الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
أثر المحنة في منهج الإمام
وفيه مطلبان:
المطلب الأول
أثرها في منهجه العلمي
وفيه ما يلي:
تركه التحديث بعد المحنة:
وقد كان هذا من الإمام رحمه الله في آخر أمر المحنة قبل وفاته، وأما قبل ذلك فقد حدَّث أيامًا يسيرة بعد وفاة المعتصم.
قال أبو عبد الله البوشنجي: «حدث أحمد جهرة حين مات المعتصم، فرجعت من الكوفة، فأدركته في رجب سنة سبع وعشرين وهو يحدث، ثم قطع الحديث لثلاث بقين من شعبان بلا منع، بل كتب الحسن بن علي بن الجعد قاضي بغداد إلى ابن أبي دؤاد: إن أحمد قد انبسط في الحديث، فبلغ
ذلك أحمد، فقطع الحديث إلى أن توفي» (1)، فيكون تركه للتحديث في هذه الفترة قد استمر قرابة خمسة أعوام.
وفي أول عهد المتوكل - بويع له بالخلافة في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين - كان الإمام يحدث، بل يرى أن حاجة الناس إلى العلم شديدة وملحة في زمن المحن والفتن.
قال ابن عمه حنبل بن إسحاق: «ثم ولي جعفر المتوكل، فلما ولي انكشف ذلك عن المسلمين، وأظهر الله السنة، وفرج عن الناس، فكان أبو عبد الله يحدثنا، وسمعته يقول: ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم في زماننا هذا» (2).
وقال أبو بكر المروذي: «سمعت يعقوب رسول الخليفة يقول لأبي عبد الله: يجيئك ابني بين المغرب والعشاء فتحدثه بحديث واحد أو حديثين، فقال: لا، لا يجيء. فلما خرج سمعته يقول: ترى لو بلغ أنفه طرف السماء حدثته! أنا أحدث حتى يوضع الحبل في عنقي!» (3).
وفي سياق آخر: أن أبا عبد الله لما أرسل إلى المتوكل في سامراء، قال له يعقوب - أحد حُجاب المتوكل -: «إن لي
(1) السير (11/ 265)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (428).
(2)
ذكر محنة الإمام أحمد ص (73)، وينظر: السير (11/ 265).
(3)
أخبار الشيوخ وأخلاقهم ص (139) رقم (218)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (451).
ابنًا أنا به معجب، وإن له في قلبي موقعًا، فأحب أن تحدثه بأحاديث، فسكت، فلما خرج قال: أتراه لا يرى ما أنا فيه؟!» (1).
ثم استقر الأمر بالإمام ألا يحدث إلا ولده وحنبل ابن عمه.
قال عبد الله: «سمعت أبي سنة سبع وثلاثين ومائتين يقول: قد استخرت الله أن لا أحدث حديثًا على تمامه أبدًا، ثم قال: إن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وإني أعاهد الله أن لا أحدث بحديث على تمامه أبدًا، ثم قال: ولا لك، وإن كنت تشتهي.
فقلت له بعد ذلك بأشهر: أليس يروى عن شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:«العهد يمين» (2)؟ قال: نعم سكت، فظننت أنه سيكفر، فلما كان بعد أيام قلت له في ذلك، فلم ينشط للكفارة، ثم لم أسمعه يحدث بحديثٍ على تمامه» (3).
(1) السير (11/ 276)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (451).
(2)
لم أقف عليه عن ابن عباس، وهو بهذا الإسناد ضعيف؛ لحال شريك القاضي ويزيد بن أبي زياد، وقد أخرجه عبد الرزاق (15981، 15982) عن طاووس والشعبي من قولهما.
(3)
السير (11/ 309)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (451 - 452).
وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله في العسكر، يقول لولده: قال الله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، أتدرون ما العقود؟ إنما هو العهود، وإني أعاهد الله عز وجل، ثم قال: والله، والله، والله، وعلي عهد الله وميثاقه ألا حدثت بحديث لقريب ولا لبعيد حديثًا تامًا حتى ألقى الله، ثم التفت إلى ولده وقال: وإن كان هذا يشتهي منه ما يشتهي، ثم بلغه عن رجل من الدولة وهو ابن أكثم أنه قال: قد أردت أن يأمره الخليفة أن يكفر عن يمينه، ويحدث، فسمعت أبا عبد الله يقول لرجل من قبل صاحب الكلام: لو ضربت ظهري بالسياط، ما حدثت (2).
