الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإذا المنية أنشبت أظفارها
…
ألفيت كل تميمة لا تنفع1
يقول: إذا حان الأجل عجزت عنده الحيل، إذ لا مرد لقضاء الله، شبه الشاعر في نفسه المنية بالسبع في "الاغتيال" ثم تناسى التشبيه -على ما سبق- ثم أثبت لازم المشبه به للمشبه -ويقال- على رأي القوم بعد إجراء التشبيه: ثم استعير لفظ المشبه به، ثم حذف ورمز له بشيء من لوازمه، وأثبت للمشبه، والشاهد فيه: أن "الاغتيال" الذي هو وجه الشبه، يمكن حصوله بغير "الأظفار""كالأنياب" مثلا غير أنه بالأظفار يكمل ويتم، والثاني كما في قول الشاعر السابق:
ولئن نطقت بشكر برك مفصحا
…
فلسان حالي بالشكاية أنطق
يقول: إن نطقت بشكرك ليد لك علي، فإنني لأنطق بالشكاية منك؛ لأن ضرك أكثر من نفعك، والشاهد: أن وجه الشبه بين الحال، والإنسان المتكلم هو "الدلالة الواضحة"، وهي لا تتحقق بدون اللسان.
1 "التميمة" خرزة تجعل معاذة وتعلق بأعناق الصبيان صونا لهم عن العين أو الجن في زعمهم.
فصل في شرائط حسن الاستعارة:
لا تقع الاستعارة موقعها من الحسن والقبول، إلا إذا توفرت الأمور الآتية بعد:
1-
رعاية جهات حسن التشبيه، أي: مراعاة أسباب حسنه؛ لأنها مبنية عليه فهي تابعة له في الحسن والقبح، فإن حسن حسنت، وإن قبح قبحت.
فمن جهات حسن التشبيه: أن يكون التشبيه وافيا بالغرض منه، فإن كان الغرض مثلا: تزيين المشبه كوجه أسود، فشبه بمقلة الظبي ذات السواد الجميل، ثم
استعير له لفظها حسنت الاستعارة لوفاء التشبيه بالغرض فإذا شبه الوجه الأسود بالفحم لإفادة معنى التزيين، ثم استعير له لفظه لم تحسن الاستعارة لعدم حسن التشبيه، إذ لم يف بالغرض المقصود.
ومن جهات حسن التشبيه: أن يكون وجه الشبه غير مبتذل: بأن يكون غريبا لطيفا، إما لكثرة ما فيه من التفصيل، أو لكونه نادر الحضور في الذهن لعزة وجوده، كما في تشبيه الشمس بمرآة في كف الأشل، أو تشبيه فحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب- فإذا استعير لفظ المشبه به للمشبه في المثالين حسنت الاستعارة فيهما، لحسن التشبيه، لما فيه من الدقة بكثرة الاعتبارات في الأول، ولندور حضور صورة المشبه به في الذهن في الثاني، أما استعارة لفظ "الشمس"، للإنسان ذي الوجه المشرق، أو استعارة الورد للخد ذي اللون الأحمر، فليست بذات حسن، لفوات الحسن في التشبيه، بسبب ابتذاله، لوضوح الوجه فيه.
ويستثنى من جهات حسن التشبيه شيء واحد، تحسن فيه الاستعارة، وإن لم يحسن التشبيه، وهو أن يقوى الشبه بين الطرفين جدا، حتى إنه ليخيل لك أنهما متحدان، كالشبه بين العلم والنور، أو بين الشبهة والظلمة، ففي هذين المثالين تحسن الاستعارة فتقول:"في قلبي نور" أي: علم، ولا يحسن التشبيه، فلا تقول:"في قلبي علم كالنور"، وتقول:"في قلبي ظلمة" أي: شبهة، ولا يحسن أن تقول: في قلبي شبهة كالظلمة.
وإنما قبح التشبيه فيما ذكرنا لقوة الشبه بين الطرفين، حتى كأنهما شيء واحد، فإجراء التشبيه بينهما بمثابة تشبيه الشيء بنفسه، وحسنت فيه الاستعارة لاختفاء شبح التشبيه لفظا.
2-
أن يزداد بعدها عن الحقيقة بالترشيح، ولذلك كانت الاستعارة المرشحة أكثر قبولا، وألذ طعما في ذوق البلغاء من أختيها: المجردة، والمطلقة.
3-
ألا يشتم فيها رائحة التشبيه لفظا1. بألا يذكر في الكلام لفظ يدل على المشبه كما تقول: "زارنا قمر في منزلنا" فليس في العبارة لفظ صريح يفصح عن المشبه، بخلاف قول الشاعر السابق:
لا تعجبوا من بلى غلالته
…
قد زر أزراره على القمر
فإن استعارة "القمر" للإنسان الجميل قليلة الحسن، كما يقولون2 لما فيها من إشمام رائحة التشبيه، بسبب ذكر لفظ دال على المشبه، وهو الضمير في "غلالته"، أو في "أزراره"، وهذا يتنافى مع ما ترمي إليه الاستعارة من تناسي التشبيه، ودعوى اتحاد الطرفين.
ومما ينبغي أن يعلم هنا: أن المراد بإشمام التشبيه المشروط نفيه في حسن الاستعارة: ما لا يخرج به الكلام عن نطاق الاستعارة، كما في البيت المذكور ونحوه: مما يذكر فيه المشبه على وجه لا ينبئ عن التشبيه، بخلاف ما لو ذكر فيه المشبه على وجه ينبئ عن التشبيه نحو:"خالد أسد" من كل ما لا يصح فيه الحمل إلا على تقدير التشبيه، أو صرح فيه بوجه الشبه، أو الأداة، فإن مثل هذا الإشمام مبطل للاستعارة، فنفيه شرط لصحتها، لا لحسنها.
4-
ألا يكون وجه الشبه خفيا جدا، بحيث لا يدرك بغير تأمل. وإذن فلا يحسن استعارة لفظ "أسد" للرجل الأبخر، وهو ذو الفم المنتن، لخفاء وجه الشبه، إذ إن انتقال الذهن من معنى "الأسد" إلى الرجل: إنما يكون باعتبار المعنى المشهور في الأسد، وهو الجرأة، لا البخر، فاستعار لفظ "الأسد" للأبخر، حينئذ يعد إلغازا وتعمية في المراد، ذلك: أن من شروط حسن الاستعارة- كما عرفت-
1 إنما شرطوا ذلك في اللفظ؛ لأن التشبيه معنى لا بد منه في كل استعارة بواسطة القرينة؛ لأن الاستعارة لفظ أطلق على المشبه بمعونة القرينة، فلا يمكن نفي إشمام التشبيه لفظا ومعنى؛ لأن المعنى على التشبيه قطعا.
2 في نفسي مما يقولون شيء، فإني لأشعر بروعة هذه الاستعارة تملأ جوانب نفسي كلما قرأت هذا البيت أو سمعته.