الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السر في انسجام الآيات القصيرة مع الطويلة:
وينبغي أن يعلم أن انسجام الكلام وملاءمته وسهولته على لسان القارئ لكونه يحل محل الأمثال السائرة، أو لتكرره في الآية الكريمة يوائم بين الكلام الطويل والكلام القصير، ويحدث بينهما اتزانا وانسجاما، فيؤتي تارة بالفقر الأولى من الكلام أقصر وأخصر من الفقر الثانية، وهو يفيد عذوبة في الكلام ولذة جديدة كقوله - تعالى -:{خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} .
فكأن المتكلم في مثل هذا الكلام يضمر في نفسه أن الجملة الأولى باجتماعها مع الجملة الثانية في كفة، والجملة الثالثة وحدها في كفة أخرى.
الآيات ذات القوائم الثلاث:
كذلك تكون الآية أحيانا ذات قوائم ثلاث، مثل قوله - تعالى -:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} إلخ الآية، {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} إلخ الآية وعامة القراء يجمعون الأولى مع الثانية، ويعدونها آية طويلة.
الآية ذات الفاصلتين:
وأحيانا ترد في الآية الواحدة فاصلتان مثل ما يرد ذلك في البيت أيضاً.
كالزهر في شرف والبدر في شرف. . . والبحر في كرم والدهر في همم
السر في قصر آية مع طول أخرى:
وتأتي - أحيانا - آية طويلة مع آية قصيرة، والسر في مثل هذه المواضع أنه لو وضع حسن الكلام وجمال التعبير الذي نشأ من تقارب الوزن ووجدان الأمر المنتظر المطلوب الذي هو القافية (حسبما عرفت بها) في كفة، ووضع حسن الكلام وعذوبة العبارة الناشئة من سهولة الأداء وسلاسته وموافقة طبع الكلام، وعدم لحوق أي تغير فيه في كفة أخرى، فإن الفطرة السليمة سوف تميل إلى جانب المعنى وترجحة فيهمل، لذلك انتظار شيء (وهو القافية) ويؤدي حق الانتظار والطلب الآخر كاملا موفوراً (وهو الجانب المعنوي) .
أساليب متنوعة أخرى في السور:
وما قلنا في مفتتح هذا البحث أن سنة الله - تعالى - جرت على ذلك في أكثر السور القرآنية، إنما هو لأجل أن بعض السور القرآنية لم يراع فيها هذا النوع من الوزن والقافية.
فجاءت طائفة من هذه السور على طريق خطب الخطباء وأمثال البلغاء والحكماء، ولعلك قد سمعت رواية سمر النساء التي روتها عائشة رضي الله عنها ونظرت في قوافيها
وجاءت بعض السور الأخرى على طريق رسائل العرب من دون مراعاة شيء آخر، كأنها محاورة الناس بعضهم ببعض اللهم إلا الخواتم للكلام التي جاءت على النمط الذي ترى.
والسر في ذلك أن أصل لغة العرب يراعى فيها الوقف في الموضع الذي ينتهي عليه النفس من الكلام ويتلاشى النشاط في الامتداد الصوتي، ومن هنا جاءت الآيات على هذه الصورة.
هذا ما فتح الله - تعالى - علي في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.