الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول
مختصر عن تأريخ المحنة وأحداثها
(1)
خرج الإمام أحمد إلى الدنيا بعد استقرار الحكم لبني العباس، في وقت تميز بالاستقرار السياسي في معظم فتراته، وعاصر الإمام ثمانية من الخلفاء، وهم: المهدي والهادي، والرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل.
ويعد هذا العصر عصر انتصارات واسعة، وحضارة مزدهرة، وقوة وهيبة للخلافة، وكانت الحركة العلمية قوية جدًا؛ فبغداد دار السلام والخلافة والعلم والعلماء.
ولكن مما يلحظ على هذا العصر - المزدهر في شتى
(1) ينظر في خبر المحنة: سيرة الإمام أحمد لابنه صالح ص (48 - 65، 83 - 95)، وذكر محنة الإمام أحمد لابن عمه حنبل بن إسحاق، وحلية الأولياء لأبي نعيم (9/ 196)، ومحنة الإمام أحمد للمقدسي، ومنازل الأئمة الأربعة ص (253)، ومناقب الإمام أحمد ص (385 - 462)، والسير (11/ 232)، وتاريخ الإسلام (18/ 97)، والبداية والنهاية (14/ 393)، والجوهر المحصل ص (62)، والمنهج الأحمد (1/ 100).
مجالاته - ما صاحبه من تعكير صفوه بتأثير الفرس والروم السيء سياسةً وفكرًا وعقيدةً، وزاده سوءًا ما عُرب من كتبهم وكتب اليونان والهند، فابتليت الأمة بفتنة عمياء ومحنة شنعاء ألا وهي:«محنة القول بخلق القرآن» والتي حُمِلَ الناس على القول بها (1).
وقد ابتدأها الخليفة العباسي المأمون؛ وذلك بعد أن استحوذ المعتزلة عليه فأزاغوه، وزينوا له هذا المذهب الفاسد، ولم يكن خليفة من الخلفاء قبله إلا وهو على مذهب السلف ومنهاجهم القويم (2).
وبعد تولي المأمون الخلافة سنة (198 هـ)، ظهرت الدعوة إلى القول بخلق القرآن؛ بسبب تقريبه لأهل البدع والاعتزال، من أمثال أحمد بن أبي دُؤَاد (3)، الذي كان رأس الفتنة
(1) ينظر: السير (11/ 236 - 237)، والبداية والنهاية (14/ 396)، والجوهر المحصل ص (62).
(2)
ينظر: المناقب ص (385 - 386)، والسير (11/ 236)، والبداية والنهاية (14/ 396).
(3)
هو: أحمد بن أبي دؤاد بن جرير أبو عبد الله الإيادي القاضي، قال الخطيب في تاريخ بغداد (4/ 141):«كان موصوفًا بالجود والسخاء، وحسن الخلق، ووفور الأدب، غير أنه أعلن بمذهب الجهمية، وحمل السلطان على الامتحان بخلق القرآن» ، وقال الذهبي في العبر (1/ 431):«كان فصيحًا مفوهًا، شاعرًا، جوادًا، ممدحًا، رأسًا في التجهم، وهو الذي شغب على الإمام أحمد بن حنبل، وأفتى بقتله، وقد مرض بالفالج قبل موته بنحو أربع سنين، ونكب وصودر» وقال في ميزان الاعتدال (1/ 97): «جهمي بغيض» ، توفي سنة 240 هـ.
ومشعلها في الأمة - عامله المولى بما يستحق - والسبب في ميل المأمون للمعتزلة وتقريبه لهم أنه كان تلميذًا لأبي الهذيل العلّاف والذي كان من رؤوس المعتزلة (1).
فأخذ يعمل جاهدًا في نشر الاعتزال طيلة تسع عشرة سنة، دون أن يحمل الناس على ذلك بقوة السلطان، فلما دخلت سنة ثماني عشرة ومائتين من الهجرة، أمر بامتحان العلماء وحملهم على القول بخلق القرآن، فكتب إلى نائبه في بغداد، وهو إسحاق بن إبراهيم الخزاعي يأمره بحمل الناس على ذلك، وقد استعمل في حمل العلماء على تلك المقولة التهديد والوعيد، فمن امتنع منهم عن القول بخلق القرآن حُبِسَ، وضيق عليه، وضرب، وعُزل عن وظيفته، وقطع رزقه من بيت المال (2).
ثم كتب إليه ثانية بإحضار أشخاص سبعة، وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خثيمة، وأبو مسلم المستملي، وإسماعيل بن داود الجوزي، وأحمد
(1) ينظر: محنة الإمام أحمد للمقدسي ص (39 - 69)، والبداية والنهاية (14/ 396).
(2)
ينظر: مجموع الفتاوى (11/ 479)، والبداية والنهاية (14/ 396).
الدورقي، وابن أبي مسعود، فحملوا إلى الرقة (1) حيث المأمون، فامتحنهم فأجابوا خوفًا من السيف ثم أطلقوا.
