الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فنجا بنفسه.
وقيل: بل ولّوا محمد بن يزيد عليهم بإفريقيّة بعد [222 ب] يزيد بن أبي مسلم، وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك: إنّا لم نخلع أيدينا من الطاعة، ولكنّ يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضاه الله عز وجل والمسلمون، فقتلناه، وأعدنا عاملك.
فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك: إنّي لم أرض ما صنع يزيد بن أبي مسلم- وأقرّ محمد بن يزيد على إفريقيّة.
3562 - أبو جعفر محمد بن يزيد الحربيّ العطّار [- 292]
(1)
بغداديّ كان قد نزل ببغداد بالحربيّة.
قدم مصر، وكتب عنه. روى عن أبي بلال الأشعريّ. روى عنه عليّ بن محمد المصريّ، وأبو عليّ الحسن بن حبيب.
توفّي بمصر في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
3563 - محمد بن يزيد البجّانيّ [230 - 317]
(2)
محمد بن [أبي خالد] يزيد، أبو عبد الله، البجّانيّ.
كان أبوه من سرقسطة مولى رجل من الأنصار من أهل بجّانة. وتحوّل محمد إلى إلبيرة وسمع من محمّد بن وضّاح وغيره. وقدم مصر فسمع من
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيره. وسمع بالقيروان من أصحاب سحنون.
ومولده في المحرّم سنة ثلاثين ومائتين. ووفاته في شعبان سنة سبع عشرة- وقيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين- وثلاثمائة بإلبيرة.
3564 - المبرّد [210 - 286]
(3)
[223 أ] محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسّان بن سليمان بن سعد بن يزيد بن مالك بن الحارث بن عامر بن عبد الله بن بلال بن عوف بن أسلم- وهو ثمالة، واسمه عوف بن أسلم، فخذ من الأزد- بن أحجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث، أبو العبّاس، الأزديّ، ثم الثماليّ، المعروف بالمبرّد، شيخ أهل النحو وحافظ علم العربيّة.
ولد يوم الاثنين ليلة الأضحى سنة عشر ومائتين وقيل: ولد سنة سبع ومائتين، وهو من أهل البصرة، وسكن بغداد.
أورد الحافظ عبد الكريم الحلبيّ في تاريخ مصر: قال الخطيب: روى ببغداد عن أبي عثمان المازنيّ، وأبي حاتم السجستانيّ وغيرهما من الأدباء، وكان عالما فاضلا موثوقا به في الرواية، حسن المحاضرة، مليح الأخبار، كثير النوادر.
حدّث عنه نفطويه النحويّ، ومحمد ابن أبي الأزهر، وإسماعيل بن محمّد الصفّار، وأبو بكر الصوليّ، وأبو عبد الله الحكيميّ، وأبو سهل بن زياد، وجماعة يتّسع ذكرهم.
وقال الزبيديّ: قال عبد الله بن الحسن بن سعد
(1) تاريخ بغداد 3/ 379 (1497) وفيه: توفّي سنة 272.
(2)
ابن الفرضيّ 2/ 38 (1197) وهو: ابن أبي خالد، دون يزيد. هذا وقد سبقت الترجمة في اسم محمد بن أبي خالد، وتكرّرت هنا مع إضافة يزيد، فألغينا الأولى، وهما متماثلتان.
(3)
طبقات الزبيدي 101 (36) والترجمة منقولة عنها برّمتها.
غاية النهاية 2/ 280 (3538). مختصر ابن منظور 32/ 345 (372).
ونقلنا هوامش ناشر الزبيديّ.
الكاتب وأبو بكر بن أبي الأزهر: كان أبو العبّاس محمد بن يزيد من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ وحسن الإشارة وفصاحة اللسان وبراعة البيان وملوكيّة المجالسة وكرم العشرة وبلاغة المكاتبة وحلاوة المخاطبة وجودة الخطّ وصحّة القريحة وقرب الإفهام ووضوح الشرح وعذوبة المنطق على ما ليس عليه أحد ممّن تقدّمه أو تأخّر عنه.
سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: لم ير المبرّد مثل نفسه ممّن كان قبله، ولا يرى بعده مثله.
