الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
توافق هذا الوصف في أكثر خصائصه أو في كلها فهو من قبيل، "لزوم ما لا يلزم".
عرض بعض الآيات في صورة السؤال والجواب:
وفي بعض الأحيان يأتي رد على شبهة ظاهرة الورود أو جواب لسؤال قريب الفهم ويكون الغرض إيضاح الكلام السابق، لا أن أحداً وجه هذا السؤال بعينه أو أورد هذه الشبهة بعينها، وكثيراً ما يفترض الصحابة رضي الله عنهم في مثل هذه المواضع سؤالا وجواباً، ويشرحون الكلام في صورة السؤال والجواب، والحقيقة أننا إذا تأملنا ودققنا النظر نجد الكلام كله مستقيما مترابطاً لا يحتمل نزول منه بعد شيء في فترات متقطعة، بل هو كلام منتظم، لا تحل عراه ولا تفك قيوده على أي أصل من الأصول.
التقدم والتأخر الرتبي:
وأحيانا يذكر الصحابة رضي الله عنهم التقديم والتأخير في بعض الآيات، ومرادهم بذلك هو التقدم والتأخير الرتبي كما قال ابن عمر رضي الله عنه في قوله - تعالى -:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} إلخ الآية "هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله - تعالى - طهوراً للأموال".
فمن المعلوم أن سورة البراءة آخر سورة نزلت وجاءت
هذه الآية في تضاعيف القصص المتأخرة وقد كانت فرضية الزكاة قبلها بأعوام، فمراد ابن عمر رضي الله عنهما هو تقدم الإجمال رتبة لا نزولا على التفصيل الذي هو متأخر رتبة وإن كان متقدما نزولا.
وبالجملة فإن شروط المفسر في هذا الباب لا تتجاوز هذين الأمرين.
أولهما قصص الغزوات وغيرها التي ترد فيها الإيماءات إلى خصوصيات القصص والأحداث بحيث لا تفهم الآيات إلا في ضوء الإطلاع عليها.
والثاني: الإطلاع على فائدة بعض القيود وأسباب التشديد والتأكيد في بعض المواضع التي تتوقف معرفة حقيقتها على معرفة أسباب النزول. وهذا المبحث الأخير هو في الأصل فن من فنون التوجيه.
فن التوجيه:
ويراد بالتوجيه بيان وجه الكلام ومعناه وحاصل هذه الكلمة أنه:
- قد تقع أحيانا في الآية شبهة ظاهرة لاستبعاد تلك الصورة التي تدل عليها الآية.
- أو يبدو - في ظاهر الأمر - تناقض وتعارض في مفهود الآية.
- أو يصعب فهم مدلول الآية على ذهن المبتدئ.
- أو لا تتمكن من ذهنه فائدة قيد القيود.
فإذا قام المفسر بحل هذه الإشكالات اعتبر ذلك "توجيهاً".
أمثلة للتوجيه:
مثال ذلك قوله - تعالى - على لسان بني إسرائيل: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ} إلخ الآية.
فقد ورد هنا سؤال، وهو أن المدة بين موسى وعيسى عليهما السلام مدة طويلة، فكيف أمكن أن يكون هارون أخا لمريم؟
كأن السائل كان قد أضمر في نفسه أن هارون هذا الذي ذكر هنا هو هارون أخو موسى عليهما السلام فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن بني إسرائيل كانوا يسمون بأسماء الصالحين من الماضين (فهارون ليس شخصاً واحداً، بل هارون أخو مريم غير هارون أخى موسى عليهما السلام) .
- وكذلك لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يمشي
الإنسان يوم الحشر على وجهه، قال صلى الله عليه وسلم:
"إن الذي أمشاه في الدنيا على رجليه لقادر أن يمشيه على وجهه".
- وهكذا لما سألوا ابن عباس رضي الله عنهما عن الآية التي يقول الله - تعالى - فيها: {لَا تُسْأَلُونَ} وعن الآية التي يقول الله - تعالى - فيها: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} الآية.
كيف يمكن التطبيق بين الآيتين؟
قال: عدم التساؤل في يوم الحشر والتساؤل بعد الدخول في الجنة.
- وسألوا عائشة رضي الله عنها:
إذا كان السعي بين الصفا والمروة واجبا فلماذا قال الله - تعالى -: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} الآية.
قالت رضي الله عنها كان الناس يتجنبون ذلك ويتحرجون منه فلذلك قيل: {لَا جُنَاحَ} .
- وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معنى قيد {إِنْ خِفْتُمْ} في قوله - تعالى -:
{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية فقال صلى الله عليه وسلم "صدقة تصدق الله بها عليكم" أي أن الكرماء لا يضايقون في الصدقة، كذلك الرب تبارك وتعالى لم يذكر هذا القيد للتضييق، بل إنما ورد القيد اتفاقاً. وأمثلة التوجيه كثيرة، والغرض هنا التنبيه على معناه والمقصود منه.
تنقيح أسباب النزول وتوجيه المشكل من تفسيرات البخاري والترمذي والحاكم:
ويحلو لي أن أنقل في الباب الخامس من تفسيرات البخاري والترمذي والحاكم ما يتعلق بأسباب النزول وتوجيه المشكل مما رووه بأسانيدهم إلى الصحابة رضي الله عنهم وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم بتنقيح وتهذيب واختصار لفائدتين مهمتين.
أولاهما: أن استخصار هذا القدر من الآثار والروايات لابد منه لكل مفسر مثل شرح غريب القرآن، لابد للمفسر من حفظ القدر الذي ذكرناه منه فيما تقدم.
الثانية: أن يعلم أنه لا دخل لأكثر ما يروى من أسباب النزول في فهم معاني الآيات الكريمة اللهم إلا شيء قليل من القصص والروايات التي وردت في هذه التفاسير الثلاثة التي هي أصح التفاسير لدى المحدثين.