ تَفْسِيرُ الضَّرْبِ بِأَنَّهُ صَدْمُ الْمَضْرُوبِ بِالْآلَةِ مَعَ اتِّصَالِهَا بِالضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ وَكَيْفَ يَتَأَتَّى هَذَا التَّفْسِيرُ مَعَ تَسْمِيَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِلرَّجْمِ بِالضَّرْبِ كَمَا عَلِمْت عَلَى أَنَّ عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا فِي تَفْسِيرِ الضَّرْبِ يَدْفَعُ ذَلِكَ أَيْضًا فَلْيَكُنْ مِنْك عَلَى ذِكْرٍ الثَّانِي أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ مِنْ أَكَابِرِ اللِّسَانِ أَيْضًا فَسَّرَ الْوَكْزَ الَّذِي هُوَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الضَّرْبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا بِالدَّفْعِ بِالْيَدِ لَا بِغَيْرِهَا وَتَبِعَهُ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ عَلَى ذَلِكَ كَصَاحِبِ الصِّحَاحِ

ص: 264

وَغَيْرِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الدَّفْعَ يَصْدُقُ بِدَفْعِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَدَفْعِ الْآلَةِ إلَيْهِ وَإِنْ انْفَصَلَتْ عَنْ الدَّافِعِ وَهَذَا هُوَ الْحَذْفُ وَإِذَا صَدَقَ الْوَكْزُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرْب بِالْحَذْفِ صَدَقَ بِهِ الضَّرْبُ وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ لِلْوَكْزِ بِأَنَّهُ الضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ فَهُوَ تَفْسِيرٌ قَاصِرٌ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي ذَلِكَ عَلَى تَفْسِيرِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَقَدْ تَقَرَّرَ عَنْهُمْ تَفْسِيرُهُ بِالدَّفْعِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ وَهَذَا مَلْحَظُ شَيْخِنَا خَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ فِي السُّؤَالِ مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالدَّفْعِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ وَإِعْرَاضُهُ عَمَّا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّقْيِيدِ وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْته انْدَفَعَ مَا فِي السُّؤَالِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مِنْ التَّنْظِيرِ فِي كَلَامِ شَيْخِنَا وَكَيْفَ يُنْظَرُ فِيهِ مَعَ تَصْرِيحِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَتَصْرِيحِ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ بِأَنَّ الْوَضْعَ اللُّغَوِيِّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ وَبِأَنَّ الْوَكْزَ ضَرْبٌ وَإِذَا وَقَعَ اخْتِلَافٌ فِي الْوَكْزِ رَجَعَ فِيهِ لِأَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالْمُقَرَّرُ عِنْدَهُمْ كَمَا عَرَفْت أَنَّهُ يَشْمَلُ الدَّفْعَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِيَدٍ وَلَا بِغَيْرِهَا فَاتَّضَحَ كَلَامُ الشَّيْخِ وَأَنَّهُ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَا نَظَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ وَأَنَّهُ عَيْنُ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ وَاللُّغَةِ وَأَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ لَمْ نَجِدْ تَفْسِيرَهُ بِالدَّفْعِ إلَخْ هُوَ الَّذِي فِيهِ النَّظَرُ الظَّاهِرُ فَتَأَمَّلْهُ

وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الدَّفْعِ إلَخْ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لَا يُرَدُّ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الشَّيْخِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ هَذَا الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ أَخَذَهُ الْفُقَهَاءُ بِنَاءً عَلَى اعْتِمَادِهِ مِنْ قَرِينَةِ الْمَقَامِ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَلِفِ عَلَى الضَّرْبِ الْإِيذَاءُ وَمِنْ ثَمَّ اشْتَرَطَ الشَّيْخَانِ فِي مَوْضِعٍ كَوْنُهُ مُؤْلِمًا مَعَ أَنَّ الْإِيلَامَ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَةِ الضَّرْبِ اللُّغَوِيِّ وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْإِيلَامَ قَالَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نَوْعِ إيذَاءٍ حَتَّى لَا يَكْفِي ضَرْبُهُ بِأُصْبُعِهِ اتِّفَاقًا فَاشْتِرَاطُهُمْ لِهَذَا الْأَمْرِ الزَّائِدِ عَلَى الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ أَخَذُوهُ مِنْ قَرِينَةِ الْمَقَامِ الدَّالِّ عَلَيْهَا الْحَلِفُ عَلَى الضَّرْبِ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ اعْتِبَارَ الصَّدْمَ فِي الدَّفْعِ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَوْعُ إزْعَاجٍ لِلْمَدْفُوعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إيلَامٌ عُرْفًا سَوَاءٌ أَصَدَمَ شَيْئًا أَمْ لَا هَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ وَتَصَرُّفَاتُهُمْ فَتَأَمَّلْهُ وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الصِّحَاحِ فَسَّرَ الْحَذْفَ بِالضَّرْبِ فِي بَعْضِ الْمَوَادِّ نَحْوَ حَذَفَ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَسَّرَهُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ بِالْقَطْعِ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ فَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْقَطْعِ لَا يَمْنَعُ إطْلَاقَهُ عَلَى الضَّرْبِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ فَضَرَبَهُ بِسَيْفٍ فَقَطَعَ يَدَهُ أَوْ رَقَبَتَهُ حَنِثَ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ الثَّالِثُ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا عَنْ الْإِمَامِ بَعْدَ كَلَامٍ سَاقَاهُ عَنْهُ وَكَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الضَّرْبِ الصَّدْمَ بِمَا يُؤْلِمُ أَوْ يُتَوَقَّعَ مِنْهُ إيلَامٌ وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ الْحِجَازِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الرَّوْضَةِ فَقَالَ وَلَا يَكْفِي إيلَامٌ وَحْدَهُ بِأَنْ وَضَعَ عَلَيْهِ حَجَرًا ثَقِيلًا وَلَا الصَّدْمُ وَحْدَهُ كَبِأُنْمُلَةٍ فَالْمُعْتَبَرُ الصَّدْمُ بِمَا يُؤْلِمُ أَوْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ إيلَامٌ. اهـ.

وَعِبَارَةُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إيلَامٌ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ الْأَكْثَرُونَ وَاكْتَفَوْا بِالصَّدْمَةِ الَّتِي يُتَوَقَّعُ مِنْهَا الْإِيلَامُ انْتَهَتْ وَهَذَا كَمَا تَرَى ظَاهِرٌ فِي شُمُولِ الضَّرْبِ لِلرَّمْيِ بِحَجَرٍ أَوْ نَحْوِهِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَدْمٌ بِمَا يُؤْلِمُ أَوْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ إيلَامٌ وَحِينَئِذٍ وَافَقَ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ كَلَامَ اللُّغَوِيِّينَ فِي صِدْقِ اسْمِ الضَّرْبِ بِالرَّمْيِ وَالْحَذْفِ فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّ الرَّمْيَ لَا يُسَمَّى ضَرْبًا الرَّابِعُ أَنَّ أَئِمَّتَنَا صَرَّحُوا بِاتِّحَادِ الضَّرْبِ وَالْحَذْفِ حَيْثُ قَالُوا لَوْ زَنَى بِكْرًا ثُمَّ ثَيِّبًا دَخَلَ الْجَلْدُ فِي الرَّجْمِ لِاتِّحَادِ جِنْسِهِمَا أَيْ مِنْ حَيْثُ إطْلَاقُ اسْمِ الضَّرْبِ عَلَيْهِمَا لَا الْحَدَّ وَإِلَّا لَدَخَلَ الْجَلْدُ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ فَعَلِمْنَا أَنَّ مُرَادَهُمْ بِاتِّحَادِ جِنْسِهِمَا مَا قُلْنَاهُ مِنْ شُمُولِ اسْمِ الضَّرْبِ لَهُمَا وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُطْلَقُ عَلَى الْآخَرِ وَأَمَّا مَا تُوُهِّمَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِاتِّحَادِ جِنْسِهِمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُسَمَّى زِنًا فَهُوَ خَيَالٌ بَاطِلٌ إذْ الزِّنَا سَبَبٌ لَا جِنْسٌ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اتِّحَادِ السَّبَبِ اتِّحَادُ الْمُسَبِّبِ وَلَا تَعَدُّدِهِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ مَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ مُسَمَّاهُ كَمَا هُوَ شَأْنُ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الضَّرْبُ لَا غَيْرُ لَا يُقَالُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ الْإِيذَاءُ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ مَا لَا يُجْزِئُ فِي الْحَدِّ فَلَمْ يَتَّضِحْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا فَتَأَمَّلْهُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَهَذَا أَيْضًا نَصٌّ فِي الْحِنْثِ فِي مَسْأَلَتِنَا بِالْحَذْفِ وَيُوَافِقهُ قَوْلُ بَعْضِ الشَّارِحِينَ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ إجْزَاءِ مَرَّةٍ بِعِثْكَالٍ فِي لَأَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ ضَرْبَةً لِأَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى ضَرْبَةً وَاحِدَةً بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَمَى فِي الْجِمَارِ السَّبْعَ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يُسَمَّى رَمْيَةً وَاحِدَةً. اهـ.