وحدّثنى سهل بن أبي سهل البهزيّ وإبراهيم بن محمد المسمعيّ قالا: رأينا محمد بن يزيد، وهو حديث السنّ، متصدّرا في حلقة أبي عثمان المازنيّ يقرأ عليه كتاب سيبويه، وأبو عثمان في تلك الحلقة كأحد من فيها.
وحدّثني اليوسفيّ الكاتب (1) قال: كنت يوما عند أبي حاتم السّجستانيّ إذ أتاه شابّ من أهل نيسابور، فقال له: يا أبا حاتم، إنّي قدمت بلدكم، وهوبلد العلم والعلماء وأنت شيخ هذه المدينة، وقد أحببت أن أقرأ عليك كتاب سيبويه- فقال له:
الدين النصيحة، إن أردت أن تنتفع بما تقرأ فاقرأ على هذا الغلام، محمد بن يزيد، فتعجّبت من ذلك.
وكان سبب حمله من البصرة فيما حدّثني أحمد بن حرب صاحب الطّيلسان (2) قال: قرأ
المتوكّل على الله يوما، وبحضرته الفتح بن [223 ب] خاقان وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) [الأنعام: 109]، فقال له الفتح بن خاقان: يا سيّدي، أَنَّها إِذا جاءَتْ بالكسر. ووقعت المشاجرة، فتبايعا على عشرة آلاف دينار، وتحاكما إلى يزيد بن محمّد المهلّبيّ (3) - وكان صديقا للمبرّد- فلمّا وقف يزيد على ذلك خاف أن يسقط أحدهما، فقال: والله ما أعرف الفرق بينهما، وما رأيت أعجب من أن يكون باب أمير المؤمنين يخلو من عالم متقدّم.
فقال المتوكّل: فليس هاهنا من يسأل عن هذا؟
فقال: ما أعرف أحدا يتقدّم فتى بالبصرة يعرف بالمبرّد.
فقال: ينبغي أن يشخص.
فنفذ الكتاب إلى محمد بن القاسم بن محمد بن سليمان الهاشميّ بأن يشخصه مكرّما.
فحدّثني محمّد بن يزيد قال: وردت سرّ من رأى، فأدخلت على الفتح بن خاقان فقال لي: يا بصريّ، كيف تقرأ هذا الحرف: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بالكسر، أو أَنَّها إِذا جاءَتْ بالفتح؟ فقلت: أَنَّها بالكسر، هذا المختار، وذلك أنّ أوّل الآية: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109)، ثمّ قال تبارك وتعالى: يا محمد وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109)،
- فجعلها فوق الخمسين، فطارت كلّ مطار، وسارت كلّ سير. وانظر زهر الآداب 2/ 234.
(1)
هو أبو الطيّب محمّد بن عبد الله اليوسفيّ، من ولد أحمد بن يوسف الكاتب، كان كاتب المأمون: الفهرست 123.
(2)
هو أحمد بن حرب المهلّبيّ، أهدى للحمدوني الشاعر طيلسانا أخضر لم يرضه، قال أبو العبّاس المبرّد:
وأنشدنا فيه عشر مقطّعات، فاستحلينا مذهبه فيها، -
(3)
يزيد المهلّبي (ت 259): أبو خالد يزيد بن محمد بن المهلّب، شاعر بصريّ: الأعلام 9/ 242.
باستئناف (1) جواب الكلام المتقدّم.
قال: صدقت.
وركب إلى دار أمير المؤمنين، فعرّفه بقدومي، وطالبه بدفع ما تخاطرا عليه، وتبايعا فيه.
فأمر بإحضاري فحضرت، فلمّا وقعت عين المتوكّل عليّ قال: يا بصريّ، كيف تقرأ هذه الآية: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ بالكسر، أو أَنَّها إِذا جاءَتْ بالفتح؟
فقلت: يا أمير المؤمنين، أكثر الناس يقرأها بالفتح.
فضحك وضرب برجله اليسرى، وقال: أحضر يا فتح المال!
فقال: إنّه والله يا سيّدي قال لي خلاف ما قال لك.
فقال: دعني من هذا، أحضر المال!