ويستنتج من كل ما مضى في مسألة ترك التحديث ومراحله ومنهج الإمام فيه ما يلي:
أولاً: أن الإمام كان يرى عظيم أثر العلم والحديث والسنة لا سيما أيام المحن وظهور البدع وعلو شأنها.
(1) ذكر محنة الإمام أحمد ص (74)، وينظر: سيرة الإمام أحمد لابنه صالح ص (101).
(2)
ينظر: السير (11/ 310).
ثانيًا: أن أول ترك للتحديث منه رحمه الله كان من قبله ابتداءً، ولم يكن بمرسوم من السلطان، وذلك في سنة سبع وعشرين ومائتين - أي: في زمن المحنة وقبل انجلاء غمتها - ولم يستمر هذا الترك.
وأما قبل ذلك فلم يترك التحديث، بل إن تلك الفترة - بين سنة عشرين وسبع وعشرين - هي التي أسمع فيها ابنيه وابن عمه حنبل مسنده، فقد قيل: إن ذلك كان سنة خمس وعشرين ومائتين، وفي هذه الفترة أيضًا حدَّث عنه فيها الأئمة كمسلم وأبي داود وغيرهما؛ كما عُلم من تاريخ رحلاتهم ودخولهم إلى بغداد للسماع من شيوخها وعلى رأسهم الإمام رحمه الله.
ثالثًا: أنه ترك تحديث ابن رسول الخليفة ولم يكن ذلك بسبب أمر المحنة؛ بل للموقف الواضح من أبي عبد الله تجاه السلاطين وأعوانهم، وأيضًا لم يكن طلب رسول الخليفة لأبي عبد الله أن يحدث ابنه إلا لطلب الشرف بذلك والتزين به.
رابعًا: أن الإمام ترك التحديث لعامة الناس، واقتصر على تحديث ولده وابن عمه، وهو الذي استمر عليه حتى مات رحمه الله، وكان ذلك من سنة سبع وثلاثين، ويلحظ على هذه المرحلة أنه في آخرها لم يكن ينبسط للتحديث مطلقًا، بل أقسم على نفسه ألا يحدث حديثًا تام.
ترك التحديث عمن أجاب بعد المحنة وإبقاء ما حدَّث به عنه قبلها:
وهذا كان من الإمام أحمد - فيما وقفتُ عليه - في راوٍ واحدٍ وهو الإمام الحجة المتقن علي بن عبد الله بن المديني (ت 234 هـ).
فالإمام رحمه الله روى عنه قبل المحنة، فلما حصلت ترك الرواية عنه في أثنائها وبعدها، لكنه لم يضرب على حديثه جملةً كغيره لجلالته وعظيم منزلته في هذا الشأن؛ ولذا وجد لابن المديني في المسند أكثر من خمسة وستين حديثًا.
وقد ورد التصريح في ثلاثة مواضع من المسند على أن روايته عنه كانت قبل المحنة، وسيأتي مزيد بسط لذلك عند الكلام على موقف أحمد من ابن المديني تفصيلاً.
الضرب على حديث بعض الرواة وتركه مطلقًا.
وهذا الصنيع كان من الإمام مع جملة من الرواة، فيهم كبار أئمة وأساطين رواية؛ كابن معين، وعلي بن الجعد، وأبي نصر التمار، وغيرهم.
قال أبو الفضل صالح ابن الإمام: «وضرب أبي على حديث كل مَنْ أجاب» (1).
(1) سيرة الإمام أحمد لابنه صالح ص (74).
وقال سعيد بن عمر البرذعي: «سمعت الحافظ أبا زرعة الرازي يقول: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب» (1).
وقال أبو زرعة أيضًا: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن علي بن الجعد، ولا سعيد بن سليمان، ورأيته في كتابه مضروبًا عليهما» (2).