ولقد اغتم الإمام لإجابة هؤلاء؛ لأن هذا مبدأ الأمر فلو صبروا لانقعطت الفتنة وانتهت المحنة، ولكن الله غالب على أمره.
ثم كتب إلى إسحاق بن إبراهيم ثالثة يأمره بإحضار مزيد من العلماء لامتحانهم، منهم: الإمام أحمد، ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجادة،
(1) مدينة تقع شرقي حلب على نهر الفرات، كانت من أهم المدن أيام بني العباس، بني بها الرشيد قصر السلام، وهي اليوم في دولة سوريا، بينها وبين دمشق 500 كيلو. ينظر: معجم البلدان (3/ 58)، والروض المعطار (1/ 270).
(2)
ذكر محنة الإمام أحمد ص (34)، وينظر: محنة الإمام أحمد للمقدسي (40).
فأخذهم وامتحنهم فأبوا أن يجيبوا جميعًا، ثم امتحنهم مرة أخرى، فمن امتنع أمر بحبسه وتقييده، فلما كان بعد ذلك دعا بالقواريري، وسجادة فأجابا وخلى عنهما، فبقي ممن لم يجب الإمام أحمد، ومحمد بن نوح - عليهم رحمة الله -، فلم يجيبا أبدًا، وامتنعا عن القول بذلك، فحبسا أيامًا، حتى ورد كتاب المأمون من طرسوس (1) يأمر بحملهما مقيدين فحملا إليه، ومضى الإمام داعيًا ربه ألا يريه المأمون، فلما بلغا الرقة تلقاهم نبأ موت المأمون في السنة نفسها (218 هـ)، فردا إلى بغداد، فلما كانا ببلدة عانة (2) توفي محمد بن نوح رحمه الله، فصلى عليه الإمام ودفنه (3).
قال الإمام أحمد: «فكنت أدعو الله ألا يريني وجهه، قال: فلما دخلنا طرسوس أقمنا أيامًا، فإذا رجل قد دخل علينا، فقال لي: يا أبا عبد الله قد مات الرجل - يعني:
(1) بفتح الطاء والراء، تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى الشمال الغربي من أنطاكيا، بينها وبين حلب، من ثغور الشام المشهورة، وهي اليوم تقع في جمهورية تركيا. ينظر: معجم البلدان (4/ 28)، والروض المعطار (1/ 388).
(2)
بلد مشهور بين الرقة وهيت، من أعمال الجزيرة، مشرفة على الفرات، وبها قلعة حصينة. معجم البلدان (4/ 72).
(3)
ينظر: ذكر محنة الإمام لحنبل ص (34 - 41)، ومحنة الإمام للمقدسي (40 - 46)، والمناقب ص (392 - 393)، والسير (11/ 242).
المأمون - فحمدت الله وظننت أنه الفرج، إذا رجل قد دخل فقال: إنه قد صار مع أبي إسحاق المعتصم رجل يقال له: ابن أبي دؤاد، وقد أمر بإحضاركم إلى بغداد، فجاءني في أمر آخر فحمدت الله على ذلك، وظننت أنا قد استرحنا حتى قيل لنا: انحدروا إلى بغداد» (1).
فجيء بأبي عبد الله مقيدًا حتى أدخل السجن، فكانت بداية هذه المحنة العظيمة في هذه السنة - أعني: ثماني عشرة ومائتين - (2).
فتولى بعد المأمون المعتصم، فاقتفى أثر سابقه واستفحلت المحنة بعد توليه الخلافة، فلم يكتفوا بإدخال الإمام سجن بغداد، بل أنالوه الأذى وضربوه ضربًا شديدًا حتى تخلعت يداه، والإمام صابر يناظر ويحتمل صنوف الأذى مع سجن دام نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل: نحوًا من ثلاثين شهرًا، وناظروه طويلاً فلم يستطيعوا له تحويلاً ولا صرفًا إلى بدعتهم، بل كان يسكتهم بقوة حجته، وشدة يقينه وإيمانه،
(1) ذكر محنة الإمام أحمد ص (39)، وينظر: محنة الإمام للمقدسي ص (51 - 52)، والبداية والنهاية (14/ 396 - 367)، والجوهر المحصل ص (66 - 72).
(2)
ينظر: سيرة الإمام أحمد ص (48 - 49)، والمناقب ص (387 - 393)، والبداية والنهاية (14/ 396 - 397)، والجوهر المحصل ص (66 - 72).
وثبات قلبه، فلما رأى الخليفة المعتصم إصراره وعدم تزحزحه عن قوله أمر بضربه بين يديه فطاله الأذى العظيم، حتى لقد قال أحد الجلادين:«لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا، لو ضربت فيلاً لهدته» (1).