وأخرجت فلم أصل إلى الموضع الذي كنت أنزلته، حتى أتتني رسل الفتح، فأتيته فقال لي: يا بصريّ، أوّل ما ابتدأنا به الكذب!
فقلت: ما كذبت، فقال: كيف وقد قلت لأمير المؤمنين إنّ الصواب: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ بالفتح؟
فقلت: أيّها الوزير، لم أقل هكذا وإنّما قلت:
أكثر الناس يقرؤها بالفتح، وأكثرهم على الخطإ، وإنّما تخلّصت من اللائمة، وهو أمير المؤمنين.
فقال لي: أحسنت.
قال أبو العبّاس: فما رأيت أكرم كرما، ولا أرطب بالخير لسانا من الفتح.
وقال أبو العبّاس: أحضرت مجلس المتوكّل يوما، وقد عمل فيه النبيذ، وبين يديه أبو عبادة
الوليد بن عبيد البحتري، وهو ينشد [224 أ] قصيدة يمدح فيها المتوكّل، وبالقرب من البحتريّ أبو العنبس الصّيمريّ، فأنشد البحتريّ قصيدته التي أوّلها [الكامل]:
عن أيّ ثغر تبتسم
…
وبأي طرف تحتكم
حسن يضنّ بحسنه
…
والحسن أشبه بالكرم
حتى بلغ إلى قوله:
قل للخليفة جعفر ال
…
متوكّل بن المعتصم
المرتضى ابن المجتبى
…
والمنعم ابن المنتقم
أمّا الرّعيّة فهي من
…
أمنات عدلك في حرم
نعم عليها في بقائ
…
ك فلتتمّ لها النّعم
يا باني المجد الذي
…
قد كان قوّض فانهدم
اسلم لدين محمّد
…
فإذا سلمت له سلم
نلنا الهدى بعد العمى
…
بك والغنى بعد العدم (2)
فلمّا انتهى رجع القهقري للانصراف، فوثب أبو العنبس الصّيمريّ فقال: يا سيّدي يا أمير المؤمنين، تأمر بردّه؟
فردّه، فقال أبو العنبس: قد عارضتك في قصيدتك! - وكنت بحضرة أمير المؤمنين- ثم اندفع ينشده شيئا، لولا أنّها جواب وبها تجب
(1) في إنباه الرواة: «باستيفاء» .
(2)
ديوان البحتريّ 3/ 1992 (766) وقد نقل ناشره حسن كامل الصيرفي روايات مختلفة للقصّة التي تليها، والتي جعلت البحتريّ المغبون يقول: ضاع العلم وهلك الأدب!
الفائدة لأمسكت عنها، قال:
في أيّ سلح ترتطم
…
وبأيّ كفّ تلتقم
أدخلت رأس البحتريّ
…
أبي عبادة في الرّحم
ووصل ذلك بما أشبهه، فضحك المتوكّل، وضرب برجله اليسرى وقال: ادفعوا إلى أبي العنبس عشرة آلاف درهم.
فقال الفتح: يا سيّدي، فالبحتريّ الذي هجي وأسمع المكروه، ينصرف خائبا؟
قال: وتدفع إليه عشرة آلاف درهم.
فقال له: يا سيّدي، فهذا البصريّ الذي أشخصناه من بلده، لا يشركهما فيما حصّلاه؟
قال: يدفع إليه أيضا عشرة آلاف درهم.
فانصرفنا في شفاعة الهزل، ولم ينفع البحتريّ جدّه، ولا اجتهاده، ولا تقدّمه.
[قال الزبيديّ]: ولم يكن أبو العبّاس محمد بن يزيد على رئاسته وتفرّده بمذهب أصحابه، وإربائه عليهم بفطنته وصحّة قريحته متخلّفا في قول الشعر، وكان لا ينتحل ذلك ولا يعتزي إليه، ولا يوسم نفسه به، وله أشعار كثيرة، منها قوله أبيات [ا] يمدح بها عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وكان سبب اتّصاله بالطاهريّة أنّه لمّا قتل الفتح بن خاقان كتب محمد بن عبد الله في إشخاصه، فلم يزل مقيما معه، وأرزاقه [224 ب] مسبّبة على أموال مصر، حسب ما كانت أرزاق الندامى تجرى عليه.
