الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس: في السعي
قوله: إذا فرغ من الطواف وركعتيه فينبغي أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ليكون آخر عهده بالبيت كما افتتح طوافه به. انتهى.
وما ذكره من الاقتصار على الاستلام ذكر مثله في بقية كتبه، وكذلك أيضًا النووي وابن الرفعة، وهو الذي رواه مسلم من حديث جابر (1) أيضًا، وذلك كله يقتضي أنه لا يستحب تقبيله ولا السجود عليه. فإن كان الأمر كذلك فلعل سببه المبادرة إلى السعي.
قوله: ثم يخرج من باب الصفا للسعي ويبدأ بالصفا لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به وقال: "ابدؤا بما بدأ الله به"(2). انتهى.
واعلم أن هذه اللفظة -أعني: ابدؤا رواها مسلم في صحيحه على أنها مضارع للمتكلم، ورواها النسائي بلفظ الأمر؛ فإسناد هذه الرواية صحيح على شرط مسلم، إلا أن فابدؤا بزيادة فاء العطف في أوله.
واعلم أن من جملة أدلة السعي ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا أيها الناس: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى"(3).
وقد اختلف كلام النووي في "شرح المهذب" في هذا الحديث فقال في
(1) تقدم.
(2)
تقدم من حديث جابر.
(3)
أخرجه أحمد (27407) وابن خزيمة (2764) والحاكم (6943) والشافعي في "المسند"(1722) والدارقطني (2/ 255) والطبراني في "الكبير"(24/ 225) حديث (572) والبيهقي في "الكبرى"(9149) وأبو نعيم في "الحلية"(9/ 159) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(3296) من حديث حبيبة بنت أبى تجزئة.
قال الذهبى: لم يصح.
وصححه الحاكم وابن خزيمة والألباني، وهو كما قالوا.
أول الكلام على السعي: رواه الشافعي وأحمد والدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف، وقال في آخره: رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن.
قلت: وحسنه أيضًا الشيخ زكي الدين في الكلام على أحاديث "المهذب"، إلا أن الحديث المذكور روي بإسنادين فاعلمه.
قوله: ويرقى على الصفا بقدر قامة رجل حتى يتراءى له البيت.
انتهى كلامه. تابعه في "الروضة" و"شرح المهذب" على إطلاق استحباب الرقي على الصفا.
وليس على إطلاقه بل هذا مخصوص بالرجل، أما المرأة فإنها لا ترقى كما هو مذكور في "التنبيه" وأقره عليه النووي في تصحيحه، ومعناه واضح، ولم يذكره في "المهذب" ولا في شرحه. والعجب من تركهما هذه المسألة.
ولا شك أن الخنثى كذلك.
ولو فصل فيهما بين أن يكون في خلفه محارم وبين أن لا يكون كما قد قيل به في الجهر في الصلاة لم يبعد.
قوله: نعم لا يجوز أن يتخلل بين الطواف والسعي ركن؛ بأن يطوف للقدوم ثم يقف بعرفة، بل عليه إعادة السعي بعد طواف الإفاضة. انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وهو يقتضي أمرين:
أحدهما: أن تخلل الواجب لا يقدح وذلك بأن يطوف للإفاضة ثم يرجع إلى منى ويرمي ثم يعود فيسعى، وما اقتضاه كلامه صحيح حتى لا تجب عليه إعادة شئ مما فعل.
الثاني: أن تخلل الحلق لا يضر لأنه ركن على المشهور.
والقول بما دل عليه كلامه يقتضي إما عدم الاعتداد بالحلق وإما وجوب إعادة الطواف وكلاهما بعيد.
والمتجه أن التخلل في المسألة المذكورة لا يضر، وأن هذه المسألة إنما هي مفروضة في طواف القدوم خاصة وإن كان اللفظ مطلقًا؛ ولهذا عبر في المنهاج بقوله: وأن يسعى بعد طواف ركن أو قدوم بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة. هذه عبارته فمنع الفصل بالوقوف خاصة، إلا أنه مخالف لما في "المحرر"؛ فإن الذي فيه مثل ما في "الشرح" و"الروضة"، على أن الغزالي في "الوسيط" حكى ترددًا في الفصل بالوقوف أيضًا. والتردد المذكور وجهان رأيتهما في "شرح التلخيص" للشيخ أبي على السنجي فاعلمه.
قوله: ولا يشترط وقوعه بعد طواف الركن بل لو سعى عقب طواف القدوم أجزأه.
ولا يستحب أن يعيده بعد طواف الإفاضة لأن السعي ليس بقربة في نفسه كالوقوف، بخلاف الطواف فإنه عبادة في نفسه يتقرب بها وحدها.
