المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مبحث أدوات التشبيه ‌ ‌مدخل … مبحث أداة التشبيه: الأداة لفظ يدل على معنى التشبيه - المنهاج الواضح للبلاغة - جـ ٥

[حامد عونى]

الفصل: ‌ ‌مبحث أدوات التشبيه ‌ ‌مدخل … مبحث أداة التشبيه: الأداة لفظ يدل على معنى التشبيه

‌مبحث أدوات التشبيه

‌مدخل

مبحث أداة التشبيه:

الأداة لفظ يدل على معنى التشبيه كالكاف1 قال تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} ونحو: "عزمة محمد كالسيف مضاء، وطبعه كالنسيم لطفا".

ومثل الكاف: كل ما يفيد معنى المماثلة -حرفا كان، أو اسما، أو فعلا كلفظ "كأن" حرفا، نحو قوله:{كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَة} و"كمثل وشبه" اسمين نحو قول الشاعر:

والوجه مثل الصبح مبيض

والفرع شبه الليل مسود

صنوان لما استجمعا حسنا

والضد يظهر حسنه الضد

وكالفعل الدال على معنى التشبيه -ماضيا كان أو مضارعا، كماثل يماثل، وشابه يشابه، وحاكى يحاكي- وكالوصف المشتق المفيد لهذا المعنى، كمماثل ومشابه، ومحاك. تقول: سعدي ما ثلت البدر إشراقا، وبشرتها تماثل الحرير نعومة، ومحمد حاكي السحاب فيضا، وهو يحاكي النجم علوا- وتقول: ليلى مماثلة البدر في بهائه، ومشاهبة الغصن في تثنيه، ومحاكية الحرير في ملاسته2- ومن أدوات التشبيه "سيان وسوءا"- تقول: خالد والأسد سيان، ووجهه والبدر سواء.

والأصل في الكاف: ونحوها من كل ما يدخل على المفرد كمثل، وشبه ونحو: أن يليها المشبه به كما مثلنا- وقد يليها غير المشبه به بشرطين:

1 هي الأصل في الدلالة على التشبيه.

2 قال بعضهم إن المتبادر أن هذه المشتقات تفيد الإخبار بمعناها، فقولك محمد يشابه عمرا أو مشابه عمرا أو محاكيه إخبار بالمشابهة كما تقول: محمد يقوم أو قائم وليس هناك أداة داخلة على المشبه به. فعدما من أدوات التشبيه لا يخلو عن مسامحة.

ص: 73

1-

أن يكون المشبه به هيئة منتزعة من أمور، لم يعبر عنه بمفرد دال عليها كلفظ "مثل" أو لفظ "حال"1.

2 أن يذكر بعد الكاف ونحوها بعض هذه الأمور التي انتزعت منها تلك الهيئة- مثال ذلك قول الله سبحانه: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} - فليس الغرض: تشبيه حال الدنيا "بالماء" حتى تكون الآية مما ولي فيه المشبه به كاف التشبيه. بل المراد. تشبيه حال الدنيا في نضارتها وغضارتها، وما يعقب ذلك من زوال متاعها، وامحاء ما أضفى عليها من بهجة وبهاء- بحال النبات يغذيه الماء فيخضر وينضر، ثم يورق ويزهر، ثم لا يلبث أن تنطفئ نضرته، وتذبل زهتره، ويتحول النبات النضر البيه إلى هشيم تذروه الرياح كأن لم تكن- ووجه الشبه: مجموع الهيئة الحاصلة من حسن، وبهجة وبهاء، يتلوها تلف، واضمحلال، وفناء -فأنت ترى أن المشبه به لم يل الكاف كما هو الأصل فيها، إذا لا يتأتى فيه ذلك، لأن المعتبر فيه الهيئة الحاصلة من مجموع اكلام المذكور بعد الكاف، دون أن يعبر عنها بمفرد داله عليها- لكن وليها شيء له تعلق بهذه الهيئة، وهو "الماء" إذ هو أحد أجزائها كما هو الشرط.

والأصل في "كأن" الدالة على التشبيه: أن يليها المشبه -عكس الكاف وأخوانها- يقول الله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} فضمير النسوة هو المشبه، وما بعده هو المشبه به، ويقول الشاعر:

وكأن الهلال نون لجين

رسمت في صحيفة زرقاء

ومثل كأن في هذا الحكم كل ماله معمولان من الأفعال، أو الأسماء المشقة المفيدة لمعنى المماثلة.

وتقول: "مائل، أو يمائل خالدا أسدا، وحاكى، أو يحاكي شوقي

1 كما في قوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} الآية فقد دخلت الكاف على المشبه به وهو لفظ "مثل" الدال على المشبه به المذكور.

ص: 74

أبا الطيب وشابه أو يشابه محمد حاتما -فالذي ولي الأفعال في هذه المثل هو المشبه.

وتقول خالد مائل، أو يمائل الأسد، وشوقي حاكي، أو يحاكي أبا الطيب، ومحمد شابه أو يشابه حاتما- وتقول خالد مماثل الأسد، وشوقي محاك أبا الطيب وعلى مشابه حاتما- فالضمائر المستكنة في هذه الأفعال، أو الصفات هي المشبهات، وقد وليتها لأنها فواعل، والفاعل مرتبته التقدم على المفعول- وقد يجري الكلام على خلاف الأصل لقيام قرينة نحو: شابه أسدا على" فيقدم المشبه به لفظا لا معنى.

تنبيهان:

الأول: ما تقدم من كون "كأن" أداة دالة على التشبيه هو الأكثر استعمالا، وقد تستعمل "كأن" عند الظن بثبوت الخبر، من غير قصد إلى التشبيه- سواء كان جامدا، أو مشقا، نحو كأن محمدًا أخوك، وكأنه شجاع.

الثان: قال بعض البيانيين: قد يقوم مقام الأداء في الدلالة على التشبيه فعل غير ما تقدم من الأفعال المشتقة من الممائلة والمشابهة، كما تقول:"أقدم القائد، فوجدته أسدا، وسمعت واعظا، فحسبته سحبان وائل"- غير أن الفعل في المثال الأول يستعمل، حيث يدعى، كمال المماثلة بين الطرفين لأن "وجد" من أفعال اليقين: وأن الفعل في المثال الثاني يستعمل، حين يدعى: ضعف المشابهة بين الطرفين لأن "حسب" ليس فيها أكثر من الإدراك على وجه الظن والرجحان، دون التحقق والتيقن.

ولكن الحق: أن لا دلالة الفعل بنوعيه على التشبيه: بل إن الدال عليه هو عدم صحة الحمل، فنحن نجزم: أن "الأسد" مثلا لا يصح حمله على القائد لتباين الحقيقتين، وأن المعنى لا يستقيم إلا على تقدير أداة التشبيه -سواء

ص: 75