يدلّ على ذلك ما شاهدته [منه] يوما، وقد ورد عليه كتاب من طاهر بن الحارث، مع غلام له يقال له: نصر، في درجه كتاب التّسبيب بأرزاقه إلىمصر، فأجاب عن الكتاب أبياتا قالها على البديهة، وهي [الطويل]:
بنفسي أخ برّ شددت به أزري
…
فألفيته حرّا على العسر واليسر
أغيب فلي منه ثناء ومدحة
…
وأحضر منه أحسن القول والبشر
وما طاهر إلا جمال لصحبه
…
وناصر عافيه على كلب الدّهر
تفرّدت يا خير الورى فكفيتني
…
مطالبة شنعاء ضاق بها صدري
وأحسن من هذا الحديث ونشره
…
كتاب أتاني مدرجا بيدي نصر
سررت به لمّا أتى ورأيتني
…
غنيت وإن كان الكتاب إلى مصر
وقلت رعاك الله من ذي مودّة
…
فقد فتّ إحسانا وقصّر بي شكري
فهذا على البديهة.
وممّا كتب به إلى عبيد الله بن عبد الله، بعد أن استبطأه، وعاتبه، قوله [البسيط]:
يا موئلا لذوي الهمّات والخطر
…
ومن عمدت لحاجاتي من البشر
هل أنت راض بأن يضحي نزيلكم
…
والمستجيب لكم في حال مستتر
صفرا من المال إلّا من رجائكم
…
ولابسا بعد يسر حلّة العسر
قل للأمير عبيد الله دام له
…
عزّ الإمارة في طول من العمر
بدأت وعدا فعد فانظر لمنتظر
…
فإنّ حقّ تمام الورد للصّدر
وقد بدا عود شكري مورقا فأجد
…
سقياك أجنيك منه يانع الثّمر
فإنّما يسم الوسميّ مبتدئا
…
وللوليّ نبات الروض والزّهر
والسيف يجلى فإن لم تسق صفحته
نبا ولم يك كالمشحوذة البتر
…
وقد تقدّم إحسان إليّ لكم
لم أؤت فيه من الإغراق في الشّكر
…
وفي بقاء عبيد الله لي خلف
وفيض راحته المغني عن المطر
وقال أبو العبّاس محمّد بن يزيد في أبي العبّاس أحمد بن يحيى ثعلب [الرجز]:
أقسم بالمبتسم العذب
…
ومشتكى الصّبّ إلى الصّبّ
لو كتب النحو عن العرب
…
ما زاده إلّا عمى قلب
فلمّا سمعهما ثعلب تمثّل بقول الشاعر [السريع]:
أسمعني عبد بني مسمع
…
فصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري به
…
ومنّ يعضّ الكلب إن عضّا! [225 أ]
وأتاه رجل، فلمّا رآه أبو العبّاس قام إليه فاعتنقه، فأكبر الرجل قيامه إليه، فقال له: أتقوم إليّ يا أبا العبّاس!
فقال له أبو العبّاس المبرّد [الوافر]:
أينكر أن أقوم إذا بدا لي
…
لأكرمه وأعظمه هشام (1)
فلا تعجب لإسراعي إليه
…
فإنّ لمثله ذخر القيام
وقال [الطويل]:
لئن قمت ما في ذاك منّي غضاضة
…
عليّ ولكنّ الكريم مدلّل
على أنّها منّي لغيرك هجنة
ولكنّها بيني وبينك تجمل
وكان المبرّد من أبخل النّاس بكلّ شيء. وبلغه أنّ أبا عبيدة معمر بن المثنّى قال: لا يكون نحويّ شجاعا.
فقيل له: وكيف؟
فقال: أترونه يفرّق بين الساكن والمتحرّك، ولا يفرّق بين الموت والحياة؟
فقال المبرّد: وأنا أقول: لا يكون نحويّ جوادا.
فقيل له: وكيف ذلك؟
قال: أترونه يفرّق بين الهمزتين، ولا يفرّق بين سبب الغنى والفقر؟
يريد أنّ الإمساك سبب من أسباب الغنى، والعطاء سبب من أسباب الفقر.
