الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجلد الخامس
علم البيان
مدخل
…
علم البيان:
البيان -لغة- الكشف والإيضاح، وهو أيضا: المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير -يقال: فلان أبين من فلان، أي أفصح وأوضح كلاما.
وهو في الاصطلاح: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.
ومعنى: إيراد المعنى الواحد بالطرق المختلفة في الوضوح: أن يعبر عنه بجعلة تراكيب، بعضها أوضح دلالة عليه من بعض -سواء أكانت هذه التراكيب من قبيل التشبيه، أم المجاز، أم الكتابة.
فالمعنى الواحد، كالجود" مثلا يمكن أن يؤدي بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.
فتارة: من طريق التشبيه، فتقول:"محمد كالبحر في الامداد": وتقول: "محمد كالبحر" وتقول "محمد بحر" فهذه تراكيب ثلاثة دالة على معنى "الجود" وبعضها أوضح في الدلالة عليه من بعض، فأوضحها ما صرح فيه بوجه الشبه والأداة جميعا كما في المثال الأول، ويليه وضوحا ما صرح فيه بأحدهما كما في المثال الثاني، وأقلها وضوحا ما لم يصرح فيه بواحد منهما كما في المثال الأخير.
وتارة: من طريق المجاز، فتقول:"رأيت بحرا في منزلنا" تريد محمدا مثلا، فتشبيه بالبحر في الامداد، ثم تستعير له لفظ "البحر" كما ستعرفه بعد في الاستعارة التحقيقية، وتقول:"لجة محمد تتلاطم بالأمواج" فاللجة والتلاطم بالأمواج من أوصاف البحر، مما يدل على تشبيه محمد به -وتقول: عمر محمد بفضله الأنام، فالغمر من أوصاف البحر، مما يدل أيضا على أن محمدا مشبه بالحبر، والمثالان
الأخيران من قبيل الاستعارة المكنية -على ما سيأتي- وأوضح هذه الطرق الأول، ويليه وضوحا الثاني، وأقلها وضوحا الثالث1.
وتارة أخرى: من طريق الكناية، فتقول "محمد كثير الرماد"، و"هو مهزول الفصيل"، "وهو جبان الكلب" فهذه تراكيب ثلاثة دالة على معنى "الجود" لأن كثرة الرماد، من كثرة إحراق الحطب للطبخ، من أجل الضيفان، وهزال الفصيل يكون بإعطاء لبن أمه للأضياف، أو بنحرها لهم -وجبن الكلب يكون لكثرة الواردين عليه من الضيوف، وأوضح هذه الطرق الأول، ويليه الثاني، ثم الثالث كما سنذكره بعد.
تنبيه: اعلم أن في التعريف تقييدين -تقييد المعنى "بالواحد" وتقييد الاختلاف "بوضوح الدلالة".
أما التقييد الأول: فالغرض منه: الاحتراز عن المعاني المتعددة المؤداة بطرق متفاوتة في وضوح الدلالة عليها: بأن يكون تركيب في معناه أوضح دلالة من تركيب آخر في معناه، كأن تعبر عن "الجود" بقولك:"محمد كالسحاب في الفيض" ثم تعبر عن معنى "الشجاعة فيه" بقولك: "مر بي أسد فحياني"، فمن الواضح: أن التركيب الأول في معناه أوضح دلالة من الثاني في معناه- ومثل هذا ليس من علم البيان في شيء، لأن المعنى في العبارتين مختلف -والشرط أن يكون المعنى فيهما واحدا- كما عرفت.
وأما التقييد الثاني: فالقصد منه الاحتراز عن الاختلاف في مجرد اللفظ لا في وضوح الدلالة- كما إذا أوردت معنى واحدًا في تركيبين مترادفين، وأنت عالم
1 أما أوضحية الأول فلظهور التجوز فيه بسبب التصريح باسم المشبه به، وأما الثاني والثالث فلخفاء التجوز فيهما لعدم التصريح باسم الشبه به -غير أن الثاني أوضح دلالة من الثالث لاشتماله على وصفين للمشبه به واشتمال الثالث على وصف واحد.
بمدلولات الألفاظ فيهما. كأن تقول مثلا: "نشر فم محمد كنفح الطيب" ثم تقول: "ريح ثغر محمد كأريح العطر، فمثل هذا أيضا ليس من مباحث علم البيان، لأن التركيبين متماثلان في وضوح الدلالة على المعنى، والاختلاف فيهما إنما هو في اللفظ والعبارة فقط -والشرط أن يكون الاختلاف في وضوح الدلالة على المعنى كما سبق.
الدلالة العقلية:
هي أن يدل اللفظ على جزء المعنى الموضوع له، أو على لازم معناه فالأول كدلالة لفظ "إنسان" على الحيوان، أو على الناطق، وتسمى هذه الدلالة:"تضمنية" لأن الحيوان أو الناطق جزء معنى الإنسان، وداخل في ضمنه والثاني كدلالة لفظ "إنسان على الضاحك، وكدلالة لفظ "أسد" على الجرى، ودلالة لفظ "حاتم" على الجود -وتسمى هذه الدلالة: "التزامية" لأن الضحك ليس معنى الإنسان، ولا جزء معناه، وإنما هو أمر خارج عن معناه لازم له، وكذلك الجرأة للأسد، والجود لحاتم، فكلاهما لازم للمعنى الموضوع له.
غير أن البيانيين اصطلحوا على تسمية كل من التضمنية والالتزامية "عقلية" لأن دلالة اللفظ على جزء معناه، أو على لازم هذا المعنى متوقفة على أمر عقلي هو أن وجود الكل، أو الملزوم يقتضي عقلا وجود الجزء أو اللازم.
هذا: والدلالة العقلية بنوعيها هي المقصود بالبحث في هذا لافن إذ هي التي يتأتى بها الاختلاف في الوضوح الذي هو موضوع هذا الفن.
ثم إن الغرض من معرفة هذا الإيراد: أن يحترز المتكلم عن الخطأ في تأدية الكلام، بحيث لا يورد من الكلام ما يدل على مقصوده دلالة خفية، عند اقتضاء المقام دلالة واضحة كأن يكون المخاطب غبيا، أو دلالة واضحة، عند اقتضاء المقام دلالة خفيةن كالخطاب مع الذكي.