فَاسْتِدْلَالُهُ

ص: 265

بِذَلِكَ قَاضٍ بِأَنَّ بَيْنَ الضَّرْبِ وَالرَّمْيِ اتِّحَادًا حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِمَا قَالُوهُ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى مَا قَالُوهُ فِي الْآخَرِ الْخَامِسُ أَنَّ الرَّافِعِيَّ وَغَيْرَهُ فَرَّقُوا بَيْنَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِيلَامِ فِي لَأَضْرِبَنَّهُ أَيْ بِنَاءً عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيلَامُ وَبَيْنَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْإِيلَامِ بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْحَدِّ الزَّجْرُ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِيلَامِ وَالْيَمِينُ تَتَعَلَّقُ بِالِاسْمِ وَهُوَ صَادِقٌ مَعَ عَدَمِ الْإِيلَامِ وَلِهَذَا يُقَالُ ضَرَبَهُ فَلَمْ يُؤْلِمْهُ وَهَذَا أَيْضًا قَاضٍ بِأَنَّ كُلَّ مَا كَفَى فِي الْجَلْدِ أَوْ التَّعْزِيرِ أَوْ الرَّجْمِ كَفَى فِي الْيَمِينِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّ بَيْنَهُمَا اتِّحَادًا غَيْرَ اشْتِرَاطِ الْإِيلَامِ إلَّا إذَا كَانَ مَا يَكْفِي فِي الْأَخَصِّ وَهُوَ الْحَدُّ يَكْفِي فِي الْأَعَمِّ وَهُوَ الْيَمِينُ وَلَمَّا أَتْمَمْت ذَلِكَ ظَفِرْت بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ وَفَضْلِهِ وَمَعُونَتِهِ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَنْقُولَةٌ كَمَا قُلْته فَقَدْ صَرَّحَ بِهَا الْخُوَارِزْمِيُّ عَلَى جِهَةِ نَقْلِ الْمَذْهَبِ الَّذِي كَافِيهِ مِنْ أَجْلِ الْمُصَنَّفَاتِ فِيهِ وَعِبَارَتُهُ فِي التَّعْلِيقِ بِالضَّرْبِ كَمَا فِي تَوَسُّطِ الْأَذْرَعِيِّ عَنْهُ وَلَوْ رَفَسَهَا بِرِجْلِهِ أَوْ رَمَاهَا بِحَجَرٍ طَلُقَتْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إذَا أَصَابَهَا الْحَجَرُ. اهـ. وَهَذَا هُوَ مُرَادُ الْكَافِي بِلَا شَكٍّ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ تَجِدْهَا عَيْنَ الْمَسْأَلَةِ وَبِهَا يَنْدَفِعُ جَمِيعُ مَا مَرَّ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَيَتَّضِحُ مَا رَدَدْت بِهِ عَلَيْهِ وَتَأَمَّلْ مَا قَدَّمْته عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَئِمَّةِ اللُّغَةِ تَجِدْهُ دَلِيلًا ظَاهِرًا لَهَا فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَلْهَمَنَا مُوَافَقَةَ أَئِمَّتِنَا فِي الْحُكْمِ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَهَدَانَا لِمَا هَدَاهُمْ إلَيْهِ وَأَمَدَّنَا بِأَنْ ذَكَّرَنَا لِمَا قَالُوهُ وَوَافَقْنَاهُمْ فِيهِ أَدِلَّةً ظَاهِرَةً وَاضِحَةً جَلِيَّةً لَائِحَةً لَا يَمْتَرِي فِيهَا مُنْصِفٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهَا مُعَانِدٌ وَلَا مُتَعَسِّفٌ فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى سُبْحَانَهُ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مَا أَبِيعُ كَذَا وَأُفَصِّلُهُ لِنَفْسِي بَعْدَ أَنْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ أَنْتَ تَأْخُذُ هَذَا تَبِيعُهُ فَهَلْ لَوْ فَصَّلَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ يَحْنَثُ أَوْ لَا؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ فِي الْوَاوِ فِي وَأُفَصِّلُهُ أَنَّهَا لِلِاسْتِئْنَافِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ وَهِيَ قَوْلُ الزَّوْجَةِ خِطَابًا لَهُ أَنْتَ تَأْخُذُ هَذَا تَبِيعُهُ وَحِينَئِذٍ فَالْحَلِفُ إنَّمَا هُوَ عَلَى نَفْيِ الْبَيْعِ فَلَا يَحْنَثُ بِتَفْصِيلِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا قُبِلَ مِنْهُ ادِّعَاءَ الِاسْتِئْنَافِ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ وَالْقَرِينَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الِاسْتِئْنَافَ فَتَارَةً يَنْوِي الْحَلِفَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَحْدَهُ وَيَمْضِي بَعْدَ الْيَمِينِ زَمَنٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يُفَصِّلَهُ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَيَحْنَثُ بِتَفْصِيلِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا أَمَّا فِي الْأَخِيرَةِ فَوَاضِحٌ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِيهَا إنَّمَا يَكُونُ بِالْبَيْعِ وَتَلَفُهُ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ فَلِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ هُوَ مُفَادُ الْوَاوِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهَا فَحُمِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ.