وقال: ما وضعت بحذاء الدرهم شيئا قطّ إلّا رجح الدرهم في نفسي عليه- هذا مع سعة كان فيها ووجد.
قال: وكان ثعلب على مثل ما كان عليه المبرّد في الإمساك، وفوقه في السّعة، غير أنّ المبرّد كان يسأل سؤالا صراحا، وكان ثعلب يعرّض ولا يصرّح. قال أبو بكر التاريخيّ (2): ولولا أنّي أكره أن أكون عيّابا للعلماء خاصّة لأخبرتك عنهما من الأخبار التي تزيد على أخبار محمد بن الجهم البرمكيّ والكنديّ وخالد بن صفوان (3) والأصمعيّ
(1) في أمالي المرتضى 2/ 45 والقادم هو البحتريّ.
(2)
أبو بكر التاريخيّ هو محمد بن عبد الملك السرّاج الأديب الإخباريّ المحدّث: تاريخ بغداد 2/ 438 (850).
(3)
محمّد بن الجهم هو حسب تعليق المرحوم طه الحاجريّ ناشر كتاب البخلاء 472 (رقم 164) غير محمد بن الجهم السمريّ المقرئ.
والكندي كذلك هو غير يعقوب بن إسحاق فيلسوف العرب (تعليق 3) ص 252. أمّا خالد بن صفوان-
في الإمتاع، وهو من لم يأكل عنده أحد في عصرنا شيئا قطّ، ولا رآه أحد يأكل أو يشرب، ولقد كان- عفا الله عنه وعنّا- معه في المنزل من أقاربه سكّان، فسألناهم عن خبره في مأكله ومشربه، فذكروا أنّه كان إذا أراد الأكل دخل البيت، وأخذ الماء معه، وردّ الباب في وجهه، أو طرح السّتر فلا يعلم أحد منهم بشيء من أمره.
(قال): لمّا قتل المتوكّل بسرّمن رأى رحل المبرّد إلى بغداد، فقدم بلدا لا عهد له بأهله، فاختلّ، وأدركته الحاجة. فتوخّى شهود صلاة الجمعة، فلمّا قضيت الصّلاة أقبل على بعض من حضره، وسأله أن يفاتحه السؤال ليتسبّب له القول، فلم يكن عند من حضره علم. فلمّا رأى ذلك رفع صوته، وطفق يفسّر، يوهم بذلك أنّه قد سئل، فصارت حوله حلقة عظيمة، وهو يصل في ذلك كلامه. فتشوّف ثعلب إلى الحلقة، وكان [225 ب] كثيرا ما يرد الجامع قوم خراسانيّون من ذوي النظر، فيتكلّمون ويجتمع الناس حولهم، فإذا بصر بهم ثعلب أرسل من تلاميذه من يفاتشهم، فإذا انقطعوا عن الجواب انفضّ الناس عنهم، فلمّا نظر ثعلب إلى من حول أبي العبّاس أمر إبراهيم بن السّريّ الزجّاج وابن الحائك (1) بالنهوض، وقال لهما: فضّا الحلقة!
ونهض معهما من حضر من أصحابه، فلمّا صاروا بين يديه قال له إبراهيم بن السريّ: أتأذن لي، أعزّك الله، في المفاتشة؟
فقال المبرّد: سل عمّا أحببت.
فسأله عن مسألة فأجابه فيها بجواب أقنعه، فنظر الزّجّاج في وجوه أصحابه متعجّبا من تجويد المبرّد للجواب، فلمّا انقضى ذلك قال له أبو العبّاس: أقنعت بالجواب؟
فقال: نعم.
قال: فإن قال لك قائل في جوابنا هذا: كذا، ما أنت راجع إليه؟
وجعل أبو العبّاس المبرّد يوهن جواب المسألة ويفسده ويعتل فيه، فبقي الزجّاج سادرا لا يحير جوابا، ثم قال: إن رأى الشيخ- أعزّه الله- أن يقول في ذلك؟
فقال [أبو العبّاس]: فإنّ القول على نحو كذا.
فصحّح الجواب الأوّل، وأوهن ما كان أفسده به، فبقي الزجّاج مبهوتا، ثم قال في نفسه: قد يجوز أن يتقدّم له حفظ هذه المسألة واتّفاق القول فيها.