نهيه عن التحديث بما يُفْهَم منه تأييد البدعة:
ويظهر هذا الأثر حينما أنكر الإمام رحمه الله ما بلغه عن ابن المديني أنه حديث بحديث: «كلوه إلى عالمه» ، فقال فيه:«كلوه إلى خالقه» ، وهو مما أخطأ فيه الوليد بن مسلم، فحدث به ابن المديني على الخطأ في قصة بينه وبين ابن أبي دؤاد زعيم فتنة القول بخلق القرآن.
قال الخطيب البغدادي: «أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه، أخبرنا عيسى بن حامد القاضي، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الصيدلاني، حدثنا أبو بكر المروذي، قال: قلت
(1) السير (11/ 87)، وينظر: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص (473).
(2)
تاريخ بغداد (5/ 185)، وينظر: تهذيب الكمال (20/ 348)، وسير أعلام النبلاء (11/ 456).
لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إن علي بن المديني يحدث عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أنس، عن عمر:«كلوه إلى خالقه» ؟ فقال أبو عبد الله: كذب، حدثنا الوليد بن مسلم مرتين ما هو هكذا، إنما هو:«كلوه إلى عالمه» (1). قلت لأبي عبد الله: إن عباسًا العنبري قال لما حدث به بالعسكر: قلت لعلي ابن المديني: إنهم قد أنكروه عليك؟ فقال: حدثتكم به بالبصرة، وذكر أن الوليد أخطأ فيه، فغضب أبو عبد الله وقال: فنعم، قد علم - يعني: علي بن المديني - أن الوليد أخطأ فيه فلم أراد أن يحدثهم به؟ يعطيهم الخطأ؟ وكذبه أبو عبد الله» (2).
منعه لابنه أن يحدث عن المبتدعة عمومًا، وعمن أجاب في المحنة خصوصًا:
قال الخطيب: «أخبرنا البرقاني: سمعت أبا بكر أحمد بن جعفر بن سلم يقول: عبد الله بن أحمد بن حنبل لم يكن عنده عن رجل عن شعبة إلا عن يحيى بن عبدويه، عن شعبة، ولم يسمع من علي بن الجعد، منعه أبوه عنه إذ أجاب في الفتنة،
(1) أخرجه: سعيد بن منصور (1/ 181) ح (43)، وابن أبي شيبة (6/ 136)، وأحمد (11/ 353 - 354)، ح (6741) ح (2281). وينظر: علل الدارقطني (2/ 120).
(2)
تاريخ بغداد (11/ 469)، وينظر: سير أعلام النبلاء (11/ 54 - 55)، وتاريخ الإسلام (4/ 317).
وحثَّه أبوه على السماع من يحيى بن عبدويه وأثنى عليه» (1).
على أن هذا الامتناع من عبد الله كان مؤقتًا؛ لأن المتقرر أن عبد الله إنما سمع من أبيه وبقية شيوخه بعد المحنة كما قال الذهبي (3)؛ إذ كان في زمن المحنة صغيرًا، فقد ولد قبل ابتدائها بخمس سنين في سنة ثلاث عشرة ومائتين، وعبد الله بقي بعد أبيه قرابة الخمسين عامًا، وقد وجد في كتبه بما فيها زوائد المسند تحديثه عن جملة ممن أجاب في المحنة؛ كيحيى بن معين، وأبي معمر، وأبي كريب وغيرهم.
ولعل طول مدة بقاء عبد الله بعد المحنة وجلالة هؤلاء الأئمة وطلب العلو في الإسناد من الأسباب التي دعته إلى عدم ترك التحديث عنهم، وأنه ربما حمل نهي أبيه له على زمن المحنة وما قاربه، أو لعله ترخص في ذلك كغيره من الرواة، وأن موقف أبيه رحمه الله عزيمة يصعب تطبيقها، وإلا لفاته الكثير من الشيوخ والأحاديث والأسانيد العالية.
(1) تاريخ بغداد (14/ 166).
(2)
تعجيل المنفعة ص (1/ 258 - 259)، وينظر:(1/ 814)، (2/ 173)، (2/ 216).
(3)
السير (11/ 181).