وفي شهر رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين أمر الخليفة بإطلاقه، ففرح المسلمون بخروجه وأقام في بيته يتعالج من آثار الضرب الشديد حتى شفاه الله، وبعد برئه باشر التدريس والفتوى وحضور الجمعة والجماعة حتى مات المعتصم سنة سبع وعشرين ومائتين.
فيكون الإمام قد مكث في السجن منذ أُخِذَ وحُمِلَ إلى المأمون إلى أن ضربه المعتصم وخلى عنه سنتين وأربعة أشهر (2).
ثم ولي الواثق بالله الخلافة بعد أبيه المعتصم، فأظهر ما أظهره سلفه من حمل الناس على القول بخلق القرآن والانقياد لما يمليه عليه رأس المعتزلة وأحمدُ البدعة ابنُ أبي دؤاد.
(1) المناقب ص (412)، وينظر: سيرة الإمام أحمد ص (51 - 65)، والمحن لأبي العرب التميمي ص (435 - 438)، والمناقب ص (397 - 420)، والجوهر المحصل ص (72 - 93).
(2)
ينظر: المناقب ص (421 - 428)، ومحنة الإمام أحمد للمقدسي ص (73 - 131)، والسير (11/ 263)، والبداية والنهاية (14/ 397 - 403).
فلما دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين أمر بامتحان الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، لكنه لم يتعرض للإمام أحمد بشيء في هذا الامتحان، بل اكتفى بالإرسال إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم أن يبلغ الإمام بأن لا يجتمع إليه أحد، ولا يسكن بأرض أو مدينة هو فيها، وأن يلزم بيته، ولا يخرج إلى جمعة ولا جماعة، وإلا نزل بك ما نزل بك في أيام أبي إسحاق، فاختفى الإمام أحمد بقية حياة الواثق، ولم يزل ينتقل في الأماكن، ثم عاد إلى بيته بعد أشهر ولزم منزله فلا يخرج منه لا إلى جماعة ولا إلى جمعة، وامتنع من التحديث، واستمر به ذلك إلى أن توفي الواثق سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (1).
وفي تعليل ذلك نقل ابنه صالح عنه أنه قال: «إني لأرى طاعته في العسر واليسر، والمنشط والمكره والأَثَرة، وإني لآسف عن تخلفي عن الصلاة، وعن حضور الجمعة، ودعوة المسلمين» (2).
ثم ولي الخلافة بعده المتوكل، فكشف الله به الغمة،
(1) ينظر: ذكر محنة الإمام أحمد ص (72 - 73)، والمناقب ص (429 - 437)، ومحنة الإمام أحمد للمقدسي ص (166 - 175)، والسير (11/ 264)، والبداية والنهاية (14/ 411 - 412)، والجوهر المحصل ص (93 - 100).
(2)
سيرة الإمام أحمد لابنه ص (90).
وأظهر السنة، ومحا البدعة، وأخمد الفتنة، ففرح المسلمون بالفرج، وقد أكرم الإمام أحمد وعظمه، حتى كان لا يولي أحدًا ولاية إلا بمشورته، وطلب منه الإقامة عنده فأبى (1).
فهذا مجمل خبر المحنة، وبيان فصولها العريضة، ولقد خرج منها الإمام أحمد بعد صبره منتصرًا، وبعد مكابدته مظفرًا، فجعل الله له قبولاً في الأرض، حتى أصبح إمامًا لأهل الجماعة والسنة، ومحنة لأهل الأهواء والبدعة.
ولقد صدق بشر بن الحارث أحد أصحاب الإمام إذ يقول: «إن أحمد أدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر» (2).
وقال علي بن المديني: «أعز الله الدين بالصديق يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة» (3).
وقال الميموني: «قال لي علي بن المديني بعدما امتحن أحمد: يا ميموني، ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن
(1) ينظر: ذكر محنة الإمام أحمد ص (84 - 92)، ومناقب الإمام أحمد ص (438 - 462)، ومحنة الإمام أحمد لعبد الغني المقدسي ص (176 - 193)، وسير أعلام النبلاء (11/ 265 - 280)، والبداية والنهاية (14/ 412 - 420)، والجوهر المحصل ص (101 - 111)، والمنهج الأحمد (1/ 111 - 112).
(2)
طبقات الحنابلة (1/ 28)، وينظر: السير (11/ 191)، والبداية والنهاية (14/ 407).
(3)
طبقات الحنابلة (1/ 28)، وينظر: السير (11/ 196).
حنبل. فعجبت من هذا عجبًا شديدًا، وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام، فحكيت له مقالة علي بن المديني، فقال: صدق، إن أبا بكر وجد يوم الردة أنصارًا وأعوانًا، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان، ثم أخذ أبو عبيد يُطْري أحمد ويقول: لست أعلم في الإسلام مثله» (1).
(1) طبقات الحنابلة (1/ 36)، وينظر: السير (11/ 191)، والبداية والنهاية (14/ 408).