ثم سأل مسألة ثانية، ففعل المبرّد فيها بنحو فعله في المسألة الأولى، حتى والى بين أربع عشرة مسألة، يجيب عن كلّ واحدة منها بما يقنع، ثم يفسد الجواب، ثم يعود إلى تصحيح القول الأوّل.
فلمّا رأى ذلك الزجّاج قال لأصحابه: عودوا إلى الشيخ، فلست مفارقا هذا الرجل، ولا بدّ لي من ملازمته والأخذ عنه.
فعاتبه أصحابه وقالوا: تأخذ عن رجل مجهول لا تعرف اسمه، وتدع من قد شهر علمه، وانتشر في الآفاق ذكره؟
فقال لهم: لست أقول بالذكر والخمول، ولكنّي أقول بالعلم والنظر.
(قال): فلزم المبرّد، وسأله عن حاله، فأعلمه
- الأهتميّ المنقريّ فهو الخطيب الأديب المشهور، أعلام النبلاء 6/ 226 (109).
(1)
هو هارون بن الحائك الضرير، أحد أعيان ثعلب، انظر الزبيدي 151 (75). وقصّة الزجاج مع ثعلب والمبرّد رواها المقريزيّ في ترجمته رقم 143.
برغبته في النظر، وأنّه قد حبس نفسه على ذلك إلّا ما يشغله من صناعة الزجاج في كل خمسة أيّام من الشهر، فيتقوّت بذلك الشهر كلّه. ثم أجرى عليه في الشهر ثلاثين درهما. وأمره المبرّد باطّراح كتب الكوفيّين، ولم يزل ملازما له، وآخذا عنه، حتى برع من بين أصحابه، فكان المبرّد لا يقرئ أحدا كتاب سيبويه حتى يقرأه على الزجّاج ويصحّح [227 أ](1) به كتابه، فكان ذلك أوّل رئاسة الزجّاج.
[226 ب] وقال محمد بن درستويه: حدّثني الزجّاج قال: كنت أخرط الزجّاج، فاشتهيت النحو، فلزمت المبرّد لتعلّمه، وكان لا يعلّم مجّانا، ولا يعلّم بأجرة إلّا على قدرها، فقال لي:
أي شيء صناعتك؟
فقلت: أخرط الزجاج، وكسبي كلّ يوم درهم ودانقان، أو درهم ونصف. وأريد أن تبالغ في تعليمي وأعطيك في كلّ يوم درهما، وأشرط لك أنّي أعطيك إيّاه أبدا إلى أن يفرّق الموت بيننا، استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه.
فلزمته، وكنت أخدمه في أموره مع ذلك وأعطيه الدرهم، فمضى في التعليم حتّى استقللت. فجاءه كتاب بعض بني مازن من الصراة يلتمسون معلّما نحويّا لأولادهم، فقلت له:
«أسمني لهم! » فأسماني فرحت إليهم، فكنت أعلّمهم وأنفذ إليه في كلّ شهر ثلاثين درهما، وأتفقّده بعد ذلك بما أقدر عليه. ومضت على ذلك مدّة، فطلب منه عبيد الله بن سليمان مؤدّبا لابنه القاسم، فقال له: لا أعرف لك إلّا رجلا بالصّراة مع بني مازن.
فكتب إليهم عبيد الله واستنزلهم عنّي فنزلوا له، وأحضرني فأسلم القاسم إليّ. وكان ذلك سبب غنائي. وكنت أعطي المبرّد ذلك الدرهم في كلّ يوم إلى أن مات، ولا أخليه من النفقة معه بحسب طاقتي (2).
(قال): وقرأ المبرّد ثلث كتاب سيبويه على الجرميّ، وتوفّي الجرميّ، فابتدأ قراءته على المازنيّ (3).