(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ قَالَ يَشْهَدُ اللَّهُ لَا أُجِيبُ إلَى كَذَا عَازِمًا عَلَى عَدَمِ الْإِجَابَةِ فَلَوْ تَغَيَّرَ عَزْمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَجَابَ مَاذَا يَلْزَمُهُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَتَّجِهُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَغْوٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْنِدْ لِنَفْسِهِ شَيْئًا يَتَضَمَّنُ الْحَلِفَ فَلَيْسَ كَأُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ عَلَى أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَوَّلَ اشْتَهَرَ فِي الْيَمِينِ فَانْعَقَدَتْ بِهِ وَإِنْ أَطْلَقَ بِخِلَافِ الثَّانِي فَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ إلَّا إنْ نَوَاهَا وَقَالُوا فِي أَشْهَدُ بِاَللَّهِ فِي اللِّعَانِ إنَّهُ صَرِيحٌ.

فَاقْتَضَى كَلَامُهُمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي إسْنَادِ الشَّهَادَةِ إلَى نَفْسِهِ وَمَا فِي السُّؤَالِ لَمْ يُسْنِدْهَا إلَيْهِ فَلْتَكُنْ لَغْوًا وَأَيْضًا فَكَلَامُهُمْ نَاطِقٌ فِي اللِّعَانِ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ يَشْهَدُ اللَّهُ أَنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ إلَخْ يَكُونُ لَغْوًا وَأَيْضًا فَصَرَّحُوا فِي أُقْسِمُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ صِلَتِهِ وَمِثْلُهُ أَشْهَدُ بِالْأَوْلَى لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِخِلَافِ هَذَا بِأَنَّهُ لَغْوٌ فَإِذَا كَانَ أَشْهَدُ لَغْوًا لِعَدَمِ ذِكْرِ الصِّلَةِ مَعَ إسْنَادِهِ إلَى النَّفْسِ فَيُشْهِدُ اللَّهَ كَذَلِكَ وَأَوْلَى.

وَمِمَّا تَرْجَمَ بِهِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ أَنَّ مَنْ قَالَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فَعَلْت كَذَا وَكَانَ فَعَلَهُ كَفَرَ لِأَنَّهُ نَسَبَ إلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى الْعِلْمَ عَلَى الْخِلَافِ الْوَاقِعِ وَظَاهِرُ تَقْيِيدِهِ بِالْعَالِمِ الْمُتَعَمِّدِ لِذَلِكَ فَمَحَّضُوهُ لِلْإِخْبَارِ لَا لِلْإِنْشَاءِ وَهُوَ فِي الْمَاضِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْكَذِبُ فَحُكِمَ عَلَى قَائِلِهِ بِالْكُفْرِ بِخِلَافِهِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ فَإِنَّهُ مَحْضُ إخْبَارٍ عَمَّا سَيَقَعُ وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ كَذِبٌ فَلَا شَيْءَ فِيهِ عِنْدَ إخْلَافِهِ هَذَا مَا تَيَسَّرَ الْآن وَالْمَسْأَلَةُ تَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ دَارًا وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ رَأَى وَتَسَلَّمْ ثُمَّ أَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ وَطَلَبَ يَمِينَ

ص: 266