وعن الشيخ أبي محمد أنه يكره إعادته فضلًا عن عدم الاستحباب. انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، ومقتضاه أن الصحيح أنه خلاف الأولى، وقد اختلف فيه كلامه في "شرح المهذب" فجزم في الكلام على الإفاضة من منى إلى مكة بأنه يكره، ونقله عن الأصحاب وقال قبل ذلك في الكلام على السعي ما نصه: قال الشافعي والأصحاب: إذا أتى بالسعي بعد طواف القدوم وقع ركنًا ولا يعاد بعد طواف الإفاضة، فإن أعاده كان خلاف الأولى.
وقال الشيخ أبو محمد والإمام وغيرهما: تكره إعادته لأنه بدعة.
هذا كلامه، وليس في "المحرر" ولا في "المنهاج" تصريح بشئ بل فيهما أنه لا يعيده.
قوله: غير أنه لا يتصور وقوع السعي بعد طواف الوداع فإن طواف الوداع هو الواقع بعد فراغ المناسك، فإذا بقي السعي عليه لم يكن المأتي به طواف الوداع. انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة"، وفيه أمور:
أحدها: أن ما قالاه من عدم تصوره وذلك لأن طواف الوداع يؤمر به من أراد الخروج من مكة حلالًا كان أو محرمًا، لكن هل من شرطه أن يخرج إلى مسافة القصر أم لا؟
فيه خلاف مذكور في موضعه؛ وحينئذ فنقول: يتصور ذلك بما إذا أحرم بالحج من مكة ثم أراد الخروج، قيل: فيطوف هذا المحرم للوداع ويخرج لحاجته ثم يعود ويسعى بعد عوده؛ إذ الموالاة بين السعي والطواف غير شرط عندنا.
وهذا التصوير واضح جلي، وقد ذكره صاحب "البيان" والشيخ أبو نصر البندنيجى، وزاد على ذلك فجزما بالصحة وقالا إنه مذهب الشافعي ونقله النووي في "شرح المهذب" عنهما وسلم التصوير، لكنه نازع في الصحة فقال: ولم أر لغيرهما ما يوافقه.
قال: وظاهر كلام الأصحاب أنه لا يجوز إلا بعد القدوم والإفاضة.
وهذا التوقف منه في الصحة مع هذا النقل الصريح مردود. وما ذكر الأصحاب لطواف القدوم والإفاضة دون غيرها فلأن ذلك هو الغالب، وقد ذكر -أعني: النووي- في "شرح المهذب" كلامًا تدخل فيه هذه الصورة فإنه قال الكلام على دخول البيت ما نصه: ويشترط كون السعي بعد
الطواف صحيح. هذا لفظه.
وذكر ابن عبدان في شرائط الأحكام مثله.
فإن كان بعد الطواف ما أجزأه عن الفرض وإن لم يكن عقب طواف ما لم يجزئه هذه عبارته.
وتدخل في هاتين العبارتين صورة أخرى؛ وهي ما إذا أحرم المكي بالحج كما فرضنا ثم ينتقل بالطواف وأراد السعي بعده.
وقد صرح الطبري شارح "التنبيه" بالمسألة وجزم بالإجزاء.
قال وروى أن ابن عمر وابن الزبير فعلاه، إلا أن فيها نظرًا، وكلام الرافعي في المسألة المتقدمة يقتضي المنع.
الأمر الثاني: أن الرافعي لما حكم في الصورة التي ذكرها بأن الطواف الذي أتى به على أنه للوداع لا يقع عنه لم يتعرض لصحة السعي بل كلامه يوهم عدم الاعتداد به. وليس كذلك بل هو صحيح؛ فتفطن له. وذلك لأنه لا يخلو إما أن يكون قد طاف للإفاضة أم لا؛ فإن طاف صح هذا السعي لتقدم طواف الإفاضة عليه وتراخيه عنه لا يقدح وإن لم يطف وقع هذا الطواف عنه كما صرح به الرافعي وغيره، ويلزم منه الصحة بطريق الأولى.
الأمر الثالث: أن منع الرافعي طواف الوداع عند بقاء شئ من المناسك كيف يستقيم، لأن السعي والحلق لا آخر لوقتهما، ويجوز للحاج أن يخرج من مكة قبل أن يفعلهما؛ وحينئذ فهو محتاج إلى طواف الوداع.
فإذا قال: أنا أخرج وأحلق في بلدى؛ فإن صححنا طواف الوداع بطل ما قاله، وإن لم نصححه لزم لخروج بلا وداع أو وجوب الحلق والسعي قبل الخروج.