وأنشد الحافظ أبو نصر الحسين بن عبد الواحد الشيرازيّ للمبرّد [الطويل]:
يقول أناس إنّ مصرا بعيدة
…
وما بعدت مصر، وفيها ابن طاهر
وأبعد من مصر رجال تعدّهم
…
بحضرتنا، معروفهم غير حاضر
عن الخير موتى ما تبالي أزرتهم
…
على طمع أم زرت أهل المقابر
وقال الخطيب عن أبي عبد الله المفجّع: كان المبرّد لعظم حفظه اللغة واتّساعه فيها يتّهم بالكذب، فتواضعنا على مسألة لا أصل لها نسأله فيها لننظر كيف يجيب، وكنّا قبل ذلك تمارينا في عروض بيت:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
فقال بعضنا: «هو من البحر الفلاني» ، فقطّعناه وتردّد على أفواهنا من تقطيعه. فقلت له: - أيّدك الله- ما القبعض عند العرب؟
فقال المبرّد: القطن، يصدّق ذلك قول الشاعر [الوافر]:
كأنّ سنامها حشي القبعضا
فقلت لأصحابي: هو ذا ترون الجواب!
(1) في اللوحة 226 ب ورقة طيّارة تحمل هذا القسم من ترجمة الزجّاج، وهي ملصقة أفقيّا على المخطوط.
(2)
تنتهي هنا الإضافة الطيّارة ويستأنف الكلام في 227 أ.
(3)
أبو عمر الجرمي (ت 225) وأبو عثمان المازني (ت 248).
والشاهد إن كان صحيحا فهو عجيب. وإن كان اختلق الجواب وعمل الشاهد في الحال فهو أعجب!
وقال أبو إسحاق الزجّاج: لمّا قدم المبرّد بغداد أتيته لأناظره وكنت أقرأ على أبي العبّاس ثعلب، وأميل إلى قولهم- يعني الكوفيّين- فعزمت على إعناته. فلمّا فاتحته بالحجّة طالبني بالعلّة وألزمني إلزامات لم أهتد إليها. فتبيّنت فضله واسترجحت عقله وجددت في ملازمته.
وممّا مدح به المبرّد قول [بعضهم- الوافر]:
رأيت محمد بن يزيد يسمو
…
إلى العلياء في جاه وقدر
جليس خلائف وغذيّ ملك
…
وأعلم من رأيت بكلّ أمر
وفتيانيّة الظرفاء فيه
…
وأبّهة الكبير بغير كبر
وينثر إن أحاط الفكر درّا
…
وينثر لؤلؤا من غير فكر
وقالوا ثعلب يعلي ويغني
…
وأين الثعلبان من الهزبر؟
وقال عبد الصمد بن المعذّل (1) يهجوه [الوافر]:
سألنا عن ثمالة كلّ حيّ
…
فقال القائلون: ومن ثمالة؟
فقلت: محمد بن يزيد منهم
…
فقالوا: زدتنا بهم جهالة
[227 ب] وقال عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر أيضا [الطويل]:
ويوم كحرّ الشوق في الصدر والحشا
…
على أنّه منه أحرّ وأرمد
ظللت به عند المبرّد شاويا
…
فما زلت في ألفاظه أتبرّد
وقال أبو العبّاس ثعلب (2) فيه لمّا مات [الكامل]:
ذهب المبرّد وانقضت أيّامه
…
وسينقضي بعد المبرّد ثعلب
بيت من الآداب أصبح نصفه
…
خربا، وباقي نصفه فسيخرب
وتوفّي المبرّد ببغداد يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجّة سنة ستّ وثمانين ومائتين. وصلّى عليه القاضي أبو محمد يوسف ابن يعقوب.
وقيل: مات في سنة خمس وثمانين، والأوّل أصحّ.
ومن مصنّفاته:
كتاب الكامل،
وكتاب الروضة،
وكتاب المقتضب،
وكتاب الاشتقاق،
وكتاب التعازي،
وكتاب الأنواء والأزمنة،
وكتاب القوافي،
وكتاب الخطّ والهجاء،
وكتاب المدخل إلى كتاب سيبويه،
وكتاب المقصور والممدود،
وكتاب المذكّر والمؤنّث،
وكتاب معاني القرآن، ويعرف بالكتاب التامّ،
وكتاب احتجاج القرّاء،
وكتاب شواهد كتاب سيبويه،
(1) توفّي هذا الشاعر الهجّاء العبّاسيّ في حدود 240، الوافي 18/ 454 (481).
(2)
في الوفيات 4/ 319: قالها ابن العلّاف.