الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول
موجب الكفارة في نهار رمضان
أولاً: الجماع في الفرج ولو من غير إنزال:
فهذا اتفق الفقهاء على وجوب الكفارة منه، ووجوب القضاء (1).
ثانياً: إذا أُكرهت المرأة على الجماع، فلا كفارة عليها، وعليها القضاء، وإن أُكره الرجل على الجماع، فكالمرأة على الراجح إذ لا فرق.
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)(2).
ثالثاً: الجماع دون الفرج مع الإنزال يوجب الإثم والقضاء، ولا يوجب الكفارة على الراجح، لأن الكفارة متعلقة بالجماع في الفرج (3).
رابعاً: الاستمناء يوجب التوبة والقضاء، ولا يوجب الكفارة أيضاً على القول الراجح (4).
خامساً: إذا جامع ناسيا للصوم:
اختلف العلماء في المسألة على ثلاثة أقوال:
(1) بدائع الصنائع (2/ 98).
(2)
أخرجه ابن ماجة (2043).
(3)
المغني (3/ 135).
(4)
حاشية ابن عابدين (2/ 399)، نهاية المطلب في دراية المذهب (4/ 44)، شرح الزركشي (2/ 588).
القول الأول: لا قضاء عليه ولا كفارة. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي (1).
القول الثاني: عليه القضاء دون الكفارة. وبه قال مالك (2).
القول الثالث: عليه القضاء والكفارة. وهو قول أحمد وأهل الظاهر (3).
وسبب اختلافهم في قضاء الناسي معارضة ظاهر الأثر في ذلك للقياس.
أما القياس: فهو تشبيه ناسي الصوم بناسي الصلاة. فمن شبهه بناسي الصلاة أوجب عليه القضاء كوجوبه بالنص على ناسي الصلاة.
وأما الأثر المعارض بظاهره لهذا القياس: فهو ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)(4).
والراجح هو القول الأول:
لدلالة الحديث الصريح في عدم تأثير النسيان على صحة الصيام ورفع المؤاخذة واللوم عن الناسي، ولأن النسيان من عوارض الأهلية التي تقتضي رفع المؤاخذة لعموم قوله عليه الصلاة والسلام:(رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). فتأثير النسيان في إسقاط القضاء بيِّن وذلك أنا إن قلنا: إن الأصل هو أن لا يلزم الناسي قضاء حتى يدل الدليل على ذلك وجب أن يكون النسيان لا يوجب القضاء في الصوم، إذ لا دليل هاهنا على ذلك بخلاف الأمر في الصلاة، وإن قلنا: إن
(1) المبسوط (3/ 65)، بداية المجتهد (2/ 65)، الأم للشافعي (2/ 109)، البيان للعمراني (3/ 509).
(2)
المدونة (1/ 277)، بداية المجتهد (2/ 65).
(3)
بداية المجتهد (2/ 65)، المغني (3/ 135).
(4)
أخرجه مسلم (1155).
الأصل هو إيجاب القضاء حتى يدل الدليل على رفعه عن الناسي، فقد دل الدليل في حديث أبي هريرة على رفعه عن الناسي.
وقد ثبت بالنص المساواة بين الأكل والشرب والجماع في حكم الصوم فإذا ورد نص في أحدهما كان ورودًا في الآخر باعتبار هذه المقدمة (1).
وأما من أوجب القضاء والكفارة على المجامع ناسيا فضعيف، فإن تأثير النسيان في إسقاط العقوبات بيِّن في الشرع، والكفارة من أنواع العقوبات.
على أن تحقق النسيان في الجماع في نهار رمضان وإن كان ممكناً لكنه بعيد كونه يحصل بين طرفين، فإذا نسي أحدهما فقد يذكّره الآخر.
سادساً: مسألة: حكم الأكل والشرب متعمداً في نهار رمضان هل يوجب الكفارة؟
اختلف العلماء في وجوب الكفارة على من أفطر بالأكل والشرب متعمدًا على قولين:
القول الأول: تجب الكفارة، وهو قول أبي حنيفة أصحابه، ومالك والثوري وجماعة (2).
القول الثاني: أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجماع فقط، وهو قول الشافعي وأحمد وأهل الظاهر (3).
(1) المبسوط للسرخسي (3/ 66)، بداية المجتهد (2/ 65).
(2)
بدائع الصنائع (2/ 98)، بداية المجتهد (2/ 65)، القوانين الفقهية (ص 83).
(3)
الحاوي (3/ 435)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (2/ 587).
والسبب في اختلافهم:
اختلافهم في جواز قياس المفطر بالأكل والشرب على المفطر بالجماع، فمن رأى أن شبههما فيه واحد وهو انتهاك حرمة الصوم جعل حكمهما واحدًا.
ومن رأى أنه وإن كانت الكفارة عقابًا لانتهاك الحرمة فإنها أشد مناسبة للجماع منها لغيره.
وأما من لا يرى القياس فأمره بيِّن أنه ليس يعدى حكم الجماع إلى الأكل والشرب (1).
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
1 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان، أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا (2).
وأخرج مالك في الموطأ: عن أبي هريرة: أن رجلاً أفطر في رمضان، في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينًا، قال: فقال: لا أجد فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق تمر، فقال: خذ هذا فتصدق به، فقال: يا رسول الله، ما أجد أحوج إليه مني، فقال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: كله.
(1) بداية المجتهد (2/ 65).
(2)
أخرجه مسلم (1111).
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الكفارة على من أفطر، وهو شامل للإفطار بالأكل والشرب، وبالجماع.
2 ـ الاستدلال بالمواقعة، والقياس عليها، أما الاستدلال بها فهو أن الكفارة في المواقعة وجبت لكونها إفسادا لصوم رمضان من غير عذر ولا سفر على ما نطق به الحديث، والأكل، والشرب إفساد لصوم رمضان متعمدًا من غير عذر ولا سفر فكان إيجاب الكفارة هناك إيجابًا ههنا دلالة.
ولما كان إفساد صوم رمضان ذنب ورفع الذنب واجب عقلاً وشرعًا لكونه قبيحًا، والكفارة تصلح رافعة له لأنها حسنة، وقد جاء الشرع بكون الحسنات من التوبة، والإيمان، والأعمال الصالحات رافعة للسيئات، إلا أن الذنوب مختلفة المقادير.
ولأن من تأمل أنه لو أفطر يوما من رمضان لزمه إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا لامتنع منه.
وأما الحاجة إلى الزجر فلوجود الداعي الطبيعي إلى الأكل، والشرب، والجماع، وهو شهوة الأكل، والشرب، والجماع، وهذا في الأكل، والشرب أكثر لأن الجوع، والعطش يقلل الشهوة، فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل، والشرب أكثر، فكان شرع الزاجر هناك شرعا ههنا من طريق الأولى، وعلى هذه الطريقة يمنع عدم جواز إيجاب الكفارة بالقياس لأن الدلائل المقتضية لكون القياس حجة لا تفصل بين الكفارة وغيرها (1).
(1) بدائع الصنائع (2/ 98).
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
1 ـ إن وجوب الكفارة ثبت معدولاً به عن القياس لأن وجوبها لرفع الذنب، والتوبة كافية لرفع الذنب.
2 ـ ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عرف وجوبها بالنص، والنص ورد في الجماع، والأكل، والشرب ليسا في معناه لأن غريزة الجماع أقوى وأشد إلحاحاً من الأكل والشرب، فناسبها التغليظ في العقوبة لكبح جماح النفس، ولذا فالنص الوارد في الجماع لا يكون واردًا في الأكل، والشرب فيقتصر على مورد النص (1).
قال ابن عبدِ البرِّ رحمه الله: "
…
في المسألةِ قولان: أحدهما قول مالكٍ ومن تابعه، والحجّة لهم مِن جهةِ الأثرِ حديث ابنِ شهابٍ هذا، ومن جهة النّظرِ أنّ الآكل والشّارب في القياس كالمجامِع سواءٌ؛ لأنّ الصّوم في الشّريعةِ في وجهٍ واحدٍ شيءٌ واحدٌ، فسبيل نظيرِه في الحكمِ سبيله، والنّكتة الجامعة بينهما انتهاك حرمةِ الشّهرِ بما يفسد الصّوم عمدًا، وقد تقدّم أنّ لفظ حديث مالك في هذا الباب يجمع كلّ فطرٍ.
والقول الثّاني قول الشّافعي ومن تابعه، والحجّة لهم أنّ الحديث ورد في المجامِع أهله، وليس الآكل مثله، بدليل إجماعِهم على أنّ المستقِيء عمدًا إنّما عليه القضاء، وليس عليه كفّارةٌ، وهو مفطِرٌ عمدًا، وكذلك مزدرِد الحصاة عمدًا عليه القضاء، وهو مفطِرٌ متعمِّدًا، وليس عليه كفّارةٌ؛ لأنّ الذِّمّة بريئةٌ فلا يثبت فيها شيءٌ إلاّ بيقينٍ، والآكل عمدًا لا يرجم ولا يجلد ولا يجب عليه غسلٌ، فليس كالمجامِع، والكلام في هذه المسألة يطول وفيما لوّحنا به كفايةٌ" (2).
(1) بدائع الصنائع (2/ 98)، الحاوي (3/ 435).
(2)
التمهيد (7/ 161).
والراجح هو القول الثاني لقوة ما استدلوا به، لأن النص جاء في المجامع، ولم يرد فيمن أكل أو شرب فبقي على البراءة الأصلية، لأن الكفارات لا تثبت بالقياس، إذ هي من المقدرات المبنية على التوقيف.
وأما استدلالهم بحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان، أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا) فهو مجمل، ومفسر بحديث الأعرابي الذي جامع أهله في نهار
رمضان، لأن القصة واحدة.
قال ابن حجر: "قد ورد
…
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة .... الحديث، وأخرجه الدارقطني من طريق مجاهد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي أفطر يومًا من رمضان بكفارة الظهار، والحديث واحد والقصة واحدة والمراد بأنه أفطر بالجماع لا بغيره توفيقًا بين الأخبار .. " (1).
وأما ما روى مالك في الموطأ أن رجلا أفطر في رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة المذكورة فليس بحجة; لأن قول الراوي فأفطر هو مجمل، والمجمل ليس له عموم فيؤخذ به، لكن هذا قول على أن الراوي كان يرى أن الكفارة كانت لموضع الإفطار، ولولا ذلك لما عبر بهذا اللفظ، ولذكر النوع من الفطر الذي أفطر به (2).
ولأن الأصل براءة الذمة، فلا يثبت الشغل إلا بدليل من نص، أو إجماع، أو قياس، ولم يوجد واحد منها، والقياس على الجماع ممنوع، لقوة الداعي إليه، فالحاجة إلى الزجر عنه أبلغ (3).
(1) الدراية في تخريج أحاديث الهداية (1/ 279).
(2)
بداية المجتهد (2/ 65).
(3)
شرح الزركشي على مختصر الخرقي (2/ 587).
والموجب للكفّارة ليس مجرّد الفطر، ولا مجرد انتهاك حرمة الصوم، بل الفطر وانتهاك حرمة رمضان بالجماع، فلو وجب لأجل الإفطار فقط، أو لانتهاك حرمة الصوم فقط؛ لاستوى فيه جميع المفطّرات؛ كالقيء، والحجامة، لمن يقول بأنها تفطّر، وغيرهما، فإنّ تخصيص بعضها دون بعضٍ نوع تكليف يحتاج إلى دلالة الشّرع.